إيجاز البيان بضرب من الإجمال بدء الخلق الهباء و أول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية و لا أين يحصرها لعدم التحيز و مم وجد وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود و لا بالعدم و فيم وجد في الهباء و على أي مثال وجد الصورة المعلومة في نفس الحق و لم وجد لإظهار الحقائق الإلهية و ما غايته التخليص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج فغايته إظهار حقائقه و معرفة أفلاك الأكبر من العالم و هو ما عدا الإنسان في اصطلاح الجماعة و العالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم و علته و سببه و أفلاكه مقاماته و حركاته و تفصيل طبقاته فهذا جميع ما يتضمنه هذا الباب فكما إن الإنسان عالم صغير من طريق الجسم كذلك هو أيضا حقير من طريق الحدوث و صح له التأله لأنه خليفة الله في العالم و العالم مسخر له مألوه كما إن الإنسان مألوه لله تعالى و اعلم أن أكمل نشأة الإنسان إنما هي في الدنيا و أما الآخرة فكل إنسان من الفرقتين على النصف في الحال لا في العلم فإن كل فرقة عالمة بنقيض حالها فليس الإنسان إلا المؤمن و الكافر معا سعادة و شقاء نعيم و عذاب منعم و معذب و لهذا معرفة الدنيا أتم و تجلى الآخرة أعلى فافهم و حل هذا القفل و لنا رمز لمن تفطن و هو لفظه بشيع شنيع و معناه بديع
بسط الباب و بيانه و من الله التأييد و العون اعلموا أن المعلومات أربعة الحق تعالى و هو الموصوف بالوجود المطلق لأنه سبحانه ليس معلولا لشيء و لا علة بل هو موجود بذاته و العلم به عبارة عن العلم بوجوده و وجوده ليس غير ذاته مع أنه غير معلوم الذات لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات أعني صفات المعاني و هي صفات الكمال و أما العلم بحقيقة الذاتفممنوع لا تعلم بدليل و لا ببرهان عقلي و لا يأخذها حد فإنه سبحانه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء فكيف يعرف من يشبه الأشياء من لا يشبهه شيء و لا يشبهه شيئا فمعرفتك به إنما هي إنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ و قد ورد المنع من الشرع في التفكر في ذات الله (و معلوم ثان) و هو الحقيقة الكلية التي هي للحق و للعالم لا تتصف بالوجود و لا بالعدم و لا بالحدوث و لا بالقدم هي في القديم إذا وصف بها قديمة و في المحدث إذا وصف بها محدثة لا تعلم المعلومات قديمها و حديثها حتى تعلم هذه الحقيقة و لا توجد هذه الحقيقة حتى توجد الأشياء الموصوفة بها فإن وجد شيء عن غير عدم متقدم كوجود الحق و صفاته قيل فيها موجود قديم لإنصاف الحق بها و إن وجد شيء عن عدم كوجود ما سوى الله و هو المحدث الموجود بغيره قيل فيها محدثة و هي في كل موجود بحقيقتها فإنها لا تقبل التجزي فما فيها كل و لا بعض و لا يتوصل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل و لا ببرهان فمن هذه الحقيقة وجد العالم بوساطة الحق تعالى و ليست بموجودة فيكون الحق قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم و كذلك لتعلم أيضا أن هذه الحقيقة لا تتصف بالتقدم على العالم و لا العالم بالتأخر عنها و لكنها أصل الموجودات عموما و هي أصل الجوهر و فلك الحياة و الحق المخلوق به و غير ذلك و هي الفلك المحيط المعقول فإن قلت إنها العالم صدقت أو إنها ليست العالم صدقت أو إنها الحق أو ليست الحق صدقت تقبل هذا كله و تتعدد بتعدد أشخاص العالم و تتنزه بتنزيه الحق و إن أردت مثالها حتى يقرب إلى فهمك فانظر في العودية في الخشبة و الكرسي و المحبرة و المنبر و التابوت و كذلك التربيع و أمثاله في الأشكال في كل مربع مثلا من بيت و تابوت و ورقة و التربيع و العودية بحقيقتها في كل شخص من هذه الأشخاص و كذلك الألوان بياض الثوب و الجوهر و الكاغذ و الدقيق و الدهان من غير أن تتصف البياضية المعقولة في الثوب بأنها جزء منها فيه بل حقيقتها ظهرت في الثوب ظهورها في الكاغذ و كذلك العلم و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و جميع الأشياء كلها فقد بينت لك هذا المعلوم و قد بسطنا القول فيه كثيرا في كتابنا الموسوم بإنشاء الجداول و الدوائر (و معلوم ثالث) و هو العالم كله الأملاك و الأفلاك و ما تحويه من العوالم و الهواء و الأرض و ما فيهما من العالم و هو الملك الأكبر (و معلوم رابع) و هو الإنسان الخليفة الذي جعله الله في هذا العالم المقهور تحت تسخيره قال تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فمن علم هذه المعلومات فما بقي له معلوم أصلا يطلبه فمنها ما لا نعلم إلا وجوده و هو الحق تعالى و تعلم أفعاله و صفاته بضرب من الأمثلة و منها ما لا يعلم إلا بالمثال كالعلم بالحقيقة الكلية و منها ما يعلم بهذين الوجهين و بالماهية و الكيفية و هو العالم و الإنسان
«وصل» كان الله و لا شيء معه ثم أدرج فيه و هو الآن على ما عليه كان لم يرجع إليه من إيجاده العالم صفة لم يكن عليها بل كان موصوفا لنفسه و مسمى قبل خلقه بالأسماء التي يدعونه بها خلقه فلما أراد وجود العالم و بدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال و الصور و هذا هو أول موجود في العالم و قد ذكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه و سهل بن عبد الله رحمه الله و غيرهما من أهل التحقيق أهل الكشف و الوجود ثم إنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء و يسمونه أصحاب الأفكار الهيولى الكل و العالم كله فيه بالقوة و الصلاحية فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته و استعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج و على قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوءه و قبوله قال تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه و سلم المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره و أول ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهي و من الهباء و من الحقيقة الكلية و في الهباء وجد عينه و عين العالم من تجليه و أقرب الناس إليه علي بن أبي طالب و أسرار الأنبياء أجمعين و أما المثال الذي عليه وجد العالم كله من غير تفصيل فهو العلم القائم بنفس الحق تعالى فإنه سبحانه علمنا بعلمه بنفسه و أوجدنا على حد ما علمنا و نحن على هذا الشكل المعين في علمه و لو لم يكن الأمر كذلك لأخذنا هذا الشكل بالاتفاق لا عن قصد لأنه لا يعلمه و ما يتمكن أن تخرج صورة في الوجود بحكم الاتفاق فلو لا إن هذا الشكل المعين معلوم لله سبحانه و مراد له ما أوجدنا عليه و لم يأخذ هذا الشكل من غيره إذ قد ثبت أنه كان و لا شيء معه فلم يبق إلا أن يكون ما برز عليه في نفسه من الصورة فعلمه بنفسه علمه بنا أزلا لا عن عدم فعلمه بنا كذلك فمثالنا الذي هو عين علمه بنا قديم بقدم الحق لأنه صفة له و لا تقوم بنفسه الحوادث جل الله عن ذلك و أما قولنا و لم وجد و ما غايته يقول الله عز و جل وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فصرح بالسبب الذي لأجله أوجدنا و هكذا العالم كله و خصصنا و الجن بالذكر و الجن هنا كل مستتر من ملك و غيره و قد قال تعالى في حق السموات و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و كذلك قال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها و ذلك لما كان عرضا و أما لو كان أمرا لأطاعوا و حملوها فإنه لا تتصور منهم معصية جبلوا على ذلك و الجن الناري و الإنس ما جبلا على ذلك و كذلك من الإنس أصحاب الأفكار من أهل النظر و الأدلة المقصورة على الحواس و الضرورات و البديهيات يقولون لا بد أن يكون المكلف عاقلا بحيث يفهم ما يخاطب به و صدقوا و كذلك هو الأمر عندنا العالم كله عاقل حي ناطق من جهة الكشف بخرق العادة التي الناس عليها أعني حصول العلم بهذا عندنا غير أنهم قالوا هذا جماد لا يعقل و وقفوا عند ما أعطاهم بصرهم و الأمر عندنا بخلاف ذلك فإذا جاء عن نبي أن حجرا كلمه أو كتف شاة أو جذع نخلة أو بهيمة يقولون خلق الله فيه الحياة و العلم في ذلك الوقت و الأمر عندنا ليس كذلك بل سر الحياة في جميع العالم و أن كل من يسمع المؤذن من رطب و يابس يشهد له و لا يشهد إلا من علم هذا عن كشف عندنا لا عن استنباط من نظر بما يقتضيه ظاهر خبر و لا غير ذلك و من أراد أن يقف عليه فليسلك طريق الرجال و ليلزم الخلوة و الذكر فإن الله سيطلعه على هذا كله عينا فيعلم إن الناس في عماية عن إدراك هذه الحقائق فأوجد العالم سبحانه ليظهر سلطان الأسماء فإن قدرة بلا مقدور وجودا بلا عطاء و رازقا بلا مرزوق و مغيثا بلا مغاث و رحيما بلا مرحوم حقائق معطلة التأثير و جعل العالم في الدنيا ممتزجا مزج القبضتين في العجنة ثم فصل الأشخاص منها فدخل من هذه في هذه من كل قبضة في أختها فجهلت الأحوال و في هذا تفاضلت العلماء في استخراج الخبيث من الطيب و الطيب من الخبيث و غايته التخليص من هذه المزجة و تمييز القبضتين حتى تنفرد هذه بعالمها و هذه بعالمها كما قال الله تعالى لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ من الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ فمن بقي فيه شيء من المزجة حتى مات عليها لم يحشر يوم القيامة من الآمنين و لكنه منهم من يتخلص من المزجة في الحساب و منهم من لا يتخلص منها إلا في جهنم فإذا تخلص أخرج فهؤلاء هم أهل الشفاعة و أما من تميز هنا في إحدى القبضتين انقلب إلى الدار الآخرة بحقيقته من قبره إلى نعيم أو إلى عذاب و جحيم فإنه قد تخلص فهذا غاية العالم و هاتان حقيقتان راجعتان إلى صفة هو الحق عليها في ذاته و من هنا قلنا يرونه أهل النار معذبا و أهل الجنة منعما و هذا سر شريف ربما تقف عليه في الدار الآخرة عند المشاهدة إن شاء الله و قد نالها المحققون في هذه الدار و أما قولنا في هذا الباب و معرفة أفلاك العالم الأكبر و الأصغر الذي هو الإنسان فأعني به عوالم كلياته و أجناسه و أمراؤه الذين لهم التأثير في غيرهم و جعلتها مقابلة هذا نسخة من هذا و قد ضربنا لها دوائر على صور الأفلاك و ترتيبها في كتاب إنشاء الدوائر و الجداول الذي بدأنا وضعه بتونس بمحل الإمام أبي محمد عبد العزيز ولينا و صفينا رحمه الله فلنلق منه في هذا الباب ما يليق بهذا المختصر فنقول إن العوالم أربعة العالم الأعلى و هو عالم البقاء ثم عالم الاستحالة و هو عالم الفناء ثم عالم التعمير و هو عالم البقاء و الفناء ثم عالم النسب و هذه العوالم في موطنين في العالم الأكبر و هو ما خرج عن الإنسان و في العالم الأصغر و هو الإنسان (فأما العالم الأعلى) فالحقيقة المحمدية و فلكها الحياة نظيرها من الإنسان اللطيفة و الروح القدسي و منهم العرش المحيط و نظيره من الإنسان الجسم و من ذلك الكرسي و نظيره من الإنسان النفس و من ذلك البيت المعمور و نظيره من الإنسان القلب و من ذلك الملائكة و نظيرها من الإنسان الأرواح التي فيه و القوي و من ذلك زحل و فلكه نظيره من الإنسان القوة العلمية و النفس و من ذلك المشتري و فلكه نظيرهما القوة الذاكرة و مؤخر الدماغ و من ذلك الأحمر و فلكه نظيرهما القوة العاقلة و اليافوخ و من ذلك الشمس و فلكها نظيرهما القوة المفكرة و وسط الدماغ ثم الزهرة و فلكها نظيرهما القوة الوهمية و الروح الحيواني ثم الكاتب و فلكه نظيرهما القوة الخيالية و مقدم الدماغ ثم القمر و فلكه نظيرهما القوة الحسية و الجوارح التي تحس فهذه طبقات العالم الأعلى و نظائره من الإنسان (و أما عالم الاستحالة) فمن ذلك كرة الأثير و روحها الحرارة و اليبوسة و هي كرة النار و نظيرها الصفراء و روحها القوة الهاضمة و من ذلك الهواء و روحه الحرارة و الرطوبة و نظيره الدم و روحه القوة الجاذبة و من ذلك الماء و روحه البرودة و الرطوبة نظيره البلغم و روحه القوة الدافعة و من ذلك التراب و روحه البرودة و اليبوسة نظيره السوداء و روحها القوة الماسكة و أما الأرض فسبع طباق أرض سوداء و أرض غبراء و أرض حمراء و أرض صفراء و أرض بيضاء و أرض زرقاء و أرض خضراء نظير هذه السبعة من الإنسان في جسمه الجلد و الشحم و اللحم و العروق و العصب و العضلات و العظام (و أما عالم التعمير) فمنهم الروحانيون نظيرهم القوي التي في الإنسان و منهم عالم الحيوان نظيره ما يحس من الإنسان و منهم عالم النبات نظيره ما ينمو من الإنسان و من ذلك عالم الجماد نظيره ما لا يحس من الإنسان (و أما عالم النسب) فمنهم العرض نظيره الأسود و الأبيض و الألوان و الأكوان ثم الكيف نظيره الأحوال مثل الصحيح و السقيم ثم الكم نظيره الساق أطول من الذراع ثم الأين نظيره العنق مكان للرأس و الساق مكان للفخذ ثم الزمان نظيره حركت رأسي وقت تحريك يدي ثم الإضافة نظيرها هذا أبي فأنا ابنه ثم الوضع نظيره لغتي و لحني ثم أن يفعل نظيره أكلت ثم أن ينفعل نظيره شبعت و منهم اختلاف الصور في الأمهات كالفيل و الحمار و الأسد و الصرصر نظير هذا القوة الإنسانية التي تقبل الصور المعنوية من مذموم و محمود هذا فطن فهو فيل هذا بليد فهو حمار هذا شجاع فهو أسد هذا جبان فهو صرصر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ