قرآن کریمبه زبان فارسی

(باب تحديد محل المسح من الخف و ما في معناه)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اختلف علماء الشريعة في تحديد المسح على الخف‏ فمن قائل إن القدر الواجب من ذلك مسح أعلى الخف و ما زاد على ذلك فمستحب و هو مسح أسفل الخف‏ يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه و قد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح أعلى الخف‏ و من قائل بوجوب مسح ظهورهما و بطونهما و من قائل بوجوب مسح ظهورهما فقط و لا يستحب صاحب هذا القول مسح بطونهما و من قائل إن الواجب مسح باطن الخف و مسح الأعلى مستحب و هو قول أشهب‏ (وصل في حكم الباطن في ذلك) اعلم أن التنزيه المعبر عنه هنا بطهارة المسح متعلقة إما الحق كما قدمنا و إما العبد الذي نزهة و القسمة منحصرة فما ثم إلا عبد و رب و خالق و مخلوق و لنا في هذه المسألة لفظة أعلى و أسفل و صفة العلو لله تعالى لأنه رَفِيعُ الدَّرَجاتِ لذاته قال تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى و ما في القرآن أقرب نسبة إلى مسح أعلى الخف من هذه الآية و السفل لنا و كذلك أيضا ظاهر الخف و باطنه أعني هاتين اللفظتين قد يكون الحق له حكم الظاهر و الباطن و قد يكون حكم الظاهر له في خرق العوائد و حكم الباطن له في نفس العوائد و هي أكثر الآيات الدالة على الله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ فتارة يعلق التنزيه بالأعلى سبحانه و تعالى حقيقة و هو حد الواجب من ذلك و يستحب إطلاق التنزيه على العبد من حيث إن عمله لذلك يعود عليه و هذا على مذهب من يرى أن الواجب مسح أعلى الخف و يستحب مسح أسفله‏ و تارة يعلق التنزيه بالحق سبحانه ظاهرا و باطنا و هو الذي لا يرى في الوجود إلا الله لغلبة سلطان المشاهدة و التجليات عليه فيرى الحق ظاهرا و باطنا فلا يقع منه تنزيه إلا على الحق سبحانه و التنزيه نسبة عدمية لا وجودية و هو الذي يوجب مسح ظهور الخفين و بطونهما و تارة يعلق التنزيه بالله تعالى لكماله في ذاته و لا يستحب تنزيه الخلق للنقص الذاتي الذي هو له فيقع في الكذب إن نزهة فيرى أنه لو تنزه الممكن يوما ما من جهة ما لصفة كمال هو عليها لكان من حيث تلك الصفة غنيا عن الله و مقاوما له و محال على الخلق أن يكونوا على صفة يكون لهم بها الغني عن الله فإنهم من جميع الوجوه فقراء إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فمنع من استحباب مسح أسفل الخف و قال ما ثم منزه إلا الله العلي الظاهر إلى عباده بنعوت الجلال و هذا كما قلنا مذهب من يرى مسح أعلى الخف و لا يستحب مسح أسفله‏ و تارة يعلق التنزيه أعني وجوبه من اسمه الباطن و يقول إن الباطن محل يبعد العثور على ما يستحقه من نعوت الجلال لبطونه فيكون الواجب تنزيه الحق في اسمه الباطن من أثر الحجاب الذي حكم عليه إن يكون باطنا لا يدرك و الله أعلى و أجل أن يحوطه حجاب فوجب تنزيهه من حيث اسمه الباطن فهذا وجه من أوجب مسح الباطن من الخف كأشهب و استحب مسح أعلاه و هو الاسم الظاهر فيقول و استحب تنزيه الحق في اسمه الظاهر و هو تجليه في الصورة لعباده فينزهه عن التقييد بها و لكن التنزيه الذي لا يخرجه عن العلم أنه عين تلك الصورة فإنه أعلم بنفسه من العقل به و من كل عالم سواه به و قد قال عن نفسه إنه هو الذي يتجلى لعباده في تلك الصورة كما ذكره مسلم في صحيحه‏ فيكون تنزيهه عند ذلك أنه لا يتقيد بصورة أي لا تقيده صورة بل يتجلى في أي صورة يظهربها لعباده و من هذه الحقيقة التي هو عليها في نفسه ذكر لنا في خلقنا بعد تسويتنا و تعديلنا في أي صورة ما شاء ركبنا كما أنه في أي صورة شاء تجلى لعباده و هنا سر إلهي نبهك عليه لتعرفه به فنزهه صاحب هذا المذهب في ظهوره استحبابا عن دوام التجلي في تلك الصورة بالإقامة فيها في عينك فافهم فهذا حكم الباطن في تحديد المحل‏