قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الخمسون) في معرفة الاستقراء و صحته من سقمه‏

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
للاستقراء حد في المعاني‏ يلازمه القوي من الرجال‏
له حكم و لا يعطيك علمافصورته كمنزلة الظلال‏
مزاحمة الدليل بقوم فيهاو أين العين من شخص المثال
منازلة الظنون و إن منهالمعطيك النزول إلى سفال‏
فلا تحكم بالاستقراء قطعافما عين الغزالة كالغزال‏
و إن ظهرت بالاستقراء علومفما حكم التضمر كالهزال‏

خرج مسلم في صحيحه أن الله يقول شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين‏ فسمى نفسه عز و جل أرحم الراحمين و قال إنه خَيْرُ الْغافِرِينَ و قال في الصحيح أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فإذا استقرينا الوجود إن الكرام الأصول لا يصدر منهم إلا مكارم الأخلاق من الإحسان للمحسن و التجاوز عن المسي‏ء و العفو عن الزلة و إقالة العثرة و قبول المعذرة و الصفح عن الجاني و أمثال هذا مما هو من مكارم الأخلاق و استقرينا ذلك فوجدنا لا يخطئ بقول شاعر العرب في ذلك‏ أن الجياد على أعراقها تجري‏

و الحق أولى بصفة مكارم الأخلاق من المخلوقين فهنا تكون صحة الاستقراء في الإلهيات‏ و أما سقم الاستقراء فلا يصح في العقائد فإن مبناها على الأدلة الواضحة فإنه لو استقرينا كل من ظهرت منه صنعة وجدناه جسما و نقول إن العالم صنعة الحق و فعله و قد تتبعنا الصناع فما وجدنا صانعا إلا ذا جسم فالحق جسم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و تتبعنا الأدلة في المحدثات فما وجدنا عالما لنفسه و إنما الدليل يعطي أن لا يكون عالم إلا بصفة زائدة على ذاته تسمى علما و حكمها فيمن قامت به أن يكون عالما و قد علمنا إن الحق عالم فلا بد أن يكون له علم و يكون ذلك العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به كلا بل هو الله العالم الحي القادر القاهر الخبير كل ذلك لنفسه لا بأمر زائد على ذاته إذ لو كان ذلك بأمر زائد على نفسه و هي صفات كمال لا يكون كمال الذات إلا بها فيكون كماله بزائد على ذاته و تتصف ذاته بالنقص إذا لم يقم به هذا الزائد فهذا من الاستقراء و هذا الذي دعا المتكلمين أن يقولوا في صفات الحق لا هي هو و لا هي غيره و فيما ذكرناه ضرب من الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي ثم إنه لما استشعر القائلون بالزائد سلكوا في العبارة عن ذلك مسلكا آخر فقالوا ما عقلناه بالاستقراء و إنما قلنا أعطى الدليل أنه لا يكون عالم إلا من قام به العلم و لا بد أن يكون أمرا زائدا على ذات العالم لأنه من صفات المعاني يقدر رفعه مع بقاء الذات فلما أعطى الدليل ذلك طردناه شاهدا و غائبا يعني في الحق و الخلق و هذا هرب منهم و عدول عن عين‏ الصواب ثم إنهم أكدوا ذلك بقولهم ما ذكرناه عنهم إن صفاته لا هي هو و لا هي غيره و حدوا الغيرين بحد يمنعه غيرهم و إذا سألتهم هل هي أمر زائد اعترفوا بأنها أمر زائد و هذا هو عين الاستقراء فلهذا قلنا إن الاستقراء في العلم بالله لا يصح و إن الاستقراء على الحقيقة لا يفيد علما و إنما أثبتناه في مكارم الأخلاق شرعا و عرفا لا عقلا فإن العقل يدل عليه سبحانه إنه فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يقاس بالمخلوق و لا يقاس المخلوق عليه و إنما الأدلة الشرعية أتت بأمور تقرر عندنا منها إنه يعامل عباده بالإحسان و على قدر ظنهم به قال تعالى وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ في الطرفين للوازم قررها الشارع قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في شأن النائم عن الصلاة إذا استيقظ أو الناسي إذا تذكر و قد خرج وقت الصلاة فيصليها هل يثبتها دائما في كل يوم في ذلك الوقت فلما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كان الله لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم‏ فبين أنه سبحانه ما يحمد خلقا من مكارم الأخلاق إلا و الحق تعالى أولى به بأن يعامل به خلقه و لا يذم شيئا من سفساف الأخلاق إلا و كان الجناب الإلهي أبعد منه ففي مثل هذا الفن يسوغ الاستقراء بهذه الدلالات الشرعية و أما غير ذلك فلا يكون‏ فقد أبنت لك صحة الاستقراء من سقمه في المعاملات و أما الاستقراء في التجليات فرأينا إن الهيولى الصناعية تقبل بعض الصور لا كلها فوجدنا الخشب يقبل صورة الكرسي و المنبر و التخت و الباب و لم نره يقبل صورة القميص و لا الرداء و لا السراويل و رأينا الشقة تقبل ذلك و لا تقبل صورة السكين و السيف ثم رأينا الماء يقبل صورة لون الأوعية و ما يتجلى فيها من المتلونات فيتصف بالزرقة و البياض و الحمرة سئل الجنيد رحمه الله عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه ثم استقر أنا عالم الأركان كلها و الأفلاك فوجدنا كل ركن منها و كل فلك يقبل صورا مخصوصة و بعضها أكثر قبولا من بعض ثم نظرنا في الهيولى الكل فوجدناها تقبل جميع صور الأجسام و الأشكال فنظرنا في الأمور فرأيناها كلما لطفت قبلت الصور الكثيرة فنظرنا في الأرواح فوجدناها أقبل للتشكل في الصور من سائر ما ذكرناه ثم نظرنا في الخيال فوجدناه يقبل ما له صورة و يصور ما ليست له صورة فكان أوسع من الأرواح في التنوع في الصور ثم جئنا إلى الغيب في التجليات فوجدنا الأمر أوسع مما ذكرناه و رأيناه قد جعل ذلك أسماء كل اسم منها يقبل صورا لا نهاية لها في التجليات و علمنا إن الحق وراء ذلك كله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فجاء في عدم الإدراك بالاسم اللطيف إذ كانت اللطافة مما ينبو الحس عن إدراكها فتعقل و لا تشهد فتسمى في وصفه الذي تنزه أن يدرك فيه باللطيف الخبير أي تلطف عن إدراك المحدثات و مع هذا فإنه يعلم و يعقل أن ثم أمرا يستند إليه فأتى بالاسم الخبير على وزن فعيل و فعيل يرد بمعنى المفعول كقتيل بمعنى مقتول و جريح بمعنى مجروح و هو المراد هنا و الأوجه و قد يرد بمعنى الفاعل كعليم بمعنى عالم و قد يكون أيضا هو المراد هنا و لكنه يبعد فإن دلالة مساق الآية لا تعطي ذلك فإن مساقها في إدراك الأبصار لا في إدراك البصائر فإن الله قد ندبنا إلى التوصل بالعلم به فقال فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله و لا يعلم حتى ننظر في الأدلة فيؤدينا النظر فيها إلى العلم به على قدر ما تعطينا القوة في ذلك فلهذا رجحنا خبير هنا بمعنى المفعول أي أن الله يعلم و يعقل و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فهذا القدر مما يتعلق بهذا الباب من الاستقراء و أما كونه لا يفيد العلم في هذا الموطن فإنه ما من أصل ذكرناه يقبل صورا ما إلا يجوز بل يقع و قد وقع أنه يتكرر في تلك الصور مراتب عديدة و هذا قد ورد في الأخبار أن جبريل عليه السلام نزل مرارا على صورة دحية الكلبي‏ و لما لم يصح عندنا في التجلي الإلهي أن يتكرر تجل إلهي لشخص واحد مرتين و لا يظهر في صورة واحدة لشخصين علمنا إن الاستقراء لا يفيد علما فإن جناب التجلي لا يقبل التكرار فخرج عن حكم الاستقراء من وجه عدم التكرار و لحق به من حيث التحول في الصور و قد ورد التحول في حديث مسلم في حديث الشفاعة من كتاب الايمان فلا يعول على الاستقراء في شي‏ء من الأشياء لا في الأحوال و لا في المقامات و لا في المنازل و لا في المنازلات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيل‏