اتفق علماء الشريعة على إن مسحه من فرائض الوضوء و اختلفوا في القدر الواجب منه فمن قائل بوجوب مسحه كله و من قائل بوجوب مسح بعضه و اختلفوا في حد البعض فمن قائل بوجوب الثلث و من قائل بوجوب الثلثين و من قائل بالربع و من قائل لا حد للبعض و تكلم بعض هؤلاء في حد القدر الذي يمسح به من اليد فمن قائل إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه و من قائل لا حد للبعض لا في الممسوح و لا فيما يمسح به و أصل هذا الخلاف وجود الباء في قوله تعالى بِرُؤُسِكُمْ (وصل حكم المسح في الباطن) فأما حكم مسح الرأس في الباطن اعتبارا فإن لرأس من الرئاسة و هي العلو و الارتفاع و منه رئيس القوم أي سيدهم الذي له الرئاسة عليهم و لما كان أعلى ما في البدن في ظاهر العين و جميع البدن تحته سمي رأسا إذ كان الرئيس فوق المرءوس بالمرتبة و له جهة فوق و قد وصف الله نفسه بالفوقية لشرفها قال تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ و قال وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فكان الرأس أقرب عضو في البدن إلى الحق لمناسبة الفوق ثم له شرف آخر بالمعنى الذي رأس به على أجزاء البدن كلها و هو كونه محلا جامعا حاملا لجميع القوي كلها المحسوسة و المعقولة المعنوية فلما كانت له أيضا هذه الرئاسة من هذه الجهة سمي رأسا ثم إن العقل الذي جعله الله أشرف ما في الإنسان جعل محله أعلى ما في الرأس و هو اليافوخ فجعله مما يلي جهة الفوقية و لما كان الرأس محلا لجميع القوي الظاهرة و الباطنة و لكل قوة منها حكم و سلطان و فخر يورثه ذلك عزة على غيره كقصر الملك على سائر دور السوقة و جعله الله محال هذه القوي من الرأس مختلفة حتى عمت الرأس كله أعلاه و وسطه و مقدمه و مؤخره و كل قوة كما ذكرنا لها عزة و سلطان و كبرياء في نفسها و رياسة فوجب أن يمسحه كله و هو اعتبار من يقول بوجوب مسح الرأس كله لهذه الرئاسة السارية فيه كله من جهة حمله لهذه القوي المختلفة الأماكن فيه بالتواضع و الإقناع لله فيكون لكل قوة إذا عم المسح مسح مخصوص من مناسبة دعواها فيردعها بما يخصها من المسح فيعم بالمسح جميع الرأس و من يرى أن للرأس رأسا عليه كما إن الولاة من جهة السلطان يرجع أمرهم إليه فإنه الذي ولاهم رأى كل وال أن فوقه وال عليه هو أعلى منه له سلطان على سلطانه كالقوة المصورة لها سلطان على القوة الخيالية فهي رئيسة عليها و إن كانت لها رياسة أعني القوة الخيالية فمن رأى هذا من العلماء قال بمسح بعض الرأس و هو التهمم بالأعلى ثم اختلف أصحابنا في هذا البعض فكل عارف قال بحسب ما أعطاه الله من الإدراك في مراتب هذه القوي فهو بحسب ما يراه و يعتبره فأخذ يمسح في هذه العبادة و هي التذلل و إزالة الكبرياء و الشموخ بالتواضع و العبودية لأنه في طهارة العبادة يطلب الوصلة بربه لأن المصلي في مقام مناجاة ربه و هي الوصلة المطلوبة بالطهارة و العزيز الرئيس إذا دخل على من ولاة تلك العزة و الرئاسة نزل عن رياسته و ذله عن عزه بعز من دخل عليه و هو سيده الذي أوجده فيقف بين يديه وقوف غيره من العبيد الذين أنزلوا نفوسهم بطلب الأجرة منزلة لا جانب فوقف هذا العبد في محل الإذلال لا بصفة الإدلال بالدال اليابسة فمن غلب على خاطره رياسة بعض القوي على غيرها وجب عليه مسح ذلك البعض من أجل الوصلة التي يطلبها بهذه العبادة و لهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم لأن وضع التراب على الرأس من علامة الفراق و هو المصيبة العظمى إذ كان الفاقد حبيبه بالموت يضع التراب على رأسه فلما كان المطلوب بهذه العبادة الوصلة لا الفرقة لهذا لم يشرع مسح الرأس في التيمم فامسح على حد ما ذكرناه لك و نبهناك عليه و تفصيل رياسات القوي معلوم عند الطائفة لا أحتاج إلى ذكره و أما التبعيض في اليد التي يمسح بها و اختلافهم في ذلك فاعمل فيه كما تعمل في الممسوح سواء فإن المزيل لهذه الرئاسة أسبابمختلفة في القدرة على ذلك و محل ذلك اليد فمن مزيل بصفة القهر و من مزيل بسياسة و ترغيب كما يمسح الإنسان بيده رأس اليتيم جبرا لانكساره بلطف و حنان فلهذا ترجع بعضية اليد في المسح و كليته فاعلم ذلك و لما كان الموجب لهذا الخلاف عند العلماء وجود الباء في قوله بِرُؤُسِكُمْ فمن جعلها للتبعيض بعض المسح و من جعلها زائدة للتوكيد في المسح عم بالمسح جميع الرأس و إن الباء في هذا الموضع هو وجود القدرة الحادثة فلا يخلو إما أن يكون لها أثر في المقدور فتصح البعضية و هو قول المعتزلي و غيره و إما أن لا يكون لها أثر في المقدور بوجه من الوجوه فهي زائدة كما يقول الأشعري فيسقط حكمها فتعم القدرة القديمة مسح الرأس كله لم تبعض مسحه القدرة الحادثة و يكون حد مراعاة التوكيد من كونها زائدة للتوكيد هو الاكتساب الذي قالت به الأشاعرة و هو قوله تعالى في غير موضع من كتابه بإضافة الكسب و العمل إلى المخلوق فلهذا جعلوا زيادتها لمعنى يسمى التوكيد أ لا ترى العرب تقابل الزائد بالزائد في كلامها تريد بذلك التوكيد و تجيب به القائل إذا أكد قوله يقول القائل إن زيدا قائم أو يقول ما زيد قائما فيقول السامع في جواب إن زيدا قائم ما زيد قائما و في جواب ما إن زيدا قائم فيثبت ما نفاه القائل أو ينفي ما أثبته القائل فإن أكد القائل إيجابه فقال إن زيدا لقائم فأدخل اللام لتأكيد ثبوت القيام أدخل المجيب الباء في مقابلة اللام لتأكيد نفي ما أثبته القائل فيقول ما زيد بقائم و يسمى مثل هذا زائدا لأن الكلام يستقل دونه و لكن إذا قصد المتكلم خلاف التبعيض و أتى بذلك الحرف للتأكيد فإن قصد التبعيض لم يكن زائدا ذلك الحرف جملة واحدة و الصورة واحدة في الظاهر و لكن تختلف في المعنى و المراعاة إنما هي لقصد المتكلم الواضع لتلك الصورة فإذا جهلنا المعنى الذي لأجله خلق سبحانه لتمكن من فعل بعض الأعمال نجد ذلك من نفوسنا و لا ننكره و هي الحركة الاختيارية كما جعل سبحانه فينا المانع من بعض الأفعال الظاهرة فينا و نجد ذلك من نفوسنا كحركة المرتعش الذي لا اختيار للمرتعش فيها لم ندر لما يرجع ذلك التمكن الذي نجده من نفوسنا هل يرجع إلى أن يكون للقدرة الحادثة فينا أثر في تلك العين الموجودة عن تمكننا أو عن الإرادة المخلوقة فينا فيكون التمكن أثر الإرادة لا أثر القدرة الحادثة من هنا منشا الخلاف بين أصحاب النظر في هذه المسألة و عليه ينبغي كون الإنسان مكلفا لعين التمكن الذي يجده من نفسه و لا يحقق بعقله لما ذا يرجع ذلك التمكن هل لكونه قادرا أو لكونه مختارا و إن كان مجبورا في اختياره و لكن بذلك القدر من التمكن الذي يجده من نفسه يصح أن يكون مكلفا و لهذا قال تعالى لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها فقد أعطاها أمرا وجوديا و لا يقال أعطاها لا شيء و ما رأينا شيئا أعطاها بلا خلاف إلا التمكن الذي هو وسعها لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما يدري لما ذا يرجع هذا التمكن و هذا الوسع هل لأحدهما أعني الإرادة أو القدرة أو لأمر زائد عليهما أو لهما و لا يعرف ذلك إلا بالكشف و لا يتمكن لنا إظهار الحق في هذه المسألة لأن ذلك لا يرفع الخلاف من العالم فيه كما ارتفع عندنا الخلاف فيها بالكشف و كيف يرتفع الخلاف من العالم و المسألة معقولة و كل مسألة معقولة لا بد من الخلاف فيها لاختلاف الفطر في النظر فقد عرفت مسح الرأس ما هو في هذه الطريقة و بقي من حكمه المسح على العمامة و ما في ذلك من الحكم (وصل في المسح على العمامة) فمن علماء الشريعة من أجاز المسح على العمامة و منع من ذلك جماعة فالذي منع لأنه خلاف مدلول الآية فإنه لا يفهم من الرأس العمامة فإن تغطية الرأس أمر عارض و المجيز ذلك لأجل ورود الخبر الوارد في مسلم و هو حديث قد تكلم فيه و قال فيه أبو عمر بن عبد البرانه معلول (وصل مسح العمامة في الباطن) و أما حكم المسح على العمامة في الباطن فاعلم إن الأمور العوارض لا يعارض بها الأصول و لا تقدح فيها فالذي ينبغي لك أن تنظر ما السبب الموجب لطرو ذلك العارض فلا يخلو إما أن يكون مما يستغني عنه أو يكون مما يحصل الضرر بفقده فلا يستغني عنه فإن استغنى عنه فلا حكم له في إزالة حكم الأصل و إن لم يستغن عنه و حصل الضرر بفقده كان حكمه حكم الأصل و ناب منابه و إن بقي من الأصل جزء ما ينبغي أن يراعى ذلك الجزء الذي بقي و لا بد و يبقى ما بقي من الأصل ينوب عنه هذا الأمر العارض الذي يحصل الضرر بفقده هذا مذهبنا فيه و لهذا ورد في الحديث الذي ذكرنا أنه معلول عند بعض علماء هذا الشأن إن المسح وقع على الناصية و العمامة معا فقد مس الماء الشعرفقد حصل حكم الأصل في مذهب من يقول بمسح بعض الرأس فلو لبس العمامة للزينة لم يجز له المسح عليها بخلاف المريض الذي يشد العمامة على رأسه لمرضه فما ورد ما يقاوم نص القرآن في هذه المسألة (إيضاح) فإذا عرض لأهل هذه الطريقة عارض يقدح في الأصل كفعل السبب للمتجرد عن الأسباب أو التبختر و الرئاسة في الحرب فإن كلامنا في مسح الرأس و له التواضع و التكبر ضرب المثل به أولى ليصل فهم السامع إلى المقصود مما يريده في هذه العبادة فإن أثر ذلك الزهو إظهار الكبر في عبودية الإنسان فنسيان كبرياء ربه عليه و عزته سبحانه و حجبه عن ذلك فلا يفعل و يطرح الكبرياء عن نفسه و لا بد و لا يجوز له التكبر في ذلك الموطن لقدحه في الأصل و إن لم يؤثر في نفسه بل ذلك أمر ظاهر في عين العدو و هو في نفسه في ذلته و افتقاره جاز له صورة التكبر في الظاهر لقرينة الحال بحكم الموطن فإنه لم يؤثر في الأصل هكذا حكم المسح على العمامة عندنا فاعلم ذلك فقد علمت حكم المسح على العمامة في الباطن ما هو و كذلك المسح ببعض اليد على العمامة و هو إن قدح أخذك للسبب في اعتمادك على الله بقلبك فلا تأخذه و لا تستعمله ما لم يؤد إلى ما هو أعظم منه في البعد عن الله و إن لم يؤثر في الاعتماد عليه فامسح ببعض يدك و لا حرج عليك فإن طرح السبب من اليد بعض أفعال اليد لأن مجموع اليد في المعنى أمور كثيرة فإنها تتصرف تصرفات كثيرة مختلفات المعاني في الأمور المشروعة و الأحكام فإن لها القبض و البسط و الاعتدال قال تعالى وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ و هو كناية عن البخل وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ و هو كناية عن السرف و كذلك مدح قوما بمثل هذا فقال تعالى وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً و هو العدل في الإنفاق و كذلك قال تعالى وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و هو هنا البخل فنسب ذلك كله إلى الأيدي فلهذا قلنا لها أفعال كثيرة و لو لا وجود الكثرة ما صحت البعضية لأن الواحد لا يتبعض (وصل في توقيت المسح على الرأس) بقي من تحقيق هذه المسألة التوقيت في المسح على الرأس هل في تكراره فضيلة أم لا فمن الناس من قال إنه لا فضيلة فيه و منهم من قال إن فيه فضيلة و هذا يستحب في جميع أفعال الوضوء في جملة أعضائه سواء غير أنه يقوى في بعض الأعضاء و يضعف في بعض الأعضاء أعني التكرار و لا خلاف في وجوب الواحدة إذا عمت العضو فأما مذهبنا في الأصل فلا تكرار في العالم للاتساع الإلهي فنمنع هذا اللفظ و لا نمنع وجود الأمثال بالتشابه الصوري فنعلم قطعا أن الحركات يشبه بعضها بعضا في الصورة و إن كانت كل واحدة منها ليست عين الأخرى فمذهبنا أن ننظر حكم الشارع في ذلك فإن عدد بالأمثال عددنا بالأمثال كما نقول عقيب الصلاة سبحان الله ثلاثا و ثلاثين فمثل هذا إلا نمنعه فقد يقع التعدد في عمل الوضوء تأكيد الإزالة حكم الغفلات السريعة الحكم في الإنسان فعلى فهذا يكون في التكرار فضيلة فإن تيقن بالحضور فلا فضيلة فإن الفضل هو الزائد و ما زاد هذا المتوضئ حكما بوجود غفلة أو سهو فيكرر فلم تصح الزيادة و لكن الصحيح عندنا إن التكرار فيه فضيلة لأنه نور على قدر ما حده الشارع المبين للاحكام و قد ورد في الكتاب و السنة في تشبيه نور الله بالمصباح في الزجاجة في المشكاة الآية بكمالها و قال في آخرها نُورٌ عَلى نُورٍ أي ورد في نور على نور كالدليلين و الثلاثة على المدلول الواحد و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الوضوء على الوضوء نُورٌ عَلى نُورٍ و لا فرق بين ورود الوضوء على الوضوء و بين ورود الغرفة الثانية الواردة على الأولى في الوضوء و تكرار العمل من العامل يوجب تكرار الثواب و التجلي فأما في الأعضاء كلها فالثابت التكرار و ما كان الخلاف إلا في الرأس و الأذنين و الرجلين و قد أومأنا إلى ما ينبغي في ذلك