لما أردنا أن نفتتح معرفة الوجود و ابتداء العالم الذي هو عندنا المصحف الكبير الذي تلاه الحق علينا تلاوة حال كما إن القرآن تلاوة قول عندنا فالعالم حروف مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور و لا تزال الكتابة فيه دائمة أبدا لا تنتهي و لما افتتح الله تعالى كتابه العزيز بفاتحة الكتاب و هذا كتاب أعني العالم الذي نتكلم عليه أردنا أن نفتتح بالكلام على أسرار الفاتحة و بسم الله فاتحة الفاتحة و هي آية أولى منها أو ملازمة لها كالعلاوة على الخلاف المعلوم بين العلماء فلا بد من الكلام على البسملة و ربما يقع الكلام على بعض آية من سورة البقرة آيتين أو ثلاث خاصة تبركا بكلام الحق سبحانه ثم نسوق الأبواب إن شاء الله تعالى فأقول إنه لما قدمنا إن الأسماء الإلهية سبب وجود العالم و إنها المسلطة عليه و المؤثرة لذلك كان بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عندنا خبر ابتداء مضمر و هو ابتداء العالم و ظهوره كأنه يقول ظهور العالم بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أي باسم الله الرحمن الرحيم ظهر العالم و اختص الثلاثة الأسماء لأن الحقائق تعطي ذلك فالله هو الاسم الجامع للأسماء كلها و الرحمن صفة عامة فهو رحمن الدنيا و الآخرة بها رحم كل شيء من العالم في الدنيا و لما كانت الرحمة في الآخرة لا تختص إلا بقبضة السعادة فإنها تنفرد عن أختها و كانت في الدنيا ممتزجة يولد كافرا و يموت مؤمنا أي ينشأ كافرا في عالم الشهادة و بالعكس و تارة و تارة و بعض العالم تميز بإحدى القبضتين بأخبار صادق فجاء الاسم الرحيم مختصا بالدار الآخرة لكل من آمن و تم العالم بهذه الثلاثة الأسماء جملة في الاسم الله و تفصيلا في الاسمين الرحمن الرحيم فتحقق ما ذكرناه فإني أريد أن أدخل إلى ما في طي البسملة و الفاتحة من بعض الأسرار كما شرطناه فلنبين و نقول بسم بالباء ظهر الوجود و بالنقطة تميز العابد من المعبود قيل للشبلي رضي الله عنه أنت الشبلي فقال أنا النقطة التي تحت الباء و هو قولنا النقطة للتمييز و هو وجود العبد بما تقتضيه حقيقة العبودية و كان الشيخ أبو مدين رحمه الله يقول ما رأيت شيئا إلا رأيت الباء عليه مكتوبة فالباء المصاحبة للموجودات من حضرة الحق في مقام الجمع و الوجود أي بي قام كل شيء و ظهر و هي من عالم الشهادة هذه الباء بدل من همزة الوصل التي كانت في الاسم قبل دخول الباء و احتيج إليها إذ لا ينطق بساكن فجلبت الهمزة المعبر عنها بالقدرة محركة عبارة عن الوجود ليتوصل بها إلى النطق الذي هو الإيجاد من إبداع و خلق بالساكن الذي هو العدم و هو أوان وجود المحدث بعد أن لم يكن و هو السين فدخل في الملك بالميم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فصارت الباء بدلا من همزة الوصل أعني القدرة الأزلية و صارت حركة الباء لحركة الهمزة الذي هو الإيجاد و وقع الفرق بين الباء و الألف الواصلة فإن الألف تعطي الذات و الباء تعطي الصفة و لذلك كانت لعين الإيجاد أحق من الألف بالنقطة التي تحتها و هي الموجودات فصار في الباء الأنواع الثلاثة شكل الباء و النقطة و الحركة العوالم الثلاثة فكما في العالم الوسط توهم ما كذلك في نقطة الباء فالباء ملكوتية و النقطة جبروتية و الحركة شهادية ملكية و الألف المحذوفة التي هي بدل منها هي حقيقة القائم بالكل تعالى و احتجب رحمة منه بالنقطة التي تحت الباء و على هذا الحد تأخذ كل مسألة في هذا الباب مستوفاة بطريق الإيجاز فبسم و الم واحد ثم وجدنا الألف من بسم قد ظهرت في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ و بِسْمِ الله مَجْراها بين الباء و السين و لم تظهر بين السين و الميم فلو لم تظهر في باسم السفينة ما جرت السفينة و لو لم تظهر في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ما علم المثل حقيقته و لا رأى صورته فتيقظ من سنة الغفلة و انتبه فلما كثر استعمالها في أوائل السور حذفت لوجود المثل مقامه في الخطاب و هو الباء فصار المثل مرآة للسين فصار السين مثالا و على هذا الترتيب نظام التركيب و إنما لم تظهر بين السين و الميم و هو محل التغيير و صفات الأفعال أن لو ظهرت لزال السين و الميم إذ ليسوا بصفة لازمة للقديم مثل الباء فكان خفاؤه عنهم رحمة بهم إذ كان سبب بقاء وجودهم وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا و هو الرسول فهذه الباء و السين و الميم العالم كله ثم عمل الباء في الميم الخفض من طريق الشبه بالحدوث إذ الميم مقام الملك و هو العبودية و خفضتها الباء عرفتها بنفسها و أوقفتها على حقيقتها فمهما وجدت الباء وجدت الميم في مقام الإسلام فإن زالت الباء يوما ما لسبب طارئ و هو ترقي الميم إلى مقام الايمان فتح في عالم الجبروت بسبح و أشباهه فأمر بتنزيه المحل لتجلى المثل فقيل له سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الذي هو مغذيك بالمواد الإلهية فهو ربك بفتح الميم و جاءت الألف ظاهرة و زالت الباء لأن الأمر توجه عليها بالتسبيح و لا طاقة لها على ذلك و الباء محدثة مثلها و المحدث من باب الحقائق لا فعل له و لا بد لها من امتثال الأمر فلا بد من ظهور الألف الذي هو الفاعل القديم فلما ظهر فعلت القدرة في الميم التسبيح فسبح كما أمر و قيل له الأعلى لأنه مع الباء في الأسفل و في هذا المقام في الوسط و لا يسبح المسبح مثله و لا من هو دونه فلا بد أن يكون المسبح أعلى و لو كنا في تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى لأظهرنا أسرارها فلا يزال في هذا المقام حتى يتنزه في نفسه فإن من ينزهه منزه فإنه منزه عن تنزيهه فلا بد من هذا التنزيه أن يعود على المنزه و يكون هو الأعلى فإن الحق من باب الحقيقة لا يصح عليه الأعلى فإنه من أسماء الإضافة و ضرب من وجوه المناسبة فليس بأعلى و لا أسفل و لا أوسط تنزه عن ذلك و تعالى علوا كبيرا بل نسبة الأعلى و الأوسط و الأسفل إليه نسبة واحدة فإذا تنزه خرج عن حد الأمر و خرق حجاب السمع و حصل المقام الأعلى فارتفع الميم بمشاهدة القديم فحصل له الثناء التام بتبارك اسم ربك ذو الجلال و الإكرام فكان الاسم عين المسمى كذلك العبد عين المولى من تواضع لله رفعه الله و في الصحيح من الأخبار أن الحق يد العبد و رجله و لسانه و سمعه و بصره لو لم يقبل الخفض من الباء في باسم ما حصل له الرفع في النهاية في تبارك اسم ثم اعلم أن كل حرف من بسم مثلث على طبقات العوالم فاسم الباء باء و ألف و همزة و اسم السين سين و ياء و نون و اسم الميم ميم و ياء و ميم و الياء مثل الباء و هي حقيقة العبد في باب النداء فما أشرف هذا الموجود كيف انحصر في عابد و معبود فهذا شرف مطلق لا يقابله ضد لأن ما سوى وجود الحق تعالى و وجود العبد عدم محض لا عين له ثم إنه سكن السين من بسم تحت ذل الافتقار و الفاقة كسكوننا تحت طاعة الرسول لما قال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فسكنت السين من بسم لتتلقى من الباء الحق اليقين فلو تحركت قبل أن تسكن لاستبدت بنفسها و خيف عليها من الدعوى و هي سين مقدسة فسكنت فلما تلقت من الباء الحقيقة المطلوبة أعطيت الحركة فلم تتحرك في بعض المواطن إلا بعد ذهاب الباء إذ كان كلام التلميذ بحضور الشيخ في أمر ما سوء أدب إلا أن يأمره فامتثال الأمر هو الأدب فقال عند مفارقة الباء يخاطب أهل الدعوى تائها بما حصل له في المقام الأعلى سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ ثم تحرك لمن أطاعه بالرحمة و اللين فقال سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ يريد حضرة الباء فإن الجنة حضرة الرسول ع و كثيب الرؤية حضرة الحق فاصدق و سلم تكشف و تلحق فهذه الحضرة هي التي تنقله إلى الألف المرادة فكما أنه ينقلك الرسول إلى الله كذلك تنقلك حضرته التي هي الجنة إلى الكثيب الذي هو حضرة الحق ثم اعلم أن التنوين في بسم لتحقيق العبودة و إشارات التبعيض فلما ظهر منه التنوين اصطفاه الحق المبين بإضافة التشريف و التمكين فقال بِسْمِ الله فحذف التنوين العبدي لإضافته إلى المنزل الإلهي و لما كان تنوين تخلق لهذا صح له هذا التحقق و إلا فالسكون أولى به فاعلم انتهى الجزء التاسع
(بسم الله الرحمن الرحيم)
«وصل» قوله الله من بسم الله ينبغي لك أيها المسترشد أن تعرف أولا ما تحصل في هذه الكلمة الكريمة من الحروف و حينئذ يقع الكلام عليها إن شاء الله و حروفها أ ل ل أ ه و فأول ما أقول كلاما مجملا مرموزا ثم نأخذ في تبيينه ليسهل قبوله على عالم التركيب و ذلك أن العبد تعلق بالألف تعلق من اضطروا الالتجاء فأظهرته اللام الأولى طهور أورثه الفوز من العدم و النجاة فلما صح ظهوره و انتشر في الوجود نوره و صح تعلقه بالمسمى و بطل تخلقه بالأسماء أفنته اللام الثانية بشهود الألف التي بعدها فناء لم تبق منه باقية و ذلك عسى ينكشف له المعمى ثم جاءت الواو بعد الهاء لتمكن المراد و بقيت الهاء لوجوده آخرا عند محو العباد من أجل العناد فذلك أوان الأجل المسمى و هذا هو المقام الذي تضمحل فيه أحوال السائرين و تنعدم فيه مقامات السالكين حتى يفنى من لم يكن و يبقى من لم يزل لا غير يثبت لظهوره و لا ظلام يبقى لنوره فإن لم تكن تره اعرف حقيقة إن لم تكن تكن أنت إذ كانت التاء من الحروف الزوائد في الأفعال المضارعة للذوات و هي العبودية يقول بعض السادة و قد سمع عاطسا يقول الْحَمْدُ لِلَّهِ فقال له ذلك السيد أتمها كما قال الله رَبِّ الْعالَمِينَ فقال العاطس يا سيدنا و من العالم حتى يذكر مع الله فقال له الآن قله يا أخي فإن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر و هذا هو مقام الوصلة و حال و له أهل الفناء عن أنفسهم و أما لو فنى عن فنائه لما قال الحمد لله لأن في قوله الحمد أثبت العبد الذي هو المعبر عنه بالرداء عند بعضهم و بالثوب عند آخرين و لو قال رب العالمين لكان أرفع من المقام الذي كان فيه فذلك مقام الوارثين و لا مقام أعلى منه لأنه شهود لا يتحرك معه لسان و لا يضطرب معه جنان أهل هذا المقام في أحوالهم فاغرة أفواههم استولت عليهم أنوار الذات و بدت عليهم رسوم الصفات هم عرائس الله المخبأون عنده المحجوبون لديه الذين لا يعرفهم سواه كما لا يعرفون توجهم بتاج البهاء و إكليل السناء و أقعدهم على منابر الفناء عن القرب في بساط الأنس و مناجاة الديمومية بلسان القيومية أورثهم ذلك قوله عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ فلم تزل القوة الإلهية تمدهم بالمشاهدة فيبرزون بالصفات في موضع القدمين فلا و له إلا من حيث الاقتداء و لا ذكر إلا إقامة سنة أو فرض لا يحيدون عن سواء السبيل فهم بالحق و إن خاطبوا الخلق و عاشروهم فليسوا معهم و إن رأوهم لم يروهم إذ لا يرون منهم إلا كونهم من جملة أفعال الله فهم يشاهدون الصنعة و الصانع مقاما عمريا كما يقعد أحدكم مع نجار يصنع تابوتا فيشاهد الصنعة و الصانع و لا تحجبه الصنعة عن الصانع إلا إن شغل قلبه حسن الصنعة فإن الدنيا كما قال ع حلوة خضرة و هي من خضراء الدمن جارية حسناء في منبت سوء من أحسن إليها و أحبها أساءت إليه و حرمت عليه أخراه و لقد أحسن القائل
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
فهذه الطائفة الأمناء الصديقون إذا أيدهم الله بالقوة الإلهية و أمدهم فهم معه بهذه النسبة على وجه المثال و هذا أعلى مقام يرقى فيه و أشرف غاية ينتهي إليها هذه الغاية القصوى إذ لا غاية إلا من حيث التوحيد لا من حيث الموارد و الواردات و هو المستوي إذ لا استواء إلا الرفيق الأعلى فهنيئا لهذه العصابة بما نالوه من حقائق المشاهدة و هنيئا لنا على التصديق و التسليم لهم بالموافقة و المساعدة مر بنا جواد اللسان في حلبة الكلام فلنرجع إلى ما كنا بسبيله و السلام فأقول همزة هذا الاسم المحذوفة بالإضافة تحقيق اتصال الوحدانية و تمحيق انفصال الغيرة فالألف و اللام الملصقة كما تقدم لتحقيق المتصل و محق المنفصل و الألف الموجودة في اللام الثانية لمحو آثار الغير المتحصل و الواو التي بعد الهاء ليس لها في الخط أثر و معناها في الوجود بهاء الهوية قد انتشر أبداها في عالم الملك بذاتها فقال هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فبدأ بالهوية و ختم و ملكها الأمر في الوجود و العدم و جعلها دالة على الحدوث و القدم و هو آخر ذكر الذاكرين و أعلاه فرجع العجز على الصدر فلاحت ليلة القدر و وقف بوجودها أهل العناية و التأييد على حقائق التوحيد فالوجود في نقطة دائرة هذا الاسم ساكن و قد اشتمل عليه بحقيقته اشتمال الأماكن على المتمكن الساكن وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
و الله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة و النبراس
فقال تعالى و الله (أَلا إِنَّهُ) بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و صير الكل اسما و مسمى و أرسله مكشوفا و معمى (حل المقفل و تفصيل المجمل) يقول العبد الله فيثبت أولا و آخرا و ينفي باللامين باطنا و ظاهرا لزمت اللام الثانية الهاء بوساطة الألف العلمية ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الثلاثة اللام و لا خمسة إلا هو سادسهم فالألف سادس في حق الهاء رابع في حق اللام أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ العرش ظل الله العرش اللام الثانية و ما حواه اللام الأولى بطريق الملك و اللامان هما الظاهر و الباطن من باب الأسماء ظهرتا بين ألف الأول و ألف الآخر و هو مقام الاتصال لأن النهاية تنعطف على البداية و تتصل بها اتصال اتحاد ثم خرجت الهاء بواوها الباطنة مخرج الانفصال و الجزء المتصل بين اللام و الهاء هو السر الذي به تقع المشاهدة بين العبد و السيد و ذلك مركز الألف العلمية و هو مقام الاضمحلال ثم جعل تعالى في الخط المتصل جزءا بين اللامين للاتصال بين اللام الأولى التي هي عالم الملك و بين اللام الثانية التي هي عالم الملكوت و هو مركز العالم الأوسط عالم الجبروت مقام النفس و لا بد من خطوط فارغة بين كل حرفين فتلك مقامات فناء رسوم السالكين من حضرة إلى حضرة (تتميم) الألف الأولى التي هي ألف الهمزة منقطعة و اللام الثانية ألفها متصل بها قطعت الألف في أوائل الخطوط لقوله ع كان الله و لا شيء معه فلهذا قطعت و تنزه من الحروف من أشبهها في عدم الاتصال بما بعدها و الحروف التي أشبهتها على عدد الحقائق العامة العالية التي هي الأمهات و كذلك إذا كانت آخر الحروف تقطع الاتصال من البعدية الرقمية فكان انقطاع الألف تنبيها لما ذكرناه و كذلك إخوته فالألف للحق و أشباه الألف للخلق و ذلك د ذ ر ز و في جميع الحقائق جسم متغذ حساس ناطق و ما عداه ممن له لغة و انحصرت حقائق العالم الكلية فلما أراد وجود اللام الثانية و هي أول موجود في المعنى و إن تأخرت في الخط فإن معرفة الجسم تتقدم على معرفة الروح شاهدا و كذلك الخط شاهدا و هي عالم الملكوت أوجدها بقدرته و هي الهمزة التي في الاسم إذا ابتدأت به معرى من الإضافة و هي لا تفارق الألف فلما أوجدت هذه الألف اللام الثانية جعلها رئيسة فطلبت مرءوسا تكون عليه بالطبع فأوجد لها عالم الشهادة الذي هو اللام الأولى فلما نظرت إليه أشرق و أنار وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ و هو الجزء الذي بين اللامين أمر سبحانه اللام الثانية أن تمد الأولى بما أمدها به تعالى من جود ذاته و أن تكون دليلها إليه فطلبت منه معنى تصرفه في جميع أمورها يكون لها كالوزير فتلقى إليه ما تريده فيلقيه على عالم اللام الأولى فأوجد لها الجزء المتصل باللامين المعبر عنه بالكتاب الأوسط و هو العالم الجبروتي و ليست له ذات قائمة مثل اللامين فإنه بمنزلة عالم الخيال عندنا فألقت اللام الثانية إلى ذلك الجزء و ارتقم فيه ما أريد منها و وجهت به إلى اللام الأولى فامتثلت الطاعة حتى قالت بلى فلما رأت اللام الأولى الأمر قد أتاها من قبل اللام الثانية بوساطة الجزء الذي هو الشرع صارت مشاهدة لما يرد عليها من ذلك الجزء راغبة له في أن يوصلها إلى صاحب الأمر لتشاهده فلما صرفت الهمة إلى ذلك الجزء و اشتغلت بمشاهدته احتجبت عن الألف التي تقدمتها ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً و لو لم تصرف الهمة إلى ذلك الجزء لتلقت الأمر من الألف الأولى بلا واسطة و لكن لا يمكن لسر عظيم فإنها ألف الذات و الثانية ألف العلم (إشارة ) أ لا ترى أن اللام الثانية لما كانت مرادة مجتباة منزهة عن الوسائط كيف اتصلت بألف الوحدانية اتصالا شافيا حتى صار وجودها نطقا يدل على الألف دلالة صحيحة و إن كانت الذات خفيت فإن لفظك باللام يحقق الاتصال و يدلك عليها من عرف نفسه عرف ربه من عرف اللام الثانية عرف الألف فجعل نفسك دليلا عليك ثم جعل كونك دليلا عليك دليلا عليه في حق من بعد و قدم معرفة العبد بنفسه على معرفته بربه ثم بعد ذلك يفنيه عن معرفته بنفسه لما كان المراد منه أن يعرف ربه أ لا ترى تعانق اللام الألف و كيف يوجد اللام في النطق قبل الألف و في هذا تنبيه لمن أدرك فهذه اللام الملكوتية تتلقى من ألف الوحدانية بغير واسطة فتورده على الجزء الجبروتي ليؤديه إلى لام الشهادة و الملك هكذا الأمر ما دام التركيب و الحجاب فلما حصلت الأولية و الآخرية و الظاهرية و الباطنية أراد تعالى كما قدم الألف منزهة عن الاتصال من كل الوجوه بالحروف أراد أن يجعل الانتهاء نظير الابتداء فلا يصح بقاء للعبد أولا و آخرا فأوحد الهاء مفردة بواو هويتها فإن توهم متوهم أن الهاء ملصقة إلى اللام فليست كذلك و إنما هي بعد الألف التي بعد اللام و الألف لا يتصل بها في البعدية شيء من الحروف فالهاء بعد اللام مقطوعة عن كل شيء فذلك الاتصال باللام في الخط ليس باتصال فالهاء واحدة و الألف واحدة فاضرب الواحد في مثله يكن واحدا فصح انفصال الخلق عن الحق فبقي الحق و إذا صح تخلق اللام الملكية لما تورده عليها لام الملكوت فلا تزال تضمحل عن صفاتها و تفني عن رسومها إلى أن تحصل في مقام الفناء عن نفسها فإذا فنيت عن ذاتها فنى الجزء لفنائها و اتحدت اللامان لفظا ينطق بها اللسان مشددة للادغام الذي حدث فصارت موجودة بين ألفين اشتملا عليها و أحاطا بها فأعطتنا الحكمة الموهوبة لما سمعنا لفظ الناطق بلا بين ألفين علمنا علم الضرورة أن المحدث فنى بظهور القديم فبقي ألفان أولى و أخرى و زال الظاهر و الباطن بزوال اللامين بكلمة النفي فضربنا الألف في الألف ضرب الواحد في الواحد فخرجت لك الهاء فلما ظهرت زال حكم الأول و الآخر الذي جعلته الواسطة كما زال حكم الظاهر و الباطن فقيل عند ذلك كان الله و لا شيء معه ثم أصل هذا الضمير الذي هو الهاء الرفع و لا بد فإن انفتح أو انخفض فتلك صفة تعود على من فتحه أو خفضه فهي عائدة على العامل الذي قبل في اللفظ (تكملة) ثم أوجد سبحانه الحركات و الحروف و المخارج تنبيها منه سبحانه و تعالى إن الذوات تتميز بالصفات و المقامات فجعل الحركات نظير الصفات و جعل الحروف نظير الموصوف و جعل المخارج نظير المقامات و المعارج فأعطى لهذا الاسم من الحروف على عموم وجوهه من وصل و قطع ء أ ل ه و همزة و ألفا و لا ما و هاء و واوا فالهمزة أولا و الهاء آخر أو مخرجهما واحد مما يلي القلب ثم جعل بين الهمزة و الهاء حرف اللام و مخرجه اللسان ترجمان القلب فوقعت النسبة بين اللامين و الهمزة و الهاء كما وقعت النسبة بين القلب الذي هو محل الكلام و بين اللسان المترجم عنه قال الأخطل
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فلما كانت اللام من اللسان جعلها تنظر إليه لا إلى نفسها فأفناها عنها و هي الحنك الأسفل فلما نظرت إليه لا إلى ذاتها علت و ارتفعت إلى الحنك الأعلى و اشتد اللسان بها في الحنك اشتداد التمكن علوها و ارتفاعها بمشاهدته و خرجت الواو من الشفتين إلى الوجود الظاهر مخبرة دالة عليه و ذلك مقام باطن النبوة و هي الشعرة التي فينا من الرسول صلى الله عليه و سلم و في ذلك يكون الورث فخرج من هذا الوصل أن الهمزة و الألف و الهاء من عالم الملكوت و اللام من عالم الجبروت و الواو من عالم الملك (وصل) قوله الرَّحْمنِ من البسملة الكلام على هذا الاسم في هذا الباب من وجهين من وجه الذات و من وجه الصفة فمن أعربه بدلا جعله ذاتا و من أعربه نعتا جعله صفة و الصفات ست و من شرط هذه الصفات الحياة فظهرت السبعة و جميع هذه الصفات للذات و هي الألف الموجودة بين الميم و النون من الرحمن و يتركب الكلام على هذا الاسم من الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم على صورته من حيث إعادة الضمير على الله و يؤيد هذا النظر الرواية الأخرى و هي قوله ع على صورة الرحمن و هذه الرواية و إن لم تصح من طريق أهل النقل فهي صحيحة من طريق الكشف فأقول إن الألف و اللام و الراء للعلم و الإرادة و القدرة و الحاء و الميم و النون مدلول الكلام و السمع و البصر و صفة الشرط التي هي الحياة مستصحبة لجميع هذه الصفات ثم الألف التي بين الميم و النون مدلول الموصوف و إنما حذفت خطا لدلالة الصفات عليها دلالة ضرورية من حيث قيام الصفة بالموصوف فتجلت للعالم الصفات و لذلك لم يعرفوا من الإله غيرها و لا يعرفونها ثم الذي يدل على وجود الألف و لا بد ما ذكرناه و زيادة و هي إشباع فتحة الميم و ذلك إشارة إلهية إلى بسط الرحمة على العالم فلا يكون أبدا ما قبل الألف إلا مفتوحا فتدل الفتحة على الألف في مثل هذا الموطن و هو محل وجود الروح الذي له مقام البسط لمحل التجلي و لهذا ذكر أهل عالم التركيب في وضع الخطوط في حروف العلة الياء المكسور ما قبلها إذ قد توجد الياء الصحيحة و لا كسر قبلها و كذلك الواو المضموم ما قبلها و لما ذكروا الألف لم يقولوا المفتوح ما قبلها إذ لا توجد إلا و الفتح في الحرف الذي قبلها بخلاف الواو و الياء فالاعتدال للالف لازم أبدا فالجاهل إذا لم يعلم في الوجود منزها عن جميع النقائص إلا الله تعالى نسي الروح القدسي الأعلى فقال ما في الوجود إلا الله فلما سئل في التفصيل لم يوجد لديه تحصيل و إنما خصصوا الواو بالمضموم ما قبلها و الياء بالمكسور ما قبلها لما ذكرناه فصحت المفارقة بين الألف و بين الواو و الياء فالألف للذات و الواو العلية للصفات و الياء العلية للافعال الألف للروح و العقل صفته و هو الفتحة و الواو النفس و القبض صفتها و هو الضمة و الياء الجسم و وجود الفعل صفته و هو الخفض فإن انفتح ما قبل الواو و الياء فذلك راجع إلى حال المخاطب و لما كانتا غيرا و لا بد اختلفت عليهما الصفات و لما كانت الألف لا تقبل الحركات اتحدت بمدلولها فلم يختلف عليها شيء البتة و سميت حروف العلة لما نذكره فألف الذات علة لوجود الصفة و واو الصفة علة لوجود الفعل و ياء الفعل علة لوجود ما يصدر عنه في عالم الشهادة من حركة و سكون فلهذا سميت عللا ثم أوجد النون من هذا الاسم نصف دائرة في الشكل و النصف الآخر محصور معقول في النقطة التي تدل على النون الغيبية الذي هو نصف الدائرة و يحسب الناس النقطة أنها دليل على النون المحسوسة ثم أوجد مقدم الحاء مما يلي الألف المحذوفة في الرقم إشارة إلى مشاهدتها و لذلك سكنت و لو كان مقدمها إلى الراء لتحركت فالألف الأولى للعلم و اللام للإرادة و الراء للقدرة و هي صفة الإيجاد فوجدنا الألف لها الحركة من كونها همزة و الراء لها الحركة و اللام ساكنة فاتحدت الإرادة بالقدرة كما اتحد العلم و الإرادة بالقدرة إذا وصلت الرحمن بالله فأدغمت لام الإرادة في راء القدرة بعد ما قلبت راء و شدت لتحقيق الإيجاد الذي هو الحاء وجود الكلمة ساكنة و إنما سكنت لأنها لا تنقسم و الحركة منقسمة فلما كانت الحاء ساكنة سكونا حسيا و رأيناها مجاورة الراء راء القدرة عرفنا أنها الكلمة و تثمينها (تنبيه) أشار من أعربه بدلا من قوله الله إلى مقام الجمع و اتحاد الصفات و هو مقام من روى خلق آدم على صورته و ذلك وجود العبد في مقام الحق حد الخلافة و الخلافة تستدعي الملك بالضرورة و الملك ينقسم قسمين قسم راجع لذاته و قسم راجع لغيره و الواحد من الأقسام يصلح في هذا المقام على حد ما رتبنا فإن البدل في الموضع يحل محل المبدل منه مثل قولنا جاء بي أخوك زيد فزيد بدل من أخيك بدل الشيء من الشيء و هما لعين واحدة فإن زيدا هو أخوك و أخاك هو زيد بلا شك و هذا مقام من اعتقد خلافه فما وقف على حقيقة و لا وحد قط موجدة و أما من أعربه نعتا فإنه أشار إلى مقام التفرقة في الصفة و هو مقام من روى خلق آدم على صورة الرحمن و هذا مقام الوراثة و لا نقع إلا بين غيرين مقام الحجاب بمغيب الواحد و ظهور الثاني و هو المعبر عنه بالمثل و فيما قررنا دليل على ما أضمرنا فافهم ثم أظهر من النون الشطر الأسفل و هو الشطر الظاهر لنا من الفلك الدائر من نصف الدائرة و مركز العالم في الوسط من الخط الذي يمتد من طرف الشطر إلى الطرف الثاني و الشطر الثاني المستور في النقطة هو الشطر الغائب عنا من تحت نقيض الخط بالإضافة إلينا إذ كانت رؤيتنا من حيث الفعل في جهة فالشطر الموجود في الخط هو المشرق و الشطر المجموع في النقطة هو المغرب و هو مطلع وجود الأسرار فالمشرق و هو الظاهر المركب ينقسم و المغرب و هو الباطن البسيط لا ينقسم و فيه أقول
و لذلك يتعلق العلم بالمعلومات و الإرادة الواحدة بالمرادات و القدرة الواحدة بالمقدورات فتقع القسمة و التعداد في المقدورات و المعلومات و المرادات و هو الشطر الموجود في الرقم و يقع الاتحاد و التنزه عن الأوصاف الباطنية من علم و قدرة و إرادة و في هذا إشارة فافهم و لما كانت الحاء ثمانية و هو وجود كمال الذات و لذلك عبرنا عنه بالكلمة و الروح فكذلك النون خامسة في العشرات إذ يتقدمها الميم الذي هو رابع فالنون جسماني محل إيجاد مواد الروح و العقل و النفس و وجود الفعل و هذا كله مستودع في النون و هي كلية الإنسان الظاهرة و لهذا ظهرت (تتمة) و إنما فصل بين الميم و النون بالألف مان إذ الميم ملكوتية لما جعلناها للروح و النون ملكية و النقطة جبروتية لوجود سر سلب الدعوى كأنه يقول أي يا روح الذي هو الميم لم نصطفك من حيث أنت لكن عناية سبقت لك في وجود علمي و لو شئت لاطلعت على نقطة العقل و نون الإنسانية دون واسطة وجودك فاعرف نفسك و اعلم أن هذا اختصاص بك مني من حيث أنا لا من حيث أنت فصحت الاصطفائية فلا تجلى لغيره أبدا فالحمد لله على ما أولى فتنبه يا مسكين في وجود الميم دائرة على صورة الجسم مع التقدم كيف أشار به إلى التنزه عن الانقسام و انقسام الدائرة لا يتناهى فانقسام روح الميم بمعلوماته لا يتناهى و هو في ذاته لا ينقسم ثم انظر الميم إذا انفصل وحده كيف ظهرت منه مادة التعريق لما نزل إلى وجود الفعل في عالم الخطاب و التكليف فصارت المادة في حق الغير لا في حق نفسه إذ الدائرة تدل عليه خاصة فما زاد فليس في حقه إذ قد ثبتت ذاته فلم يبق إلا أن يكون في حق غيره فلما نظر العبد إلى المادة مد تعريقا و هذا هو وجود التحقيق ثم اعلم أن الجزء المتصل بين الميم و النون هو مركز ألف الذات و خفيت الألف ليقع الاتصال بين الميم و النون بطريق المادة و هو الجزء المتصل و لو ظهرت الألف لما صح التعريق للميم لأن الألف حالت بينهما و في هذا تنبيه على قوله رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ وجود الألف المرادة هذا على من أعربه مبتدأ و لا يصح من طريق التركيب و الصحيح أن يعرب بدلا من الرب فتبقى الألف هنا عبارة عن الروح و الحق قائم بالجميع و الميم السموات و النون الأرض و إذا ظهرت الألف بين الميم و النون فإن الاتصال بالميم لا بالنون فلا تأخذ النون صفة أبدا من غير واسطة لقطعها و دل اتصالها بالميم على الأخذ بلا واسطة و العدم الذي صح به القطع فيه يفنى النون و يبقى الميم محجوبا عن سر قدمه بالنقطة التي في وسطه التي هي جوف دائرته بالنظر إلى ذاته بعد أن لم تكن فيما ظهر له (سؤال و جوابه) قيل فكيف عرفت سر قدمه و لم يعرفه هو و هو أحق بمعرفة نفسه منك إن نظرت إلى ظاهرك أو هل العالم بسر القدم فيه هو المعنى الموجود فيك المتكلم فيه و هو ميم الروح فقد وقف على سر قدمه الجواب عن ذلك أن الذي علم منا سر القدم هو الذي حجبناه هناك فمن الوجه الذي أثبتنا له العلم غير الوجه الذي أثبتنا له منه عدم العلم و نقول إنما حصل له ذلك علما لا عينا و هذا موجود فليس من شرط من علم شيئا أن يراه و الرؤية للمعلوم أتم من العلم به من وجه و أوضح في المعرفة به فكل عين علم و ليس كل علم عينا إذ ليس من شرط من علم إن ثم مكة رآها و إذا رآها قطعنا أنه يعلمها و لا أريد الاسم فللعين درجة على العلم معلومة كما قيل
و لكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم
بل أقول إن حقيقة سر القدم الذي هو حق اليقين لأنه لا يعاين فلم يشاهده لرجوعه لذات موجدة و لو علم ذات موجدة لكان نقصا في حقه فغاية كماله في معرفة نفسه بوجودها بعد أن لم تكن عينا هذا فصل عجيب إن تدبرته وقفت على عجائب فافهم (تكملة)اتصلت اللام بالراء اتصال اتحاد نطقا من حيث كونهما صفتين باطنتين فسهل عليهما الاتحاد و وجدت الحاء التي هي الكلمة المعبر عنها بالمقدور للراء منفصلة عن الراء التي هي القدرة ليتميز المقدور من القدرة و لئلا تتوهم الحاء المقدورة إنها صفة ذات القدرة فوقع الفرق بين القديم و المحدث فافهم يرحمك الله ثم لتعلم إن رحمن هو الاسم و هو للذات و الألف و اللام اللذان للتعريف هما الصفات و لذلك يقال رحمان مع زوالهما كما يقال ذات و لا تسمى صفة معهما انظر في اسم مسيلمة الكذاب تسمى برحمان و لم يهد إلى الألف و اللام لأن الذات محل الدعوى عند كل أحد و بالصفات يفتضح المدعي فرحمان مقام الجمع و هو مقام الجهل أشرف ما يرتقى إليه في طريق الله الجهل به تعالى و معرفته الجهل به فإنها حقيقة العبودية قال تعالى وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فجردك و مما يؤيد هذا قوله تعالى وَ ما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و قوله الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فبحقيقة الاستخلاف سلب مسيلمة و إبليس و الدجال و كان من حالهم ما علم فلو استحقوه ذاتا ما سلبوه البتة و لكن إن نظرت بعين التنقيذ و القبول الكلي لا بعين الأمر وجدت المخالف طائعا و المعوج مستقيما و الكل داخل في الرق شاءوا أم أبوا فأما إبليس و مسيلمة فصرحا بالعبودية و الدجال أبي فتأمل من أين تكلم كل واحد منهم و ما الحقائق التي لاحت لهم حتى أوجبت لهم هذه الأحوال (تتمة) لما نطقنا بقوله بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لم يظهر للالف و اللام وجود فصار الاتصال من الذات للذات و الله و الرحمن اسمان للذات فرجع على نفسه بنفسه و لهذا قال صلى الله عليه و سلم و أعوذ بك منك لما انتهى إلى الذات لم ير غيرا و قد قال أعوذ بك و لا بد من مستعاذ منه فكشف له عنه فقال منك و منك هو و الدليل عليه أعوذ و لا يصح أن يفصل فإنه في الذات و لا يجوز التفصيل فيها فتبين من هذا أن كلمة الله هي العبد فكما إن لفظة الله للذات دليل كذلك العبد الجامع الكلي فالعبد هو كلمة الجلالة قال بعض المحققين في حال ما أنا الله و قالها أيضا بعض الصوفية من مقامين مختلفين و شتان بين مقام المعنى و مقام الحرف الذي وجد له فقابل تعالى الحرف بالحرف أعوذ برضاك من سخطك و قابل المعنى بالمعنى و أعوذ بك منك و هذا غاية المعرفة (خاتمة) و لعلك تفرق بين الله و بين الرحمن لما تعرض لك في القرآن قوله تعالى اعْبُدُوا الله و لم يقولوا و ما الله و لما قيل لهم اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ ما الرَّحْمنُ و لهذا كان النعت أولى من البدل عند قوم و عند آخرين البدل أولى لقوله تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فجعلها للذات و لم تنكر العرب كلمة الله فإنهم القائلون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فعلموه و لما كان الرحمن يعطي الاشتقاق من الرحمة و هي صفة موجودة فيهم خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليه من جنسهم فأنكروا و قالوا وَ ما الرَّحْمنُ لما لم يكن من شرط كل كلام أن يفهم معناه و لهذا قال قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ لما كان اللفظان راجعين إلى ذات واحدة و ذلك حقيقة العبد و الباري منزه عن إدراك التوهم و العلم المحيط به جل عن ذلك (وصل) في قوله الرَّحِيمِ من البسملة الرحيم صفة محمد صلى الله عليه و سلم قال تعالى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و به كمال الوجود و بالرحيم تمت البسملة و بتمامها تم العالم خلقا و إبداعا و كان ع مبتدأ وجودالعالم عقلا و نفسا متى كنت نبيا قال و آدم بين الماء و الطين فبه بديء الوجود باطنا و به ختم المقام ظاهرا في عالم التخطيط فقال لا رسول بعدي و لا نبي فالرحيم هو محمد صلى الله عليه و سلم و بسم هو أبونا آدم و أعني في مقام ابتداء الأمر و نهايته و ذلك أن آدم ع هو حامل الأسماء قال تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها و محمد صلى الله عليه و سلم حامل معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليهما السلام و هي الكلم قال صلى الله عليه و سلم أوتيت جوامع الكلم و من أثنى على نفسه أمكن و أتم ممن أثنى عليه كيحيى و عيسى عليهما السلام و من حصل له الذات فالأسماء تحت حكمه و ليس من حصل الأسماء أن يكون المسمى محصلا عنده و بهذا أفضلت الصحابة علينا فإنهم حصلوا الذات و حصلنا الاسم و لما راعينا الاسم مراعاتهم الذات ضوعف لنا الأجر و لحسرة الغيبة التي لم تكن لهم فكان تضعيف على تضعيف فنحن الإخوان و هم الأصحاب و هو صلى الله عليه و سلم إلينا بالأشواق و ما أفرحه بلقاء واحد منا و كيف لا يفرح و قد ورد عليه من كان بالأشواق إليه فهل تقاس كرامته به و بره و تحفيه و للعامل منا أجر خمسين ممن يعمل بعمل أصحابه لا من أعيانهم لكن من أمثالهم فذلك قوله بل منكم فجدوا و اجتهدوا حتى يعرفوا أنهم خلفوا بعدهم رجالا لو أدركوه ما سبقوهم إليه و من هنا تقع المجازاة و الله المستعان (تنبيه) ثم لتعلم إن بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أربعة ألفاظ لها أربعة معان فتلك ثمانية و هم حملة العرش المحيط و هم من العرش و هنا هم الحملة من وجه و العرش من وجه فانظر و استخرج من ذاتك لذاتك (تنبيه) ثم وجدنا ميم بسم الذي هو آدم ع معرقا و وجدنا ميم الرحيم معرقا الذي هو محمد صلى الله عليه و سلم تسليما فعلمنا إن مادة ميم آدم ع لوجود عالم التركيب إذ لم يكن مبعوثا و علمنا إن مادة ميم محمد صلى الله عليه و سلم لوجود الخطاب عموما كما كان آدم عندنا عموما فلهذا امتدا (أنبأه) قال سيدنا الذي لا ينطق عن الهوى إن صلحت أمتي فلها يوم و إن فسدت فلها نصف يوم و اليوم رباني فإن أيام الرب كل يوم من ألف سنة مما نعد بخلاف أيام الله و أيام ذي المعارج فإن هذه الأيام أكبر فلكا من أيام الرب و سيأتي إن شاء الله ذكرها في داخل الكتاب في معرفة الأزمان و صلاح الأمة بنظرها إليه صلى الله عليه و سلم و فسادها بإعراضها عنه فوجدنا بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يتضمن ألف معنى كل معنى لا يحصل إلا بعد انقضاء حول و لا بد من حصول هذه المعاني التي تضمنها بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأنه ما ظهر إلا ليعطي معناه فلا بد من كمال ألف سنة لهذه الأمة و هي في أول دورة الميزان و مدتها ستة آلاف سنة روحانية محققة و لهذا ظهر فيها من العلوم الإلهية ما لم يظهر في غيرها من الأمم فإن الدورة التي انقضت كانت ترابية فغاية علمهم بالطبائع و الإلهيون فيهم غرباء قليلون جدا يكاد لا يظهر لهم عين ثم إن المتأله منهم ممتزج بالطبيعة و لا بد و المتأله منا صرف خالص لا سبيل لحكم الطبع عليه (مفتاح) ثم وجدنا في الله و في الرحمن ألفين ألف الذات و ألف العلم ألف الذات خفية و ألف العلم ظاهرة لتجلى الصفة على العالم ثم أيضا خفيت في الله و لم تظهر لرفع الالتباس في الخط بين الله و اللاه و وجدنا في بسم الذي هو آدم ع ألفا واحدة خفيت لظهور الباء و وجدنا في الرحيم الذي هو محمد صلى الله عليه و سلم ألفا واحدة ظاهرة و هي ألف العلم و نفس سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذات فخفيت في آدم ع الألف لأنه لم يكن مرسلا إلى أحد فلم يحتج إلى ظهور الصفة و ظهرت في سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم لكونه مرسلا فطلب التأييد فأعطى الألف فظهر بها ثم وجدنا الباء من بسم قد عملت في ميم الرحيم فكان عمل آدم في محمد صلى الله عليه و سلم و جود التركيب و في الله عمل سبب داع و في الرحمن عمل بسبب مدعو و لما رأينا أن النهاية أشرف من البداية قلنا من عرف نفسه عرف ربه و الاسم سلم إلى المسمى و لما علمنا إن روح الرحيم عمل في روح بسم لكونه نبيا و آدم بين الماء و الطين و لولاهما ما كان سمي آدم علمنا إن بسم هو الرحيم إذ لا يعمل شيء إلا من نفسه لا من غيره فانعدمت النهاية و البداية و الشرك و التوحيد و ظهر عز الاتحاد و سلطانه فمحمد للجمع و آدم للتفريق (إيضاح) الدليل على إن الألف في قوله الرَّحِيمِ ألف العلم قوله وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ و في ألف باسم ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ فالألف الألف وَ لا أَدْنى من ذلِكَ باطن التوحيد وَ لا أَكْثَرَ يريد ظاهره ثم خفيت الألف في آدم من باسم لأنه أول موجود و لم يكن له منازع يدعي مقامه فدل بذاته من أول وهلة على وجود موجدة لما كان مفتتح وجودنا و ذلك لمانظر في وجوده تعرض له أمران هل أوجده موجود لا أول له أو هل أوجد هو نفسه و محال أن يوجد هو نفسه لأنه لا يخلو أن يوجد نفسه و هو موجود أو يوجدها و هو معدوم فإن كان موجودا فما الذي أوجد و إن كان معدوما فكيف يصح منه إيجاد و هو عدم فلم يبق إلا أن يوجده غيره و هو الألف و لذلك كانت السين ساكنة و هو العدم و الميم متحركة و هو أوان الإيجاب فلما دل عليه من أول وهلة خفيت الألف لقوة الدلالة و ظهرت في الرحيم لضعف الدلالة لمحمد صلى الله عليه و سلم لوجود المنازع فأيده بالألف فصار الرحيم محمدا و الألف منه الحق المؤيد له من اسمه الظاهر قال تعالى فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فقال قولوا لا إله إلا الله و إني رسوله فمن آمن بلفظه لم يخرج من رق الشرك و هو من أهل الجنة و من آمن بمعناه انتظم في سلك التوحيد فصحت له الجنة الثامنة و كان ممن آمن بنفسه فلم يكن في ميزان غيره إذ قد وقعت السوية و اتحدت الاصطفائية جمعا و اختلفت رسالة و وجدنا بسم ذا نقطة و الرحمن كذلك و الرحيم ذا نقطتين و الله مصمت فلم توجد في الله لما كان الذات و وجدت فيما بقي لكونهم محل الصفات فاتحدت في بسم آدم لكونه فردا غير مرسل و اتحدت في الرحمن لأنه آدم و هو المستوي على عرش الكائنات المركبات و بقي الكلام على نقطتي الرحيم مع ظهور الألف فالياء الليالي العشر و النقطتان الشفع و الألف الوتر و الاسم بكليته و الفجر و معناه الباطن الجبروتي و الليل إذا يسرى و هو الغيب الملكوتي و ترتيب النقطتين الواحدة مما تلي الميم و الثانية مما تلي الألف و الميم وجود العالم الذي بعث إليهم و النقطة التي تليه أبو بكر رضي الله عنه و النقطة التي تلي الألف محمد صلى الله عليه و سلم و قد تقببت الياء عليهما كالغار إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا فإنه واقف مع صدقه و محمد ع واقف مع الحق في الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت فهو الحكيم كفعله يوم بدر في الدعاء و الإلحاح و أبو بكر عن ذلك صاح فإن الحكيم يوفي المواطن حقها و لما لم يصح اجتماع صادقين معا لذلك لم يقم أبو بكر في حال النبي صلى الله عليه و سلم و ثبت مع صدقه به فلو فقد النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الموطن و حضره أبو بكر لقام في ذلك المقام الذي أقيم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه ليس ثم أعلى منه يحجبه عن ذلك فهو صادق ذلك الوقت و حكيمه و ما سواه تحت حكمه فلما نظرت نقطة أبي بكر إلى الطالبين أسف عليه فأظهر الشدة و غلب الصدق و قال لا تَحْزَنْ لأثر ذلك الأسف إِنَّ الله مَعَنا كما أخبرتنا و إن جعل منازع أن محمدا هو القائل لم نبال لما كان مقامه صلى الله عليه و سلم الجمع و التفرقة معا و علم من أبي بكر الأسف و نظر إلى الألف فتأيد و علم أن أمره مستمر إلى يوم القيامة قال لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا و هذا أشرف مقام ينتهي إليه تقدم الله عليك ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله شهود بكري وراثة محمدية و خاطب الناس بمن عرف نفسه عرف ربه و هو قوله تعالى يخبر عن ربه تعالى كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ و المقالة عندنا إنما كانت لأبي بكر رضي الله عنه و يؤيدنا قول النبي صلى الله عليه و سلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا! فالنبي صلى الله عليه و سلم ليس بمصاحب و بعضهم أصحاب بعض و هم له أنصار و أعوان فافهم إشارتنا تهد إلى سواء السبيل (لطيفة)النقطتان الرحيمية موضع القدمين و هو أحد خلع النعلين الأمر و النهي و الألف الليلة المباركة و هي غيب محمد صلى الله عليه و سلم ثم فرق فيه إلى الأمر و النهي و هو قوله فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ و هو الكرسي و الحاء العرش و الميم ما حواه و الألف حد المستوي و الراء صريف القلم و النون الدواة التي في اللام فكتب ما كان و ما يكون في قرطاس لوح الرحيم و هو اللوح المحفوظ المعبر عنه بكل شيء في الكتاب العزيز من باب الإشارة و التنبيه قال تعالى وَ كَتَبْنا لَهُ في الْأَلْواحِ من كُلِّ شَيْءٍ و هو اللوح المحفوظ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ و هو اللوح المحفوظ الجامع ذلك عبارة عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله أوتيت جوامع الكلم موعظة و تفصيلا و هما نقطتا الأمر و النهي لكل شيء غيب محمد الألف المشار إليه بالليلة المباركة فالألف للعلم و هو المستوي و اللام للإرادة و هو النون أعني الدواة و الراء للقدرة و هو القلم و الحاء للعرش و الياء للكرسي و رأس الميم للسماء و تعريقه للأرض فهذه سبعة أنجم نجم منها يسبح في فلك الجسم و نجم في فلك النفس الناطقة و نجم في فلك سر النفس و هو الصديقية و نجم في فلك القلب و نجم في فلك العقل و نجم في فلك الروح فحل ما قفلنا و فيما قررنا مفتاح لما أضمرنا فاطلب تجد إن شاء الله ف بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و إن تعدد فهو واحد إذا حقق من وجه ما (وصل في أسرار أم القرآن من طريق خاص)و هي فاتحة الكتاب و السبع المثاني و القرآن العظيم و الكافية و البسملة آية منها و هي تتضمن الرب و العبد و لنا في تقسيمها قريض منه
فهي فاتحة الكتاب لأن الكتاب عبارة من باب الإشارة عن المبدع الأول فالكتاب يتضمن الفاتحة و غيرها لأنها منه و إنما صح لها اسم الفاتحة من حيث إنها أول ما افتتح بها كتاب الوجود و هي عبارة عن المثل المنزه في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ بأن تكون الكاف عين الصفة فلما أوجد المثل الذي هو الفاتحة أوجد بعده الكتاب و جعله مفتاحا له فتأمل و هي أم القرآن لأن الأم محل الإيجاد و الموجود فيها هو القرآن و الموجد الفاعل في الأم فالأم هي الجامعة الكلية و هي أم الكتاب الذي عنده في قوله تعالى وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ فانظر عيسى و مريم عليهما السلام و فاعل الإيجاد يخرج لك عكس ما بدا لحسك فالأم عيسى و الابن الذي هو الكتاب العندي أو القرآن مريم عليهما السلام فافهم و كذلك الروح ازدوج مع النفس بواسطة العقل فصارت النفس محل الإيجاد حسا و الروح ما أتاها إلا من النفس فالنفس الأب فهذه النفس هو الكتاب المرقوم لنفوذ الخط فظهر في الابن ما خط القلم في الأم و هو القرآن الخارج على عالم الشهادة و الأم أيضا عبارة عن وجود المثل محل الأسرار فهو الرق المنشور الذي أودع فيه الكتاب المسطور المودعة فيه تلك الأسرار الإلهية فالكتاب هنا أعلى من الفاتحة إذ الفاتحة دليل الكتاب و مدلولها و شرف الدليل بحسب ما يدل عليه أ رأيت لو كان مفتاحا لضد الكتاب المعلوم أن لو فرض له ضد حقر الدليل لحقارة المدلول و لهذا
أشار النبي صلى الله عليه و سلم أن لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو لدلالة تلك الحروف على كلام الله تعالى إذ قد سماها الحق كلام الله و الحروف الذي فيه أمثالها و أمثال الكلمات إذا لم يقصد بها الدلالة على كلام الله يسافر بها إلى أرض العدو و يدخل بها مواضع النجاسات و أشباهها و الكشف و هي السبع المثاني و القرآن العظيم الصفات ظهرت في الوجود في واحد و واحد فحضرة تفرد و حضرة تجمع فمن البسملة إلى الدين إفراد و كذلك من اهْدِنَا إلى الضَّالِّينَ و قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ تشمل قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل فلك السؤال و منه العطاء كما إن له السؤال بالأمر و النهي و لك الامتثال يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدني عبدي يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله أثنى على عبدي يقول العبد ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي و مرة قال فوض إلى عبدي هذا إفراد إلهي و في رواية يقول العبد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله ذكرني عبدي ثم قال يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فما هي العطاء و إياك في الموضعين ملحق بالإفراد الإلهي يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ فهؤلاء لعبدي هذا هو الإفراد العبدي المألوه و لعبدي ما سأل سأل مألوه ما إلها فلم تبق إلا حضرتان فصح المثاني فظهرت في الحق وجودا و في العبد الكلي إيجادا فوصف نفسه بها و لا موجود سواه في العماء ثم وصف بها عبده حين استخلفه و لذلك خروا له ساجدين لتمكن الصورة و وقع الفرق من موضع القدمين إلى يوم القيامة و القرآن العظيم الجمع و الوجود و هو إفراده عنك و جمعك به و ليس سوى قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و حسب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (واقعة) أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان رضي الله عنه إلي آمرا بالكلام في المنام بعد ما وقعت شفاعتي على جماعتي و نجا الكل من أسر الهلاك و قرب المنبر الأسنى و صعدت عليه عن الأذن العالي المحمدي الأسمى بالاقتصار على لفظة الحمد لله خاصة و نزل التأييد و رسول الله صلى الله عليه و سلم عن يمين المنبر قاعد فقال العبد بعد ما أنشد و حمد و أثنى و بسمل حقيقة الحمد هي العبد المقدس المنزه لله إشارة إلى الذات الأزلية و هو مقام انفصالوجود العبد من وجود الإله ثم غيبه عن وجوده بوجوده الأزلي و أوصله به فقال لله فاللام الداخلة على قوله الله الخافضة له هي حقيقة المألوه في باب التواضع و الذلة و هي من حروف المعاني لا من حروف الهجاء ثم قدمها سبحانه على اسم نفسه تشريفا لها و تهمما و تنزيها لمعرفتها بنفسها و تصديقا لتقديم النبي صلى الله عليه و سلم إياها في قوله من عرف نفسه عرف ربه فقدم معرفة النفس على معرفة الرب ثم عملت في الاسم الله لتحقيق الاتصال و تمكينها من المقام و لما كانت في مقام الوصلة ربما توهم أن الحمد غير اللام فخفض العبد اتباعا لحركة اللام فقرئ الحمد لله بخفض الدال فكان لفظة الحمد بدلا من اللام بدل شيء من شيء و هما لعين واحدة فالحمد هو وجود اللام و اللام هي الحمد فإذا كانا شيئا واحدا كان الحمد في مقام الوصلة مع الله لأنه عين اللام فكان معنى كما كانت اللام لفظا و معنى ثم حقيقة الخفض فيها إثبات العبودية ثم أحيانا يفنيها عن نفسها فناء كليا ليرفعها إلى المقام الأعلى في الأولية ثم يبقى حقيقتها في الآخرية فيقول الحمد لله برفع اللام اتباعا لحركة الدال و هذا مما يؤيد أن الحمد اللام و هو المعبر عنه بالرداء و الثوب إذ كان هو محل الصفات و افتراق الجمع فغاية معرفة العباد أن تصل إليه إن وصلت و ألحق وراء ذلك كله أو قل و مع ذلك كله فلما رفعها بالفناء عنها ابتداء أراد أن يعرفها مع فنائها إنها ما برحت من مقامها فجعلها عاملة و جعل رفعها عارضا في حق الحق فأبقى الهاء مكسورة تدل على وجود اللام في مقام خفض العبودة و لهذا شدت اللام الوسطى بلفظة لا أي ذات الحق ليست ذات العبد و إنما هي حقيقة المثل لتجلى الصورة ثم الهاء تعود على اللام لما هي معمولها فلو كانت الهاء كناية عن ذات الحق لم تعمل فيها اللام بل هو العامل في كل شيء فإذا كانت اللام هي نفس الحمد و الهاء معمول اللام فالهاء هي اللام و قد كانت اللام هي الحمد فالهاء الحمد بلا مزيد و قد قلنا إن اللام المشددة لنفي الجمع المتحد موضع الفصل فخرج من مضمون هذا الكلام أن الحمد هو قوله لله و أن قوله لله هو قوله الحمد فغاية العبد أن حمد نفسه الذي رأى في المرآة إذ لا طاقة للمحدث على حمل القديم فأحدث المثل على الصورة و صار الموحد مرآة فلما تجلت صورة المثل في مرآة الذات قال لها حين أبصرت الذات فعطست فميزت نفسها احمدي من رأيت فحمدت نفسها فقالت الحمد لله فقال لها يرحمك ربك يا آدم لهذا خلقتك فسبقت رحمته غضبه و لهذا قال عقيب قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقدم الرحمة ثم قال غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فأخر غضبه فسبقت الرحمة الغضب في أول افتتاح الوجود فسبقت الرحمة إلى آدم قبل العقوبة على أكل الشجرة ثم رحم بعد ذلك فجاءت رحمتان بينهما غضب فتطلب الرحمتان أن تمتزجا لأنهما مثلان فانضمت هذه إلى هذه فانعدم الغضب بينهما كما قال بعضهم في يسرين بينهما عسر
فالرحمة عبارة عن الموجود الأول المعبر عنه بالمطلوب و المغضوب عليهم النفس الأمارة و الضالون عالم التركيب ما دامت هي مغضوبة عليها إذ الباري منزه عن أن ينزه إذ لا غير و لا موجود إلا هو و لهذا أشار صلى الله عليه و سلم بقوله المؤمن مرآة أخيه لوجود الصورة على كمالها إذ هي محل المعرفة و هي الموصلة و لو أوجده على غير تلك الصورة لكان جمادا فالحمد لله الذي من على العارفين به الواقفين معه بمواد العناية أزلا و أبدا (تنبيه) اللام تفني الرسم كما إن الباء تبقيه و لهذا قال أبو العباس بن العريف العلماء لي و العارفون بي فأثبت المقام الأعلى للام فإنه قال في كلامه و العارفون بالهمم ثم قال في حق اللام و الحق وراء ذلك كله ثم زاد تنبيها على ذلك و لم يقنع بهذا وحده فقال و الهمم للوصول و الهمة للعارفين البائيين و قال في العلماء اللاميين و إنما يتبين الحق عند اضمحلال الرسم و هذا هو مقام اللام فناء الرسم فالحمد لله أعلى من الحمد بالله فإن الحمد بالله يبقيك و الحمد لله يفنيك فإذا قال العالم الحمد لله أي لا حامد لله إلا هو فأحرى أن لا يكون ثم محمود سواه و تقول العامة الحمد لله أي لا محمود إلا الله و هي الحامدة فاشتركا في صورة اللفظ فالعلماء أفنت الحامدين المخلوقين و المحمودين و العامة أفنت المحمودين من الخلق خاصة و أما العارفون فلا يتمكن لهم أن يقولوا الحمد لله إلا مثل العامة و إنما مقامهم الحمد بالله لبقاء نفوسهم عندهم فتحقق هذا الفصل فإنه من لباب المعرفة (وصل في قوله رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أثبت بقوله عندنا و في قلوبنا رب العالمين حضرة الربوبية و هذا مقام العارف و رسوخ قدم النفس و هو موضع الصفة فإن قولنا لله ذاتية المشهد عالية المتحد ثم أتبعه بقوله رَبِّ الْعالَمِينَ أي مريهم و مغذيهم و العالمين عبارة عن كل ما سوى الله و التربية تنقسم قسمين تربية بواسطة و بغير واسطة فأما الكلمة فلا يتصور واسطة في حقه البتة و أما من دونه فلا بد من الواسطة ثم تنقسم التربية قسمين التي بالواسطة خاصة قسم محمود و قسم مذموم و من القديم تعالى إلى النفس و النفس داخلة في الحد ما ثم إلا محدود خاصة و أما المذموم و المحمود فمن النفس إلى عالم الحس فكانت النفس محلا قابلا لوجود التغيير و التطهير فنقول إن الله تعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع أوجدها في مقام الجهل و محل السلب أي أعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر و لا كيف صدر و كان الغذاء فيه الذي هو سبب حياته و بقائه و هو لا يعلم فحرك الله همته لطلب ما عنده و هو لا يدري أنه عنده فأخذ في الرحلة بهمته فأشهده الحق تعالى ذاته فسكن و عرف أن الذي طلب لم يزل موصوفا قال إبراهيم بن مسعود الإلبيري
قد يرحل المرء لمطلوبه و السبب المطلوب في الراحل
و علم ما أودع الله فيه من الأسرار و الحكم و تحقق عنده حدوثه و عرف ذاته معرفة إحاطية فكانت تلك المعرفة له غذاء معينا يتقوت به و تدوم حياته إلى غير نهاية فقال له عند ذلك التجلي الأقدس ما اسمي عندك فقال أنت ربي فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية و تفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو فقال له سبحانه أنت مربوبي و أنا ربك أعطيتك أسمائي و صفاتي فمن رآك رآني و من أطاعك أطاعني و من علمك علمني و من جهلك جهلني فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك و غاية معرفتهم بك العلم بوجودك لا بكيفيتك كذلك أنت معي لا نتعدى معرفة نفسك و لا ترى غيرك و لا يحصل لك العلم بي إلا من حيث الوجود و لو أحطت علما بي لكنت أنت أنا و لكنت محاطا لك و كانت أنيتي أنيتك و ليست أنيتك أنيتي فأمدك بالأسرار الإلهية و أربيك بها فتجدها مجعولة فيك فتعرفها و قد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها إذ لو عرفتها لاتحدت الإنية و اتحاد الإنية محال فمشاهدتك لذلك محال هل ترجع إنية المركب إنية البسيط لا سبيل إلى قلب الحقائق فاعلم إن من دونك في حكم التبعية لك كما أنت في حكم التبعية لي فأنت ثوبي و أنت ردائي و أنت غطائي فقال له الروح ربي سمعتك تذكر أن لي ملكا فأين هو فاستخرج له النفس منه و هي المفعول عن الانبعاث فقال هذا بعضي و أنا كله كما أنا منك و لست مني قال صدقت يا روحي قال بك نطفت يا ربي إنك ربيتني و حجبت عني سر الإمداد و التربية و انفردت أنت به فاجعل إمدادي محجوبا عن هذا الملك حتى يجهلني كما جهلتك فخلق في النفس صفة القبول و الافتقار و وزر العقل إلى الروح المقدس ثم أطلع الروح على النفس فقال لها من أنا قالت ربي بك حياتي و بك بقائي فتاه الروح بملكه و قام فيه مقام ربه فيه و تخيل أن ذلك هو نفس الإمداد فأراد الحق أن يعرفه أن الأمر على خلاف ما تخيل و أنه لو أعطاه سر الإمداد كما سأل لما انفردت الألوهية عنه بشيء و لاتحدت الإنية فلما أراد ذلك خلق الهوى في مقابلته و خلق الشهوة في مقابلة العقل و وزرها للهوى و جعل في النفس صورة القبول لجميع الواردات عموما فحصلت النفس بين ربين قويين لهما وزيران عظيمان و ما زال هذا يناديها و هذا يناديها و الكل من عند الله قال تعالى قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله و كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ من عَطاءِ رَبِّكَ و لهذا كانت النفس محل التغيير و التطهير قال تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها في أثر قوله وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فإن أجابت منادى الهوى كان التغيير و إن أجابت منادى الروح كان التطهير شرعا و توحيدا فلما رأى الروح ينادي و لا يسمع مجيبا فقال ما منع ملكي من إجابتي قال له الوزير في مقابلتك ملك مطاع عظيم السلطان يسمى الهوى عطيته معجلة له الدنيا بحذافيرها فبسط لها حضرته و دعاها فأجابته فرجع الروح بالشكوى إلى الله تعالى فثبتت عبوديته و ذلك كان المراد و تنزلت الأرباب و المربوبون كل واحد على حسب مقامه و قدره فعالم الشهادة المنفصل ربهم عالم الخطاب و عالم الشهادة المتصل ربهم عالم الجبروت و عالم الجبروت ربهم عالم الملكوت و عالم الملكوت ربهم الكلمة و الكلمة ربهارب الكل الواحد الصمد و قد أشبعنا القول في هذا الفصل في كتابنا المسمى بالتدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية فأضربنا عن تتميم هذا الفصل هنا مخافة التطويل و كذلك ذكرناه أيضا في تفسير القرآن فسبحان من تفرد بتربية عباده و حجب من حجب منهم بالوسائط و خرج من هذا الفصل لمن عرف روحه و معناه أن الرب هو الله سبحانه و أن العالمين هو المثل الكلي و لذلك أوجده في العالمين على ثمانية أحرف عرشا و استوى عليه باللطف و التربية و الحنان و الرحمة الرحمانية المؤكدة بالرحيمية لتميز الدار الحيوان لقوله تعالى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فعم بالرحمن و خص بالرحيم فالرحمن في عالمه بالوسائط و غيرها و الرحيم في كلماته بلا واسطة لوجود الاختصاص و شرف العناية فافهم و الأسلم تسلم (وصل في قوله تعالى ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ) يريد يوم الجزاء و حضرة الملك من مقام التفرقة و هي جمع فإنه لا تقع التفرقة إلا في الجمع قال فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فهي مقام الجمع و قد قبلت سلطان التفرقة فهي مقام التفرقة فافترق الجمع إلى أمر و نهي خطابا و سخط و رضي إرادة و طاعة و عصيان فعل مألوه و وعد و وعيد فعل إله و الملك في هذا اليوم من حقت له الشفاعة و اختص بها و لم يقل نفسي و قال أمتي و الملك في وجودنا المطلوب للقيامة المعجلة التي تظهر في طريق التصوف هو الروح القدسي و يوم القيامة وقت إيجاده الجزاء أو طولب به إن كانت عقوبة لا بد من ذلك فإن كانت الطاعة ف جَنَّاتٍ من نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ و إن كانت المعصية الكفرانية فجهنم من أغلال و عذاب و من مقام الدعوى في الصورتين فنفرض الكلام في هذه الآية على حد الملك و ما ينبغي له و هل ترتقي النفس من يوم الدين إلى الفناء عنه فأقول إن الملك من صح له الملك بطريق الملك و سجد له الملك و هو الروح فلما نازعه الهوى و استعان بالنفس عليه عزم الروح على قتل الهوى و استعد فلما برز الروح بجنود التوحيد و الملإ الأعلى و برز الهوى كذلك بجنود الأماني و الغرور و الملإ الأسفل قال الروح للهوى مني إليك فإن ظفرت بك فالقوم لي و إن ظفرت أنت و هزمتني فالملك لك و لا يهلك القوم بيننا برز الروح و الهوى فقتله الروح بسيف العدم و ظفر بالنفس بعد إباية منها و جهد كبير فأسلمت تحت سيفه فسلمت و أسلمت و تطهرت و تقدست و آمنت الحواس لإيمانها و دخلوا في رق الانقياد و أذعنوا و سلبت عنهم أردية الدعاوي الفاسدة و اتحدت كلمتهم و صار الروح و النفس كالشيء الواحد و صح له اسم الملك حقيقة فقال له ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فرده إلى مقامه و نقله من افتراق الشرع إلى جمع التوحيد و الملك على الحقيقة هو الحق تعالى المالك للكل و مصرفه و هو الشفيع لنفسه عامة و خاصة خاصة في الدنيا و عامة في الآخرة من وجه ما و لذلك قدم على قوله ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ ... الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لتأنس أفئدة المحجوبين عن رؤية رب العالمين أ لا تراه يقول يَوْمِ الدِّينِ شفعت الملائكة و النبيون و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين و لم يقل و بقي الجبار و لا القهار ليقع التأنيس قبل إيجاد الفعل في قلوبهم فمن عرف المعنى في هذا الوجود صح له الاختصاص في مقام أرحم و من جهلها في هذا الوجود دخل في العامة في الحشر الأكبر فتجلى في مقام الراحمين فعاد الفرق جمعا و الفتق رتقا و الشفع وترا بشفاعة أرحم الراحمين من جهنم ظاهر السور إلى جنة باطنه فإذا وقع الجدار و انهدم السور و امتزجت الأنهار و التقت البحران و عدم البرزخ صار العذاب نعيما و جهنم جنة فلا عذاب و لا عقاب إلا نعيم و أمان بمشاهدة العيان و ترنم أطيار بألحان على المقاصير و الأفنان و لثم الحور و الولدان و عدم مالك و بقي رضوان و صارت جهنم تتنعم في حظائر الجنان و اتضح سر إبليس فيهم فإذا هو و من سجد له سيان فإنهما ما تصرفا إلا عن قضاء سابق و قدر لا حق لا محيص لهما عنه فلا بد لهما منه و حاج آدم موسى (وصل) في قوله جل ثناؤه و تقدس إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لما ثبت وجوده بالحمد لله و غذاؤه برب العالمين و اصطفاؤه بالرحمن الرحيم و تمجيده بملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ أراد تأكيد تكرار الشكر و الثناء رغبة في المزيد فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و هذا مقام الشكر أي لك نقر بالعبودية و نؤوي وحدك لا شريك لك و إليك نؤوي في الاستعانة لا إلى غيرك على من أنزلتهم مني منزلتي منك فأنا أمدهم بك لا بنفسي فأنت الممد لا أنا و أثبت له بهذه الآية نفي الشريك فالياء من إياك العبد الكلي قد انحصرت ما بين ألفين ألفي توحيد حتى لا يكون لها موضع دعوى برؤية غير فأحاط بها التوحيد و الكاف ضمير الحق فالكاف و الألفان شيء واحد فهم مدلول الذات ثم كان نعبد صفة فعل الياء بالضمير الذي فيه و العبد فعل الحقفلم يبق في الوجود إلا الحضرة الإلهية خاصة غير أنه في قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ في حق نفسه للإبداع الأول حيث لا يتصور غيره وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في حق غيره للخلق المشتق منه و هو محل سر الخلافة ففي إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سجدت الملائكة و أبى من استكبر (وصل) في قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ آمين فلما قال له إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال له و ما عبادتي قال ثبوت التوحيد في الجمع و التفرقة فلما استقر عند النفس أن النجاة في التوحيد الذي هو الصراط المستقيم و هو شهود الذات بفنائها أو بقائها إن غفلت قالت اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فتعرض لها بقولها الْمُسْتَقِيمَ صراطان معوج و هو صراط الدعوى و مستقيم و هو التوحيد فلم يكن لها ميز بين الصراطين إلا بحسب السالكين عليهما فرأت ربها سالكا للمستقيم فعرفته به و نظرت نفسها فوجدت بينها و بين ربها الذي هو الروح مقاربة في اللطافة و نظرت إلى المعوج عند عالم التركيب فذلك قولها صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و هذا عالمها المتصل بها المركب مغضوب عليه و المنفصل عنها ضالون عنها بنظرهم إلى المتصل المغضوب عليه فوقفت على رأس الصراطين و رأت غاية المعوج الهلاك و غاية المستقيم النجاة و علمت إن عالمها يتبعها حيث سلكت فلما أرادت السلوك على المستقيم و أن تعتكف في حضرة ربها و أن ذلك لها و من نفسها بقولها إِيَّاكَ نَعْبُدُ عجزت و قصر بها فطلبت الاستعانة بقولها وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فنبهها ربها على اهدنا فتيقظت فقالت اهْدِنَا فوصفت ما رأت بقولها الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي هو معرفة ذاتك قال صاحب المواقف لا تأثير للعلم و قال أنت لما هلكت فيه صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و قرئ في الشاذ صراط من أنعم عليه إشارة إلى الروح القدسي و تفسير الكل من أنعم الله عليه من رسول و نبي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ليس كذلك وَ لا الضَّالِّينَ يقول تعالى فهؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل فأجابها و أقام معوجها و أوضح صراطها و رفع بساطها يقول ربها أثر تمام دعائها آمين فحصلت الإجابة بالأمن تأمين الملائكة و صار تأمين الروح تابعا له اتباع الأجناد بل أطوع لكون الإرادة متحدة و صح لها النطق فسماها النفس الناطقة و هي عرش الروح و العقل صورة الاستواء فافهم و إلا فسلم تسلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (فصول تأنيس و قواعد تأسيس) نظر الجمال بعين الوصال قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إيجاز البيان فيه يا محمد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ستروا محبتهم في عنهم ف سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ بوعيدك الذي أرسلتك به أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بكلامك فإنهم لا يعقلون غيري و أنت تنذرهم بخلقي و هم ما عقلوه و لا شاهدوه و كيف يؤمنون بك و قد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعا لغيري و على سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ من بهائي عند مشاهدتي فلا يبصرون سواى و لهم عذاب عظيم عندي أردهم بعد هذا المشهد السني إلى إنذارك و أحجبهم عني كما فعلت بك بعد قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قربا أنزلتك إلى من يكذبك و يرد ما جئت به إليه مني في وجهك و تسمع في ما يضيق له صدرك فأين ذلك الشرح الذي شاهدته في إسرائك فهكذا أمنائي على خلقي الذين أخفيتهم رضاي عنهم فلا أسخط عليهم أبدا (بسط ما أوجزناه في هذا الباب) انظر كيف أخفى سبحانه أولياءه في صفة أعدائه و ذلك لما أبدع الأمناء من اسمه اللطيف و تجلى لهم في اسمه الجميل فأحبوه تعالى و الغيرة من صفات المحبة في المحبوب و المحب بوجهين مختلفين فستروا محبته غيره منهم عليه كالشبلي و أمثاله و سترهم بهذه الغيرة عن أن يعرفوا فقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا ما بدا لهم في مشاهدتهم من أسرار الوصلة فقال لا بد أن أحجبكم عن ذاتي بصفاتي فتأهبوا لذلك فما استعدوا فأنذرتهم على ألسنة أنبيائي الرسل في ذلك العالم فما عرفوا لأنهم في عين الجمع و خاطبهم من عين التفرقة و هم ما عرفوا عالم التفصيل فلم يستعدوا و كان الحب قد استولى على قلوبهم سلطانه غيرة من الحق عليهم في ذلك الوقت فأخبر نبيه صلى الله عليه و سلم روحا و قرآنا بالسبب الذي أصمهم عن إجابة ما دعاهم إليه فقال خَتَمَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ فلم يسعا غيره وَ عَلى سَمْعِهِمْ فلا يسمعون سوى كلامه على ألسنة العالم فيشهدونه في العالم متكلما بلغاتهم وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ من سناه إذ هو النور و بهائه إذ له الجلال و الهيبة يريد الصفة التي تجلى لهم فيها المتقدمة فأبقاهم غرقى في بحور اللذات بمشاهدة الذات فقال لهم لا بد لكم منعذاب عظيم فما فهموا ما العذاب لاتحاد الصفة عندهم فأوجد لهم عالم الكون و الفساد و حينئذ علمهم جميع الأسماء و أنزلهم على العرش الرحماني و فيه عذابهم و قد كانوا مخبوءين عنده في خزائن غيوبه فلما أبصرتهم الملائكة خرت سجودا لهم فعلموهم الأسماء فأما أبو يزيد فلم يستطع الاستواء و لا أطاق العذاب فصعق من حينه فقال تعالى ردوا على حبيبي فإنه لا صبر له عني فحجب بالشوق و المخاطبة و بقي الكفار فنزلوا من العرش إلى الكرسي فبدت لهم القدمان فنزلوا عليهما في الثلث للباقي من ليلة هذه النشأة الجسمية إلى سماء الدنيا النفسي فخاطبوا أهل الثقل الذين لا يقدرون على العروج هل من داع فيستجاب له هل من تائب فيتاب عليه هل من مستغفر فيغفر له حتى ينصدع الفجر فإذا انصدع ظهر الروح العقلي النوري فرجعوا من حيث جاءوا قال صلى الله عليه و سلم من كان مواصلا فليواصل حتى السحر فذلك أوان بعثر ما في القبور فكل عبد لم يحذر مكر الله فهو مخدوع فافهم
(فصل) وَ من النَّاسِ من يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ الله وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ الله مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أبدع الله المبدعات و تجلى بلسان الأحدية في الربوبية فقال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و المخاطب في غاية الصفاء فقال بَلى فكان كمثل الصدا فإنهم أجابوه به فإن الوجود المحدث خيال منصوب و هذا الإشهاد كان إشهاد رحمة لأنه ما قال لهم وحدي إبقاء عليهم لما علم من أنهم يشركون به بما فيهم من الحظ الطبيعي و بما فيهم من قبول الاقتدار الإلهي و ما يعلمه إلا قليل فلما برزت صور العالم من العلم الأزلي إلى العين الأبدي من وراء ستارة الغيرة و العزة بعد ما أسرج السرج و أنار بيت الوجود و بقي هو في ظلمة الغيوب فشوهدت الصور متحركة ناطقة بلغات مختلفات و الصور تنبعث من الظلمة فإذا انقضى زمانها عادت إلى الظلمة و هكذا حتى السحر فأراد الفطن أن يقف على حقيقة ما شاهده بصره فإن للحس أغاليط فقرب من الستارة فرأى نطقها غيبا فيها فعلم إن ثم سرا عجيبا فوقف عليه من نفسه فعرفه و عرف الرسول و ما جاء به من وظائف التكليف فأول وظيفة كلمة التوحيد فأقر الكل بها فما جحد أحد الصانع و اختلفت عباراتهم عليه فابتلاهم بأن خاطبهم بلسان الشرك شهادة الرسول فوقع الإنكار باختصاص الجنس فتفرق أهل الإنكار على طريقين فمنهم من نظر في الظواهر فلم ير تفضيلا في شيء ظاهر فأنكر و منهم من نظر باطنا عقلا فرأى الاشتراك في المعقولات و نسي الاختصاص فأنكر فأرسله بالسيف ف قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ من الموت و داخلهم الشك على قدر نظرهم فمنهم من استمر على نفي كلمة الإشراك قطعا فذلك كافر و منهم من استمر عليها مشاهدة فذلك عالم بالله و منهم من استمر على ثبتها نظرا فذلك عارف بالله و منهم من استمر على ثبتها اعتقادا فتلك العامة و منهم من خاف القتل فلفظ و لم يعتقد فنادى عليه لسان الحق فقال وَ من النَّاسِ من يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ظاهرا وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ باطنا يُخادِعُونَ الله بلزوم الدعوى و بجهلهم القائم بهم بأن الله لا يعلم و أني أرد أعمالهم عليهم وَ ما يَشْعُرُونَ اليوم بذلك في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك مما جاءهم به رسولي فَزادَهُمُ الله مَرَضاً شكا و حجابا وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يوم القيامة و هم فيه بما كانوا يكذبون مما حققنا لديهم و لم تسبق لهم عناية في اللوح القاضي (وصل) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ لما أكمل الوجود بثمانية برز في ميدان التنعم فارس الدعوى فلم يكن في جيش وَ من النَّاسِ من يَقُولُ آمَنَّا من يبرز إليه فملك الكل و صبوا إليه و إلى دينه باطنا فعوقبوا بطلب الإقرار و إلا قتلوا فأقروا لفظا فحصل لهم العذاب الأليم دنيا و آخرة ف إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ أرض الأشباح قالُوا من خيالهم إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فقال الله تعالى أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ عندنا و عندهم إذ لم يستمتعوا بها على ما يريدون وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ باتحاد الأشياء و لو شعروا ما آمنوا و لا كفروا (وصل) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ و ذلك أنهم لما انتظموا في سلك الأغيار أتاهم النداء أن يقفوا على منازل الشهداء فسمعوا الخطاب في الأينية آمنوا كما آمن الناس فحجبوا عن أخذ العهد بعهد الحس و الداعي الجنسي و أصمهم ذلك وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ و أغطش ليل جهالتهم فقالوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ لما عدلبهم عن طريق التقديس و وقفوا مع الهوى قال الله لنا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ الأحلام لما ملكتهم الأهواء و حجبوا عن الالتذاذ بسماع وقع الرذاذ على الأفلاذ بالطور وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ ليتميز العالي ممن هو دونه و إلا فأية فائدة لقوله لشيء إذا أراده أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ذلك الشيء إلا إيجاد الأشياء على أحسن قانون فسبحان من انفرد بالإيجاد و الاختراع و الإتقان و الإبداع (وصل في دعوى المدعين) وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الايمان في هذا المقام على خمسة أقسام إيمان تقليد و إيمان علم و إيمان عين و إيمان حق و إيمان حقيقة فالتقليد للعوام و العلم لأصحاب الدليل و العين لأهل المشاهدة و الحق للعارفين و الحقيقة للواقفين و حقيقة الحقيقة و هو السادس للعلماء المرسلين أصلا و وراثة منع كشفها فلا سبيل إلى إيضاحها فكانت صفات الدعاوي إذا لقوا هؤلاء الخمسة قالوا آمنا فالقلب للعوام و سر القلب لأصحاب الدليل و الروح لأهل المشاهدة و سر الروح للعارفين و سر السر للواقفين و السر الأعظم لأهل الغيرة و الحجاب و المنافقون تعروا عن الايمان و انتظموا في الإسلام و إيمانهم ما جاوز خزانة خيالهم فاتخذوا أصناما في ذواتهم أقاموها مقام آلهتهم ف إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا باستيلاء الغفلة عليهم و خلو المحل عن مراتب الايمان إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فوقع عليهم العذاب من قولهم له إلى شياطينهم في حال الخلوة فلما قامت الأضداد عندهم و عاملوا الحق و الباطل عاملوا الحق بستر الباطل و عاملوا الباطل بإفشاء الحق فصح لهم النفاق و لو خاطبوا ذاتهم في ذاتهم ما صح عليهم هذا و لكانوا من أهل الحقائق فأوقع الله الجواب على الاستهزاء فقال الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و هو استهزاءهم عجبا كيف قالوا إِنَّا مَعَكُمْ و هم عدم لو عاينوا إيمان الحقيقة لعاينوا لخالق في الخليقة و لا خلوا و لا نطقوا و لا صمتوا بل كانوا يقومون مقام من شاهد و هو روح جاء مع صاحب المادة فلينظر الإنسان حقيقة اللقاء فإنه مؤذن بافتراق متقدم ثم اجتمعوا بصفة لم يعرفوها بل ظهر لهم منها ظاهر حسن فتأدبوا معها و لم يطيقوا أكثر من ذلك فقالوا آمنا ثم نكسوا على رءوسهم في الخلوة مع الشيطنة و هي البعد مثل اللقاء فقالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بالصفة التي لقينا فتدبر هذه الآية من حقيقة الحقيقة عند طلوع الفجر و زوال الشك بزوال الستارة و رفع الموانع يلح لك السر في سبحان و النساء و الشمس فتجد الذين لقوا كمثل الذين لقوا فتصمت و إن تكلمت هلكت و هذه حقيقة الحقيقة التي منع كشفها إلا لمن شم منها رائحة ذوقا فلا بأس فانظر و تدبر ترشد إن شاء الله تم الجزء العاشر
(بسم الله الرحمن الرحيم)