قرآن کریمبه زبان فارسی

(باب في الماء تخالطه النجاسة و لم تغير أحد أوصافه)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اختلف علماء الشريعة في الماء تخالطه النجاسة و لم تغير أحد أوصافه فمن قائل إنه طاهر مطهر سواء كان قليلا أو كثيرا و به أقول إلا أني أقول إنه مطهر غير طاهر في نفسه لأنا نعلم قطعا إن النجاسة خالطته لكن الشرع عفا عنها و لا أعرف هذا القول لأحد و هو معقول و ما عندنا من الشرع دليل إنه طاهر في نفسه لكنه طهور و إن احتجوا علينا بأن رسول الله ص قال خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‏ء قلنا ما قال إنه طاهر في نفسه و إنما قال فيه إنه طهور و الطهور هو الماء و التراب الذي يطهر غيره‏ فإنا كما قلنا نعلم قطعا إن الماء حامل النجاسة عقلا و لكن الشارع ما جعل لها أثرا في طهارة الإنسان به و لا سماه نجسا فقد يريد الشارع التعريف بحقيقة الأمر و هو أن الماء في نفسه طاهر بكل وجه أبدا لم يحكم عليه بنجاسة أي أن النجاسة ليست بصفة له و إنما أجزاء النجس تجاور أجزاءه فلما عسر الفصل بين أجزاء البول مثلا و بين أجزاء الماء و كثرت أجزاء النجاسة على أجزاء الماء فغيرت أحد أوصافه منع من الوضوء به شرعا على الحد المعتبر في الشرع و إذا غلبت أجزاء الماء على أجزاء النجاسة فلم يتغير أحد أوصافه لم يعتبرها الشارع و لا جعل لها حكما في الطهارة بها فإنا نعلم قطعا إن المتطهر استعمل الماء و النجاسة معا في طهارته الشرعية و الحكم للشرع في استعمال الأشياء لا للعقل و لم يرد شرع قط بأنه طاهر ليست فيه نجاسة إلا باعتبار ما ذكرناه من عدم تداخل الجواهر و هو أمر معقول فما بقي إلا تجاورها فاعتبر الشرع تلك المجاورة في موضع و لم يعتبرها في موضع فلذلك لم يجز الطهارة به في الموضع الذي اعتبرها و أجاز الطهارة به في الموضع الذي لم يعتبرها و لم يقل فيه إنه ليس فيه نجاسة فالحكم في الماء على ما ذكرناه على أربع مراتب إذا خالطته النجاسة أو لم تخالطه حكم بأنه طاهر مطهر و حكم بأنه طاهر غير مطهر و حكم بأنه غير مطهر و لا طاهر و حكم بأنه مطهر غير طاهر فالطاهر المطهر هو الماء الذي لم تخالطه نجاسة و الطاهر غير المطهر هو الماء الذي يخالطه ما ليس بنجس بحيث أن يزيل عنه اسم الماء المطلق مثل ماء الزعفران و غيره و حكم بأنه غير طاهر و لا مطهر و هو الماء الذي غيرت النجاسة أحد أوصافه و صاحب هذا الحكم يرد الحديث الذي احتج به علينا فإن الشارع قال لا ينجسه شي‏ء فكيف اعتبره هذا المحتج به هنا و لم يعتبره في الوجه الذي ذهبنا إليه في أنه مطهر غير طاهر و يلزمه ذلك ضرورة و ليس عنده دليل شرعي يرده و الحكم الرابع مطهر غير طاهر و هو الفصل الذي نحن بسبيله فإنه الماء الذي خالطته النجاسة و لم تغير أحد أوصافه و من قائل بالفرق بين القليل و الكثير فقالوا إن كان كثيرا لم ينجس و إن كان قليلا كان نجسا و لم يحد فيه حدا بل قال بأنه ينجس و لو لم يتغير أحد أوصافه‏ ثم اختلف هؤلاء في الحد بين القليل و الكثير و الخلاف في نفس الحد مشهور في المذاهب لا في نص الشرع الصحيح فإن الأحاديث في ذلك قد تكلم فيها مثل حديث القلتين و حديث الأربعين قلة ثم الخلاف بينهم في حد القلة و يتفرع على هذا الباب مسائل كثيرة مثل ورود الماء على النجاسة و ورود النجاسة على الماء و البول في الماء الدائم و غير ذلك و للناس في ذلك مذاهب كثيرة ليس هذا الكتاب موضعها فإنا ما قصدنا استقصاء جميع ما يتعلق من الأحكام بهذه الطهارة من جهة تفريع المسائل و إنما القصد الأمهات منها لأجل الاعتبار فيها بحكم الباطن فجردنا في هذا الباب نحوا من ثمانين بابا نذكرها إن شاء الله كلها بابا بابا و هكذا أفعل إن شاء الله في سائر العبادات التي عزمنا على ذكرها في هذا الكتاب من صلاة و زكاة و صيام و حج و الله المؤيد لا رب غيره‏ (وصل في حكم الباطن‏ و أما حكم الباطن فيما ذكرناه في هذا الباب) و هو الماء الذي تخالطه النجاسة و لم تغير أحد أوصافه فهو العلم الإلهي الذي يقتضي التنزيه عن صفات البشر فإذا خالطه من علم الصفات التي تتوهم منها المناسبة بينه و بين خلقه فوقع في نفس العالم به من ذلك نوع تشويش فاستهلك ذلك القدر من العلم بالصفات التي يقع بها الاشتراك في العلم الذي يقتضي التنزيه من جهة دليل العقل و من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ في دليل السمع فيبقى العلم بالله على أصله من طهارة التنزيه عقلا و شرعا مع كوننا نصفه بمثل هذه الصفات التي توهم التشبيه فإنه ما غيرت أوصافه تعالى فيثبت كل ذلك له مع تحقق ليس كمثله شي‏ء و أما حكم القليل و الكثير في ذلك و اختلاف الناس في النجاسة إن كان الماء قليلا فالقلة و الكثرة في الماء الطهور هو راجع إلى الأدلة الحاصلة عند العالم بالله فإن كان صاحب دليل واحد و طرأت عليه في علمه بتنزيه الحق في أي وجه كان شبهة أثرت في دليله زال كونه علما كما زال كون هذا الماء طاهرا مطهرا و إن كان صاحب أدلة كثيرة على مدلول واحد فإن الشبهة تستهلك فيه فإنها إذا قدحت في دليل منها لم يلتفت إليها و اعتمد على باقي أدلته فلم تؤثر هذه الشبهة في علمه و إنما أثرت في دليل خاص لا في جميع أدلته فهذا معنى الكثرة في الماء الذي لا تغير النجاسة حكمه‏ و أما من قال بترك الحد في ذلك و إن الماء يفسد فإنه يعتبر أحدية العين لا أحدية الدليل فيقول إن العلم تقدح فيه هذه الشبهة في زمان تصوره إياها و الزمان دقيق فربما مات في ذلك الزمان و هو غير مستحضر سائر الأدلة لضيق الزمان فيفسد عنده و في هذا الباب تفريع كثير لا يحتاج إلى إيراده و هذا القدر قد وقع به الاكتفاء في المطلوب‏