في معرفة أسرار أهل الإلهام المستدلين و معرفة علم إلهي فاض على القلب ففرق خواطره و شتتها
اعلم أيدك الله بروح منه أن الله عز و جل أمرنا بالعلم بوحدانيته في ألوهيته غير أن النفوس لما سمعت ذلك منه مع كونها قد نظرت بفكرها و دلت على وجود الحق بالأدلة العقلية بل بضرورة العقل بعلم وجود الباري تعالى ثم دلت على توحيد هذا الموجود الذي خلقها و أنه من المحال أن يوجد واجبا الوجود لنفسه و لا ينبغي أن يكون إلا واحدا ثم استدلوا على ما ينبغي أن يكون عليه من هو واجب الوجود لنفسه من النسب التي ظهر عنه بها ما ظهر من الممكنات و دل على إمكان الرسالة ثم جاء الرسول و أظهر من الدلائل على صدقه أنه رسول من الله إلينا فعرفنا بالأدلة العقلية أنه رسول الله فلم نشك و قام لنا الدليل العقلي على صدق ما يخبر به فيما ينسب إليه و رآه قد أتى في أخباره عنه تعالى بنسب و أمور كان الدليل العقلي يحيلها و يرمي بها فتوقف العقل و أنهم معرفته و قدح في دليله هذا الإنباء الإلهي بما نسبه لنفسه و لا يقدر على تكذيب المخبر ثم كان من بعض ما قال له هذا الشارع اعرف ربك و هذا العاقل لو لم يعلم ربه الذي هو الأصل المعول عليه ما صدق هذا الرسول فلا بد أن يكون العلم الذي طلب منه الرسول أن يعلم به ربه غير العلم الذي أعطاه دليله و هو أن يتعمل في تحصيل علم من الله بالله يقبل به على بصيرة هذه الأمور التي نسبها الله إلى نفسه و وصف نفسه بها التي أحالها العقل بدليله فانقدح له بتصديقه الرسول إن ثم وراء العقل و ما يعطيه بفكره أمرا آخر يعطي من العلم بالله ما لا تعطيه الأدلة العقلية بل تحيله قولا واحدا فإذا علمه بهذه القوة التي عرف أنها وراء طور العقل هل يبقى له الحكم فيما كان يحيله العقل من حيث فكره أولا على ما كان عليه أم لا يبقى فإن لم يبق له الحكم بأن ذلك محال فلا بد أن يعثر على الوجه الذي وقع له منه الغلط بلا شك و أن ذلك الذي اتخذه دليلا على إحالة ذلك على الله لم يكن دليلا في نفس الأمر و إذا كان هذا فما ذلك الأمر مما هو وراء طور العقل فإن العقل قد يصيب و قد يخطئ و إن بقي للعقل بعد كشفه و تحقيقه لصحة هذا الأمر الذي نسبه الله لنفسه و وصف به نفسه و قبلته عقول الأنبياء و قبله عقل هذا المكاشف بلا شك و لا ريب و مع هذا فإنه يحكم على الله بأن ذلك الأمر محال عقلا من حيث فكره لا من حيث قبوله و حينئذ يصح أن يكون ذلك المقام وراء طور العقل من جهة أخذه عن الفكر لا من جهة أخذه عن الله هذا و من أعجب الأمور عندنا إن يكون الإنسان يقلد فكره و نظره و هو محدث مثله و قوة من قوى الإنسان التي خلقها الله فيه و جعل تلك القوة خديمة للعقل و يقلدها العقل فيما تعطيه هذه القوة و يعلم أنها لا تتعدى مرتبتها و أنها تعجز في نفسها عن إن يكون لها حكم قوة أخرى مثل القوة الحافظة و المصورة و المتخيلة و القوي التي هي الحواس من لمس و طعم و شم و سمع و بصر و مع هذا القصور كله يقلدها العقل في معرفة ربه و لا يقلد ربه فيما يخبر به عن نفسه في كتابه و على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم فهذا من أعجب ما طرأ في العالم من الغلط و كل صاحب فكر تحت حكم هذا الغلط بلا شك إلا من نور الله بصيرته فعرف إن الله قد أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فأعطى السمع خلقه فلا يتعدى إدراكه و جعل العقل فقيرا إليه يستمد منه معرفة الأصوات و تقطيع الحروف و تغيير الألفاظ و تنوع اللغات فيفرق بين صوت الطير و هبوب الرياح و صرير الباب و خرير الماء و صياح الإنسان و يعار الشاة و ثؤاج الكباش و خوار البقر و رغاء الإبل و ما أشبه هذه الأصوات كلها و لبس في قوة لعقل من حيث ذاته إدراكشيء من هذا ما لم يوصله إليه السمع و كذلك القوة البصرية جعل الله العقل فقيرا إليها فيما توصله إليه من المبصرات فلا يعرف الخضرة و لا الصفرة و لا الزرقة و لا البياض و لا السواد و لا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصر على العقل بها و هكذا جميع القوي المعروفة بالحواس ثم إن الخيال فقير إلى هذه الحواس فلا يتخيل أصلا إلا ما تعطيه هذه القوي ثم إن القوة الحافظة إن لم تمسك على الخيال ما حصل عنده من هذه القوي لا يبقى في الخيال منها شيء فهو فقير إلى الحواس و إلى القوة الحافظة ثم إن القوة الحافظة قد تطرأ عليها موانع تحول بينها و بين الخيال فيفوت الخيال أمور كثيرة من أجل ما طرأ على القوة الحافظة من الضعف لوجود المانع فافتقر إلى القوة المذكرة فتذكره ما غاب عنه فهي معينة للقوة الحافظة على ذلك ثم إن القوة المفكرة إذا جاءت إلى الخيال افتقرت إلى القوة المصورة لتركب بها مما ضبطه الخيال من الأمور صورة دليل على أمر ما و برهان تستند فيه إلى المحسوسات أو الضرورات و هي أمور مركوزة في الجبلة فإذا تصور الفكر ذلك الدليل حينئذ يأخذه العقل منه فيحكم به على المدلول و ما من قوة إلا و لها موانع و أغاليط فيحتاج إلى فصلها من الصحيح الثابت فانظر يا أخي ما أفقر العقل حيث لا يعرف شيئا مما ذكرناه إلا بوساطة هذه القوي و فيها من العلل ما فيها فإذا أنفق للعقل أن يحصل شيئا من هذه الأمور بهذه الطرق ثم أخبره الله بأمر ما توقف في قبوله و قال إن الفكر يرده فما أجهل هذا العقل بقدر ربه كيف قلد فكره و جرح ربه فقد علمنا إن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه و أن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول فإذا كان بهذه المثابة فقبوله من ربه لما يخبر به عن نفسه تعالى أولى من قبوله من فكره و قد عرف أن فكره مقلد لخياله و أن خياله مقلد لحواسه و مع تقليده فهو غير قوي على إمساك ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوة الحافظة و المذكرة و مع هذه المعرفة بأن القوي لا تتعدى خلقها و ما تعطيه حقيقتها و أنه بالنظر إلى ذاته لا علم عنده إلا الضروريات التي فطر عليها لا يقبل قول من يقول له إن ثم قوة أخرى وراءك تعطيك خلاف ما أعطتك القوة المفكرة نالها أهل الله من الملائكة و الأنبياء و الأولياء و نطقت بها الكتب المنزلة فاقبل منها هذه الأخبار الإلهية فتقليد الحق أولى و قد رأيت عقول الأنبياء على كثرتهم و الأولياء قد قبلتها و آمنت بها و صدقتها و رأت أن تقليدها ربها في معرفة نفسه أولى من تقليد أفكارها فما لك أيها العاقل المنكر لها لا تقبلها ممن جاء بها و لا سيما عقول تقول إنها في محل الايمان بالله و رسله و كتبه و لما رأت عقول أهل الايمان بالله تعالى إن الله قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية علمت إن ثم علما آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر فاستعملت الرياضات و الخلوات و المجاهدات و قطع العلائق و الانفراد و الجلوس مع الله بتفريغ المحل و تقديس القلب عن شوائب الأفكار إذ كان متعلق الأفكار الأكوان و اتخذت هذه الطريقة من الأنبياء و الرسل و سمعت أن الحق جل جلاله ينزل إلى عباده و يستعطفهم فعلمت إن الطريق إليه من جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها و لا سيما أهل الايمان و قد سمعت قوله تعالى من أتاني يسعى أتيته هرولة و إن قلبه وسع جلال الله و عظمته فتوجه إليه بكله و انقطع من كل ما يأخذ عنه من هذه القوي فعند هذا التوجه أفاض الله عليه من نوره علما إلهيا عرفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة و التجلي لا يقبله كون و لا يرده و لذلك قال إِنَّ في ذلِكَ يشير إلى العلم بالله من حيث المشاهدة لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ و لم يقل غير ذلك فإن القلب معلوم بالتقليب في الأحوال دائما فهو لا يبقى على حالة واحدة فكذلك التجليات الإلهية فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها فإن العقل يقيد و غيره من القوي إلا القلب فإنه لا يتقيد و هو سريع التقلب في كل حال و لذا قال الشارع إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء فهو يتقلب بتقلب التجليات و العقل ليس كذلك فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فإن كل إنسان له عقل و ما كل إنسان يعطي هذه القوة التي وراء طور العقل المسماة قلبا في هذه الآية فلذلك قال لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فالتقليب في القلب نظير التحول الإلهي في الصور فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر فلا يسعه سبحانه إلا أن يقلب ما عندك و معنى قلب ما عندك هو أنك علقت المعرفة به عز و جل و ضبطت عندك في علمك أمرا ما و أعلى أمر ضبطته فيعلمك به أنه لا ينضبط سبحانه و لا يتقيد و لا يشبه شيئا و لا يشبه شيء فلا ينضبط مضبوط لتميزه عما ينضبط فقد انضبط ما لا ينضبط مثل قولك العجز عن درك الإدراك إدراك و الحق إنما وسعه القلب و معنى ذلك أن لا يحكم على الحق تعالى بأنه لا يقبل و لا يقبل فإن ذات الحق و أنيته مجهولة عند الكون و لا سيما و قد أخبر جل جلاله عن نفسه بالنقيضين في الكتاب و السنة فشبه في موضع و نزه في موضع ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و شبيه بقوله وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فتفرقت خواطر التشبيه و تشتتت خواطر التنزيه فإن المنزه على الحقيقة قد قيده و حصره في تنزيهه و أخلي عنه التشبيه و المشبه أيضا قيده و حصره في التشبيه و أخلي عنه التنزيه و الحق في الجمع بالقول بحكم الطائفتين فلا ينزه تنزيها يخرج عن التشبيه و لا يشبه تشبيها يخرج عن التنزيه فلا تطلق و لا تقيد لتميزه عن التقييد و لو تميز تقيد في إطلاقه و لو تقيد في إطلاقه لم يكن هو فهو المقيد بما قيد به نفسه من صفات الجلال و هو المطلق بما سمي به نفسه من أسماء الكمال و هو الواحد الحق الجلي الخفي لا إله إلا هو العلي العظيم (وصل) و أما أسرار أهل الإلهام المستدلين فلا تتجاوز سدرة المنتهى فإن إليها تنتهي أعمال بنى آدم و نهاية كل أمر إلى ما منه بدا فإن قال لك عارف ممن لا علم له بهذا الأمر إن الكرسي موضع القدمين فقل له ذلك عالم الخلق و الأمر و التكليف إنما انقسم من السدرة فإنه قطع أربع مراتب و السدرة هي المرتبة الخامسة فنزل من قلم إلى لوح إلى عرش إلى كرسي إلى سدرة فظهر الواجب من القلم و المندوب من اللوح و المحظور من العرش و المكروه من الكرسي و المباح من السدرة و المباح قسم النفس و إليها تنتهي نفوس عالم السعادة و لأصولها و هي الزقوم تنتهي نفوس أهل الشقاء و قد بيناها في كتاب التنزلات الموصلية في باب يوم الإثنين و إذا ظهرت قسمة الأحكام من السدرة فإذا صعدت الأعمال التي لا تخلو من أحد هذه الأحكام لا بد أن تكون نهايتها إلى الموضع الذي منه ظهرت إذ لا تعرف من كونها منقسمة إلى السدرة ثم يكون من العقل الذي هو القلم نظر إلى الأعمال المفروضة فيمدها بحسب ما يرى فيها و يكون من اللوح نظر إلى الأعمال المندوب إليها فيمدها بحسب ما يرى فيها و يكون من العرش نظر إلى المحظورات و هو مستوي الرحمن فلا ينظرها إلا بعين الرحمة و لهذا يكون مال أصحابها إلى الرحمة و يكون من الكرسي نظر إلى الأعمال المكروهة فينظر إليها بحسب ما يرى فيها و هو تحت حيطة العرش و العرش مستوي الرحمن و الكرسي موضع القدمين فيسرع العفو و التجاوز عن أصحاب المكروه من الأعمال و لهذا يؤجر تاركها و لا يؤاخذ فاعلها فكتاب الأبرار في عليين و يدخل فيهم العصاة أهل الكبائر و الصغائر و أما كتاب الفجار ففي سجين و فيه أصول السدرة التي هي شجرة الزقوم فهناك تنتهي أعمال الفجار في أسفل سافلين فإن رحمهم الرحمن من عرش الرحمانية بالنظرة التي ذكرناها جعل لهم نعيما في منزلهم فلا يموتون فيه و لا يحبون فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور و ربما يكون في فراشه مريضا ذا بؤس و فقر و يرى نفسه في المنام ذا سلطان و نعمة و ملك فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه و يلتذ به قلت إنه في نعيم و صدقت و إن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن و مرضه و يأسه و فقره و كلومه قلت إنه في عذاب هكذا يكون أهل النار ف لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى أي لا يستيقظ أبدا من نومته فتلك الرحمة التي يرحم الله بها أهل النار الذين هم أهلها و أمثالها كالمحرور منهم بتنعم بالزمهرير و المقرور منهم يجعل في الحرور و قد يكون عذابهم توهم وقوع العذاب بهم و ذلك كله بعد قوله لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ العذاب وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ذلك زمان عذابهم و أخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهي فإذا اطلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار و رأوا منازلهم في النار و ما أعد الله فيها و ما هي عليه من قبح المنظر قالوا معذبون و إذا كوشفوا على الحسن المعنوي الإلهي في خلق ذلك المسمى قبحا و رأوا ما هم فيه في نومتهم و علموا أحوال أمزجتهم قالوا منعمون فسبحان القادر على ما يشاء لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فقد فهمت قول الله تعالى لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ