اعلم أيدك الله أن جميع المعلومات علوها و سفلها حاملها العقل الذي يأخذ عن الله تعالى بغير واسطة فلم يخف عنه شيء من علم الكون الأعلى و الأسفل و من وهبه وجوده تكون معرفة النفس الأشياء و من تجليه إليها و نوره و فيضه الأقدس فالعقل مستفيد من الحق تعالى مفيد للنفس و النفس مستفيدة من العقل و عنها يكون الفعل و هذا سار في جميع ما تعلق به علم العقل بالأشياء التي هي دونه و إنما قيدنا بالتي هي دونه من أجل ما ذكرناه من الإفادة و تحفظ في نظرك من قوله تعالى حَتَّى نَعْلَمَ و هو العالم فاعرف السبب و اعلم أن العالم المهيم لا يستفيد من العقل الأول شيئا و ليس له على المهيمين سلطان بل هم و إياه في مرتبة واحدة كالأفراد منا الخارجين عن حكم القطب و إن كان القطب واحدا من الأفراد لكن خصص العقل بالإفادة كما خصص القطب من بين الأفراد بالتولية و هو سار في جميع ما تعلق به علم العقل إلا علم تجريد التوحيد خاصة فإنه يخالف سائر المعلومات من جميع الوجوه إذ لا مناسبة بين الله تعالى و بين خلقه البتة و إن أطلقت المناسبة يوما ما عليه كما أطلقها الإمام أبو حامد الغزالي في كتبه و غيره فبضرب من التكلف و مرمى بعيد عن الحقائق و إلا فأي نسبة بين المحدث و القديم أم كيف يشبه من لا يقبل المثل من يقبل المثل هذا محال كما قال أبو العباس بن العريف الصنهاجى في محاسن المجالس التي تعزى إليه ليس بينه و بين العباد نسب إلا العناية و لا سبب إلا الحكم و لا وقت غير الأزل و ما بقي فعمى و تلبيس و في رواية فعلم بدل من قوله فعمي فانظر ما أحسن هذا الكلام و ما أتم هذه المعرفة بالله و ما أقدس هذه المشاهدة نفعه الله بما قال فالعلم بالله عزيز عن إدراك العقل و النفس إلا من حيث إنه موجود تعالى و تقدس و كل ما يتلفظ به في حق المخلوقات أو يتوهم في المركبات و غيرها فالله سبحانه في نظر العقل السليم من حيث فكره و عصمته بخلاف ذلك لا يجوز عليه ذلك التوهم و لا يجري عليه ذلك اللفظ عقلا من الوجه الذي تقبله المخلوقات فإن أطلق عليه فعلى وجه التقريب على الأفهام لثبوت الوجود عند السامع لا لثبوت الحقيقة التي هو الحق عليها فإن الله تعالى يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و لكن يجب علينا شرعا من أجل قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله يقول اعلم من إخباري الموافق لنظرك ليصح لك الايمان علما كما صح لك العلم من غير إيمان الذي هو قبل التعريف فأمره فمن أجل هذا الأمر على نظر بعض الناس و رأيه فيه نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته فنظرنا على حكم الإنصاف و ما أعطاه العقل الكامل بعد جده و اجتهاده الممكن منه فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته لأنا طلبنا أن نعرفه كما نطلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها فلما عرفنا إن ثم موجودا ليس له مثل و لا يتصور في الذهن و لا يدرك فكيف يضبطه العقل هذا ما لا يجوز مع ثبوت العلم بوجوده فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته و هذا هو العلم الذي طلب منا غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه نفسه عليها و هو العلم بعدم العلم الذي طلب منا لما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات في نظر العقل و لا يشبهه شيء منها كان الواجب علينا أولا لما قيل لنا فاعلموا أنه لا إله إلا الله إن نعلم ما العلم و قد علمنا فقد علمنا ما يجب علينا من علم العلم أولا انتهى الجزء الثامن و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)
فلنقل إنه لما كانت أمهات المطالب أربعة و هي هل و ما و كيف و لم فهل و لم مطلبان روحانيان بسيطان يصحبهما ما هو فهل و لم هما الأصلان الصحيحان للبسائط لأن في ما هو ضرب من التركيب خاصة و ليس في هذه المطالب الأربعة مطلب ينبغي أن يسأل به عن الله تعالى من جهة ما تعطيه الحقيقة إذ لا يصح أن يعرف من علم التوحيد إلا نفي ما يوجد فيما سواه سبحانه و لهذا قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فالعلم بالسلب هو العلم بالله سبحانه كما لم يجز أن نقول في الأرواح كيف و تقدست عن ذلك لأن حقائقها تخالف هذه العبارة كذلك ما ينطلق على الأرواح من الأدوات التي بها يسأل عنها لا يجوز أن يطلق على الله تعالى و لا ينبغي للمحقق الموحد الذي يحترم حضرة مبدعه و مخترعه أن يطلق عليه هذه الألفاظ فاذن لا يعلم بهذه المطالب أبدا «وصل» ثم إنا نظرنا أيضا في جميع ما سوى الحق تعالى فوجدناه على قسمين قسم يدرك بذاته و هو المحسوس و الكثيف و قسم يدرك بفعله و هو المعقول و اللطيف فارتفع المعقول عن المحسوس بهذه المنزلة و هي التنزه أن تدرك بذاته و إنما يدرك بفعله و لما كانت هذه أوصاف المخلوقين تقدس الحق تعالى عن أن يدرك بذاته كالمحسوس أو بفعله كاللطيف أو المعقول لأنه سبحانه ليس بينه و بين خلقه مناسبة أصلا لأن ذاته غير مدركة لنا فتشبه المحسوس و لا فعلها كفعل اللطيف فيشبه اللطيف لأن فعل الحق تعالى إبداع الشيء لا من شيء و اللطيف الروحاني فعل الشيء من الأشياء فأي مناسبة بينهما فإذا امتنعت المشابهة في الفعل فأحرى أن تمتنع المشابهة في الذات و إن شئت أن تحقق شيئا من هذا الفصل فانظر إلى مفعول هذا الفعل على حسب أصناف المفعولات مثل المفعول الصناعي كالقميص و الكرسي فوجدناه لا يعرف صانعه إلا أنه يدل بنفسه على وجود صانعه و على علمه بصنعته و كذلك المفعول التكويني الذي هو الفلك و الكواكب لا يعرفون مكونهم و لا المركب لهم و هو النفس الكلية المحيطة بهم و كذلك المفعول الطبيعي كالموالد من المعادن و النبات و الحيوان الذين يفعلون طبيعة من المفعول التكويني ليس لهم وقوف على الفاعل لهم الذي هو الفلك و الكواكب فليس العلم بالأفلاك ما تراه من جرمها و ما يدركه الحس منها و أين جرم الشمس في نفسها منها في عين الرائي لها منا و إنما العلم بالأفلاك من جهة روحها و معناها الذي أوجده الله تعالى لها عن النفس الكلية المحيطة التي سبب الأفلاك و ما فيها و كذلك المفعول الانبعاثي الذي هو النفس الكلية المنبعثة من العقل انبعاث الصورة الدحيية من الحقيقة الجبرئيلية فإنها لا تعرف الذي انبعثت عنه أصلا لأنها تحت حيطته و هو المحيط بها لأنها خاطر من خواطره فكيف تعلم ما هو فوقها و ما ليس فيها منه إلا ما فيها فلا تعلم منه إلا ما هي عليه فنفسها علمت لا سببهما و كذلك المفعول الإبداعي الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا و العقل الأول عند غيرنا و هو القلم الأعلى الذي أبدعه الله تعالى من غير شيء هو أعجز و امنع عن إدراك فاعله من كل مفعول تقدم ذكره إذ بين كل مفعول و فاعله مما تقدم ذكره ضرب من ضروب المناسبة و المشاكلة فلا بد أن يعلم منه قدر ما بينهما من المناسبة إما من جهة الجوهرية أو غير ذلك و لا مناسبة بين المبدع الأول و الحق تعالى فهو أعجز عن معرفته بفاعله من غيره من مفعولي الأسباب إذ قد عجز المفعول الذي يشبه سببه الفاعل له من وجوه عن إدراكه و العلم به فافهم هذا و تحققه فإنه نافع جدا في باب التوحيد و العجز عن تعلق العلم المحدث بالله تعالى «وصل» يؤيد ما ذكرناه أن الإنسان إنما يدرك المعلومات كلها بإحدى القوي الخمس القوة الحسية و هي على خمس الشم و الطعم و اللمس و السمع و البصر فالبصر يدرك الألوان و المتلونات و الأشخاص على حد معلوم من القرب و البعد فالذي يدرك منه على ميل غير الذي يدرك منه على ميلين و الذي يدرك منه على عشرين باعا غير الذي يدرك منه على ميل و الذي يدرك منه و يده في يده يقابله غير الذي يدرك منه على عشرين باعا فالذي يدرك منه على ميلين شخص لا يدري هل هو إنسان أو شجرة و على ميل يعرف أنه إنسان و على عشرين باعا أنه أبيض أو أسود و على المقابلة أنه أزرق أو أكحل و هكذا سائر الحواس في مدركاتها من القرب و البعد و الباري سبحانه ليس بمحسوس أي ليس بمدرك بالحس عندنا في وقت طلبنا المعرفة به فلم نعلمه من طريق الحس و أما القوة الخيالية فإنها لا تضبط إلا ما أعطاها الحس إما على صورة ما أعطاها و إما على صورة ما أعطاه الفكر من حمله بعض المحسوسات على بعض و إلى هنا انتهت طريقة أهل الفكر في معرفة الحق فهو لسانهم ليس لساننا و إن كان حقا و لكن ننسبه إليهم فإنه نقل عنهم فلم تبرح هذه القوة كيفما كان إدراكها عن الحس البتة و قد بطل تعلق الحس بالله عندنا فقد بطل تعلق الخيال به و أما القوة المفكرة فلا يفكر الإنسان أبدا إلا في أشياء موجودة عنده تلقاها من جهة الحواس و أوائل العقل و من الفكر فيها في خزانة الخيال يحصل له علم بأمر آخر بينه و بين هذه الأشياء التي فكر فيها مناسبة و لا مناسبة بين الله و بين خلقه فاذن لا يصح العلم به من جهة الفكر و لهذا منعت العلماء من الفكر في ذات الله تعالى و أما القوة العقلية فلا يصح أن يدركه العقل فإن العقل لا يقبل إلا ما علمه بديهة أو ما أعطاه الفكر و قد بطل إدراك الفكر له فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر و لكن مما هو عقل إنما حده أن يعقل و يضبط ما حصل عنده فقد يهبه الحق المعرفة به فيعقلها لأنه عقل لا من طريق الفكر هذا ما لا نمنعه فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن شاء من عباده لا يستقل العقل بإدراكها و لكن يقبلها فلا يقوم عليها دليل و لا برهان لأنها وراء طور مدارك العقل ثم هذه الأوصاف الذاتية لا تمكن العبارة عنها لأنها خارجة عن التمثيل و القياس فإنه ليس كمثله شيء فكل عقل لم يكشف له من هذه المعرفة شيء يسأل عقلا آخر قد كشف له منها ليس في قوة ذلك العقل المسئول العبارة عنها و لا تمكن و لذلك قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك و لهذا الكلام مرتبتان فافهم فمن طلب الله بعقله من طريق فكره و نظره فهو تائه و إنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك فافهم و أما القوة الذاكرة فلا سبيل أن تدرك العلم بالله فإنها إنما تذكر ما كان العقل قبل علمه ثم غفل أو نسي و هو لم يعلمه فلا سبيل للقوة الذاكرة إليه و انحصرت مدارك الإنسان بما هو إنسان و ما تعطيه ذاته و له فيه كسب و ما بقي إلا تهيؤ العقل لقبول ما يهبه الحق من معرفته جل و تعالى فلا يعرف أبدا من جهة الدليل إلا معرفة الوجود و أنه الواحد المعبود لا غير فإن الإنسان المدرك لا يتمكن له أن يدرك شيئا أبدا إلا و مثله موجود فيه و لو لا ذلك ما أدركه البتة و لا عرفه فإذا لم يعرف شيئا إلا و فيه مثل ذلك الشيء المعروف فما عرف إلا ما يشبهه و يشاكله و الباري تعالى لا يشبه شيئا و لا في شيء مثله فلا يعرف أبدا و مما يؤيد ما ذكرناه أن الأشياء الطبيعية لا تقبل الغذاء إلا من مشاكلها فأما ما لا يشاكلها فلا تقبل الغذاء منه قطعا مثال ذلك أن الموالد من المعادن و النبات و الحيوان مركبة من الطبائع الأربع و الموالد لا تقبل الغذاء إلا منها و ذلك لأن فيها نصيبا منها و لو رام أحد من الخلق على أن يجعل غذاء جسمه المركب من هذه الطبائع من شيء كائن عن غير هذه الطبائع أو ما تركب عنها لم يستطع فكما لا يمكن لشيء من الأجسام الطبيعية أن تقبل غذاء إلا من شيء هو من الطبائع التي هي منها كذلك لا يمكن لأحد أن يعلم شيئا ليس فيه مثله البتة أ لا ترى النفس لا تقبل من العقل إلا ما تشاركه فيه و تشاكله و ما لم تشاركه فيه لا تعلمه منه أبدا و ليس من الله في أحد شيء و لا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه فلا يعرفه أحد من نفسه و فكره قال رسول الله صلى الله و سلم إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فأخبر ع بأن العقل لم يدركه بفكره و لا بعين بصيرته كما لم يدركه البصر و هذا هو الذي أشرنا إليه فيما تقدم من بابنا فلله الحمد على ما ألهم و أن علمنا ما لم نكن نعلم و كان فضل الله عظيما هكذا فليكن التنزيه و نفي المماثلة و التشبيه و ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل و حمل ما وردت به الآيات و الأخبار على ما يسبق منها إلى الأفهام من غير نظر فيما يجب الله تعالى من التنزيه فقادهم ذلك إلى الجهل المحض و الكفر الصراح و لو طلبوا السلامة و تركوا الأخبار و الآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة و يكلون علم ذلك إلى الله تعالى و لرسوله و يقولون لا ندري و كان يكفيهم قول الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه فقد أشبه الله شيئا و هو قد نفى الشبه عن نفسه سبحانه فما بقي إلا أن ذلك الخبر له وجه من وجوه التنزيه يعرفه الله تعالى و جيء به لفهم العربي الذي نزل القرآن بلسانه و ما تجد لفظة في خبر و لا آية جملة واحدة تكون نصا في التشبيه أبدا و إنما تجدها عند العرب تحتمل وجوها منها ما يؤدي إلى التشبيه و منها ما يؤدي إلى التنزيه فحمل المتأول ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدي إلى التشبيه جور منه على ذلك اللفظ إذ لم يوف حقه بما يعطيه وضعه في اللسان و تعد على الله تعالى حيث حمل عليه سبحانه ما لا يليق بالله تعالى و نحن نورد إن شاء الله تعالى بعض أحاديث وردت في التشبيه و إنها ليست بنص فيه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فمن ذلك قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة و المجاز الجارحة تستحيل على الله تعالى الإصبع لفظ مشترك يطلق على الجارحة و يطلق على النعمة قال الراعي
ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أمحل الناس أصبعا
يقول ترى له عليها أثرا حسنا من النعمة بحسن النظر عليها تقول العرب ما أحسن أصبع فلان على ما له أي أثره فيه تريد به نمو ما له لحسن تصرفه فيه أسرع التقليب ما قلبته الأصابع لصغر حجمها و كمال القدرة فيها فحركتها أسرع من حركة اليد و غيره و لما كان تقليب الله قلوب العباد أسرع شيء أفصح صلى الله عليه و سلم للعرب في دعائه بما تعقل و لأن التقليب لا يكون إلا باليد عندنا فلذلك جعل التقليب بالأصابع لأن الأصابع من اليد في اليد و السرعة في الأصابع أمكن فكان ع يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك و تقليب الله تعالى القلوب هو ما يخلق فيها من الهم بالحسن و الهم بالسوء فلما كان الإنسان يحس بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحق القلب و هذا لا يقدر الإنسان يدفع علمه عن نفسه لذلك كان ع يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك و في هذا الحديث إن إحدى أزواجه قالت له أ و تخاف يا رسول الله فقال صلى الله عليه و سلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله يشير صلى الله عليه و سلم إلى سرعة التقليب من الايمان إلى الكفر و ما تحتهما قال تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و هذا الإلهام هو التقليب و الأصابع للسرعة و الاثنينية لها خاطر الحسن و خاطر القبيح فإذا فهم من الأصابع ما ذكرته و فهمت منه الجارحة و فهمت منه النعمة و الأثر الحسن فبأي وجه تلحقه بالجارحة و هذه الوجوه المنزهة تطلبه فأما نسكت و نكل علم ذلك إلى الله تعالى و إلى من عرفه الحق ذلك من رسول مرسل أو ولي ملهم بشرط نفي الجارحة و لا بد و إما إن أدركنا فضول و غلب علينا إلا أن نرد بذلك على بدعي مجسم مشبه فليس بفضول بل يجب على العالم عند ذلك تبيين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه حتى يدحض به حجة المجسم المخذول تاب الله علينا و عليه و رزقه الإسلام فإن تكلمنا على تلك الكلمة التي توهم التشبيه و لا بد فالعدول بشرحها إلى الوجه الذي يليق بالله سبحانه أولى هذا حظ العقل في الوضع (نفث روح في روع) الإصبعان سر الكمال الذاتي الذي إذا انكشف إلى الأبصار يوم القيامة يأخذ الإنسان أباه إذا كان كافرا و يرمي به في النار و لا يجد لذلك ألما و لا عليه شفقة بسر هذين الإصبعين المتحد معناهما المثنى لفظهما خلقت الجنة و النار و ظهر اسم المنور و المظلم و المنعم و المنتقم فلا تتخيلهما اثنين من عشرة و لا بد من الإشارة إلى هذا السر في هذا الباب في كلتا يديه يمين و هذه معرفة الكشف فإن لأهل الجنة نعيمين نعيما بالجنة و نعيما بعذاب أهل النار في النار و كذلك أهل النار لهم عذابان و كلا الفريقين يرون الله رؤية الأسماء كما كانوا في الدنيا سواء و في القبضتين اللتين جاءتا عن الرسول صلى الله عليه و سلم في حق الحق سر ما أشرنا إليه و معناه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ القبضة و اليمين قال تعالى وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ ... وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ نظر العقل بما يقتضيه الوضع أنه منع أولا سبحانه أن يقدر قدره لما يسبق إلى العقول الضعيفة من التشبيه و التجسيم عند ورود الآيات و الأخبار التي تعطي من وجه ما من وجوهها ذلك ثم قال بعد هذا التنزيه الذي لا يعقله إلا العالمون وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ عرفنا من وضع اللسان العربي أن يقال فلان في قبضتي يريد أنه تحت حكمي و إن كان ليس في يدي منه شيء البتة و لكن أمري فيه ماض و حكمي عليه قاض مثل حكمي على ما ملكته يدي حسا و قبضت عليه و كذلك أقول مالي في قبضتي أي في ملكي و إني متمكن في التصرف فيه أي لا يمنع نفسه مني فإذا صرفته ففي وقت تصرفي فيه كان أمكن لي أن أقول هو في قبضتي لتصرفي فيه و إن كان عبيدي هم المتصرفون فيه عن إذني فلما استحالت الجارحة على الله تعالى عدل العقل إلى روح القبضة و معناها و فائدتها و هو ملك ما قبضت عليه في الحال و إن لم يكن لها أعني للقابض فيما قبض عليه شيء و لكن هو في ملك القبضة قطعا فهكذا العالم في قبضة الحق تعالى و الأرض في الدار الآخرة تعيين بعض الأملاك كما نقول خادمي في قبضتي و إن كان خادمي من جملة من في قبضتي فإنما ذكرته اختصاصا لوقوع نازلة ما و اليمين عندنا محل التصريف المطلق القوي فإن اليسار لا يقوي قوة اليمين فكنى باليمين عن التمكن من الطي فهي إشارة إلى تمكن القدرة من الفعل فوصل إلى أفهام العرب بألفاظ تعرفها و تسرع بالتلقي لها قال الشاعر
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
و ليس للمجد راية محسوسة فلا تتلقاها جارحة يمين فكأنه يقول لو ظهر للمجد راية محسوسة لما كان محلها أو حاملها إلا يمين عرابة الأوسي أي صفة المجد به قائمة و فيه كاملة فلم تزل العرب تطلق ألفاظ الجوارح على ما لا يقبل الجارحة لاشتراك بينهما من طريق المعنى (نفث روح في روع) إذا تجلى الحق لسر عبد ملكه جميع الأسرار و ألحقه بالأحرار و كان له التصرف الذاتي من جهة اليمين فإن شرف الشمال بغيره و شرف اليمين بذاته ثم أنزل شرف اليمين بالخطاب و شرف الشمال بالتجلي شرف الإنسان بمعرفته بحقيقته و اطلاعه عليها و هو اليسار و كلتا يديه من حيث هو شمال كما إن كلتي يدي الحق يمين ارجع إلى معنى الاتحاد كلتا يدي العبد يمين ارجع إلى التوحيد إحدى يديه يمين و الأخرى شمال فتارة أكون في الجمع و جمع الجمع و تارة أكون في الفرق و في فرق الفرق على حكم التجلي و الوارد
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن و إن لقيت معديا فعدناني
و من ذلك التعجب و الضحك و الفرح و الغضب التعجب إنما يقع من موجود لا يعلم ذلك المتعجب منه ثم يعلمه فيتعجب منه و يلحق به الضحك و هذا محال على الله تعالى فإنه ما خرج شيء عن علمه فمتى وقع في الوجود شيء يمكن التعجب منه عندنا حمل ذلك التعجب و الضحك على من لا يجوز عليه التعجب و لا الضحك لأن الأمر الواقع متعجب منه عندنا كالشاب ليست له صبوة فهذا أمر يتعجب منه فحل عند الله تعالى محل ما يتعجب منه عندنا و قد يخرج الضحك و الفرح إلى القبول و الرضي فإن من فعلت له فعلا أظهر لك من أجله الضحك و الفرح فقد قبل ذلك الفعل و رضي به فضحكه و فرحه تعالى قبوله و رضاه عنا كما إن غضبه تعالى منزه عن غليان دم القلب طلبا للانتصار لأنه سبحانه يتقدس عن الجسمية و العرض فذلك قد يرجع إلى أن يفعل فعل من غضب ممن يجوز عليه الغضب و هو انتقامه سبحانه من الجبارين و المخالفين لأمره و المتعدين حدوده قال تعالى و غضب عليه أي جازاه جزاء المغضوب عليه فالمجازي يكون غاضبا فظهور الفعل أطلق الاسم (التبشش) من باب الفرح ورد في الخبر أن الله يتبشبش للرجل يوطئ المساجد للصلاة و الذكر الحديث لما حجب العالم بالأكوان و اشتغلوا بغير الله عن الله فصاروا بهذا الفعل في حال غيبة عن الله فلما وردوا عليه سبحانه بنوع من أنواع الحضور أسدل إليهم سبحانه في قلوبهم من لذة نعيم محاضرته و مناجاته و مشاهدته ما تحبب بها إلى قلوبهم فإن النبي ع يقول حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فكنى بالتبشبش عن هذا الفعل منه لأنه إظهار سرور بقدومكم عليه فإنه من يسر بقدومك عليه فعلامة سروره إظهار البر بجانبك و التحبب و إرسال ما عنده من نعم عليك فلما ظهرت هذه الأشياء من الله إلى العبيد النازلين به سماه تبششا (النسيان) قال الله تعالى فَنَسِيَهُمْ الباري تعالى لا يجوز عليه النسيان و لكنه تعالى لما عذبهم عذاب الأبد و لم تنلهم رحمته تعالى صاروا كأنهم منسيون عنده و هو كأنه ناس لهم أي هذا فعل الناسي و من لا يتذكر ما هم فيه من أليم العذاب و ذلك لأنهم في حياتهم الدنيا نَسُوا الله فجازاهم بفعلهم ففعلهم أعاده عليهم للمناسبة و قد يكون نسيهم أخرهم نسوا الله أي أخروا أمر الله فلم يعملوا به أخرهم الله في النار حين أخرج منها من أدخله فيها من غيرهم و يقرب من هذا الباب اتصاف الحق بالمكر و الاستهزاء و السخرية قال تعالى سَخِرَ الله مِنْهُمْ و قال وَ مَكَرَ الله و قال الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (النفس) قال صلى الله عليه و سلم لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن و قوله ع إني لأجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن و هذا كله من التنفيس كأنه يقول لا تسبوا الريح فإنها مما ينفس بها الرحمن عن عباده و قال ع نصرت بالصبا و كذلك يقول إني لأجد نفس أي تنفيس الرحمن عني للكرب الذي كان فيه من تكذيب قومه إياه و ردهم أمر الله من قبل اليمن فكان الأنصار نفس الله بهم عن نبيه صلى الله عليه و سلم ما كان أكربه من المكذبين فإن الله تعالى منزه عن النفس الذي هو الهواء الخارج من المتنفس تعالى الله عما نسب إليه الظالمون من ذلك علوا كبيرا (الصورة)تطلق على الأمر و على المعلوم عند الناس و على غير ذلك ورد في الحديث إضافة الصورة إلى الله في الصحيح و غيره مثل حديث عكرمة قال ع رأيت ربي في صورة شاب الحديث هذا حال من النبي صلى الله عليه و سلم و هو في كلام العرب معلوم متعارف و كذلك قوله ع إن الله خلق آدم على صورته اعلم أن المثلية الواردة في القرآن لغوية لا عقلية لأن المثلية العقلية تستحيل على الله تعالى زيد الأسد شدة زيد زهير شعرا إذا وصفت موجودا بصفة أو صفتين ثم وصفت غيره بتلك الصفة و إن كان بينهما تباين من جهة حقائق أخر و لكنهما مشتركان في روح تلك الصفة و معناها فكل واحد منهما على صورة الآخر في تلك الصفة خاصة فافهم و تنبه و انظر كونك دليلا عليه سبحانه و هل وصفته بصفة كمال إلا منك فتفطن فإذا دخلت من باب التعرية عن المناظرة سلبت النقائص التي تجوز عليك عنه و إن كانت لم تقم قط به و لكن المجسم و المشبه لما أضافها إليه سلبت أنت تلك الإضافة و لو لم يتوهم هذا لما فعلت شيئا من هذا السلب فاعلم و إن كان للصورة هنا مداخل كثيرة أضربنا عن ذكرها رغبة فيما قصدناه في هذا الكتاب من حذف التطويل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (الذراع)ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم أن ضرس الكافر في النار مثل أحد و كثافة جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار هذه إضافة تشريف مقدار جعله الله تعالى أضافه إليه كما تقول هذا الشيء كذا و كذا ذراعا بذراع الملك تريد الذراع الأكبر الذي جعله الملك و إن كان مثلا ذراع الملك الذي هو الجارحة مثل أذرع الناس و الذراع الذي جعله مقدارا يزيد على ذراع الجارحة بنصفه أو ثلثه فليس هو إذن ذراعه على حقيقته و إنما هو مقدار نصبه ثم أضيف إلى جاعله فاعلم و الجبار في اللسان الملك العظيم و هكذا (القدم)يضع الجبار فيها قدمه القدم الجارحة و يقال لفلان في هذا الأمر قدم أي ثبوت و القدم جماعة من الخلق فتكون القدم إضافة و قد يكون الجبار ملكا و تكون هذه القدم لهذا الملك إذ الجارحة تستحيل على الله تعالى و جل (و الاستواء)أيضا ينطلق على الاستقرار و القصود و الاستيلاء و الاستقرار من صفات الأجسام فلا يجوز على الله تعالى إلا إذا كان على وجه الثبوت و القصد هو الإرادة و هي من صفات الكمال قال ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد و اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي استولى
قد استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق
و الأخبار و الآيات كثيرة منها صحيح و سقيم و ما منها خبر إلا و له وجه من وجوه التنزيه و إن أردت أن يقرب ذلك عليك فاعمد إلى اللفظة التي توهم التشبيه و خذ فائدتها و روحها أو ما يكون عنها فاجعله في حق الحق تفز بدرجة التنزيه حين حاز غيرك درك التشبيه فهكذا فافعل و طهر ثوبك و يكفي هذا القدر من هذه الأخبار فقد طال الباب نفث الروح الأقدس في الروع الأنفس بما تقدم من الألفاظ لما تعجب المتعجب ممن خرج على صورته و خالفه في سريرته ففرح بوجوده و ضحك من شهوده و غضب لتوليه و تبشبش لتدليه و نسي ظاهره و تنفس فأطلق مواخره و ثبت على ملكه و تحكم بالتقدير على ملكه فكان ما أراد و إلى الله المعاد فهذه أرواح مجردة تنظرها أشباح مسندة فإذا بلغ الميقات و انقضت الأوقات و مارت السماء و كورت الشمس و بدلت الأرض و انكدرت النجوم و انتقلت الأمور و ظهرت الآخرة و حشر الإنسان و غيره في الحافرة حينئذ تحمد الأشباح و تتنسم الأرواح و يتجلى الفتاح و يتقد المصباح و تشعشع الراح و يظهر الود الصراح و يزول الإلحاح و يرفرف الجناح و يكون الابتناء بالضراح من أول الليل إلى الإصباح فما أسناها من منزله و ما أشهاها إلى النفوس من حالة مكملة متعنا الله بها