اعلم أن القائلين بالمسح على الخفين متفقون على المسح عليهما بلا شك و اختلفوا في المسح على الجور بين فمن قائل بالمنع على الإطلاق و من قائل بالجواز على الإطلاق و من قائل بالجواز إذا كان على صفة خاصة فأما إن يكون من الكثافة و الثخانة بحيث أن لا يصل ماء المسح إلى الرجل أو يكون مبطنا بجلد يجوز المشي فيه أي يمكن المشي فيه (وصل حكمه في الباطن) فأما حكم الباطن في ذلك فقد تقدم في الخوف و بقي حكم الجورب فالمقرر إن الجورب مثل الخف في الصفة الحجابية فإن العبد حجاب دون خالقه و لهذا ورد من عرف نفسه عرف ربه فإنه الدليل عليه و الدليل و المدلول و إن ارتبطا بالوجه الخاص فهما ضدان لا يجتمعان و قد قلنا فيما تقدم إن الخف هو أدل على الرجل في إزالة الاشتراك من لفظة الرجل التي تطلق عليه و كذلك الهرولة و قد مضى ذلك إلا أن الجورب و إن ستر الرجل لا يقوى قوة الخف للتخلل الذي فيه فإن الماء ينفذ و يتخلل مسامه سريعا و الخف ليس كذلك و حكمه في الباطن أن من العباد عباد الله من يكون في الدلالة على الله أقوى من غيره فهو بمنزلة الجورب كما ثبت في الأثر عن الله في صفة أولياء الله حدثني غير واحد عمن حدثه يبلغ به النبي صلى الله عليه و سلم أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا رسول الله من أولياء الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين إذا رؤوا ذكر الله ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء له و ذلك لما قلناه مما يرى عليهم من قوة الدلالة على الله تعالى من الاستهتار بذكره سبحانه و ما هم عليه من الذلة و الطاعة و الافتقار مع الأنفاس إلى الله فإذا أراد الناس أن ينزهوهم لم يتمكن لهم تنزيههم إلا بتنزيه الله فإنهم ما يذكرونهم إلا بالله لما تعطيهم أحوالهم الصادقة مع الله فإن كان الخف مبطنا بجلد فهو الملامي الذي يستر نفسه و حاله مع الله عن العالم السفلي أن يدركوا مرتبة ولايته عند الله كما يستتر الجورب عن الأرض أن تدركه و تصيبه بالجلد الذي حال بين الأرض و بينه و هو الصفة التي استتر بها هذا الملامي من المباحات عن العالم الأسفل المحجوب فلم يدركوا منه إلا تلك الصفة التي لم يتميز بها عن عامة المؤمنين و هو من خلف تلك الصفة في مقام الولاية مع الله و بقي أعلى الجورب من جانب الأعلى مع الله سبحانه بلا حائل بينه و بين ربه عز و جل و قد فتحت لك باب الاعتبار شرعا و هو الجواز من الصورة التي ظهر حكمها في الحس إلى ما يناسبه في ذاتك أو في جناب الحق مما يدل على الحق هذا معنى الاعتبار فإنه من عبرت الوادي إذا قطعته و جزته