اعلم أولا أن الله تعالى هو الأول الذي لا أولية لشيء قبله و لا أولية لشيء يكون قائما به أو غير قائم به معه فهو الواحد سبحانه في أوليته فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلا هو فهو الغني بذاته على الإطلاق عن العالمين قال تعالى فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ بالدليل العقلي و الشرعي فوجود العالم لا يخلو ما أن يكون وجوده عن الله لنفسه سبحانه أو لأمر زائد ما هو نفسه إذ لو كان نفسه لم يكن زائدا و لو كان نفسه أيضا لكان مركبا في نفسه و كانت الأولية لذلك الأمر الزائد و قد فرضنا أنه لا أولية لشيء معه و لا قبله فإذا لم يكن ذلك الأمر الزائد نفسه فلا يخلو إما أن يكون وجودا أو لا وجودا محال أن يكون لا وجود فإن لا وجود لا يصح أن يكون له أثر إيجاد فيما هو موصوف بأن لا وجود و هو العالم فليس أحدهما بأولى بتأثير الإيجاد من الآخر إذ كلاهما أن لا وجود فإن لا وجود لا أثر له لأنه عدم و محال أن يكون وجودا فإنه لا يخلو عند ذلك إما أن يكون وجوده لنفسه أو لا يكون محال أن يكون وجوده لنفسه فإنه قد قام الدليل على إحالة أن يكون في الوجود اثنان واجبا الوجود لأنفسهما فلم يبق إلا أن يكون وجوده بغيره و لا معنى لا مكان العالم إلا أن وجوده بغيره فهو العالم إذن أو من العالم و لو كان وجود العالم عن الله لنسبة ما لولاها ما وجد العالم تسمى تلك النسبة إرادة أو مشيئة أو علما أو ما شئت مما يطلبه وجود الممكن فيكون الحق تعالى بلا شك لا يفعل شيئا إلا بتلك النسبة و لا معنى للافتقار إلا هذا و هو محال على الله فإن الله له الغني على الإطلاق فهو كما قال غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فإن قيل إن المراد بالنسبة عين ذاته قلنا فالشيء لا يكون مفتقرا إلى نفسه فإنه غني لنفسه فيكون الشيء الواحد فقيرا من حيث ما هو عني كل ذلك لنفسه و هو محال و قد نفينا الأمر الزائد فاقتضى ذلك أن يكون وجود العالم من حيث ما هو موجود بغيره مرتبطا بالواجب الوجود لنفسه و إن عين الممكن محل تأثير الواجب الوجود لنفسه بالإيجاد و لا يعقل إلا هكذا فمشيئته و إرادته و علمه و قدرته ذاته تعالى الله أن يتكثر في ذاته علوا كبيرا بل له الوحدة المطلقة و هو الواحد الأحد الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ فيكون مقدمة وَ لَمْ يُولَدْ فيكون نتيجة وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فيكون به وجود العالم نتيجة عن مقدمتين عن الحق و الكفؤ تعالى الله و بهذا وصف نفسه سبحانه في كتابه لما سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن صفة ربه فنزلت سورة الإخلاص تخلصت من الاشتراك مع غيره تعالى الله في تلك النعوت المقدسة و الأوصاف فما من شيء نفاه في هذه السورة و لا أثبته إلا و ذلك المنفي أو المثبت مقالة في الله لبعض الناس و بعد أن بينا لك ما ينبغي أن يكون عليه من نحن مفتقرون إليه و هو الله سبحانه فلنبين ما بوبنا عليه فاعلم أن نسبة الأزل إلى الله نسبة الزمان إلينا و نسبة الأزل نعت سلبي لا عين له فلا يكون عن هذه الحقيقة وجود فيكون الزمان للممكن نسبة متوهمة الوجود لا موجودة لأن كل شيء تفرضه يصح عنه السؤال بمتى و متى سؤال عن زمان فلا بد أن يكون الزمان أمرا متوهما لا وجودا و لهذا أطلقه الحق على نفسه في قوله وَ كانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً و لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ و في السنة تقرير قول السائل أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه و لو كان الزمان أمرا وجوديا في نفسه ما صح تنزيه الحق عن التقييد إذ كان حكم الزمان يقيده فعرفنا أن هذه الصيغ ما تحتها أمر وجودي ثم نقول إن لفظة الزمان اختلف الناس في معقولها و مدلولها فالحكماء تطلقه بإزاء أمور مختلفة و أكثرهم على أنه مدة متوهمة تقطعها حركات الأفلاك و المتكلمون يطلقونه بإزاء أمر آخر و هو مقارنة حادث لحادث يسأل عنه بمتى و العرب تطلقه و تريد به الليل و النهار و هو مطلوبنا في هذا الباب و الليل و النهار فصلا اليوم فمن طلوعالشمس إلى غروبها يسمى نهارا و من غروب الشمس إلى ما طلوعها يسمى ليلا و هذه العين المفصلة تسمى يوما و أظهر هذا اليوم وجود الحركة الكبرى و ما في الوجود العيني إلا وجود المتحرك لا غير و ما هو عين الزمان فرجع محصول ذلك إلى أن الزمان أمر متوهم لا حقيقة له و إذا تقرر هذا فاليوم المعقول المقدر هو المعبر عنه بالزمان الموجود و به تظهر الجمعات و الشهور و السنون و الدهور و تسمى أيا و تقدر بهذا اليوم الأصغر المعتاد الذي فصله الليل و النهار فالزمان المقدر هو ما زاد على هذا اليوم الأصغر الذي تقدر به سائر الأيام الكبار فيقال في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و قال في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و قال عليه السلام في أيام الدجال يوم كسنة و يوم كشهر و يوم كجمعة و سائر أيامه كأيامكم فقد يكون هذا الشدة الهول فرفع الإشكال ظاهر إتمام الحديث في قول عائشة فكيف يفعل في الصلاة في ذلك اليوم قال يقدر لها فلو لا أن الأمر في حركات الأفلاك على ما هو عليه باق ما اختل ما صح أن يقدر لذلك بالساعات التي يعمل صورتها أهل هذا العلم فيعلمون بها الأوقات في أيام الغيم إذ لا ظهور للشمس فيكون في أول خروج الدجال تكثر الغيوم و تتوالى بحيث أن يستوي في رأى العين وجود الليل و النهار و هو من الأشكال الغريبة التي تحدث في آخر الزمان فيحول ذلك الغيم المتراكم بيننا و بين السماء و الحركات كما هي فتظهر الحركات في الصنائع العملية التي عملها أهل صنعة العلماء بالهيئة و مجاري النجوم فيقدرون بها الليل و النهار و ساعات الصلوات بلا شك و لو كان ذلك اليوم الذي هو كسنة يوما واحدا لم يلزمنا أن نقدر للصلوات فإنا ننتظر زوال الشمس فما لم نزل لا نصلي الظهر المشروع و لو أقامت لا تزول ما مقداره عشرون ألف سنة لم يكلفنا الله غير ذلك فلما قرر الشارع العبادة بالتقدير عرفنا أن حركات الأفلاك على بابها لم يختل نظامها فقد أعلمتك ما هو الزمان و ما معنى نسبة الوجود إليه و نسبة التقدير فالأيام كثيرة و منها كبير و صغير فأصغرها الزمن الفرد و عليه يخرج كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فسمى الزمن الفرد يوما لأن الشأن يحدث فيه فهو أصغر الأزمان و أدقها و لا حد لأكبرها يوقف عنده و بينهما أيام متوسطة أولها اليوم المعلوم في العرف و تفصله الساعات و الساعات تفصلها الدرج و الدرج تفصله الدقائق و هكذا إلى ما لا يتناهى عند بعض الناس فإنهم يفصلون الدقائق إلى ثوان فلما دخلها حكم العدد كان حكمها العدد و العدد لا يتناهى فالتفصيل في ذلك لا ينتهي و بعض الناس يقولون بالتناهي في ذلك و ينظرونه من حيث المعدود و هم الذين يثبتون أن للزمان عينا موجودة و كل ما دخل في الوجود فهو متناه بلا شك و المخالف يقول المعدود من كونه يعد ما دخل في الوجود فلا يوصف بالتناهي فإن العدد لا يتصف بالتناهي و بهذا يحتج منكر الجوهر الفرد و إن الجسم ينقسم إلى ما لا نهاية له في العقل و هي مسألة خلاف بين أهل النظر حدثت من عدم الإنصاف و البحث عن مدلول الألفاظ و قد ورد في الخبر الصحيح أن من أسماء الله الدهر و معقولية الدهر معلومة نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء السابع و العشرون
(بسم الله الرحمن الرحيم)