قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع) في معرفة بدء الجسوم الإنسانية و هو آخر جنس موجود من الع

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
نشأت حقيقة باطن الإنسانملكا قويا ظاهر السلطان‏
ثم استوت في عرش آدم ذاتهمثل استواء العرش بالرحمن‏
فبدت حقيقة جسمه في عينهاو بها انتهى ملك الوجود الثاني‏
و بدت معارف لفظه في علمه عند الكرام و حامل الشنآن‏
فتصاغرت لعلومه أحلامهم و تكبر الملعون من شيطان‏
باءوا بقرب الله في ملكوته إلا الشويطن باء بالخسران‏

اعلم أيدك الله أنه لما مضى من عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى و سبعون ألف سنة من السنين المعروفة في الدنيا و هذه المدة أحد عشر يوما من أيام غير هذا الاسم و من أيام ذي المعارج يوم و خمسا يوم و في هذه الأيام يقع التفاضل قال تعالى في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و قال وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فأصغر الأيام هي التي نعدها حركة الفلك المحيط الذي يظهر في يومه الليل و النهار فأقصر يوم عند العرب و هو هذا لأكبر فلك و ذلك لحكمه على ما في جوفه من الأفلاك إذ كانت حركة ما دونه في الليل و النهار حركة قسرية له قهر بها سائر الأفلاك التي يحيط بها و لكل فلك حركة طبيعية تكون له مع الحركة القسرية فكل فلك دونه ذو حركتين في وقت واحد حركة طبيعية و حركة قسرية و لكل حركة طبيعية في كل فلك يوم مخصوص بعد مقداره بالأيام الحادثة عن الفلك المحيط المعبر عنها بقوله مِمَّا تَعُدُّونَ و كلها تقطع في الفلك المحيط فكلما قطعته على الكمال كان يوما لها و يدور الدور فأصغر الأيام منها هو ثمانية و عشرون يوما مما تعدون و هو مقدار قطع حركة القمر في الفلك المحيط و نصب الله هذه الكواكب السبعة في السموات ليدرك البصر قطع فلكها في الفلك المحيط لنعلم عدد السنين و الحساب قال تعالى وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فلكل كوكب منها يوم مقدر يفضل بعضها على بعض على قدر سرعة حركاتها الطبيعية أو صغر أفلاكها و كبرها فاعلم إن الله تعالى لما خلق القلم و اللوح و سماهما العقل و الروح و أعطى الروح صفتين صفة علمية و صفة عملية و جعل العقل لها معلما و مفيدا إفادة مشاهدة حالية كما تستفيد من صورة السكين القطع من غير نطق يكون منه في ذلك و خلق تعالى جوهرا دون النفس الذي هو الروح المذكور سماه الهباء و هذه الاسمية له نقلناها من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏ و أما الهباءفمذكور في اللسان العربي قال تعالى فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا كذلك لما رآها علي بن أبي طالب أعني هذه الجوهرة منبثة في جميع الصور الطبيعية كلها و أنها لا تخلو صورة منها إذ لا تكون صورة إلا في هذه الجوهرة سماها هباء و هي مع كل صورة بحقيقتها لا تنقسم و لا تتجزى و لا تتصف بالنقص بل هي كالبياض الموجود في كل أبيض بذاته و حقيقته و لا يقال قد نقص من البياض قدر ما حصل منه في هذا الأبيض فهذا مثل حال هذه الجوهرة و عين الله سبحانه بين هذا الروح الموصوف بالصفتين و بين الهباء أربع مراتب و جعل كل مرتبة منزلا لأربعة أملاك و جعل هؤلاء الأملاك كالولاة على ما أحدثه سبحانه دونهم من العالم من عليين إلى أسفل سافلين و وهب كل ملك من هؤلاء الملائكة علم ما يريد إمضائه في العالم فأول شي‏ء أوجده الله في الأعيان مما يتعلق به علم هؤلاء الملائكة و تدبيرهم الجسم الكلي و أول شكل فتح في هذا الجسم الشكل الكري المستدير إذ كان أفضل الأشكال ثم نزل سبحانه بالإيجاد و الخلق إلى تمام الصنعة و جعل جميع ما خلقه تعالى مملكة لهؤلاء الملائكة و ولاهم أمورها في الدنيا و الآخرة و عصمهم عن المخالفة فيما أمرهم به فأخبرنا سبحانه أنهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ و لما انتهى خلق المولدات من الجمادات و النبات و الحيوان بانتهاء إحدى و سبعين ألف سنة من سنى الدنيا مما نعد و رتب العالم ترتيبا حكميا و لم يجمع سبحانه لشي‏ء مما خلقه من أول موجود إلى آخر مولود و هو الحيوان بين يديه تعالى إلا للإنسان و هي هذه النشأة البدنية الترابية بل خلق كل ما سواها إما عن أمر إلهي أو عن يد واحدة قال تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فهذا عن أمر إلهي و ورد في الخبر أن الله عز و جل خلق جنة عدن بيده و كتب التوراة بيده و غرس شجرة طوبى بيده و خلق آدم الذي هو الإنسان بيديه‏ فقال تعالى لإبليس على جهة التشريف لآدم ع ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ‏ و لما خلق الله الفلك الأدنى الذي هو الأول المذكور آنفا قسمه اثني عشر قسما سماها قال تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فجعل كل قسم برجا و جعل تلك الأقسام ترجع إلى أربعة في الطبيعة ثم كرر كل واحد من الأربعة في ثلاثة مواضع منه و جعل هذه الأقسام كالمنازل و المناهل التي ينزل فيها المسافرون و يسير فيها السائرون في حال سيرهم و سفرهم لينزل في هذه الأقسام عند سير الكواكب فيها و سياحتهم ما يحدث الله في جوف هذا الفلك من الكواكب التي تقطع بسيرها في هذه البروج ليحدث الله عند قطعها و سيرها ما شاء أن يحدث الله في جوفي هذا الفلك من الكواكب التي تقطع بسيرها في هذه البروج ليحدث الله عند قطعها و سيرها ما شاء أن يحدث من العالم الطبيعي و العنصري و جعلها علامات على أثر حركة فلك البروج فاعلم‏ فقسم من هذه الأربعة طبيعته الحرارة و اليبوسة و الثاني البرودة و اليبوسة و الثالث الحرارة و الرطوبة و الرابع البرودة و الرطوبة و جعل الخامس و التاسع من هذه الأقسام مثل الأول و جعل السادس و العاشر مثل الثاني و جعل السابع و الحادي عشر مثل الثالث و جعل الثامن و الثاني عشر مثل الرابع أعني في الطبيعة فحصر الأجسام الطبيعية بخلاف و الأجسام العنصرية بلا خلاف في هذه الأربعة التي هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و مع كونها أربعا أمهات فإن الله جعل اثنين منها أصلا في وجود الاثنين الآخرين فانفعلت اليبوسة عن الحرارة و الرطوبة عن البرودة فالرطوبة و اليبوسة موجودتان عن سببين هما الحرارة و البرودة و لهذا ذكر الله في قوله تعالى وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا في كِتابٍ مُبِينٍ لأن المسبب يلزم من كونه مسببا وجود السبب أو منفعلا وجود الفاعل كيف شئت فقل و لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب‏ و لما خلق الله هذا الفلك الأول دار دورة غير معلومة الانتهاء إلا لله تعالى لأنه ليس فوقه شي‏ء محدود من الأجرام يقطع فيه فإنه أول الأجرام الشفافة فتتعدد الحركات و تتميز و لا كان قد خلق الله في جوفه شيئا فتتميز الحركات و تنتهي عند من يكون في جوفه و لو كان لم تتميز أيضا لأنه أطلس لا كوكب فيه متشابه الأجزاء فلا يعرف مقدار الحركة الواحدة منه و لا تتعين فلو كان فيه جزء مخالف لسائر أجزائه عد به حركاته بلا شك و لكن علم الله قدرها و انتهاءها و كرورها فحدث عن تلك الحركة اليوم و لم يكن ثم ليل و لا نهار في هذا اليوم ثم استمرت حركات هذا الفلك فخلق الله ملائكة خمسة و ثلاثين ملكا أضافهم إلى ما ذكرناه من الأملاك الستة عشر فكان الجميع أحدا و خمسين ملكا من جملة هؤلاء الملائكة جبريل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل ثم خلق تسعمائة ملك و أربعا و سبعين و أضافهم إلى ما ذكرناه من الأملاك و أوحى إليهم و أمرهم بما يجري على أيديهم في خلقه فقالواوَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و قال فيهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ فهؤلاء من الملائكة هم الولاة خاصة و خلق الله ملائكة هم عمار السموات و الأرض لعبادته فما في السماء و الأرض موضع إلا و فيه ملك و لا يزال الحق يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين‏ و لما انتهى من حركات هذا الفلك الأول و مدته أربع و خمسون ألف سنة مما تعدون خلق الله الدار الدنيا و جعل لها أمدا معلوما تنتهي إليه و تنقضي صورتها و تستحيل من كونها دارا لنا و قبولها صورة مخصوصة و هي التي نشاهدها اليوم إلى أن تبدل الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ و لما انقضى من مد حركة هذا الفلك ثلاث و ستون ألف سنة مما تعدون خلق الله الدار الآخرة الجنة و النار اللتين أعدهما الله لعباده السعداء و الأشقياء فكان بين خلق الدنيا و خلق الآخرة تسع آلاف سنة مما تعدون و لهذا سميت آخرة لتاخر خلقها عن خلق الدنيا و سميت الدنيا الأولى لأنها خلقت قبلها قال تعالى وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولى‏ يخاطب نبيه صلى الله عليه و سلم و لم يجعل للآخرة مدة ينتهي إليها بقاؤها فلها البقاء الدائم‏ و جعل سقف الجنة هذا الفلك و هو العرش عندهم الذي لا تتعين حركته و لا تتميز فحركته دائمة لا تنقضي و ما من خلق ذكرناه خلق إلا و تعلق القصد الثاني منه وجود الإنسان الذي هو الخليفة في العالم و إنما قلت القصد الثاني إذ كان القصد الأول معرفة الحق و عبادته التي لها خلق العالم كله فما من شي‏ء إلا و هو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و معنى القصد الثاني و الأول التعلق الإرادي لا حدوث الإرادة لأن الإرادة لله صفة قديمة أزلية اتصفت بها ذاته كسائر صفاته‏ و لما خلق الله هذه الأفلاك و السموات وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و رتب فيها أنوارها و سرجها و عمرها بملائكته و حركها تعالى فتحركت طائعة لله آتية إليه طلبا للكمال في العبودية التي تليق بها لأنه تعالى دعاها و دعا الأرض ف فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لأمر حد لهما قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فهما آتيتان أبدا فلا تزالان متحركتين غير أن حركة الأرض خفية عندنا و حركتها حول الوسط لأنها أكر فأما السماء فاتت طائعة عند أمر الله لها بالإتيان و أما الأرض فاتت طائعة لما علمت نفسها مقهورة و أنه لا بد أن يؤتى بها بقوله أَوْ كَرْهاً فكانت المرادة بقوله تعالى أَوْ كَرْهاً فاتت طائعة كرها فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و قد كان خَلَقَ الْأَرْضَ و قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها من أجل المولدات فجعلها خزانة لأقواتهم و قد ذكرنا ترتيب نش‏ء العالم في كتاب عقلة المستوفز فكان من تقدير أقواتها وجود الماء و الهواء و النار و ما في ذلك من البخارات و السحب و البروق و الرعود و الآثار العلوية و ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ و خلق الجان من النار و الطير و الدواب البرية و البحرية و الحشرات من عفونات الأرض ليصفو الهواء لنا من بخارات العفونات التي لو خالطت الهواء الذي أودع الله حياة هذا الإنسان و الحيوان و عافيته فيه لكان سقيما مريضا معلولا فصفى له الجو سبحانه لطفا منه بتكوين هذه المعفنات فقلت الأسقام و العلل‏ و لما استوت المملكة و تهيأت و ما عرف أحد من هؤلاء المخلوقات كلها من أي جنس يكون هذا الخليفة الذي مهد الله هذه المملكة لوجوده فلما وصل الوقت المعين في علمه لإيجاد هذا الخليفة بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشرة ألف سنة و من عمر الآخرة الذي لا نهاية له في الدوام ثمان آلاف سنة أمر الله بعض ملائكته أن يأتيه بقبضة من كل أجناس تربة الأرض فأتاه بها في خبر طويل معلوم عند الناس فأخذها سبحانه و خمرها بيديه فهو قوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و كان الحق قد أودع عند كل ملك من الملائكة الذين ذكرناهم وديعة لآدم و قال لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من طِينٍ و هذه الودائع التي بأيديكم له فإذا خلقته فليؤد إليه كل واحد منكم ما عنده مما أمنتكم عليه ثم فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فلما خمر الحق تعالى بيديه طينة آدم حتى تغير ريحها و هو المسنون و ذلك الجزء الهوائي الذي في النشأة جعل ظهره محلا للأشقياء و السعداء من ذريته فأودع فيه ما كان في قبضتيه فإنه سبحانه أخبرنا أن في قبضة يمينه السعداء و في قبضة اليد الأخرى الأشقياء و كلتا يدي ربي يمين مباركة و قال هؤلاء للجنة و بعمل أهل الجنة يعملون و هؤلاء للنار و بعمل أهل النار يعملون و أودع الكل طينة آدم و جمع فيه الأضداد بحكم المجاورة و أنشأه على الحركة المستقيمة و ذلك في دولة السنبلة و جعله ذا جهات ست الفوق و هو ما يلي رأسه و التحت يقابله و هو ما يلي رجليه و اليمين و هو ما يلي جانبه الأقوى و الشمال يقابله و هو ما يلي جانبه‏الأضعف و الأمام و هو ما يلي الوجه و يقابله الخلف و هو ما يلي القفا و صوره و عدله و سواه ثم نفخ فيه من روحه المضاف إليه فحدث عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه أركان الأخلاط التي هي الصفراء و السوداء و الدم و البلغم فكانت الصفراء عن الركن الناري الذي أنشأه الله منه في قوله تعالى من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ و كانت السوداء عن التراب و هو قوله خَلَقَهُ من تُرابٍ و كان الدم من الهواء و هو قوله مَسْنُونٍ و كان البلغم من الماء الذي عجن به التراب فصار طينا ثم أحدث فيه القوة الجاذبة التي بها يجذب الحيوان الأغذية ثم القوة الماسكة و بها يمسك ما يتغذى به الحيوان ثم القوة الهاضمة و بها يهضم الغذاء ثم القوة الدافعة و بها يدفع الفضلات عن نفسه من عرق و بخار و رياح و براز و أمثال ذلك و أما سريان الأبخرة و تقسيم الدم في العروق من الكبد و ما يخلصه كل جزء من الحيوان فبالقوة الجاذبة لا الدافعة فحظ القوة الدافعة ما نخرجه كما قلنا من الفضلات لا غير ثم أحدث فيه القوة الغاذية و المنمية و الحاسية و الخيالية و الوهمية و الحافظة و الذاكرة و هذا كله في الإنسان بما هو حيوان لا بما هو إنسان فقط غير أن هذه القوي الأربعة قوة الخيال و الوهم و الحفظ و الذكر هي في الإنسان أقوى منها في الحيوان ثم خص آدم الذي هو الإنسان بالقوة المصورة و المفكرة و العاقلة فتميز عن الحيوان و جعل هذه القوي كلها في هذا الجسم آلات للنفس الناطقة لتصل بذلك إلى جميع منافعها المحسوسة و المعنوية ثم أنشأه خلقا آخر و هو الإنسانية فجعله دراكا بهذه القوي حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا على حد معلوم معتاد في اكتسابه فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثم إنه سبحانه ما سمي نفسه باسم من الأسماء إلا و جعل للإنسان من التخلق بذلك الاسم حظا منه يظهر به في العالم على قدر ما يليق به و لذلك تأول بعضهم‏ قوله ع إن الله خلق آدم على صورته‏ على هذا المعنى و أنزله خليفة عنه في أرضه إذ كانت الأرض من عالم التغيير و الاستحالات بخلاف العالم الأعلى فيحدث فيهم من الأحكام بحسب ما يحدث في العالم الأرضي من التغيير فيظهر لذلك حكم جميع الأسماء الإلهية فلذلك كان خليفة في الأرض دون السماء و الجنة ثم كان من أمره ما كان من علم الأسماء و سجود الملائكة و إباية إبليس يأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله‏ فإن هذا الباب مخصوص بابتداء الجسوم الإنسانية و هي أربعة أنواع جسم آدم و جسم حواء و جسم عيسى و أجسام بنى آدم و كل جسم من هذه الأربعة نشؤه يخالف نش‏ء الآخر في السببية مع الاجتماع في الصورة الجسمانية و الروحانية و إنما سقنا هذا و نبهنا عليه لئلا يتوهم الضعيف العقل أن القدرة الإلهية أو أن الحقائق لا تعطي أن تكون هذه النشأة الإنسانية إلا عن سبب واحد يعطي بذاته هذا النش‏ء فرد الله هذه الشبهة بأن أظهر هذا النش‏ء الإنساني في آدم بطريق لم يظهر به جسم حواء و أظهر جسم حواء بطريق لم يظهر جسم ولد آدم و أظهر جسم أولاد آدم بطريق لم يظهر به جسم عيسى ع و ينطلق على كل واحد من هؤلاء اسم الإنسان بالحد و الحقيقة ذلك ليعلم أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ و أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ثم إن الله قد جمع هذه الأربعة الأنواع من الخلق في آية من القرآن في سورة الحجرات فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ يريد آدم من ذَكَرٍ يريد حواء وَ أُنْثى‏ يريد عيسى و من المجموع من ذكر و أنثى يريد بنى آدم بطريق النكاح و التوالد فهذه الآية من جوامع الكلم و فصل الخطاب الذي أوتي محمد صلى الله عليه و سلم‏ و لما ظهر جسم آدم كما ذكرناه و لم تكن فيه شهوة نكاح و كان قد سبق في علم الحق إيجاد التوالد و التناسل و النكاح في هذه الدار إنما هو لبقاء النوع فاستخرج من ضلع آدم من القصيري حواء فقصرت بذلك عن درجة الرجل كما قال تعالى وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فما تلحق بهم أبدا و كانت من الضلع للانحناء الذي في الضلوع لتحنو بذلك على ولدها و زوجها فحنو الرجل على المرأة حنوه على نفسه لأنها جزء منه و حنو المرأة على الرجل لكونها خلقت من الضلع و الضلع فيه انحناء و انعطاف‏ و عمر الله الموضع من آدم الذي خرجت منه حواء بالشهوة إليها إذ لا يبقى في الوجود خلاء فلما عمره بالهواء حن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه و حنت إليه لكونه موطنها الذي نشأت فيه فحب حواء حب الموطن و حب آدم حب نفسه و لذلك يظهر حب الرجل للمرأة إذ كانت عينه و أعطيت المرأة القوة المعبر عنها بالحياء في محبة الرجل فقويت على الإخفاء لأن الموطن لا يتحد بها اتحاد آدم بها فصور في ذلك الضلع جميع ما صوره و خلقه في جسم آدم فكان نش‏ء جسم آدم في صورته كنش‏ء الفاخوري فيما ينشئه من الطين و الطبخ و كان نش‏ء جسم حواء نش‏ء النجار فيما ينحته من الصور في الخشب فلما نحتها في الضلع و أقام صورتها و سواها و عدلها نفخ فيها من روحه فقامت حية ناطقة أنثى ليجعلها محلا للزراعة و الحرث لوجود الإنبات الذي هو التناسل فسكن إليها و سكنت إليه و كانت لباسا له و كان لباسا لها قال تعالى هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ و سرت الشهوة منه في جميع أجزائه فطلبها فَلَمَّا تَغَشَّاها و ألقى الماء في الرحم و دار بتلك النطفة من الماء دم الحيض الذي كتبه الله على النساء تكون في ذلك الجسم جسم ثالث على غير ما تكون منه جسم آدم و جسم حواء فهذا هو الجسم الثالث فتولاه الله بالنش‏ء في الرحم حالا بعد حال بالانتقال من ماء إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظم ثم كسا العظم لحما فلما أتم نشأته الحيوانية أنشأه خلقا آخر فنفخ فيه الروح الإنساني فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و لو لا طول الأمر لبينا تكوينه في الرحم حالا بعد حال و من يتولى ذلك من الملائكة الموكلين بإنشاء الصور في الأرحام إلى حين الخروج و لكن كان الغرض الإعلام بأن الأجسام الإنسانية و إن كانت واحدة في الحد و الحقيقة و الصور الحسية و المعنوية فإن أسباب تأليفها مختلفة لئلا يتخيل أن ذلك لذات السبب تعالى الله بل ذلك راجع إلى فاعل مختار يفعل ما يشاء كيف يشاء من غير تحجير و لا قصور على أمر دون أمر لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و لما قال أهل الطبيعة إن ماء المرأة لا يتكون منه شي‏ء و إن الجنين الكائن في الرحم إنما هو من ماء الرجل لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكوينا آخر و إن كان تدبيره في الرحم تدبير أجسام البنين فإن كان من ماء المرأة إذ تمثل لها الروح بَشَراً سَوِيًّا أو كان عن نفخ بغير ماء فعلى كل وجه هو جسم رابع مغاير في النش‏ء غيره من أجسام النوع و لذلك قال تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ أي صفة نش‏ء عيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ الضمير يعود على آدم و وقع الشبه في خلقه من غير أب أي صفة نشئه صفة نش‏ء آدم إلا أن آدم خلقه من تراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ ثم إن عيسى على ما قيل لم يلبث في بطن مريم لبث البنين المعتاد لأنه أسرع إليه التكوين لما أراد الله أن يجعله آية و يرد به على الطبيعيين حيث حكموا على الطبيعة بما أعطتهم من العادة لا بما تقتضيه مما أودع الله فيها من الأسرار و التكوينات العجيبة و لقد أنصف بعض حذاق هذا الشأن الطبيعة فقال لا نعلم منها إلا ما أعطتنا خاصة و فيها ما لا نعلم‏ فهذا قد ذكرنا ابتداء الجسوم الإنسانية و إنها أربعة أجسام مختلفة النش‏ء كما قررنا و أنه آخر المولدات فهو نظير العقل الأول و به ارتبط لأن الوجود دائرة فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأول الذي ورد في الخبر أنه أول ما خلق الله العقل فهو أول الأجناس و انتهى الخلق إلى الجنس الإنساني فكملت الدائرة و اتصل الإنسان بالعقل كما يتصل آخر الدائرة بأولها فكانت دائرة و ما بين طرفي الدائرة جميع ما خلق الله من أجناس العالم بين العقل الأول الذي هو القلم أيضا و بين الإنسان الذي هو الموجود الآخر و لما كانت الخطوط الخارجة من النقطة التي في وسط الدائرة إلى المحيط الذي وجد عنها تخرج على السواء لكل جزء من المحيط كذلك نسبة الحق تعالى إلى جميع الموجودات نسبة واحدة فلا يقع هناك تغيير البتة كانت الأشياء كلها ناظرة إليه و قابلة منه ما يهبها نظر أجزاء المحيط إلى النقطة و أقام سبحانه هذه الصورة الإنسانية بالحركة المستقيمة صورة العمد الذي للخيمة فجعله لقبة هذه السموات فهو سبحانه يمسكها أن تزول بسببه فعبرنا عنه بالعمد فإذا فنيت هذه الصورة و لم يبق منها على وجه الأرض أحد متنفس وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ لأن العمد زال و هو الإنسان و لما انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها و خربت الدنيا بانتقاله عنها علمنا قطعا إن الإنسان هو العين المقصودة لله من العالم و أنه الخليفة حقا و أنه محل ظهور الأسماء الإلهية و هو الجامع لحقائق العالم كله من ملك و فلك و روح و جسم و طبيعة و جماد و نبات و حيوان إلى ما خص به من علم الأسماء الإلهية مع صغر حجمه و جرمه و إنما قال الله فيه بأن خلق السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ لكون الإنسان متولدا عن السماء و الأرض فهما له كالأبوين فرفع الله مقدارهما وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فلم يرد في الجرمية فإن ذلك معلوم حسا غير أن الله تعالى ابتلاه ببلاء ما ابتلى به أحدا من خلقه إما لأن يسعده أو يشقيه على حسب ما يوفقه إلى استعماله فكان البلاء الذي ابتلاه به إن خلق فيه قوة تسمى الفكر و جعل هذه القوة خادمة لقوة أخرى تسمى العقل و جبر العقل مع سيادته على الفكر أن يأخذ منه ما يعطيه و لم يجعل للفكر مجالا إلا في القوة الخيالية و جعل سبحانه القوة الخيالية محلاجامعا لما تعطيها القوة الحساسة و جعل له قوة يقال لها المصورة فلا يحصل في القوة الخيالية إلا ما أعطاه الحس أو أعطته القوة المصورة و مادة المصورة من المحسوسات فتركب صورا لم يوجد لها عين لكن أجزاؤها كلها موجودة حسا و ذلك لأن العقل خلق ساذجا ليس عنده من العلوم النظرية شي‏ء و قيل للفكر ميز بين الحق و الباطل الذي في هذه القوة الخيالية فينظر بحسب ما يقع له فقد يحصل في شبهة و قد يحصل في دليل عن غير علم منه بذلك و لكن في زعمه أنه عالم بصور الشبه من الأدلة و أنه قد حصل على علم و لم ينظر إلى قصور المواد التي استند إليها في اقتناء العلوم فيقبلها العقل منه و يحكم بها فيكون جهله أكثر من علمه بما لا يتقارب ثم إن الله كلف هذا العقل معرفته سبحانه ليرجع إليه فيها لا إلى غيره ففهم العقل نقيض ما أراد به الحق بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فاستند إلى الفكر و جعله إماما يقتدى به و غفل عن الحق في مراده بالتفكر أنه خاطبه أن يتفكر فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلا بتعريف الله فيكشف له عن الأمر على ما هو عليه فلم يفهم كل عقل هذا الفهم إلا عقول خاصة الله من أنبيائه و أوليائه يا ليت شعري هل بأفكارهم قالُوا بَلى‏ حين أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ في قبضة الذرية من ظهر آدم لا و الله بل عناية إشهاده إياهم ذلك عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم و لما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة الله لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة الله و ذهب كل طائفة إلى مذهب و كثرت القالة في الجناب الإلهي الأحمى و اجترءوا غاية الجراءة على الله و هذا كله من الابتلاء الذي ذكرناه من خلقه الفكر في الإنسان و أهل الله افتقروا إليه فيما كلفهم من الايمان به في معرفته و علموا إن المراد منهم رجوعهم إليه في ذلك و في كل حال فمنهم القائل سبحان من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا العجز عن معرفته و منهم من قال العجز عن درك الإدراك إدراك و قال صلى الله عليه و سلم لا أحصي ثناء عليك‏ و قال تعالى وَ لا يُحِيطُونَ به عِلْماً فرجعوا إلى الله في المعرفة به و تركوا الفكر في مرتبته و وفوه حقه لم ينقلوه إلى ما لا ينبغي له التفكر فيه و قد ورد النهي عن التفكر في ذات الله‏ و الله يقول وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ فوهبهم الله من معرفته ما وهبهم و أشهدهم من مخلوقاته و مظاهره ما أشهدهم فعلموا أنه ما يستحيل عقلا من طريق الفكر لا يستحيل نسبة إلهية كما سنورد من ذلك طرفا في باب الأرض المخلوقة من بقية طينة آدم و غيرها فالذي ينبغي للعاقل أن ندين الله به في نفسه أن يعلم إِنَّ الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ من ممكن و محال و لا كل محال نافذ الاقتدار واسع العطاء ليس لإيجاده تكرار بل أمثال تحدث في جوهر أوجده و شاء بقاه و لو شاء أفناه مع الأنفاس لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏