قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع في سبب بدء العالم و مراتب الأسماء الحسنى من العالم كله»

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
في سبب البدء و أحكامهو غاية الصنع و إحكامه‏
و الفرق ما بين رعاة العلىفي نشئه و بين حكامه‏
دلائل دلت على صانعقد قهر الكل بأحكامه‏

قد وقف الصفي الولي أبقاه الله على سبب بدء العالم في كتابنا المسمى بعنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء و شمس المغرب و في كتابنا المسمى بإنشاء الدوائر الذي ألفنا بعضه بمنزله الكريم في وقت زيارتنا إياه سنة ثمان و تسعين و خمسمائة و نحن نريد الحج فقيد له منه خديمه عبد الجبار أعلى الله قدره القدر الذي كنت سطرته منه و رحلت به معي إلى مكة زادها الله تشريفا في السنة المذكورة لأتممه بها فشغلنا هذا الكتاب عنه و عن غيره بسبب الأمر الإلهي الذي ورد علينا في تقييده مع رغبة بعض الإخوان و الفقراء في ذلك حرصا منهم على مزيد العلم و رغبة في أن تعود عليهم بركات هذا البيت المبارك الشريف محل البركات و الهدى و الآيات البينات و أن نعرف أيضا في هذا الموضوع الصفي الكريم أبا محمد عبد العزيز رضي الله عنه ما تعطيه مكة من البركات و إنها خير وسيلة عبادية و أشرف منزلة جمادية ترابية عسى تنهض به همة الشوق إليه و تنزل به رغبة عليه فقد قيل لمن أوتي جوامع الكلم و كان من ربه في مشاهدة العين أدنى من قاب قوسين و مع هذا التقريب الأكمل و الحظ الأوفر الأجزل أنزل عليه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و من شرط العالم المشاهد صاحب المقامات الغيبية و المشاهد أن يعلم أن للامكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا و لو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم‏ فوجوده بمكة أسنى و أتم فكما تتفاضل المنازل الروحانية كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية و إلا فهل الدر مثل الحجر إلا عند صاحب الحال و أما المكمل صاحب المقام فإنه يميز بينهما كما ميز بينهما الحق هل ساوى الحق بين دار بناؤها لبن التراب و التبن و دار بناؤها لبن العسجد و اللجين فالحكيم الواصل من أعطى كل ذي حق حقه فذلك واحد عصره و صاحب وقته و كثير بين مدينة يكون أكثر عمارتها الشهوات و بين مدينة يكون أكثر عمارتها الآيات البينات أ ليس قد جمع معي صفي أبقاه الله أن وجود قلوبنا في بعض المواطن أكثر من بعض و قد كان رضي الله عنه يترك الخلوة في بيوت المنارة المحروسة الكائنة بشرقي تونس بساحل البحر و ينزل إلى الرابطة التي في وسط المقابر بقرب المنارة من جهة بابها و هي تعزى إلى الخضر فسألته عن ذلك فقال إن قلبي أجده هنالك أكثر منه في المنارة و قد وجدت فيها أنا أيضا ما قاله الشيخ و قد علم وليي أبقاه الله أن ذلك من أجل من يعمر ذلك الموضع إما في الحال من الملائكة المكرمين أو من الجن الصادقين و إما من همة من كان يعمره و فقد كبيت أبي يزيد الذي يسمى بيت الأبرار و كزاوية الجنيد بالشونيزية و كمغارة ابن أدهم باليقين و ما كان من أماكن الصالحين الذين فنوا عن هذه الدار و بقيت آثارهم في أماكنهم تنفعل لها القلوب اللطيفة و لهذا يرجع تفاضل المساجد في وجود القلب لا في تضاعف الأجر فقد تجد قلبك في مسجد أكثر مما تجده في غيره من المساجد و ذلك ليس للتراب و لكن لمجالسة الأتراب أو هممهم و من لا يجد الفرق في وجود قلبه بين السوق و المساجد فهو صاحب حال لا صاحب مقام و لا أشك كشفا و علما أنه و إن عمرت الملائكة جميع الأرض مع تفاضلهم في المعارف و الرتب فإن أعلاهم رتبة و أعظمهم علما و معرفة عمرة المسجد الحرام و على قدر جلساتك يكون وجودك فإنه لهمم الجلساء في قلب الجليس لهم تأثيرا و هممهم على قدر مراتبهم و إن كان من جهة الهمم فقد طاف بهذا البيت مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي سوى الأولياء و ما من نبي و لا ولي إلا و له همة متعلقة بهذا البيت و هذا البلد الحرام لأنه البيت الذي اصطفاه الله على سائر البيوت و له سر الأولية في المعابد كما قال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ من دَخَلَهُ كانَ آمِناً من كل مخوف إلى غير ذلك من الآيات فلو رحل الصفي أبقاه الله إلى هذا البلد الحرام الشريف لوجد من المعارف و الزيادات ما لم يكن رآه قبل ذلك و لا خطر له بالبال و قد علم رضي الله عنه إن النفس تحشر على صورة علمها و الجسم على صورة عمله و صورة العلم و العمل بمكة أتم مما في سواها و لو دخلها صاحب قلب ساعة واحدة لكان له ذلك فكيف إن جاور بها و أقام و أتى فيها بجميع الفرائض و القواعد فلا شك أن مشهده بها يكون أتم و أجلي و مورده أصفى و أعذب و أحلى و إذ و صفيي أبقاه الله قد أخبرني أنه يحس بالزيادة و النقص على حسب الأماكن و الأمزجة و يعلم أن ذلك راجع أيضا إلى حقيقة الساكن به أو همته كما ذكرنا و لا شك عندنا إن معرفة هذا الفن أعني معرفة الأماكن و الإحساس بالزيادة و النقص من تمام تمكن معرفة العارف و علو مقامه و إشرافه على الأشياء و قوة ميزه فالله يكتب لوليي فيها أثرا حسنا و يهبه فيها خيرا طيبا إنه الملي بذلك و القادر عليه‏ اعلم وفقنا الله و إياك و جميع المسلمين أن أكثر العلماء بالله من أهل الكشف و الحقائق ليس عندهم علم بسبب بدء العالم إلا تعلق العلم القديم بإيجاده فكون ما علم أنه سيكونه و هنا ينتهي أكثر الناس و أما نحن و من أطلعه الله على ما أطلعنا عليه فقد وقفنا على أمور أخر غير هذا و ذلك أنك إذا نظرت العالم مفصلا بحقائقه و نسبه وجدته محصور الحقائق و النسب معلوم المنازل و الرتب متناهى الأجناس بين متماثل و مختلف فإذا وقفت على هذا الأمر علمت إن لهذا سرا لطيفا و أمرا عجيبا لا تدرك حقيقته بدقيق فكر و لا نظر بل بعلم موهوب من علوم الكشف و نتائج المجاهدات المصاحبة للهمم فإن مجاهدة بغير همة غير منتجة شيئا و لا مؤثرة في العلم و لكن تؤثر في الحال من رقة و صفاء يجده صاحب المجاهدة فاعلم علمك الله سرائر الحكم و وهبك من جوامع الكلم أن الأسماء الحسنى التي تبلغ فوق أسماء الإحصاء عددا و تنزل دون أسماء الإحصاء سعادة هي المؤثرة في هذا العالم و هي المفاتح الأول التي لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و أن لكل حقيقة اسما ما يخصها من الأسماء و أعني بالحقيقة حقيقة تجمع جنسا من الحقائق رب تلك الحقيقة ذلك الاسم و تلك الحقيقة عابدته و تحت تكليفه ليس غير ذلك و إن جمع لك شي‏ء ما أشياء كثيرة فليس الأمر على ما توهمته فإنك إن نظرت إلى‏ ذلك الشي‏ء وجدت له من الوجوه ما يقابل به تلك الأسماء التي تدل عليها و هي الحقائق التي ذكرناها مثال ذلك ما ثبت لك في العلم الذي في ظاهر العقول و تحت حكمها في حق موجود ما فرد لا ينقسم مثل الجوهر الفرد الجزء الذي لا ينقسم فإن فيه حقائق متعددة تطلب أسماء إلهية على عددها فحقيقة إيجاده يطلب الاسم القادر و وجه إحكامه يطلب الاسم العالم و وجه اختصاصه يطلب الاسم المريد و وجه ظهوره يطلب الاسم البصير و الرائي إلى غير ذلك فهذا و إن كان فردا فله هذه الوجوه و غيرها مما لم نذكرها و لكل وجه وجوه متعددة تطلب من الأسماء بحسبها و تلك الوجوه هي الحقائق عندنا الثواني و الوقوف عليها عسير و تحصيلها من طريق الكشف أعسر و اعلم أن الأسماء قد نتركها على كثرتها إذا لحظنا وجوه الطالبين لها من العالم و إذا لم نلحظ ذلك فلنرجع و نلحظ أمهات المطالب التي لا غنى لنا عنها فنعرف إن الأسماء التي الأمهات موقوفة عليها هي أيضا أمهات الأسماء فيسهل النظر و يكمل الغرض و يتيسر التعدي من هذه الأمهات إلى البنات كما يتيسر رد البنات إلى الأمهات فإذا نظرت الأشياء كلها المعلومة في العالم العلوي و السفلي تجد الأسماء السبعة المعبر عنها بالصفات عند أصحاب علم الكلام تتضمنها و قد ذكرنا هذا في كتابنا الذي سميناه إنشاء الدوائر و ليس غرضنا في هذا الكتاب في هذه الأمهات السبعة المعبر عنها بالصفات و لكن قصدنا الأمهات التي لا بد لإيجاد العالم منها كما إنا لا نحتاج في دلائل العقول من معرفة الحق سبحانه إلا كونه موجودا عالما مريدا قادرا حيا لا غير و ما زاد على هذا فإنما يقتضيه التكليف فمجي‏ء الرسول ع جعلنا نعرفه متكلما و التكليف جعلنا نعرفه سميعا بصيرا إلى غير ذلك من الأسماء فالذي نحتاج إليه من معرفة الأسماء لوجود العالم و هي أرباب الأسماء و ما عداها فسدنة لها كما إن بعض هذه الأرباب سدنة لبعضها فأمهات الأسماء الحي العالم المريد القادر القائل الجواد المقسط و هذه الأسماء بنات الاسمين المدبر و المفصل فالحي يثبت فهمك بعد وجودك و قبله و العالم يثبت أحكامك في وجودك و قبل وجودك يثبت تقديرك و المريد يثبت اختصاصك و القادر يثبت عدمك و القائل يثبت قدمك و الجواد يثبت إيجادك و المقسط يثبت مرتبتك و المرتبة آخر منازل الوجود فهذه حقائق لا بد من وجودها فلا بد من أسمائها التي هي أربابها فالحي رب الأرباب و المربوبين و هو الإمام و يليه في الرتبة العالم و يلي العالم المريد و يلي المريد القائل و يلي القائل القادر و يلي القادر الجواد و آخرهم المقسط فإنه رب المراتب و هي آخر منازل الوجود و ما بقي من الأسماء فتحت طاعة هؤلاء الأسماء الأئمة الأرباب‏ و كان سبب توجه هؤلاء الأسماء إلى الاسم الله في إيجاد العالم بقية الأسماء مع حقائقها أيضا على إن أئمة الأسماء من غير نظر إلى العالم إنما هي أربعة لا غير اسمه الحي و المتكلم و السميع و البصير فإنه إذا سمع كلامه و رأى ذاته فقد كمل وجوده في ذاته من غير نظر إلى العالم و نحن لا نريد من الأسماء إلا ما يقوم بها وجود العالم فكثرت علينا الأسماء فعدلنا إلى أربابها فدخلنا عليهم في حضراتهم فما وجدنا غير هؤلاء الذين ذكرناهم و أبرزناهم على حسب ما شاهدناهم فكان سبب توجه أرباب الأسماء إلى الاسم الله في إيجاد أعياننا بقية الأسماء فأول من قام لطلب هذا العالم الاسم المدبر و المفصل عن سؤال الاسم الملك فعند ما توجه على الشي‏ء عنه وجد المثال في نفس العالم من غير عدم متقدم و لكن تقدم مرتبة لا تقدم وجود كتقدم طلوع الشمس على أول النهار و إن كان أول النهار مقارنا لطلوع الشمس و لكن قد تبين أن العلة في وجود أول النهار طلوع الشمس و قد قارنه في الوجود فهكذا هو هذا الأمر فلما دبر العالم و فصله هذان الاسمان من غير جهل متقدم به أو عدم علم و انتشأت صورة المثال في نفس العالم تعلق اسمه العالم إذ ذاك بذلك المثال كما تعلق بالصورة التي أخذ منها و إن كانت غير مرئية لأنها غير موجودة كما سنذكره في باب مم وجد العالم‏ فأول أسماء العالم هذان الاسمان و الاسم المدبر هو الذي حقق وقت الإيجاد المقدر فتعلق به المريد على حد ما أبرزه المدبر و دبره و ما عملا شيئا من نش‏ء هذا المثال إلا بمشاركة بقية الأسماء لكن من وراء حجاب هذين الاسمين و لهذا صحت لهما الإمامة و الآخرون لا يشعرون بذلك حتى بدت صورة المثال فرأوا ما فيه من الحقائق المناسبة لهم تجذبهم للتعشق بها فصار كل اسم يتعشق بحقيقته التي في المثال و لكن لا يقدر على التأثير فيها إذ لا تعطي الحضرة التي تجلى فيها هذا المثال فأداهم ذلك التعشق و الحب إلى الطلب و السعي و الرغبة في إيجاد صورة عين ذلك المثال ليظهر سلطانهم و يصح على الحقيقة وجودهم فلا شي‏ء أعظم هما من عزيز لا يجد عزيزا يقهره حتى يذل تحت قهره فيصح سلطان عزه أو غني لا يجد من يفتقر إلى غناه و هكذا جميع هذه الأسماء فلجأت إلى أربابها الأئمة السبعة التي ذكرناها ترغب إليها في إيجاد عين هذا المثال الذي شاهدوه في ذات العالم به و هو المعبر عنه بالعالم‏ و ربما يقول القائل يا أيها المحقق و كيف ترى الأسماء هذا المثال و لا يراه إلا الاسم البصير خاصة لا غيره و كل اسم على حقيقة ليس الاسم الآخر عليها قلنا له لتعلم وفقك الله أن كل اسم إلهي يتضمن جميع الأسماء كلها و أن كل اسم ينعت بجميع الأسماء في أفقه فكل اسم فهو حي قادر سميع بصير متكلم في أفقه و في علمه و إلا فكيف يصح أن يكون ربا لعابده هيهات غير إن ثم لطيفة لا يشعر بها و ذلك أنك تعلم قطعا في حبوب البر و أمثاله إن كل برة فيها من الحقائق ما في أختها كما تعلم أيضا أن هذه الحبة ليست عين هذه الحبة الأخرى و إن كانتا تحويان على حقائق متماثلة فإنهما مثلان فابحث عن هذه الحقيقة التي تجعلك تفرق بين هاتين الحبتين و تقول إن هذه ليست عين هذه و هذا سار في جميع المتماثلات من حيث ما تماثلوا به كذلك الأسماء كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق ثم تعلم على القطع أن هذا الاسم ليس هو هذا الآخر بتلك اللطيفة التي بها فرقت بين حبوب البر و كل متماثل فابحث عن هذا المعنى حتى تعرفه بالذكر لا بالفكر غير أني أريد أن أوقفك على حقيقة ما ذكرها أحد من المتقدمين و ربما ما أطلع عليها فربما خصصت بها و لا أدري هل تعطي لغيري بعدي أم لا من الحضرة التي أعطيتها فإن استقرأها أو فهمها من كتابي فأنا المعلم له و أما المتقدمون فلم يجدوها و ذلك أن كل اسم كما قررنا يجمع حقائق الأسماء و يحتوي عليها مع وجود اللطيفة التي وقع لك التمييز بها بين المثلين و ذلك أن الاسم المنعم و الاسم المعذب اللذين هما الظاهر و الباطن كل اسم من هذين الاسمين يتضمن ما تحويه سدنته من أولهم إلى آخرهم غير إن أرباب الأسماء و من سواهم من الأسماء على ثلاث مراتب منها ما يلحق بدرجات أرباب الأسماء و منها ما ينفرد بدرجة فمنها ما ينفرد بدرجة المنعم و بدرجة المعذب فهذه أسماء العالم محصورة و الله المستعان‏ فلما لجأت الأسماء كلها إلى هؤلاء الأئمة و لجأت الأئمة إلى الاسم الله لجأ الاسم الله إلى الذات من حيث غناها عن الأسماء سائلا في إسعاف ما سألته الأسماء فيه فأنعم المحسان الجواد بذلك و قال قل للأئمة يتعلقون بإبراز العالم على حسب ما تعطيه حقائقهم فخرج إليهم الاسم الله و أخبرهم الخبر فانقلبوا مسرعين فرحين مبتهجين و لم يزالوا كذلك فنظروا إلى الحضرة التي أذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب فأوجدوا العالم كما سنذكره فيما يأتي من الأبواب بعد هذا إن شاء الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏