«الفصل الأول في معرفة الحروف»
«الفصل الثاني في معرفة الحركات التي تتميز بها الكلمات»
«الفصل الثالث في معرفة العلم و العالم و المعلوم»
«الفصل الأول في معرفة الحروف و مراتبها و الحركات و هي الحروف الصغار و ما لها من الأسماء الإلهية»
اعلم أيدنا الله و إياك أنه لما كان الوجود مطلقا من غير تقييد يتضمن المكلف و هو الحق تعالى و المكلفين و هم العالم و الحروف جامعة لما ذكرنا أردنا أن نبين مقام المكلف من هذه الحروف من المكلفين من وجه دقيق محقق لا يتبدل عند أهل الكشف إذا وقفوا عليه و هو مستخرج من البسائط التي عنها تركبت هذه الحروف التي تسمى حروف المعجم بالاصطلاح العربي في أسمائها و إنما سميت حروف المعجم لأنها عجمت على الناظر فيها معناها و لما كوشفنا على بسائط الحروف وجدناها على أربع مراتب (حروف) مرتبتها سبعة أفلاك و هي الألف و الزاي و اللام (و حروف) مرتبتها ثمانية أفلاك و هي النون و الصاد و الضاد (و حروف) مرتبتها تسعة أفلاك و هي العين و الغين و السين و الشين (و حروف) مرتبتها عشرة أفلاك و هي باقي حروف المعجم و ذلك ثمانية عشر حرفا كل حرف منها مركب عن عشرة كما إن كل حرف من تلك الحروف منها ما هو عن تسعة أفلاك و عن ثمانية و عن سبعة لا غير كما ذكرناه فعدد الأفلاك التي عنها وجدت هذه الحروف و هي البسائط التي ذكرناها مائتان و أحد و ستون فلكا أما المرتبة السبعية فالزاى و اللام منها دون الألف فطبعها الحرارة و اليبوسة (و أما) الألف فطبعها الحرارة و الرطوبة و اليبوسة و البرودة ترجع مع الحار حارة و مع الرطب رطبة و مع البارد باردة و مع اليابس يابسة على حسب ما تجاوره من العوالم (و أما) المرتبة الثمانية فحروفها حارة يابسة (و أما) المرتبة التسعية فالعين و الغين طبعهما البرودة و اليبوسة (و أما) السين و الشين فطبعهما الحرارة و اليبوسة (و أما) المرتبة العشرية فحروفها حارة يابسة إلا الحاء المهملة و الخاء المعجمة فإنهما باردتان يابستان و إلا الهاء و الهمزة فإنهما باردتان رطبتان فعدد الأفلاك التي عن حركتها توجد الحرارة مائتا فلك و ثلاثة أفلاك و عدد الأفلاك التي عن حركتها توجد اليبوسة مائتا فلك و أحد و أربعون فلكا و عدد الأفلاك التي عن حركتها توجد البرودة خمسة و ستون فلكا و عدد الأفلاك التي عن حركتها توجد الرطوبة سبعة و عشرون فلكا مع التوالج و التداخل الذي فيها على حسب ما ذكرناه آنفا فسبعة أفلاك توجد عن حركتها العناصر الأول الأربعة و عنها يوجد حرف الألف خاصة و مائة و ستة و تسعون فلكا توجد عن حركتها الحرارة و اليبوسة خاصة لا يوجد عنها غيرهما البتة و عن هذه الأفلاك يوجد حرف الباء و الجيم و الدال و الواو و الزاي و الطاء و الياء و الكاف و اللام و الميم و النون و الصاد و الفاء و الضاد و القاف و الراء و السين و التاء و الثاء و الذال و الظاء و الشين و ثمانية و ثمانون فلكا يوجد عن حركتها البرودة و اليبوسة خاصة و عن هذه الأفلاك يوجد حرف العين و الحاء و الغين و الخاء و عشرون فلكا توجد عن حركتها البرودة و الرطوبة خاصة و عن هذه الأفلاك يوجد حرف الهاء و الهمزة و أما لام ألف فممتزج من السبعة و المائة و الستة و التسعين إذا كان مثل قوله لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ فإن كان مثل قوله تعالى لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فامتزاجه من المائة و الستة و التسعين و من العشرين و ليس في العالم فلك يوجد عنه الحرارة و الرطوبة خاصة دون غيرهما فإذا نظرت في طبع الهواء عثرت على الحكمة التي منعت أن يكون له فلك مخصوص كما أنه ما ثم فلك يوجد عنه واحد من هذه العناصر الأول على انفراد فالهاء و الهمزة يدور بهما الفلك الرابع و يقطع الفلك الأقصى في تسعة آلاف سنة و أما الحاء و الخاء و العين و الغين فيدور بها الفلك الثاني و يقطع الفلك الأقصى في إحدى عشرة ألف سنة و باقي الحروف يدور بها الفلك الأول و يقطع الفلك الأقصى في اثنتي عشرة ألف سنة و هو على منازل في أفلاكها فمنها ما هو على سطح الفلك و منها ما هو في مقعر الفلك و منها ما هو بينهما و لو لا التطويل لبينا منازلها و حقائقها و لكن سنلقي من ذلك ما يشفي في الباب الستين من أبواب هذا الكتاب أن ألهمنا الحق ذلك عند كلامنا في معرفة العناصر و سلطان العالم العلوي على العالم السفلي و في أي دورة كان وجود هذا العالم الذي نحن فيه الآن من دورات الفلك الأقصى و أي روحانية تنظرنا فلنقبض العنان حتى نصل إلى موضعه أو يصل موضعه إن شاء الله (فلنرجع و نقول) إن المرتبة السبعية التي لها الزاي و الألف و اللام جعلناها للحضرة الإلهية المكلفة أي تصيبها من الحروف و إن المرتبة الثمانية التي هي النون و الصاد و الضاد جعلناها حظ الإنسان من عالم الحروف و إن المرتبة التسعية التي هي العين و الغين و السين و الشين جعلناها حظ الجن من عالم الحروف و إن المرتبة العشرية و هي المرتبة الثانية من المراتب الأربعة التي هي باقي الحروف جعلناها حظ الملائكة من عالم الحروف و إنما جعلنا هذه الموجودات الأربعة لهذه الأربع مراتب من الحروف على هذا التقسيم لحقائق عسرة المدرك يحتاج ذكرها و بيانها إلى ديوان بنفسه و لكن قد ذكرناه حتى نتمه في كتاب المبادي و الغايات فيما تحوي عليه حروف المعجم من العجائب و الآيات و هو بين أيدينا ما كمل و لا قيد منه إلا أوراق متفرقة يسيرة و لكن سأذكر منه في هذا الباب لمحة بارق إن شاء الله فحصلت الأربعة للجن الناري لحقائق هم عليها و هي التي أدتهم لقولهم فيما أخبر الحق تعالى عنهم ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ من خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ و فرغت حقائقهم و لم تبق لهم حقيقة خامسة يطلبون بها مرتبة زائدة و إياك أن تعتقد أن ذلك جائز لهم و هو أن يكون لهم العلو و ما يقابله اللذان تتم بهما الجهات الستة فإن الحقيقة تأبى ذلك على ما قررناه في كتاب المبادي و الغايات و بينا فيه لم اختصوا بالعين و الغين و السين و الشين دون غيرها من الحروف و المناسبة التي بين هذه الحروف و بينهم و أنهم موجودون عن الأفلاك التي عنها وجدت هذه الحروف و حصل للحضرة الإلهية من هذه الحروف ثلاثة لحقائق هي عليها أيضا و هي الذات و الصفة و الرابط بين الذات و الصفة و هي القبول أي بها كان القبول لأن الصفة لها تعلق بالموصوف بها و بمتعلقها الحقيقي لها كالعلم يربط نفسه بالعالم به و بالمعلوم و الإرادة تربط نفسها بالمريد بها و بالمراد لها و القدرة تربط نفسها بالقادر بها و بالمقدور لها و كذلك جميع الأوصاف و الأسماء و إن كانت نسبا و كانت الحروف التي اختصت بها الألف و الزاي و اللام تدل على معنى نفي الأولية و هو الأزل و بسائط هذه الحروف واحدة في العدد فما أعجب الحقائق لمن وقف عليها فإنه يتنزه فيما يجهله الغير و تضيق صدور الجهلاء به و قد تكلمنا أيضا في المناسبة الجامعة بين هذه الحروف و بين الحضرة الإلهية في الكتاب المذكور و كذلك حصل للحضرة الإنسانية من هذه الحروف ثلاثة أيضا كما حصل للحضرة الإلهية فاتفقا في العدد غير أنها حرف النون و الصاد و الضاد ففارقت الحضرة الإلهية من جهة موادها فإن العبودية لا تشرك الربوبية في الحقائق التي بها يكون إلها كما إن بحقائقه يكون العبد مألوها و بما هو على الصورة اختص بثلاثة كهو فلو وقع الاشتراك في الحقائق لكان إلها واحدا أو عبدا واحدا أعني عينا واحدة و هذا لا يصح فلا بد أن تكون الحقائق متباينة و لو نسبت إلى عين واحدة و لهذا باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم و لم يقل باينهم بعلمه كما باينوه بعلمهم فإن فلك العلم واحد قديما في القديم محدثا في المحدث
و اجتمعت الحضرتان في أن كل واحدة منهما معقولة من ثلاثة حقائق ذات و صفة و رابطة بين الصفة و الموصوف بها غير أن العبد له ثلاثة أحوال حالة مع نفسه لا غير و هو الوقت الذي يكون فيه نائم القلب عن كل شيء و حالة مع الله و حالة مع العالم و الباري سبحانه مباين لنا فيما ذكرناه فإن له حالين حال من أجله و حال من أجل خلقه و ليس فوقه موجود فيكون له تعالى وصف تعلق به فهذا بحر آخر لو خضنا فيه لجاءت أمور لا يطاق سماعها و قد ذكرنا المناسبة التي بين النون و الصاد و الضاد التي للإنسان و بين الألف و الزاي و اللام التي هي للحضرة الإلهية في كتاب المبادي و الغايات و إن كانت حروف الحضرة الإلهية عن سبعة أفلاك و الإنسانية عن ثمانية أفلاك فإن هذا لا يقدح في المناسبة لتبين الإله و المألوه ثم إنه في نفس النون الرقمية التي هي شطر الفلك من العجائب ما لا يقدر على سماعها إلا من شد عليه مئزر التسليم و تحقق بروح الموت الذي لا يتصور ممن قام به اعتراض و لا تطلع و كذلك في نفس نقطة النون أول دلالة النون الروحانية المعقولة فوق شكل النون السفلية التي هي النصف من الدائرة و النقطة الموصولة بالنون المرقومة الموضوعة أول الشكل التي هي مركز الألف المعقولة التي بها يتميز قطر الدائرة و النقطة الاخيرة التي ينقطع بها شكل النون و ينتهي بها هي رأس هذا الألف المعقولة المتوهمة فنقدر قيامها من رقدتها فترتكز لك على النون فيظهر من ذلك حرف اللام و النون نصفها زاى مع وجود الألف المذكور فتكون النون بهذا الاعتبار تعطيك الأزل الإنساني كما أعطاك الألف و الزاي و اللام في الحق غير أنه في الحق ظاهر لأنه بذاته أزلي لا أول له و لا مفتتح لوجوده في ذاته بلا ريب و لا شك و لبعض المحققين كلام في الإنسان الأزلي فنسب الإنسان إلى الأزل فالإنسان خفي فيه الأزل فجهل لأن الأزل ليس ظاهرا في ذاته و إنما صح فيه الأزل لوجه ما من وجوه وجوده منها أن الموجود يطلق عليه الوجود في أربع مراتب وجود في الذهن و وجود في العين و وجود في اللفظ و وجود في الرقم و سيأتي ذكر هذا في هذا الكتاب إن شاء الله فمن جهة وجوده على صورته التي وجد عليها في عينه في العلم القديم الأزلي المتعلق به في حال ثبوته فهو موجود أزلا أيضا كأنه بعناية العلم المتعلق به كالتحيز للعرض بسبب قيامه بالجوهر فصار متحيزا بالتبعية فلهذا خفي فيه الأزل و لحقائقه أيضا الأزلية المجردة عن الصورة المعينة المعقولة التي تقبل القدم و الحدوث على حسب ما شرحنا ذلك في كتاب إنشاء الدوائر و الجداول فانظره هناك تجده مستوفى و سنذكر منه طرفا في هذا الكتاب في بعض الأبواب إذا مست الحاجة إليه و ظهور ما ذكرناه من سر الأزل في النون هو في الصاد و الضاد أتم و أمكن لوجود كمال الدائرة و كذلك ترجع حقائق الألف و الزاي و اللام التي للحق إلى حقائق النون و الصاد و الضاد التي للعبد و يرجع الحق يتصف هنا بالأسرار التي منعنا عن كشفها في الكتب و لكن يظهرها العارف بين أهلها في علمه و مشربه أو مسلم في أكمل درجات التسليم و هي حرام على غير هذين الصنفين فتحقق ما ذكرناه و تبينه يبدو لك من العجائب التي تبهر العقول حسن جمالها و بقي للملائكة باقي حروف المعجم و هي ثمانية عشر حرفا و هي الباء و الجيم و الدال و الهاء و الواو و الحاء و الطاء و الياء و الكاف و الميم و الفاء و القاف و الراء و التاء و الثاء و الخاء و الذال و الظاء فقلنا الحضرة الإنسانية كالحضرة الإلهية لا بل هي عينها على ثلاث مراتب ملك و ملكوت و جبروت و كل واحدة من هذه المراتب تنقسم إلى ثلاث فهي تسعة في العدد فتأخذ ثلاثة الشهادة فتضربها في الستة المجموعة من الحضرة الإلهية و الإنسانية أو في الستة الأيام المقدرة التي فيها أوجدت الثلاثة الحقية الثلاثة الخلقية يخرج لك ثمانية عشر و هو وجود الملك و كذلك تعمل في الحق بهذه المثابة فالحق له تسعة أفلاك للإلقاء و الإنسان له تسعة أفلاك للتلقي فتمتد من كل حقيقة من التسعة الحقية رقائق إلى التسعة الخلقية و تنعطف من التسعة الخلقية رقائق على التسعة الحقية فحيثما اجتمعت كان الملك ذلك الاجتماع و حدث هناك فذلك الأمر الزائد الذي حدث هو الملك فإن أراد أن يميل بكله نحو التسعة الواحدة جذبته الأخرى فهو يتردد ما بينهما جبريل ينزل من حضرة الحق على النبي ع و إن حقيقة الملك لا يصح فيها الميل فإنه منشا الاعتدال بين التسعتين و الميل انحراف و لا انحراف عنده و لكنه يتردد بين الحركة المنكوسة و المستقيمة و هو عين الرقيقة فإن جاءه و هو فاقد فالحركة منكوسة ذاتية و عرضية و إن جاءه و إن جاء و هو واجد فالحركة مستقيمة عرضية لا ذاتية و إن رجع عنه و هو فاقد فالحركة ذاتية و عرضية و إن رجع عنه و هو واجد فالحركة منكوسة عرضية لا ذاتية و قد تكون الحركة من العارف مستقيمة أبدا و من العابد منكوسة أبدا و سيأتي الكلام عليها في داخل الكتاب و انحصارها في ثلاث منكوسة و أفقية و مستقيمة إن شاء الله فهذه نكت غيبية عجيبة ثم أرجع و أقول إن التسعة هي سبعة و ذلك أن عالم الشهادة هو في نفسه برزخ فذلك فذلك واحد و له ظاهر فذلك اثنان و له باطن فذلك ثلاثة ثم عالم الجبروت برزخ في نفسه فذلك واحد و هو الرابع ثم له ظاهر و هو باطن عالم الشهادة ثم له باطن و هو الخامس ثم بعد ذلك عالم الملكوت هو في نفسه برزخ و هو السادس ثم له ظاهر و هو باطن عالم الجبروت و له باطن و هو السابع و ما ثم غير هذا و هذه صورة السبعية و التسعية فتأخذ الثلاثة و تضربها في السبعة فيكون الخارج أحدا و عشرين فتخرج الثلاثة الإنسانية فتبقى ثمانية عشر و هو مقام الملك و هي الأفلاك التي منها يتلقى الإنسان الموارد و كذلك تفعل بالثلاثة الحقية تضربها أيضا في السبعة فتكون عند ذلك الأفلاك التي منها يلقى الحق على عبده ما يشاء من الواردات فإن أخذناها من جانب الحق قلنا أفلاك الإلقاء و إن أخذناها من جانب الإنسان قلنا أفلاك التلقي و إن أخذناها منهما معا جعلنا تسعة الحق للإلقاء و الأخرى للتلقي و باجتماعهما حدث الملك و لهذا أوجد الحق تسعة أفلاك السموات السبع و الكرسي و العرش و إن شئت قلت فلك الكواكب و الفلك الأطلس و هو الصحيح (تتميم) منعنا في أول هذا الفصل أن يكون للحرارة و الرطوبة فلك و لم نذكر السبب فلنذكر منه طرفا في هذا الباب حتى نستوفيه في داخل الكتاب إن شاء الله تعالى و سأذكر في هذا الباب بعد هذا التتميم ما يكون من الحروف حارا رطبا و ذلك لأنه دار به فلك غير الفلك الذي ذكرناه في أول الباب فاعلم إن الحرارة و الرطوبة هي الحياة الطبيعية فلو كان لها فلك كما لأخواتها في المزجة لانقضت دورة ذلك الفلك و زال سلطانه كما يظهر في الحياة العرضية و كانت تنعدم أو تنتقل و حقيقتها تقضي بأن لا تنعدم فليس لها فلك و لهذا أنبأنا الباري تعالى إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ و أن كل شيء يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فصار فلك الحياة الأبدية الحياة الأزلية تمدها و ليس لها فلك فتنقضي دورته فالحياة الأزلية ذاتية للحي لا يصح لها انقضاء فالحياة الأبدية المعلولة بالحياة الأزلية لا يصح لها انقضاء أ لا ترى الأرواح لما كانت حياتها ذاتية لها لم يصح فيها موت البتة و لما كانت الحياة في الأجسام بالعرض قام بها الموت و الفناء فإن حياة الجسم الظاهرة من آثار حياة الروح كنور الشمس الذي في الأرض من الشمس فإذا مضت الشمس تبعها نورها و بقيت الأرض مظلمة كذلك الروح إذا رحل عن الجسم إلى عالمه الذي جاء منه تبعته الحياة المنتشرة منه في الجسم الحي و بقي الجسم في صورة الجماد في رأى العين فيقال مات فلان و تقول الحقيقة رجع إلى أصله مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى كما رجع أيضا الروح إلى أصله حتى البعث و النشور يكون من الروح تجل للجسم بطريق العشق فتلتئم أجزاؤه و تتركب أعضاؤه بحياة لطيفة جدا تحرك الأعضاء للتأليف اكتسبته من التفات الروح فإذا استوت البنية و قامت النشأة الترابية تجلى له الروح بالرقيقة الإسرافيلية في الصور المحيط فتسري الحياة في أعضائه فيقوم شخصا سويا كما كان أول مرة ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ فأما شقي و إما سعيد
و اعلم أن في امتزاج هذه الأصول عجائب فإن الحرارة و البرودة ضدان فلا يمتزجان و إذا لم يمتزجا لم يكن عنهما شيء و كذلك الرطوبة و اليبوسة و إنما يمتزج ضد الضد بضد الضد الآخر فلا يتولد عنها أبدا إلا أربعة لأنها أربعة و لهذا كانت اثنان ضدين لاثنين فلو لم تكن على هذا لكان التركيب منها أكثر مما تعطيه حقائقها و لا يصح أن يكون التركيب أكثر من أربعة أصول فإن الأربعة هي أصول العدد فالثلاثة التي في الأربعة مع الأربعة سبعة و الاثنان التي فيها مع هذه السبعة تسعة و الواحد الذي في الأربعة مع هذه التسعة عشرة و ركب ما شئت بعد هذا و ما تجد عددا يعطيك هذا إلا الأربعة كما لا تجد عددا تاما إلا الستة لأن فيها النصف و السدس و الثلث فامتزجت الحرارة و اليبوسة فكان النار و الحرارة و الرطوبة فكان الهواء و البرودة و الرطوبة فكان الماء و البرودة و اليبوسة فكان التراب فانظر في تكون الهواء عن الحرارة و الرطوبة و هو النفس الذي هو الحياة الحسية و هو المحرك لكل شيء بنفسه للماء و الأرض و النار و بحركته تتحرك الأشياء لأنه الحياة إذ كانت الحركة أثر الحياة فهذه الأربعة الأركان المولدة عن الأمهات الأول ثم لتعلم إن تلك الأمهات الأول تعطي في المركبات حقائقها لا غير من غير امتزاج فالتسخين عن الحرارة لا يكون عن غيرها و كذلك التجفيف و التقبض عن اليبوسة فإذا رأيت النار قد أيبست المحل من الماء فلا تتخيل أن الحرارة جففته فإن النار مركبة من حرارة و يبوسة كما تقدم فبالحرارة التي فيها تسخن الماء و باليبوسة وقع التجفيف و كذلك التليين لا يكون إلا عن الرطوبة و التبريد عن البرودة فالحرارة تسخن و البرودة تبرد و الرطوبة تلين و اليبوسة تجفف فهذه الأمهات متنافرة لا تجتمع أبدا إلا في الصورة و لكن على حسب ما تعطيه حقائقها و لا يوجد منها في صورة أبدا واحد لكن يوجد إما حرارة و يبوسة كما تقدم من تركيبها و أما أن توجد الحرارة وحدها فلا لأنها لا يكون عنها على انفرادها إلا هي (وصل) فإن الحقائق على قسمين حقائق توجد مفردات في العقل كالحياة و العلم و النطق و الحس و حقائق توجد بوجود التركيب كالسماء و العالم و الإنسان و الحجر فإن قلت فما السبب الذي جمع هذه الأمهات المتنافرة حتى ظهر من امتزاجها ما ظهر فهنا سر عجيب و مركب صعب يحرم كشفه لأنه لا يطاق حمله لأن العقل لا يعقله و لكن الكشف يشهده فلنسكت عنه و ربما نشير إليه من بعيد في مواضع من كتابي هذا يتفطن إليه الباحث اللبيب و لكن أقول أراد المختار سبحانه أن يؤلفها لما سبق في علمه خلق العالم و إنها أصل أكثره أو أصله إن شئت فألفها و لم تكن موجودة في أعيانها و لكن أوجدها مؤلفة لم يوجدها مفردة ثم جمعها فإن حقائقها تأبى ذلك فأوجد الصورة التي هي عبارة عن تأليف حقيقتين من هذه الحقائق فصارت كأنها كانت موجودة متفرقة ثم ألفت فظهرت للتأليف حقيقة لم تكن في وقت الافتراق فالحقائق تعطي أن هذه الأمهات لم يكن لها وجود في عينها البتة قبل وجود الصور المركبة عنها فلما أوجد هذه الصور التي هي الماء و النار و الهواء و الأرض و جعلها سبحانه يستحيل بعضها إلى بعض فيعود النار هواء و الهواء نارا كما تقلب التاء طاء و السين صادا لأن الفلك الذي وجدت عنه الأمهات الأول عنها وجدت هذه الحروف فالفلك الذي وجد عنه الأرض وجد عنه حرف الثاء و التاء و ما عدا رأس الجيم و نصف تعريقة اللام و رأس الخاء و ثلثا الهاء و الدال اليابسة و النون و الميم و الفلك الذي وجد عنه الماء وجد عنه حرف الشين و الغين و الطاء و الحاء و الضاد و رأس الباء بالنقطة الواحدة و مدة جسد الفاء دون رأسها و رأس القاف و شيء من تعريقه و نصف دائرة الظاء المعجمة الأسفل و الفلك الذي وجد عنه الهواء وجد عنه طرف الهاء الأخير الذي يعقد دائرتها و رأس الفاء و تعريق الخاء على حكم نصف الدائرة و نصف دائرة الظاء المعجمة الأعلى مع قائمته و حرف الذال و العين و الزاي و الصاد و الواو و الفلك الذي وجد عنه النار وجد عنه حرف الهمزة و الكاف و الباء و السين و الراء و رأس الجيم و جسد الياء باثنتين من أسفل دون رأسها و وسط اللام و جسد القاف دون رأسه و عن حقيقة الألف صدرت هذه الحروف كلها و هو فلكها روحا و حسا و كذلك ثم موجود خامس هو أصل لهذه الأركان و في هذا خلاف بين أصحاب علم الطبائع عن النظر ذكره الحكيم في الأسطقسات و لم يأت فيه بشيء يقف الناظر عنده و لم نعرف هذا من حيث قراءتي علم الطبائع على أهله و إنما دخل به على صاحب لي و هو في يده و كان يشتغل بتحصيل علم الطب فسألني إن أمشيه له من جهة علمنا بهذه الأشياء من جهة الكشف لا من جهة القراءة و النظر فقرأه علينا فوقفت منه على هذا الخلاف الذي أشرت إليه فمن هناك علمته و لو لا ذلك ما عرفت هل خالف فيه أحد أم لا فإنه ما عندنا فيه إلا الشيء الحق الذي هو عليه و ما عندنا خلاف فإن الحق تعالى الذي نأخذ العلوم عنه يخلو القلب عن الفكر و الاستعداد لقبول الواردات هو الذي يعطينا الأمر على أصله من غير إجمال و لا حيرة فنعرف الحقائق على ما هي عليه سواء كانت المفردات أو الحادثة بحدوث التأليف أو الحقائق الإلهية لا نمتري في شيء منها فمن هناك هو علمنا و الحق سبحانه معلمنا ورثا نبويا محفوظا معصوما من الخلل و الإجمال و الظاهر قال تعالى وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ فإن الشعر محل الإجمال و الرموز و الألغاز و التورية أي ما رمزنا له شيئا و لا لغزناه و لا خاطبناه بشيء و نحن نريد شيئا آخر و لا أجملنا له الخطاب إن هو إلا ذكر لما شاهده حين جذبناه و غيبناه عنه و أحضرناه بنا عندنا فكنا سمعه و بصره ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل و الكون فكنا لسانه الذي يخاطبكم به ثم أنزلنا عليه مذكرا يذكره بما شاهده فهو ذكر له لذلك و قرآن أي جمع أشياء كان شاهدها عندنا مبين ظاهر له لعلمه بأصل ما شاهده و عاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس الذي ناله منه صلى الله عليه و سلم و لنا منه من الحظ على قدر صفاء المحل و التهيؤ و التقوى فمن علم إن الطبائع و العالم المركب منها في غاية الافتقار و الاحتياج إلى الله تعالى في وجود أعيانها و تأليفها علم أن السبب هو حقائق الحضرة الإلهية الأسماء الحسنى و الأوصاف العلى كيف تشاء على حسب ما تعطيه حقائقها و قد بينا هذا الفصل على الاستيفاء في كتاب إنشاء الجداول و الدوائر و سنذكر من ذلك طرفا في هذا الكتاب فهذا هو سبب الأسباب القديم الذي لم يزل مؤلف الأمهات و مولد البنات فسبحانه خالق الأرض و السموات (وصل) انتهى الكلام المطلوب في هذا الكتاب على الحروف من جهة المكلف و المكلفين و حظها منهم و حركتها في الأفلاك السداسية المضاعفة و عينا سنى دورتها في تلك الأفلاك و حظها من الطبيعة من حركة تلك الأفلاك و مراتبها الأربعة في المكلف و المكلفين على حسب فهم العامة و لهذا كانت أفلاك بسائطها على نوعين فالبسائط التي يقتصر بها على حقائق عامة العقلاء على أربعة حروف الحق التي عن الأفلاك السبعية و حروف الإنس عن الثمانية و حروف الملك عن التسعة و حروف الجن الناري عن العشرة و ليس ثم قسم زائد عندهم لقصورهم عن إدراك ما ثم لأنهم تحت قهر عقولهم و المحققون تحت قهر سيدهم الملك الحق سبحانه و تعالى فلهذا عندهم من الكشف ما ليس عند الغير فبسائط المحققين على ست مراتب مرتبة للمكلف الحق تعالى و هي النون و هي ثنائية فإن الحق لا نعلمه إلا منا و هو معبودنا و لا يعلم على الكمال إلا بنا فلهذا كان له النون التي هي ثنائية فإن بسائطها اثنان الواو و الألف فالألف له و الواو لمعناك و ما في الوجود غير الله و أنت إذ أنت الخليفة و لهذا الألف عام و الواو ممتزجة كما سيأتي ذكرها في هذا الباب و دورة هذا الفلك المخصوصة التي بها تقطع الفلك المحيط الكلي دورة جامعة تقطع الفلك الكلي في اثنين و ثمانين ألف سنة و تقطع فلك الواو الفلك الكلي في عشرة آلاف سنة على ما نذكرها بعد في هذا الباب عند كلامنا على الحروف مفردة و حقائقها و ما بقي من المراتب فعلى عدد المكلفين و أما المرتبة الثانية فهي للإنسان و هو أكمل المكلفين وجودا و أعمه و أتمه خلقا و أقومه و لها حرف واحد و هي الميم و هي ثلاثية و ذلك أن بسائطها ثلاثة الياء و الألف و الهمزة و سيأتي ذكرها في داخل الباب إن شاء الله و أما المرتبة الثالثة فهي للجن مطلقا النوري و الناري و هي رباعية و لها من الحروف الجيم و الواو و الكاف و القاف و سيأتي ذكرها و أما المرتبة الرابعة فهي للبهائم و هي خماسية لها من الحروف الدال اليابسة و الزاي و الصاد اليابسة و العين اليابسة و الضاد المعجمة و السين اليابسة و الذال المعجمة و الغين و الشين المعجمتان و سيأتي ذكرها إن شاء الله و أما المرتبة الخامسة فهي للنبات و هي سداسية لها من الحروف الألف و الهاء و اللام و سيأتي ذكرها إن شاء الله و أما المرتبة السادسة فهي للجماد و هي سباعية لها من الحروف الباء و الحاء و الطاء و الياء و الفاء و الراء و التاء و الثاء و الخاء و الظاء و سيأتي ذكرها إن شاء الله و الغرض في هذا الكتاب إظهار لمع و لوائح إشارات من أسرار الوجود و لو فتحنا الكلام على سرائر هذه الحروف و ما تقتضيه حقائقها لكلت اليمين و حفي القلم و جف المداد و ضاقت القراطيس و الألواح و لو كان الرق المنشور فإنها من الكلمات التي قال الله تعالى فيها لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً و قال وَ لَوْ أَنَّ ما في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ من بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله و هنا سر و إشارة عجيبة لم تفطن لها و عثر على هذه الكلمات فلو كانت هذه العلوم نتيجة عن فكر و نظر لانحصر الإنسان في أقرب مدة و لكنها موارد الحق تعالى تتوالى على قلب العبد و أرواحه البررة تنزل عليهم من عالم غيبه برحمته التي من عنده و علمه الذي من لدنه و الحق تعالى وهاب على الدوام فياض على الاستمرار و المحل قابل على الدوام فأما يقبل الجهل و إما يقبل العلم فإن استعد و تهيأ و صفى مرآة قلبه و جلاها حصل له الوهب على الدوام و يحصل له في اللحظة ما لا يقدر على تقييده في أزمنة لاتساع ذلك الفلك المعقول و ضيق هذا الفلك المحسوس فكيف ينقضي ما لا يتصور له نهاية و لا غاية يقف عندها و قد صرح بذلك في أمره لرسوله ع و قل رب زدني علما و المراد بهذه الزيادة من العلم المتعلق بالإله ليزيد معرفة بتوحيد الكثرة فتزيد رغبته في تحميده فيزاد فضلا على تحميده دون انتهاء و لا انقطاع فطلب منه الزيادة و قد حصل من العلوم و الأسرار ما لم يبلغه أحد و مما يؤيد ما ذكرناه من أنه أمر بالزيادة من علم التوحيد لا من غيره إنه كان صلى الله عليه و سلم إذا أكل طعاما قال اللهم بارك لنا فيه و أطعمنا خيرا منه و إذا شرب لبنا قال اللهم بارك لنا فيه و زدنا منه لأنه أمر بطلب الزيادة فكان يتذكر عند ما يرى اللبن الذي شربه ليلة الإسراء فقال له جبريل أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك و الفطرة علم التوحيد التي فطر الله الخلق عليها حين أشهدهم حين قبضهم من ظهورهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فشاهدوا الربوبية قبل كل شيء و لهذا تأول صلى الله عليه و سلم اللبن لما شربه في النوم و ناول فضله عمر قيل ما أولته يا رسول الله قال العلم فلو لا حقيقة مناسبة بين العلم و اللبن جامعة ما ظهر بصورته في عالم الخيال عرف ذلك من عرفه و جهله فمن كان يأخذ عن الله لا عن نفسه كيف ينتهي كلامه أبدا فشتان بين مؤلف يقول حدثني فلان رحمه الله عن فلان رحمه الله و بين من يقول حدثني قلبي عن ربي و إن كان هذا رفيع القدر فشتان بينه و بين من يقول حدثني ربي عن ربي أي حدثني ربي عن نفسه و فيه إشارة الأول الرب المعتقد و الثاني الرب الذي لا يتقيد فهو بواسطة لا بواسطة و هذا هو العلم الذي يحصل للقلب من المشاهدة الذاتية التي منها يفيض على السر و الروح و النفس فمن كان هذا مشربه كيف يعرف مذهبه فلا تعرفه حتى تعرف الله و هو لا يعرف تعالى من جميع وجوه المعرفة كذلك هذا لا يعرف فإن العقل لا يدري أين هو فإن مطلبه الأكوان و لا كون لهذا كما قيل
ظهرت لما أبقيت بعد فنائه فكان بلا كون لأنك كنته
فالحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء و التلقي فنسأله سبحانه أن يجعلنا و إياكم من أهل التداني و الترقي ثم أرجع و أقول إن فصول حروف المعجم تزيد على أكثر من خمسمائة فصل و في كل فصل مراتب كثيرة فتركنا الكلام عليها حتى نستوفيه في كتاب المبادي و الغايات إن شاء الله و لنقتصر منها على ما لا بد من ذكره بعد ما نسمي من مراتبها ما يليق بكتابنا هذا و ربما نتكلم على بعضها و بعد ذلك نأخذها حرفا حرفا حتى تكمل الحروف كلها إن شاء الله ثم نتبعها بإشارات من أسرار تعانق اللام بالألف و لزومه إياه و ما السبب لهذا التعشق الروحاني بينهما خاصة حتى ظهر ذلك في عالم الكتابة و الرقم فإن في ارتباط اللام بالألف سرا لا ينكشف إلا لمن أقام الألف من رقدتها و حل اللام من عقدتها و الله يرشدنا و إياكم لعمل صالح يرضاه منا انتهى الجزء الرابع و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)
اعلم وفقنا الله و إياكم أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون و مكلفون و فيهم رسل من جنسهم و لهم أسماء من حيث هم و لا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقنا و عالم الحروف أفصح العالم لسانا و أوضحه بيانا و هم على أقسام كأقسام العالم المعروف في العرف فمنهم عالم الجبروت عند أبي طالب المكي و نسميه نحن عالم العظمة و هو الهاء و الهمزة و منهم العالم الأعلى و هو عالم الملكوت و هو الحاء و الخاء و العين و الغين و منهم العالم الوسط و هو عالم الجبروت عندنا و عند أكثر أصحابنا و هو التاء و الثاء و الجيم و الدال و الذال و الراء و الزاي و الظاء و الكاف و اللام و النون و الصاد و الضاد و القاف و السين و الشين و الياء الصحيحة و منهم العالم الأسفل و هو عالم الملك و الشهادة و هو الباء و الميم و الواو الصحيحة و منهم العالم الممتزج بين عالم الشهادة و العالم الوسط و هو الفاء و منهم عالم الامتزاج بين عالم الجبروت الوسط و بين عالم الملكوت و هو الكاف و القاف و هو امتزاج المرتبة و يمازجهم في الصفة الروحانية الطاء و الظاء و الصاد و الضاد و منهم عالم الامتزاج بين عالم الجبروت الأعظم و بين الملكوت و هو الحاء المهملة و منهم العالم الذي يشبه العالم منا الذين لا يتصفون بالدخول فينا و لا بالخروج عنا و هو الألف و الياء و الواو المعتلتان فهؤلاء عوالم و لكل عالم رسول من جنسهم و لهم شريعة تعبدوا بها و لهم لطائف و كثائف و عليهم من الخطاب الأمر ليس عندهم نهي و فيهم عامة و خاصة و خاصة الخاصة فالعامة منهم الجيم و الضاد و الخاء و الدال و الغين و الشين و منهم خاصة الخاصة و هو الألف و الياء و الباء و السين و الكاف و الطاء و القاف و التاء و الواو و الصاد و الحاء و النون و اللام و الغين و منهم خلاصة خاصة الخاصة و هو الباء و منهم الخاصة التي فوق العامة بدرجة و هو حروف أوائل السور مثل الم و المص و هي أربعة عشر حرفا الألف و اللام و الميم و الصاد و الراء و الكاف و الهاء و الياء و العين و الطاء و السين و الحاء و القاف و النون و منهم حروف صفاء خلاصة خاصة الخاصة و هو النون و الميم و الراء و الباء و الدال و الزاي و الألف و الطاء و الياء و الواو و الهاء و الظاء و الثاء و اللام و الفاء و الصين و منهم العالم المرسل و هو الجيم و الحاء و الخاء و الكاف و منهم العالم الذي تعلق بالله و تعلق به الخلق و هو الألف و الدال و الذال و الراء و الزاي و الواو و هو عالم التقديس من الحروف الكروبيين و منهم العالم الذي غلب عليه التخلق بأوصاف الحق و هو التاء و الثاء و الحاء و الذال و الزاي و الظاء المعجمة و النون و الضاد المعجمة و الغين المعجمة و القاف و الشين المعجمة و الفاء عند أهل الأنوار و منهم العالم الذي قد غلب عليهم التحقق و هو الباء و الفاء عند أهل الأسرار و الجيم و منهم العالم الذي قد تحقق بمقام الاتحاد و هو الألف و الحاء و الدال و الراء و الطاء اليابسة و الكاف و اللام و الميم و الصاد اليابسة و العين و السين اليابستان و الهاء و الواو إلا إني أقول إنهم على مقامين في الاتحاد عال و أعلى فالعالي الألف و الكاف و الميم و العين و السين و الأعلى ما بقي و منهم العالم الممتزج الطبائع و هو الجيم و الهاء و الياء و اللام و الفاء و القاف و الخاء و الظاء خاصة و أجناس عوالم الحروف أربعة جنس مفرد و هو الألف و الكاف و اللام و الميم و الهاء و النون و الواو و جنس ثنائي مثل الدال و الذال و جنس ثلاثي مثل الجيم و الحاء و الخاء و جنس رباعي و هو الباء و التاء و الثاء و الياء في وسط الكلمة و النون كذلك فهو خماسي بهذا الاعتبار و إن لم تعتبرهما فتكون الباء و التاء و الثاء من الجنس الثلاثي و يسقط الجنس الرباعي فبهذا قد قصصنا عليك من عالم الحروف ما إن استعملت نفسك في الأمور الموصلة إلى كشف العالم و الاطلاع على حقائقه و تحقق قوله تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ فلو كان تسبيح حال كما يزعم بعض علماء النظر لم تكن فائدة في قوله وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ وصلت إليها و وقفت عليها و كنت قد ذكرت أنه ربما أتكلم على بعضها فنظرت في هؤلاء العالم ما يمكن فيه بسط الكلام أكثر من غيره فوجدناه العالم المختص و هو عالم أوائل السور المجهولة مثل الم البقرة و المص و الر يونس و أخواتها فلنتكلم على الم البقرة التي هي أول سورة مبهمة في القرآن كلاما مختصرا من طريق الأسرار و ربما الحق بذلك الآيات التي تليها و إن كان ذلك ليس من الباب و لكن فعلته عن أمر ربي الذي عهدته فلا أتكلم إلا على طريق الأذن كما أني سأقف عند ما يحد لي فإن تأليفنا هذا و غيره لا يجري مجرى التواليف و لا نجري نحن فيه مجرى المؤلفين فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره و إن كان مجبورا في اختياره أو تحت العلم الذي يبثه خاصة فيلقي ما يشاء و يمسك ما يشاء أو يلقي ما يعطيه العلم و تحكم عليه المسألة التي هو بصددها حتى تبرز حقيقتها و نحن في تواليفنا لسنا كذلك إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب فقيرة خالية من كل علم لو سألت في ذلك المقام عن شيء ما سمعت لفقدها إحساسها فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله و ألفته على حسب ما يحد لها في الأمر فقد يلقي الشيء إلى ما ليس من جنسه في العادة و النظر الفكري و ما يعطيه العلم الظاهر و المناسبة الظاهرة للعلماء لمناسبة خفية لا يشعر بها إلا أهل الكشف بل ثم ما هو أغرب عندنا إنه يلقي إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها و هو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهية غابت عن الخلق فلهذا لا يتقيد كل شخص يؤلف عن الإلقاء بعلم ذلك الباب الذي يتكلم عليه و لكن يدرج فيه غيره في علم السامع العادي على حسب ما يلقى إليه و لكنه عندنا قطعا من نفس ذلك الباب بعينه لكن بوجه لا يعرفه غيرنا مثل الحمامة و الغراب اللذين اجتمعا لعرج قام بأرجلهما و قد أذن لي في تقييد ما ألقيه بعد هذا فلا بد منه «وصل» الكلام على هذه الحروف المجهولة المختصة على عدد حروفها بالتكرار و على عدد حروفها بغير تكرار و على جملتها في السور و على أفرادها في ص و ق و ن و تثنيتها في طس و طه و أخواتها و جمعها من ثلاثة فصاعدا حتى بلغت خمسة حروف متصلة و منفصلة و لم تبلغ أكثر و لم وصل بعضها و قطع بعضها و لم كانت السور بالسين و لم تكن بالصاد و لم جهل معنى هذه الحروف عند علماء الظاهر و عند كشف أهل الأحوال إلى غير ذلك مما ذكرناه في كتاب الجمع و التفصيل في معرفة معاني التنزيل فلنقل على بركة الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (اعلم) أن مبادي السور المجهولة لا يعرف حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة ثم جعل سور القرآن بالسين و هو التعبد الشرعي و هو ظاهر السور الذي فيه العذاب و فيه يقع الجهل بها و باطنه بالصاد و هو مقام الرحمة و ليس إلا العلم بحقائقها و هو التوحيد فجعلها تبارك و تعالى تسعا و عشرين سورة و هو كمال الصورة وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و التاسع و العشرون القطب الذي به قوام الفلك و هو علة وجوده و هو سورة آل عمران الم الله و لو لا ذلك ما ثبتت الثمانية و العشرون و جملتها على تكرار الحروف ثمانية و سبعون حرفا فالثمانية حقيقة البضع قال ع الايمان بضع و سبعون و هذه الحروف ثمانية و سبعون حرفا فلا يكمل عبد أسرار الايمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها (فإن قلت) إن البضع مجهول في اللسان فإنه من واحد إلى تسعة فمن أين قطعت بالثمانية عليه فإن شئت قلت لك من طريق الكشف وصلت إليه فهو الطريق الذي عليه أسلك و الركن الذي إليه أستند في علومي كلها و إن شئت أبديت لك منه طرفا من باب العدد و إن كان أبو الحكم عبد السلام بن برجان لم يذكره في كتابه من هذا الباب الذي نذكره و إنما ذكره رحمه الله من جهة علم الفلك و جعله سترا على كشفه حين قطع بفتح بيت المقدس سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة فكذلك إن شئنا نحن كشفنا و إن شئنا جعلنا العدد على ذلك حجابا فنقول إن البضع الذي في سورة الروم ثمانية و خذ عدد حروف الم بالجزم الصغير فتكون ثمانية فتجمعها إلى ثمانية البضع فتكون ستة عشر فتزيل الواحد الذي للالف للاس فيبقى خمسة عشر فتمسكها عندك ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير و هو الجزم فتضرب ثمانية البضع في أحد و سبعين و اجعل ذلك كله سنين يخرج لك في الضرب خمسمائة و ثمانية و ستون فتضيف إليها الخمسة عشر التي أمرتك أن ترفعها فتصير ثلاثة و ثمانين و خمسمائة سنة و هو زمان فتح بيت المقدس على قراءة من قرأ غلبت الروم بفتح الغين و اللام سيغلبون بضم الياء و فتح اللام و في سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة كان ظهور المسلمين في أخذ حج الكفار و هو فتح بيت المقدس و لنا في علم العدد من طريق الكشف أسرار عجيبة من طريق ما يقتضيه طبعه و من طريق ما له من الحقائق الإلهية و إن طال بنا العمر فسأفرد لمعرفة العدد كتابا إن شاء الله فلنرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول فلا يكمل عبد الأسرار التي تتضمنها شعب الايمان إلا إذا علم حقائق هذه الحروف على حسب تكرارها في السور كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم تنبيه الله فيها على حقيقة الإيجاد و تفرد القديم سبحانه بصفاته الأزلية فأرسلها في قرآنه أربعة عشر حرفا مفردة مبهمة فجعل الثمانية لمعرفة الذات و السبع الصفات منا و جعل الأربعة للطبائع المؤلفة التي هي الدم و السوداء و الصفراء و البلغم فجاءت اثنتي عشرة موجودة و هذا هو الإنسان من هذا الفلك و من فلك آخر يتركب من أحد عشر و من عشرة و من تسعة و من ثمانية حتى إلى فلك الاثنين و لا يتحلل إلى الأحدية أبدا فإنها مما انفرد بها الحق فلا تكون لموجود إلا له ثم إنه سبحانه جعل أولها الألف في الخط و الهمزة في اللفظ و آخرها النون فالألف لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة إلى حركة و النون لوجود الشطر من العالم و هو عالم التركيب و ذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك و النصف الآخر النون المعقولة عليها التي لو ظهرت للحس و انتقلت من عالم الروح لكانت دائرة محيطة و لكن أخفى هذه النون الروحانية الذي بها كمال الوجود و جعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها فالألف كاملة من جميع وجوهها و النون ناقصة فالشمس كاملة و القمر ناقص لأنه محو فصفة ضوئه معارة و هي الأمانة التي حملها و على قدر محوه و سراره إثباته و ظهوره ثلاثة لثلاثة فثلاثة غروب القمر القلبي الإلهي في الحضرة الأحدية و ثلاثة طلوع قمر الإلهي في الحضرة الربانية و ما بينهما في الخروج و الرجوع قدما بقدم لا يختل أبدا ثم جعل سبحانه هذه الحروف على مراتب منها موصول و منها مقطوع و منها مفرد و مثنى و مجموع ثم نبه أن في كل وصل قطعا و ليس في كل قطع وصل فكل وصل يدل على فصل و ليس كل فصل يدل على وصل فالوصل و الفصل في الجمع و غير الجمع و الفصل وحده في عين الفرق فما أفرده من هذه فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلا و ما ثناه فإشارة إلى وجود رسم العبودية حالا و ما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا تناهي فالإفراد للبحر الأزلي و الجمع للبحر الأبدي و المثنى للبرزخ المحمدي الإنسان مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هل بالبحر الذي أوصله به فأفناه عن الأعيان أو بالبحر الذي فصله عنه و سماه بالأكوان أو بالبرزخ الذي استوى عليه الرحمن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يخرج من بحر الأزل اللُّؤْلُؤُ و من بحر الأبد الْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَ لَهُ الْجَوارِ الروحانية الْمُنْشَآتُ من الحقائق الأسمائية في الْبَحْرِ الذاتي الأقدسي كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يسئله العالم العلوي على علوه و قدسه و العالم السفلي على نزوله و نحسه كل خطرة في شأن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كُلُّ من عَلَيْها فانٍ و إن لم تنعدم الأعيان و لكنها رحلة من دنا إلى دان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ سَنَفْرُغُ منكم إليكم أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فهكذا لو اعتبر القرآن ما اختلف اثنان و لا ظهر خصمان و لا تناطح عنزان فدبروا آياتكم و لا تخرجوا عن ذاتكم فإن كان و لا بد فإلى صفاتكم فإنه إذا سلم العالم من نظركم و تدبيركم كان على الحقيقة تحت تسخيركم و لهذا خلق قال تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ و الله يرشدنا و إياكم إلى ما فيه صلاحنا و سعادتنا في الدنيا و الآخرة إنه ولي كريم «وصل» الألف من الم إشارة إلى التوحيد و الميم للملك الذي لا يهلك و اللام بينهما واسطة لتكون رابطة بينهما فانظر إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام فتجد الألف إليه ينتهي أصلها و تجد الميم منه يبتدئ نشوها ثم تنزل من أحسن تقويم و هو السطر إلى أسفل سافلين منتهى تعريق الميم قال تعالى خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ و نزول الألف إلى السطر مثل قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا و هو أول عالم التركيب لأنه سماء آدم ع و يليه فلك النار فلذلك نزل إلى أول السطر فإنه نزل من مقام الأحدية إلى مقام إيجاد الخليقة نزول تقديس و تنزيه لا نزول تمثيل و تشبيه و كانت اللام واسطة و هي نائبة مناب المكون و الكون فهي القدرة التي عنها وجد العالم فأشبهت الألف في النزول إلى أول السطر و لما كانت ممتزجة من المكون و الكون فإنه لا يتصف بالقدرة على نفسه و إنما هو قادر على خلقه فكان وجه القدرة مصروفا إلى الخلق و لهذا لا يثبت للخالق إلا بالخلق فلا بد من تعلقها بهم علوا و سفلا و لما كانت حقيقتها لا تتم بالوصول إلى السطر فتكون و الألف على مرتبة واحدة طلبت بحقيقتها النزول تحت السطر أو على السطر كما نزل الميم فنزلت إلى إيجاد الميم و لم يتمكن أن تنزل على صورة الميم فكان لا يوجد عنها أبدا إلا الميم فنزلت نصف دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها فصارت نصف فلك محسوس يطلب نصف فلك معقول فكان منهما فلك دائر فتكون العالم كله من أوله إلى آخره في ستة أيام أجناسا من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة و بقي يوم السبت للانتقالات من حال إلى حال و من مقام إلى مقام و الاستحالات من كون إلى كون ثابت على ذلك لا يزول و لا يتغير و لذلك كان الوالي على هذا اليوم البرد و اليبس و هو من الكواكب زحل فصار الم وحده فلكا محيطا من دار به علم الذات و الصفات و الأفعال و المفعولات فمن قرأ الم بهذه الحقيقة و الكشف حضر بالكل للكل مع الكل فلا يبقى شيء في ذلك الوقت إلا يشهده لكن منه ما يعلم و منه ما لا يعلم فتنزه الألف عن قيام الحركات بها يدل أن الصفات لا تعقل إلا بالأفعال كما قال ع كان الله و لا شيء معه و هو على ما عليه كان فلهذا صرفنا الأمر إلى ما يعقل لا إلى ذاته المنزهة فإن الإضافة لا تعقل أبدا إلا بالمتضايفين فإن الأبوة لا تعقل إلا بالأب و الابن وجودا و تقديرا و كذلك المالك و الخالق و البارئ و المصور و جميع الأسماء التي تطلب العالم بحقائقها و موضع التنبيه من حروف الم عليها في اتصال اللام الذي هو الصفة بالميم الذي هو أثرها و فعلها فالألف ذات واحدة لا يصح فيها اتصال شيء من الحروف إذا وقعت أولا في الخط فهي الصراط المستقيم الذي سألته النفس في قولها اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صراط التنزيه و التوحيد فلما أمن على دعائها ربها الذي هو الكلمة الذي أمرت بالرجوع إليه في سورة الفجر قبل تعالى تأمينه على دعائها فأظهر الألف من الم عقيب وَ لا الضَّالِّينَ و أخفى آمين لأنه غيب من عالم الملكوت من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الغيب المتحقق الذي يسمونه العامة من الفقهاء الإخلاص و تسميه الصوفية الحضور و تسميه المحققون الهمة و نسميه أنا و أمثالنا العناية و لما كانت الألف متحدة في عالم الملكوت و الشهادة ظهرت فوقع الفرق بين القديم و المحدث فانظر فيما سطرناه تر عجبا و مما يؤيد ما ذكرناه من وجود الصفة المد الموجود في اللام و الميم دون الألف فإن قال صوفي وجدنا الألف مخطوطة و النطق بالهمزة دون الألف فلم لا ينطق بالألف فنقول و هذا أيضا مما يعضد ما قلناه فإن الألف لا تقبل الحركة فإن الحرف مجهول ما لم يحرك فإذا حرك ميز بالحركة التي تتعلق به من رفع و نصب و خفض و الذات لا تعلم أبدا على ما هي عليه فالألف الدال عليها الذي هو في عالم الحروف خليفة كالإنسان في العالم مجهول أيضا كالذات لا تقبل الحركة فلما لم تقبلها لم يبق إلا أن تعرف من جهة سلب الأوصاف عنها و لما لم يمكن النطق بساكن نطقنا باسم الألف لا بالألف فنطقنا بالهمزة بحركة الفتحة فقامت الهمزة مقام المبدع الأول و حركتها صفته العلمية و محل إيجاده في اتصال الكاف بالنون فإن قيل وجدنا الألف التي في اللام منطوقا بها و لم نجدها في الألف قلنا صدقت لا يقع النطق بها إلا بمتحرك مشبع التحرك قبلها موصولة به و إنما كلامنا في الألف المقطوعة التي لا يشبع الحرف الذي قبلها حركته فلا يظهر في النطق و إن رقمت مثل ألف إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فهذان ألفان بين ميم إنما و بين لام المؤمنين موجودتان خطا غير ملفوظ بهما نطقا و إنما الألف الموصولة التي تقع بعد الحرف مثل لام هاء حاء و شبهها فإنه لو لا وجودها ما كان المد لواحد من هذه الحروف فمدها هو سر الاستمداد الذي وقع به إيجاد الصفات في محل الحروف و لهذا لا يكون المد إلا بالوصل فإذا وصل الحرف بالألف من اسمه الآخر امتد الألف بوجود الحرف الموصول به و لما وجد الحرف الموصول به افتقر إلى الصفة الرحمانية فأعطى حركة الفتح التي هي الفتحة فلما أعطيها طلب منه الشكر عليها فقال و كيف يكون الشكر عليها قيل له إن تعلم السامعين بأن وجودك و وجود صفتك لم يكن بنفسك و إنما كان من ذات القديم تعالى فاذكره عند ذكرك نفسك فقد جعلك بصفة الرحمة خاصة دليلا عليه و لهذا قال إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فنطقت بالثناء على موجدها فقالت لام ياء هاء حاء طاء فأظهرت نطقا ما خفي خطا لأن الألف التي في طه و حم و طس موجودة نطقا خفيت خطا لدلالة الصفة عليها و هي الفتحة صفة افتتاح الوجود فإن قال و كذلك نجد المد في الواو المضموم ما قبلها و الياء المكسور ما قبلها فهي أيضا ثلاث ذوات فكيف يكون هذا و ما ثم إلا ذات واحدة فنقول نعم أما المد الموجود في الواو المضموم ما قبلها فهي مثل ن و القلم و الياء المكسور ما قبلها مثل الياء من طس و ياء الميم من حم فمن حيث إن الله تعالى جعلهما حرفي علة و كل علة تستدعي معلولها بحقيقتها و إذا استدعت ذلك فلا بد من سر بينهما يقع به الاستمداد و الإمداد فلهذا أعطيت المد و ذلك لما أودع الرسول الملكي الوحي لو لم يكن بينه و بين الملقي إليه نسبة ما ما قبل شيئا لكنه خفي عنه ذلك فلما حصل له الوحي و مقامه الواو لأنه روحاني علوي و الرفع يعطي العلو و هو باب الواو المعتلة فعبرنا عنه بالرسول الملكي الروحاني جبريل كان أو غيره من الملائكة و لما أودع الرسول البشري ما أودع من أسرار التوحيد و الشرائع أعطى من الاستمداد و الإمداد الذي يمد به عالم التركيب و خفي عنه سر الاستمداد و لذلك قال ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ و قال إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ و لما كان موجودا في العالم السفلي عالم الجسم و التركيب أعطيناه الياء المكسور ما قبلها المعتلة و هي من حروف الخفض فلما كانا علتين لوجود الأسرار الإلهية من توحيد و شرع و هبا سر الاستمداد فلذلك مدتا و أما الفرق الذي بينهما و بين الألف فإن الواو و الياء قد يسلبان عن هذا المقام فيحركان بجميع الحركات كقوله وَ وَجَدَكَ و تؤوي و ولوا الأدبار ينأون يغنيه إِنَّكَ مَيِّتٌ و قد يسكنان بالسكون الحي كقوله وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ و يَنْأَوْنَ و شبههما و الألف لا تحرك أبدا و لا يوجد ما قبلها أبدا إلا مفتوحا فاذن فلا نسبة بين الألف و بين الواو و الياء فمهما حركت الواو و الياء فإن ذلك مقامها و من صفاتها و مهما ألحقتا بالألف في العلية فذلك ليس من ذاتها و إنما ذلك من جانب القديم سبحانه لا يحتمل الحركة و لا يقبلها و لكن ذلك من صفة المقام و حقيقته الذي نزلت به الواو و الياء فمدلول الألف قديم و الواو و الياء محركتان كانتا أو لا محركتان فهما حادثان فإذا ثبت هذا فكل ألف أو واو أو ياء ارتقمت أو حصل النطق بها فإنما هي دليل و كل دليل محدث يستدعي محدثا و المحدث لا يحصره الرقم و لا النطق إنما هو غيب ظاهر و كذلك يس و ن فنجده نطقا و هو ظهوره و لا نجده رقما و هو غيبه و هذا سبب حصول العلم بوجود الخالق لا بذاته بوجود لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا بذاته و اعلم أيها المتلقي أنه كل ما دخل تحت الحصر فهو مبدع أو مخلوق و هو محلك فلا تطلب الحق لا من داخل و لا من خارج إذ الدخول و الخروج من صفات الحدوث فانظر الكل في الكل تجد الكل فالعرش مجموع و الكرسي مفروق
يا طالبا لوجود الحق يدركه ارجع لذاتك فيك الحق فالتزم
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فلو لم يرجعوا لوجدوا النور فلما رجعوا باعتقاد القطع ضرب بينهم بالسور و إلا لو عرفوا من ناداهم بقوله ارْجِعُوا وَراءَكُمْ لقالوا أنت مطلوبنا و لم يرجعوا فكان رجوعهم سبب ضرب السور بينهم فبدت جهنم فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ و بقي الموحدون يمدون أهل الجنان بالولدان و الحور الحسان من حضرة العيان فالوزير محل صفات الأمير و الصفة التي انفرد بها الأمير وحده هي سر التدبير الذي خرجت عنه الصفات فعلم ما يصدر له من صفته و فعله جملة و لم يعلم ذلك الوزير إلا تفصيلا و هذا هو الفرق فتأمل ما قلناه تجد الحق إن شاء الله فإذا تبين هذا و تقرر أن الألف هي ذات الكلمة و اللام ذات عين الصفة و الميم عين الفعل و سرهم الخفي هو الموجد إياهم «وصل» فنقول فقوله ذلِكَ الْكِتابُ بعد قوله الم إشارة إلى موجود بيد أن فيه بعدا و سبب البعد لما أشار إلى الكتاب و هو المفروق محل التفصيل و أدخل حرف اللام في ذلك و هي تؤذن بالبعد في هذا المقام و الإشارة نداء على رأس البعد عند أهل الله و لأنها أعني اللام من العالم الوسط فهي محل الصفة إذ بالصفة يتميز المحدث من القديم و خص خطاب المفرد بالكاف مفردة لئلا يقع الاشتراك بين المبدعات و قد أشبعنا القول في هذا الفصل عند ما تكلمنا على قوله تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ من كتاب الجمع و التفصيل أي اخلع اللام و الميم تبق الألف المنزهة عن الصفات ثم حال بين الذال الذي هو الكتاب محل الفرق الثاني و بين اللام التي هي الصفة محل الفرق الأول التي بها يقرأ الكتاب بالألف التي هي محل الجمع لئلا يتوهم الفرق الخطاب من فرق آخر فلا يبلغ إلى حقيقة أبدا ففصل بالألف بينهما فصار حجابا بين الذال و اللام فأرادت الذال الوصول إلى اللام فقام لها الألف فقال بي تصل و أرادت اللام ملاقاة الذال لتؤدي إليها أمانتها فتعرض لها أيضا الألف فقال لها بي تلقاه فمهما نظرت الوجود جمعا و تفصيلا وجدت التوحيد يصحبه لا يفارقه البتة صحبة الواحد الأعداد فإن الاثنين لا توجد أبدا ما لم تضف إلى الواحد مثله و هو الاثنين و لا تصح الثلاثة ما لم تزد واحدا على الاثنين و هكذا إلى ما لا يتناهى فالواحد ليس العدد و هو عين العدد أي به ظهر العدد فالعدد كله واحد لو نقص من الألف واحد انعدم اسم الألف و حقيقته و بقيت حقيقة أخرى و هي تسعمائة و تسعة و تسعون لو نقص منها واحد لذهب عينها فمتى انعدم الواحد من شيء عدم و متى ثبت وجد ذلك الشيء هكذا التوحيد إن حققته و هو معكم أينما كنتم فقال ذا و هو حرف مبهم فبين ذلك المبهم بقوله الكتاب و هو حقيقة ذا و ساق الكتاب بحر في التعريف و العهد و هما الألف و اللام من الم غير أنهما هنا من غير الوجه الذي كانتا عليه في الم فإنهما هناك في محل الجمع و هما هنا في أول باب من أبواب التفصيل و لكن من تفصيل سرائر هذه السورة خاصة لا في غيرها من السور هكذا ترتيب الحقائق في الوجود فذلك الكتاب هو الكتاب المرقوم لأن أمهات الكتب ثلاثة الكتاب المسطور و الكتاب المرقوم و الكتاب المجهول و قد شرحنا معنى الكتاب و الكاتب في كتاب التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية في الباب التاسع منه فانظره هناك فنقول إن الذوات و إن اتحد معناها فلا بد من معنى به يفرق بين الذاتين يسمى الوصف فالكتاب المرقوم موصوف بالرقم و الكتاب المسطور موصوف بالتسطير و هذا الكتاب المجهول الذي سلب عنه الصفة لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون صفة و لذلك لا يوصف و إما أن يكون ذاتا غير موصوفة و الكشف يعطي أنه صفة تسمى العلم و قلوب كلمات الحق محله أ لا تراه يقول الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ قل أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ فخاطب الكاف من ذلك بصفة العلم الذي هو اللام المخفوضة بالنزول لأنه يتنزه عن إن تدرك ذاته فقال للكاف التي هي الكلمة الإلهية ذلك الكتاب المنزل عليك هو علمي لا علمك لا ريب فيه عند أهل الحقائق أنزله في معرض الهداية لمن اتقاني و أنت المنزل فأنت محله و لا بد لكل كتاب من أم و أمه ذلك الكتاب المجهول لا تعرفه أبدا لأنه ليس بصفة لك و لا لأحد و لا ذات و إن شئت أن تحقق هذا فانظر إلى كيفية حصول العلم في العالم أو حصول صورة المرئي في الرائي فليست و ليس غيرها فانظر إلى درجات حروف لا ريب فيه هدى للمتقين و منازلها على حسب ما نذكره بعد الكلام الذي نحن بصدده و تدبر ما بثثته لك و حل عقدة لام الألف من لا ريب تصير ألفان لأن تعريقة اللام ظهرت صورتها في نون المتقين و ذلك لتاخر الألف عن اللام من اسمه الآخر و هي المعرفة التي تحصل للعبد من نفسه في
قوله ع من عرف نفسه عرف ربه فقدم معرفة اللام على معرفة الألف فصارت دليلا عليه و لم يمتزجا حتى يصيرا ذاتا واحدة بل بان كل واحد منهما بذاته و لهذا لا يجتمع الدليل و المدلول و لكن وجه الدليل هو الرابط و هو موضع اتصال اللام بالألف فاضرب الألفين اا أحدهما في الآخر تصح لك في الخارج ألف واحدة آ و هذا حقيقة الاتصال كذلك اضرب المحدث في القديم حسا يصح لك في الخارج المحدث و يخفى القديم بخروجه و هذا حقيقة الاتصال و الاتحاد وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و هذا نقيض إشارة الجنيد في قوله للعاطس إن المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر لاختلاف المقام أ لا ترى كيف اتصل لام الألف من لا ريب فيه من الكرسي فبدت ذاتان لآ جهل سر العقد بينهما ثم فصلهما العرش عند الرجوع إليه و الوصول فصارت على هذا الشكل آل فظهرت اللام بحقيقتها لأنه لم يقم بها مقام الاتصال و الاتحاد من يردها على صورته فأخرجنا نصف الدائرة من اللام التي خفيت في لام الألف إلى عالم التركيب و الحس فبقيت ألفان أ أ في الفرق فضربنا الواحد في الواحد و هو ضرب الشيء في نفسه فصار واحدا آ فلبس الواحد الآخر فكان الواحد رداء و هو الذي ظهر و هو الخليفة المبدع بفتح الدال و كان الآخر مرتديا و هو الذي خفي و هو القديم المبدع فلا يعرف المرتدي إلا باطن الرداء و هو الجمع و يصير الرداء على شكل المرتدي فإن قلت واحد صدقت و إن قلت ذاتان صدقت عينا و كشفا و لله در من قال
و أما ظاهر الرداء فلا يعرف المرتدي أبدا و إنما يعرف باطن ذاته و هو حجابه فكذلك لا يعلم الحق إلا العلم كما لا يحمده على الحقيقة إلا الحمد و أما أنت فتعلمه بوساطة العلم و هو حجابك فإنك ما تشاهد إلا العلم القائم بك و إن كان مطابقا للمعلوم و علمك قائم بك و هو مشهودك و معبودك فإياك إن تقول إن جريت على أسلوب الحقائق إنك علمت المعلوم و إنما علمت العلم و العلم هو العالم بالمعلوم و بين العلم و المعلوم بحور لا يدرك قعرها فإن سر التعلق بينهما مع تباين الحقائق بحر عسير مركبه بل لا تركبه العبارة أصلا و لا الإشارة و لكن يدركه الكشف من خلف حجب كثيرة دقيقة لا يحس بها أنها على عين بصيرته لرقتها و هي عسيرة المدرك فأحرى من خلقها فانظر أين هو من يقول إني علمت الشيء من ذلك الشيء محدثا كان أو قديما بل ذلك في المحدث و أما القديم فأبعد و أبعد إذ لا مثل له فمن أين يتوصل إلى العلم به أو كيف يحصل و سيأتي الكلام على هذه المسألة السنية في الفصل الثالث من هذا الباب فلا يعرف ظاهر الرداء المرتدي إلا من حيث الوجود بشرط أن يكون في مقام الاستسقاء ثم يزول و يرجع لأنها معرفة علة لا معرفة جذب و هذه رؤية أصحاب الجنة في الآخرة و هو تجل في وقت دون وقت و سيأتي الكلام عليه في باب الجنة من هذا الكتاب و هذا هو مقام التفرقة و أما أهل الحقائق باطن الرداء فلا يزالون مشاهدين أبدا و مع كونهم مشاهدين فظاهرهم في كرسي الصفات ينعم بمواد بشرة الباطن نعيم اتصال و انظر إلى حكمته في كون ذلك مبتدأ و لم يكن فاعلا و لا مفعولا لما لم يسم فاعله لأنه لا يصح أن يكون فاعلا لقوله لا ريب فيه فلو كان فاعلا لوقع الريب لأن الفاعل إنما هو فكيف ينسب إليه ما ليس بصفته لأن مقام الذال أيضا يمنع ذلك فإنه من الحقائق التي كانت و لا شيء معها و لهذا لا يتصل بالحروف إذا تقدم عليها كالألف و أخواته الدال و الراء و الزاي و الواو و لا يقول فيه أيضا مفعول لم يسم فاعله لأنه من ضرورته أن يتقدمه كلمة على بنية مخصوصة محلها النحو و الكتاب هنا نفس الفعل و الفعل لا يقال فيه فاعل و لا مفعول و هو مرفوع فلم يبق إلا أن يكون مبتدأ و معنى مبتدأ لم يعرف غيره من أول وهلة أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فإن قيل من ضرورة كل مبتدأ أن يعمل فيه ابتداء قلنا نعم عمل فيه أم الكتاب فهي الابتداء العاملة في الكتاب و العامل في الكل حقا و خلقا الله الرب و لهذا نبه الله تبارك و تعالى بقوله أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ فشرك ثم قال إِلَيَّ الْمَصِيرُ فوحد فالشكر من مقام التفرقة فكذلك ينبغي لك أن تشكر الرداء لما كان سببا موصلا إلى المرتدي و المصير من الرداء و منك إلى المرتدي كل على شاكلته يصل فتفهم ما قلناه و فرق بين مقام الذال و الألف و إن اشتركا في مقام الوحدانية المقدسة قبلية حالا و مقاما و بعدية مقاما لا حالا «تنبيه» قال ذلِكَ و لم يقل تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ فالكتاب للجمع و الآيات للتفرقة و ذلك مذكر مفرد و تلك مفرد مؤنث فأشار تعالى بذلك الكتاب أولا لوجود الجمع أصلا قبل الفرق ثم أوجد الفرق في الآيات كما جمع العدد كله في الواحد كما قدمناه فإذا أسقطناه انعدمت حقيقة ذلك العدد و ما بقي للالف أثر في الوجود و إذا أبرزناه برزت الألف في الوجود فانظر إلى هذه القوة العجيبة التي أعطتها حقيقة الواحد الذي منه ظهرت هذه الكثرة إلى ما لا يتناهى و هو فرد في نفسه ذاتا و اسما ثم أوجد الفرق في الآيات قال تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثم قال فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فبدأ بالجمع الذي هو كل شيء قال تعالى وَ كَتَبْنا لَهُ في الْأَلْواحِ من كُلِّ شَيْءٍ في الألواح مقام الفرق من كل شيء إشارة إلى الجمع موعظة و تفصيلا رد إلى الفرق لكل شيء رد إلى الجمع فكل موجود كان عموما لا يخلو أن يكون إما في عين الجمع أو في عين الفرق لا غير و لا سبيل أن يعري عن هاتين الحقيقتين موجود و لا يجمعها أبدا فالحق و الإنسان في عين الجمع و العالم في عين التفرقة لا يجتمع كما لا يفترق الحق أبدا كما لا يفترق الإنسان فالله سبحانه لم يزل في أزله بذاته و صفاته و أسمائه لم يتجدد عليه حال و لا ثبت له وصف من خلق العالم لم يكن قبل ذلك عليه بل هو الآن على ما كان عليه قبل وجود الكون كما وصفه صلى الله عليه و سلم حين قال كان الله و لا شيء معه و زيد في قوله و هو الآن على ما عليه كان فاندرج في الحديث ما لم يقله صلى الله عليه و سلم و مقصودهم أي الصفة التي وجبت له قبل وجود العالم هو عليها و العالم موجود و هكذا هي الحقائق عند من أراد أن يقف عليها فالتذكير في الأصل و هو آدم قوله ذلك و التأنيث في الفرع و هو حواء قوله تلك و قد أشبعنا القول في هذا الفصل في كتاب الجمع و التفصيل الذي صنفناه في معرفة أسرار التنزيل فآدم لجميع الصفات و حواء لتفريق الذوات إذ هي محل الفعل و البذر و كذلك الآيات محل الأحكام و القضايا و قد جمع الله تعالى معنى ذلك و تلك في قوله تعالى وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ فحروف الم رقما ثلاثة و هو جماع عالمها فإن فيها الهمزة و هي من العالم الأعلى و اللام و هي من العالم الوسط و الميم و هي من العالم الأسفل فقد جمع الم البرزخ و الدارين و الرابط و الحقيقتين و هي على النصف من حروف لفظه من غير تكرار و على الثلاث بغير تكرار و كل واحد منهما ثلث كل ثلاث و هذه كلها أسرار تتبعناها في كتاب المبادي و الغايات و في كتاب الجمع و التفصيل فليكف هذا القدر من الكلام على الم البقرة في هذا الباب بعد ما رغبنا في ترك تقييد ما تجلى لنا في الكتاب و الكاتب فلقد تجلت لنا فيه أمور جسام مهولة رمينا الكراسة من أيدينا عند تجليها و فررنا إلى العالم حتى خف عنا ذلك و حينئذ رجعنا إلى التقييد في اليوم الثاني من ذلك التجلي و قبلت الرغبة فيه و أمسك علينا و رجعنا إلى الكلام على الحروف حرفا حرفا كما شرطناه أولا في هذا الباب رغبة في الإيجاز و الاختصار وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(بسم الله الرحمن الرحيم)
«فمن ذلك حرف الألف»
الألف ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق و لكن قد سمته العامة حرفا فإذا قال المحقق إنه حرف فإنما يقول ذلك على سبيل التجوز في العبارة و مقام الألف مقام الجمع له من الأسماء اسم الله و له من الصفات القيومية و له من أسماء الأفعال المبدئ و الباعث و الواسع و الحافظ و الخالق و البارئ و المصور و الوهاب و الرزاق و الفتاح و الباسط و المعز و المعيد و الرافع و المحيي و الوالي و الجامع و المغني و النافع و له من أسماء الذات الله و الرب و الظاهر و الواحد و الأول و الآخر و الصمد و الغني و الرقيب و المتين و الحق و له من الحروف اللفظية الهمزة و اللام و الفاء و له من البسائط الزاي و الميم و الهاء و الفاء و اللام و الهمزة و له من المراتب كلها و ظهوره في المرتبة السادسة و ظاهر سلطانه في النبات و إخوته في هذه المرتبة الهاء و اللام و له مجموع عالم الحروف و مراتبها ليس فيها و لا خارجا عنها نقطة الدائرة و محيطها و مركب العوالم و بسيطها
«و من ذلك حرف الهمزة»
الهمزة من الحروف التي من عالم الشهادة و الملكوت لها من المخارج أقصى الحلق ليس لها مرتبة في العدد لها من البسائط الفاء و الميم و الزاي و الألف و الياء لها من العالم الملكوت و لها الفلك الرابع و دورة فلكها تسع آلاف سنة و لها من المراتب الرابعة و السادسة و السابعة و ظهور سلطانها في الجن و النبات و الجماد و لها من الحروف الهاء و الميم و الزاي و الهاء في الوقف و التاء بالنطقين من فوق في الوصل و التنوين في القطع لها من الأسماء ما للألف و الواو و الياء فأغنى عن التكرار و تختص من أسماء الصفات بالقهار و القاهر و المقتدر و القوي و القادر و طبعها الحرارة و اليبوسة و عنصرها النار و اختلفوا هل هي حرف أو نصف حرف في الحروف الرقمية و أما في التلفظ بها فلا خلاف إنها حرف عند الجميع
«و من ذلك حرف الهاء»
اعلم أن الهاء من حروف الغيب لها من المخارج أقصى الحلق و لها من العدد الخمسة و لها من البسائط الألف و الهمزة و اللام و الهاء و الميم و الزاي و لها من العالم الملكوت و لها الفلك الرابع و زمان حركة فلكها تسع آلاف سنة و لها من الطبقات الخاصة و خاصة الخاصة و لها من المراتب السادسة و ظهور سلطانها في النبات و يوجد منه بآخرها ما كان حارا رطبا و تحيله بعد ذلك إلى البرودة و اليبوسة و لها من الحركات المستقيمة و المعوجة و هي من حروف الأعراق و لها الامتزاج و هي من الكوامل و هي من عالم الانفراد و طبعها البرودة و اليبس و الحرارة و الرطوبة مثل عطارد و عنصرها الأعظم التراب و عنصرها الأقل الهواء و لها من الحروف الألف و الهمزة و لها من الأسماء الذاتية الله و الأول و الآخر و الماجد و المؤمن و المهيمن و المتكبر و المتين و الأحد و الملك و لها من أسماء الصفات المقتدر و المحصي و لها من أسماء الأفعال اللطيف و الفتاح و المبدئ و المجيب و المقيت و المصور و المذل و المعز و المعيد و المحيي و المميت و المنتقم و المقسط و المغني و المانع و لها غاية الطريق
«و من ذلك حرف العين المهملة»
اعلم أن العين من عالم الشهادة و الملكوت و له من المخارج وسط الحلق و له من عدد الجمل عقد السبعين و له من البسائط الياء و النون و الألف و الهمزة و الواو و له الفلك الثاني و زمان حركة فلكه إحدى عشرة ألف سنة و له من طبقات العالم الخاصة و خاصة الخاصة و له من المراتب الخامسة و ظهور سلطانه في البهائم و يوجد عنه كل حار رطب و له من الحركات الأفقية و هي المعوجة و هو من حروف الأعراف و هو من الحروف الخالصة و هو كامل و هو من عالم الإنس الثنائي و طبعه الحرارة و الرطوبة و له من الحروف الياء و النون و له من الأسماء الذاتية الغني و الأول و الآخر و له من أسماء الصفات القوي و المحصي و الحي و من أسماء الأفعال النصير و النافع و الواسع و الوهاب و الوالي
«و من ذلك حرف الحاء المهملة»
اعلم أيها الولي أن الحاء من عالم الغيب و له من المخارج وسط الحلق و له من العدد الثمانية و له من البسائط الألف و الهمزة و اللام و الهاء و الفاء و الميم و الزاي و له من العالم الملكوت و له الفلك الثاني و سنى حركة فلكه إحدى عشرة ألف سنة و هو من الخاصة و خاصة الخاصة و له من المراتب السابعة و ظهور سلطانه في الجماد و يوجد عنه ما كان باردا رطبا و عنصره الماء و له من الحركات المعوجة و هو من حروف الأعراق و هو خالص غير ممتزج و هو كامل يرفع من اتصل به هو من عالم الأنس الثلاثي و طبعه البرودة و الرطوبة و له من الحروف الألف و الهمزة و له من أسماء الذات الله و الأول و الآخر و الملك و المؤمن و المهيمن و المتكبر و المجيد و المتين و المتعالي و العزيز و له من أسماء الصفات المقتدر و المحصي و له من أسماء الأفعال اللطيف و الفتاح و المبدئ و المجيب و المقيت و المصور و المذل و المعز و المعيد و المحيي و المميت و المنتقم و المقسط و المغني و المانع و له بداية الطريق
«و من ذلك حرف الغين المنقوطة»
اعلم أيدك الله بروح منه أن الغين المنقوطة من عالم الشهادة و الملكوت و مخرجه الحلق أدنى ما يكون منه إلى الفم عدده عندنا تسعمائة و عند أهل الأسرار و أما عند أهل الأنوار فعدده ألف كل ذلك في حساب الجمل الكبير و بسائطه الياء و النون و الألف و الهمزة و الواو و فلكه الثاني و سنى فلكه في حركته إحدى عشرة ألف سنة يتميز في طبقة العامة مرتبته الخامسة ظهور سلطانه في البهائم طبعه البرودة و الرطوبة عنصره الماء يوجد عنه كل ما كان باردا رطبا حركته معوجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص كامل مثنى مؤنس له الإفراد الذاتي له من الحروف الياء و النون له من الأسماء الذاتية الغني و العلي و الله و الأول و الآخر و الواحد و له من أسماء الصفات الحي و المحصي و القوي و له من أسماء الأفعال النصير و الواقي و الواسع و الوالي و الوكيل و هو ملكوتي
«و من ذلك حرف الخاء المنقوطة»
اعلم أيدك الله أن الخاء من عالم الغيب و الملكوت مخرجه الحلق مما يلي الفم عدده ستمائة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الثاني سنى فلكه إحدى عشرة ألف سنة يتميز في العامة مرتبته السابعة ظهور سلطانه في الجماد طبع رأسه البرودة و اليبوسة و الحرارة و الرطوبة بقية جسده عنصره الأعظم الهواء و الأقل التراب يوجد عنه كل ما اجتمعت فيه الطبائع الأربع حركته معوجة له الأحوال و الخلق و الكرامات ممتزج كامل يرفع من اتصل به على نفسه مثلث مؤنس له علامة له من الحروف الهمزة و الألف له من الأسماء الذاتية و الصفاتية و الفعلية كل ما كان في أوله زاى أو ميم كالملك و المقتدر و المعز أو هاء كالهادي أو فاء كالفتاح أو لام كاللطيف أو همزة كالأول
«و من ذلك حرف القاف»
اعلم أيدنا الله و إياك أن القاف من عالم الشهادة و الجبروت مخرجه من أقصى اللسان و ما فوقه من الحنك عدده مائة بسائطه الألف و الفاء و الهمزة و اللام فلكه الثاني سنى حركة فلكه إحدى عشرة ألف سنة يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة مرتبته الرابعة ظهور سلطانه في الجن طبعه الأمهات الأول آخره حار يابس و سائره بارد رطب عنصره الماء و النار يوجد عنه الإنسان و العنقاء له الأحوال حركته ممتزجة ممتزج مؤنس مثنى علامته مشتركة له من الحروف الألف و الفاء و له من الأسماء على مراتبها كل اسم في أوله حرف من حروف بسائطه له الذات عند أهل الأسرار و عند أهل الأنوار الذات و الصفات
«و من ذلك حرف الكاف»
اعلم أيدنا الله و إياك أن الكاف من عالم الغيب و الجبروت له من المخارج مخرج القاف و قد ذكر إلا أنه أسفل منه عدده عشرون بسائطه الألف و الفاء و الهمزة و اللام له الفلك الثاني حركة فلكه إحدى عشرة ألف سنة يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة مرتبته الرابعة ظهور سلطانه في الجن يوجد عنه كل ما كان حارا يابسا عنصره النار طبعه الحرارة و اليبوسة مقامه البداية حركته ممتزجة هو من الأعراق خالص كامل يرفع من اتصل به عند أهل الأنوار و لا يرفع عند أهل الأسرار مفرد موحش له من الحروف ما للقاف و له من الأسماء كل اسم في أوله حرف من حروف بسائطه و حروفه
«و من ذلك حرف الضاد المعجمة»
اعلم أيدنا الله و إياك أن الضاد المعجمة من حروف الشهادة و الجبروت و مخرجه من أول حافة اللسان و ما يليها من الأضراس عدده تسعون عندنا و عند أهل الأنوار ثمانمائة بسائطه الألف و الدال اليابسة و الهمزة و اللام و الفاء فلكه الثاني حركة فلكه إحدى عشرة ألف سنة يتميز في العامة له وسط الطريق مرتبته الخامسة ظهور سلطانه في البهائم طبعه البرودة و الرطوبة عنصره الماء يوجد عنه ما كان باردا رطبا حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص كامل مثنى مؤنس علامته الفردانية له من الحروف الألف و الدال و له من الأسماء كما أعلمناك في الحرف الذي قبله رغبة في الاختصار و الله المعين الهادي
«و من ذلك حرف الجيم»
اعلم أيدنا الله و إياك أن الجيم من عالم الشهادة و الجبروت و مخرجه من وسط اللسان بينه و بين الحنك عدده ثلاثة بسائطه الياء و الميم و الألف و الهمزة فلكه الثاني سنيه إحدى عشرة ألف سنة يتميز في العامة له وسط الطريق مرتبته الرابعة ظهور سلطانه في الجن جسده بارد يابس رأسه حار يابس طبعه البرودة و الحرارة و اليبوسة عنصره الأعظم التراب و الأقل النار يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته معوجة له الحقائق و المقامات و المنازلات ممتزج كامل يرفع من اتصل به عند أهل الأنوار و الأسرار إلا الكوفيون مثلث مؤنس علامته الفردانية له من الحروف الياء و الميم و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الشين المعجمة بالثلاث»
اعلم أيدنا الله و إياك نطقا و فهما أن الشين من عالم الغيب و الجبروت الأوسط منه مخرجه مخرج الجيم عدده عندنا ألف و عند أهل الأنوار ثلاثمائة بسائطه الياء و النون و الألف و الهمزة و الواو فلكه الثاني سنى هذا الفلك قد تقدم ذكرها يتميز في العامة له وسط الطريق مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه بارد رطب عنصره الماء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة كامل خالص مثنى مؤنس له الذات و الصفات و الأفعال له من الحروف الياء و النون و من الأسماء على نحو ما تقدم له الخلق و الأحوال و الكرامات
«و من ذلك حرف الياء»
اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الياء من عالم الشهادة و الجبروت مخرجه مخرج الشين عدده العشرة للأفلاك الاثني عشر و واحد للأفلاك السبعة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الثاني سنيه قد ذكرت يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة له الغاية و المرتبة السابعة ظهور سلطانه في الجماد طبعه الأمهات الأول عنصره الأعظم النار و الأقل الماء يوجد عنه الحيوان حركته ممتزجة له الحقائق و المقامات و المنازلات ممتزج كامل رباعي مؤنس له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف اللام»
اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أن اللام من عالم الشهادة و الجبروت مخرجه من حافة اللسان أدناها إلى منتهى طرفه عدده في الاثني عشر فلكا ثلاثون و في الأفلاك السبعة ثلاثة بسائطه الألف و الميم و الهمزة و الفاء و الياء فلكه الثاني سنيه تقدمت يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة له الغاية مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه الحرارة و البرودة و اليبوسة عنصره الأعظم النار و الأقل التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته مستقيمة و ممتزجة له الأعراف ممتزج كامل مفرد موحش له من الحروف الألف و الميم و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الراء»
اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الراء من عالم الشهادة و الجبروت و مخرجها من ظهر اللسان و فوق الثنايا عدده فيالاثني عشر فلكا مائتان و في الأفلاك السبعة اثنان بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الثاني سنى فلكه معلومة له الغاية مرتبته السابعة ظهور سلطانه في الجماد يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة طبعه الحرارة و اليبوسة عنصره النار يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الأعراف خالص ناقص مقدس مثنى مؤنس له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف النون»
اعلم أيد الله القلوب بالأرواح أن النون من عالم الملك و الجبروت مخرجه من حافة اللسان و فوق الثنايا عدده خمسون و خمسة بسائطه الواو و الألف فلكه الثاني سنى حركته قد ذكرت يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة له غاية الطريق مرتبته المرتبة المنزهة الثانية ظهور سلطانه في الحضرة الإلهية طبعه البرودة و اليبوسة عنصره التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص ناقص مفرد موحش له الذات له من الحروف الواو و الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الطاء المهملة»
اعلم أيدنا الله به أن الطاء من عالم الملك و الجبروت مخرجه من طرف اللسان و أصول الثنايا عدده تسعة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الميم و الزاي و الهاء فلكه الثاني سنيه مذكورة يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة و له غاية الطريق مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبعه البرودة و الرطوبة عنصره الماء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته مستقيمة عند أهل الأنوار و معوجة عند أهل الأسرار و عند أهل التحقيق و عندنا معا و ممتزجة له الأعراف خالص كامل مثنى مؤنس له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الدال المهملة»
اعلم أيدنا الله بأسمائه أن الدال من عالم الملك و الجبروت مخرجه مخرج الطاء عدده أربعة بسائطه الألف و اللام و الهمزة و الفاء و الميم فلكه الأول سنى حركته اثنتا عشرة ألف سنة له غاية الطريق مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه البرودة و اليبوسة عنصره التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة بين أهل الأنوار و الأسرار له الأعراق خالص ناقص مقدس مثنى مؤنس له من الحروف الألف و اللام و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف التاء باثنتين من فوق»
اعلم أيها الولي الحميم أن التاء من عالم الغيب و الجبروت مخرجه مخرج الدال و الطاء عدده أربعة و أربعمائة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الأول سنيه قد ذكرت يتميز في خاصة الخاصة مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبعه البرودة و اليبوسة عنصره التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص كامل رباعي مؤنس له الذات و الصفات له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الصاد اليابسة»
اعلم أيها الصفي الكريم أن الصاد من عالم الغيب و الجبروت مخرجه مما بين طرفي اللسان و فويق الثنايا السفلي عدده ستون عندنا و تسعون عند أهل الأنوار بسائطه الألف و الدال و الهمزة و اللام و الفاء فلكه الأول سنيه قد ذكرت يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة له أول الطريق مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه الحرارة و الرطوبة عنصره الهواء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة مجهولة له الأعراف خالص كامل مثنى مؤنس له من الحروف الألف و الدال و من الأسماء كما تقدم ثم اعلم أني جعلت سر هذا الصاد اليابسة لا ينال إلا في النوم لكونى ما نلته و لا أعطانيه الحق تعالى إلا في المنام فلهذا حكمت عليه بذلك و ليست حقيقته ذلك و الله يعطيه في النوم و اليقظة و لما وقفت عنده بالتقييد جعلت بعض الأصحاب يقرأ على أسرار الحروف لأصلح ما اختل منها عند التقييد لسرعة القلم فلما وصل بالقراءة إلى هذا الحرف قلت لهم ما اتفق لي فيه و أن النوم ليس لازما في نيله و لكن هكذا أخذته فوصفت حالي و انفض الجمع فلما كان من الغد من يوم السبت قعدنا على سبيل العادة في المجلس بالمسجد الحرام تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة و كان يحضر عندنا الشيخ الفقيه المجاور أبو يحيى ببكر بن أبي عبد الله الهاشمي التويتمي الطرابلسي رحمه الله فجاء على عادته فلما فرغنا من القراءة قال لي رأيت البارحة في النوم كأني قاعد و أنت أمامي مستلق على ظهرك تذكر الصاد فأنشدتك مرتجلا
الصاد حرف شريف و الصاد في الصاد أصدق
فقلت لي في النوم ما دليلك فقلت
لأنها شكل دور و ما من الدور أسبق
ثم استيقظت. و حكى لي في هذه الرؤيا إني فرحت بجوابه فلما أكمل ذكره فرحت بهذه المبشرة التي رآها في حقي و بهيئة الاضطجاع و ذلك رقاد الأنبياء عليهم السلام و هي حالة المستريح الفارغ من شغله و المتأهب لما يرد عليه من أخبار السماء بالمقابلة فاعلم أن الصاد حرف من حروف الصدق و الصون و الصورة و هو كري الشكل قابل لجميع الأشكال فيه أسرار عجيبة فتعجبت من كشفه في نومه قرت عينه على حالتي التي ذكرتها للأصحاب بالأمس في المجلس فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ حرف شريف عظيم أقسم عند ذكره بمقام جوامع الكلم و هو المشهد المحمدي في أوج الشرف بلسان التمجيد و تضمنت هذه السورة من أوصاف الأنبياء عليهم السلام و من أسرار العالم كله الخفية عجائب و آيات و هذه الرؤيا فيها من الأسرار على حسب ما في هذه السورة من الأسرار فهي تدل على خير كثير جسيم يناله الرائي و من ريئت له و كل من شوهد فيها من الله تعالى و يحصل لهما من بركات الأنبياء عليهم السلام المذكورين في هذه السورة و يلحق الأعداء من الكفار ما في هذه السورة من البؤس لا من المؤمنين نسأل الله لنا و لهم العافية في الدنيا و الآخرة فهذه بشرى حصلت و أسرار أرسلها الحق إلينا على يد هذا الرائي و ذكر لي الرائي صاحبنا أبو يحيى أنه لما استيقظ تمم على البيتين اللذين أنشدهما لي في النوم قريضا فسألته أن يرسل إلى به حتى أقيده في كتابي هذا عقيب هذه الرؤيا و في هذا الحرف فإن ذلك القريض من إمداد هذه الحقيقة الروحانية التي رآها في النوم فأردت أن لا أفصل بينهما فبعثت معه صاحبنا أبا عبد الله محمد بن خالد الصوفي التلمساني فجاءني بها و هي هذه
«و من ذلك حرف الزاي»
اعلم أيدك الله بروح الأزل أن الزاي من عالم الشهادة و الجبروت و القهر مخرجه مخرج الصاد و السين عدده سبعة بسائطه الألف و الياء و الهمزة و اللام و الفاء فلكه الفلك الأول سنى حركته تقدم ذكرها يتميز في خلاصة خاصة الخاصة له الغاية مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه الحرارة و اليبوسة عنصره النار يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص ناقص مقدس مثنى مؤنس له من الحروف الألف و الياء و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف السين المهملة»
اعلم أن السين من عالم الغيب و الجبروت و اللطف مخرجه مخرج الصاد و الزاي عدده عند أهل الأنوار ستون و ستة و عندنا ثلاثمائة و ثلاثة بسائطه الياء و النون و الألف و الهمزة و الواو فلكه الأول سنيه مذكورة يتميز في الخاصة و خاصة الخاصة و خلاصة خاصة الخاصة و صفاء خلاصة خاصة الخاصة له الغاية مرتبته الخامسة ظهور سلطانه في البهائم طبعه الحرارة و اليبوسة عنصره النار يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الأعراف خالص كامل مثنى مؤنس له من الحروف الياء و النون و من الأسماء الإلهية كما تقدم
«و من ذلك حرف الظاء المعجمة»
اعلم أيها العاقل أن الظاء من عالم الشهادة و الجبروت و القهر مخرجه مما بين طرفي اللسان و أطراف الثنايا عدده ثمانية و ثمانمائة عندنا و عند أهل الأنوار تسعمائة بسائطه الألف و اللام و الهمزة و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الأول سنيه مذكورة يتميز في خلاصة خاصة الخاصة له غاية الطريق مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبع دائرته بارد رطب و قائمته حارة رطبة فله الحرارة و البرودة و الرطوبة عنصره الأعظم الماء و الأقل الهواء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات ممتزج كامل مثنى مؤنس له الذات له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الذال المعجمة»
اعلم أيها الإمام أن الذال من عالم الشهادة و الجبروت و القهر مخرجه مخرج الظاء عدده سبعمائة و سبعة بسائطه الألف و اللام و الهمزة و الفاء و الميم فلكه الأول سنى حركته مذكورة يتميز في العامة له وسط الطريق مرتبته الخامسة سلطانه في البهائم طبعه الحرارة و الرطوبة عنصره الهواء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته معوجة ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص كامل مقدس مثنى مؤنس له الذات و له من الحروف الألف و اللام و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الثاء بالثلاثة»
اعلم أيها السيد أن الثاء من عالم الغيب و الجبروت و اللطف مخرجه مخرج الظاء و الذال عدده خمسة و خمسمائة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي له الفلك الأول سنيه مذكورة يتميز في خلاصة خاصة الخاصة له غاية الطريق مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبعه البرودة و اليبوسة عنصره التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الخلق و الأحوال و الكرامات خالص كامل مربع مؤنس له الذات و الصفات و الأفعال له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الفاء»
اعلم أيد الله القلب الإلهي أن الفاء من عالم الشهادة و الجبروت و الغيب و اللطف مخرجه من باطن الشفة السفلي و أطراف الثنايا العليا عدده ثمانون و ثمانية بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي له الفلك الأول سنيه قد ذكرت يتميز في الخلاصة له غاية الطريق مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبع رأسه الحرارة و الرطوبة و سائر جسده بارد رطب فطبعه الحرارة و البرودة و الرطوبة عنصره الأعظم الماء و الأقل الهواء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الحقائق و المقامات و المنازلات عند أهل الأسرار و له الخلق و الأحوال و الكرامات عند أهل الأنوار ممتزج كامل مفرد مثنى مؤنس موحش له الذات له من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الباء بواحدة»
اعلم أيها الوالي المتعالي أن الباء من عالم الملك و الشهادة و القهر مخرجه من الشفتين عدده اثنان بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء و الهاء و الميم و الزاي فلكه الأول له الحركة المذكورة يتميز في عين صفاء الخلاصة و في خاصة الخاصة له بداية الطريق و غايته مرتبته السابعة سلطانه في الجماد طبعه الحرارة و اليبوسة عنصره النار يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الحقائق و المقامات و المنازلات خالص كامل مربع مؤنس له الذات و من الحروف الألف و الهمزة و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الميم»
اعلم أيد الله المؤمن إن الميم من عالم الملك و الشهادة و القهر مخرجه مخرج الباء عدده أربعة و أربعون بسائطه الياء و الألف و الهمزة فلكه الأول سنيه ذكرت يتميز في الخاصة و الخلاصة و صفاء الخلاصة له الغاية مرتبته الثالثة ظهور سلطانه في الإنسان طبعه البرودة و اليبوسة عنصره التراب يوجد عنه ما يشاكل طبعه له الأعراف خالص كامل مقدس مفرد مؤنس له من الحروف الياء و من الأسماء كما تقدم
«و من ذلك حرف الواو»
الواو من عالم الملك و الشهادة و القهر مخرجه من الشفتين عدده ستة بسائطه الألف و الهمزة و اللام و الفاء فلكه الأول سنيه مذكورة يتميز في خاصة الخاصة و في الخلاصة له غاية الطريق مرتبته الرابعة سلطانه في الجن طبعه الحرارة و الرطوبة عنصره الهواء يوجد عنه ما يشاكل طبعه حركته ممتزجة له الأعراق خالص ناقص مقدس مفرد موحش له من الحروف الألف و من الأسماء كما تقدم فهذه حروف المعجم قد كملت بذكر ما حد لنا من الإشارات و التنبيهات لأهل الكشف و الخلوات و الاطلاع على أسرار الموجودات فإذا أردت أن يسهل عليك مأخذها في باب العبارة عنها فاعلم اشتراكها في أفلاك البسائط تعلم حقائق الأسماء الممدة لها فالألف قد تقدم الكلام فيها و كذلك الهمزة تدخل مع الألف و الواو و الياء المعتلتين فخرجتا أيضا عن حكم الحروف بهذا الوجه فالجيم و الزاي و اللام و الميم و النون بسائطها مختلفة و الدال و الذال متماثلة و الصاد و الضاد متماثلة و العين و الغين و السين و الشين متماثلة و الواو و الكاف و القاف متماثلة و الباء و الهاء و الحاء و الطاء و الياء و الفاء و الراء و التاء و الثاء و الخاء و الظاء متماثلة البسائط أيضا و كل متماثل البسائط متماثل الأسماء فاعلم و كنا ذكرنا أن نذكر لام ألف عقيب الحروف الذي هو نظير الجوزهر فنذكره في الرقم مفردا عن الحروف فإنه حرف زائد مركب من ألف و لام و من همزة و لام
«ذكر لام ألف و ألف اللام»
«معرفة لام ألف لا»
اعلم أنه لما اصطحب الألف و اللام صحب كل واحد منهما ميل و هو الهوى و الغرض و الميل لا يكون إلا عن حركة عشقية فحركة اللام حركة ذاتية و حركة الألف حركة عرضية فظهر سلطان اللام على الألف لإحداث الحركة فيه فكانت اللام في هذا الباب أقوى من الألف لأنها أعشق فهمتها أكمل وجودا و أتم فعلا و الألف أقل عشقا فهمتها أقل تعلقا باللام فلم تستطع أن تقيم أودها فصاحب الهمة له الفعل بالضرورة عند المحققين هذا حظ الصوفي و مقامه و لا يقدر يجاوزه إلى غيره فإن انتقل إلى مقام المحققين فمعرفة المحقق فوق ذلك و ذلك أن الألف ليس ميلة من جهة فعل اللام فيه بهمته و إنما ميلة نزوله إلى اللام بالألطاف لتمكن عشق اللام فيه أ لا تراه قد لوى ساقه بقائمة الألف و انعطف عليه حذرا من الفوت فميل الألف إليه نزول كنزول الحق إلى السماء الدنيا و هم أهل الليل في الثلث الباقي و ميل اللام معلوم عندهما معلول مضطر لا اختلاف عندنا فيه إلا من جهة الباعث خاصة فالصوفي يجعل ميل اللام ميل الواجدين و المتواجدين لتحققه عندهم بمقام العشق و التعشق و حاله و ميل الألف ميل التواصل و الاتحاد و لهذا اشتبها في الشكل هكذا لآ فأيهما جعلت الألف أو اللام قبل ذلك الجعل و لذلك اختلف فيه أهل اللسان أين يجعلون حركة اللام أو الهمزة التي تكون على الألف فطائفة راعت اللفظ فقالت في الأسبق و الألف بعد و طائفة راعت الخط فبأي فخذ ابتدأ المخطط فهو اللام و الثاني هو الألف و هذا كله تعطيه حالة العشق و الصدق في العشق يورث التوجه في طلب المعشوق و صدق التوجه يورث الوصال من المعشوق إلى العاشق و المحقق يقول باعث الميل المعرفة عندهما و كل واحد على حسب حقيقته و أما نحن و من رقى معنا في معالي درج التحقيق الذي ما فوقه درج فلسنا نقول بقولهما و لكن لنا في المسألة تفصيل و ذلك أن تلحظ في أي حضرة اجتمعا فإن العشق حضرة جزئية من جملة الحضرات فقول الصوفي حق و المعرفة حضرة أيضا كذلك فقول المحقق حق و لكن كل واحد منهما قاصر عن التحقيق في هذه المسألة ناظر بعين واحدة و نحن نقول أول حضرة اجتمعا فيها حضرة الإيجاد و هي لا إلاه إل لا أل لاه فهذه حضرة الخلق و الخالق و ظهرت كلمة لا في النفي مرتين و في الإثبات مرتين فلا لا لا و إلاه للاه فميل الوجود المطلق الذي هو الألف في هذه الحضرة إلى الإيجاد و ميل الموجود المقيد الذي هو اللام إلى الإيجاد عند الإيجاد و لذلك خرج على الصورة فكل حقيقة منهما مطلقة في منزلتها فافهم إن كنت تفهم و إلا فالزم الخلوة و علق الهمة بالله الرحمن حتى تعلم فإذا تقيد بعد ما تعين وجوده و ظهر لعينه عينه فإنه
فلا بد من صفة تقوم به و يكون بها يقابل مثلها أو ضدها من الحضرة الإلهية و إنما قلت الضد و لم نقتصر على المثل الذي هو الحق الصدق رغبة في إصلاح قلب الصوفي و الحاصل في أول درجات التحقيق فمشربهما هذا و لا يعرفان ما فوقه و لا ما نومئ إليه حتى يأخذ بأيديهما و يشهدهما ما أشهدناه و سأذكر طرفا من ذلك في الفصل الثالث من هذا الباب فاطلب عليه هناك إن شاء الله تعالى فاغطس في بحر القرآن العزيز إن كنت واسع النفس و إلا فاقتصر على مطالعة كتب المفسرين لظاهره و لا تغطس فتهلك فإن بحر القرآن عميق و لو لا الغاطس ما يقصد منه المواضع القريبة من الساحل ما خرج لكم أبدا فالأنبياء و الورثة الحفظة هم الذين يقصدون هذه المواضع رحمة بالعالم و أما الواقفون الذين وصلوا و مسكوا و لم يردوا لا انتفع بهم أحد و لا انتفعوا بأحد فقصدوا بل قصد بهم ثبج البحر فغطسوا إلى الأبد لا يخرجون يرحم الله العباد إني شيخ سهل بن عبد الله التستري حيث قال لسهل إلى الأبد حين قال له سهل أ يسجد القلب فقال الشيخ إلى الأبد بل صلى الله على رسول الله حين قيل له صلى الله عليه و سلم في دخول العمرة في الحج أ لعامنا هذا أم للأبد فقال صلى الله عليه و سلم بل لا بد الأبد فهي روحانية باقية في دار الخلد يجدها أهل الجنان في كل سنة مقدرة فيقولون ما هذا فيجابون العمرة في الحج روح و نعيم و وارد نزيه شريف تشرق به أسارير الوجوه و تزيد به حسنا و جمالا فإذا غطست وفقك الله في بحر القرآن فاطلب و ابحث على صدفتي هاتين الياقوتين الألف و اللام و صدفتهما هي الكلمة أو الآية التي تحملهما فإن كانت كلمة فعلية على طبقاتها نسبتهما من ذلك المقام و إن كانت كلمة أسمائية على طبقاتها نسبتهما من ذلك المقام و إن كانت كلمة ذاتية نسبتها من ذلك كما أشار عليه السلام و إن لم تكن في الحرف أعوذ برضاك من سخطك برضاك ميل الألف من سخطك ميل اللام كلمة أسمائية و بمعافاتك ميل الألف من عقوبتك ميل اللام كلمة فعلية و بك ميل الألف منك ميل اللام كلمة ذاتية فانظر ما أعجب سر النبوة و ما أعلاه و ما أدنى مرماه و ما أقصاه فمن تكلم على حرفي لام ألف من غير أن ينظر في الحضرة التي هو فيها فليس بكامل هيهات لا يستوي أبدا لام ألف لا خوف عليهم و لام ألف و لا هم يحزنون كما لا يستوي لام ألف لا التي للنفي و لام ألف التي للإيجاب كما لا يستوي لام ألف النفي و لام ألف النفي و التبرئة و لام ألف النهي فترفع بالنفي و تنصب بالتبرئة و تجزم بالنهي و لام ألف لام التعريف و الألف التي من أصل الكلمة مثل قوله الْأَعْرافِ و الْأَدْبارَ و الْأَبْصارِ و الأقلام كما لا يستوي لام ألف لام التوكيد و الألف الأصلية مثل قوله تعالى لَأَوْضَعُوا و لَأَنْتُمْ فتحقق ما ذكرناه لك و أقم ألفك من رقدتها و حل لامك من عقدتها و في عقد اللام بالألف سر لا يظهر و لا أقدر على بسط العبارة في مقامات لام ألف كما وردت في القرآن إلا لو كان السامع يسمعه مني كما يسمعه من الذي أنزل عليه لو عبر عنه و مع هذا فالغرض في هذا الكتاب الإيجاز و قد طال الباب و اتسع الكلام فيه على طريق الإجمال لكثرة المراتب و كثرة الحروف و لم نذكر في هذا الباب معرفة المناسبة التي بين الحروف حتى يصح اتصال بعضها مع بعض و لا ذكرنا اجتماع حرفين معا إلا لام ألف خاصة من جهة ما و هذا الباب يتضمن ثلاثة آلاف مسألة و خمسمائة مسألة و أربعين مسألة على عدد الاتصالات بوجه ما لكل اتصال علم يخصه و تحت كل مسألة من هذه المسائل مسائل تتشعب كثيرة فإن كل حرف يصطحب مع جميع الحروف كلها من جهة رفعه و نصبه و خفضه و سكونه و ذاته و حروف العلة الثلاثة فمن أراد أن يتشفى منها فليطالع تفسير القرآن الذي سميناه الجمع و التفصيل و سنوفي الغرض في هذه الحروف إن شاء الله في كتاب المبادي و الغايات لنا و هو بين أيدينا فلتكف هذه الإشارة في لام ألف و الحمد لله المفضل
«معرفة ألف اللام آل»
اعلم أن لام ألف بعد حلها و نقض شكلها و إبراز أسرارها و فنائها عن اسمها و رسمها تظهر في حضرة الجنس و العهد و التعريف و التعظيم و ذلك لما كان الألف حظ الحق و اللام حظ الإنسان صار الألف و اللام للجنس فإذا ذكرت الألف و اللام ذكرت جميع الكون و مكونه فإن فنيت عن الحق بالخليقة و ذكرت الألف و اللام كان الألف و اللام الحق و الخلق و هذا هو الجنس عندنا فقائمة اللام للحق تعالى و نصف دائرة اللام المحسوس الذي يبقى بعد ما يأخذ الألف قائمته هو شكل النون للخلق و نصف الدائرة الروحاني الغائب للملكوت و الألف التي تبرز قطر الدائرة للأمر و هو كُنْ و هذه كلها أنواع و فصول للجنس الأعم الذي ما فوقه جنس و هو حقيقة الحقائق التائهة القديمة في القديم لا في ذاتها و المحدثة في المحدث لا في ذاتها و هي بالنظر إليها لا موجودة و لا معدومة و إذا لم تكن موجودة لا تتصف بالقدم و لا بالحدوث كما سيأتي ذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب و لها ما شاكلها من جهة قبولها للصور لا من جهة قبولها للحدوث و القدم فإن الذي يشبهها موجود و كل موجود إما محدث و هو الخلق و إما محدث اسم فاعل و هو الخالق و لما كانت تقبل القدم و الحدوث كان الحق يتجلى لعباده على ما شاءه من صفاته و لهذا السبب ينكره قوم في الدار الآخرة لأنه تعالى تجلى لهم في غير الصورة و الصفة التي عرفوها منه و قد تقدم طرف منه في الباب الأول من هذا الكتاب فيتجلى للعارفين على قلوبهم و على ذواتهم في الآخرة عموما فهذا وجه من وجوه الشبه و على التحقيق الذي لا خفاء به عندنا إن حقائقها هي المتجلية للصنفين في الدارين لمن عقل أو فهم من الله تعالى المرئي في الدنيا بالقلوب و الأبصار مع أنه سبحانه منبئ عن عجز العباد عن درك كنهه فقال لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ بتجليه لهم على قدر طاقتهم خبير بضعفهم عن حمل تجليه الأقدس على ما تعطيه الألوهة إذ لا طاقة للمحدث على حمل جمال القديم كما لا طاقة للأنهار بحمل البحار فإن البحار تفني أعيانها سواء وردت عليه أو ورد عليها أعني البحر لا يبقى لها أثرا يشهد و لا يميز فاعرف ما ذكرناه و تحقق و أعلى ما يشبهها من المحدثات الهباء الذي خلق فيه صور العالم ثم النور أنزل منه في الشبه بها فإن النور صورة في الهباء كما إن الهباء صورة فيها و أنزل شبها من النور بها الهواء و أنزل منه الماء و أنزل منه المعادن و أنزل منه الخشب و أمثاله إلى أن تنتهي إلى شيء لا يقبل إلا صورة واحدة إن وجدته فتفهم هذا حتى يأتي بابه من هذا الكتاب إن شاء الله فهذه الحقيقة التائهة التي تتضمن الحقائق التائهات هي الجنس الأعم التي تستحق الألف و اللام الحمل عليه بذاتها و كذلك عهدهما بجريان حقيقتهما على علم ما وقع فيه العهد بين الموجودين فعلى أي موجودين دخلتا لأمر كان بينهما من جهة كل واحد منهما بالنظر إلى أمر ثالث كانتا لعهد ذلك الأمر الثالث الذي يعرفانه و على حقيقتهما الألف لاخذ العهد و اللام لمن أخذ عليه و كذلك تعريفهما و تخصيصهما إنما يخصصان شيئا من جنسه على التعيين ليحصلا العلم به عند من يريد المخبر أن يعلمه إياه فعلى أي حالة كان المخصص و المخصص و الشيء الذي بسببه ظهرت هاتان الحقيقتان انقلبتا في صورة حقائقهما و هذا هو الاشتراك الذاتي فإن كان الاشتراك في الصفة و نريد أن نميز الأعظم منهما للمخاطب فتكونا عند ذلك للتعظيم في الوصف الذي تدخل فالألف و اللام يقبلان كل صورة و حقيقة لأنهما موجودان جامعان لجميع الحقائق فأي شيء برز أ برز إله الحقيقة التي عندهما منه فقابلاه بها فدلالتهما على الشيء لذاتهما لا أنهما اكتسبا من الشيء الذي دخلتا عليه و مثل ذلك أهلك الناس الدينار و الدرهم رأيت الرجل أمس أحببت الرجال دون النساء هويت السمان و يكفي هذا القدر فقد طال الباب انتهى الجزء السادس و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)
بيان بعض الأسباب أعني تفسير الألفاظ التي ذكرت في الحروف من بسائط و مراتب و تقديس و إفراد و تركيب و أنس و وحشة و غير ذلك فاعلم أولا أن هذه الحروف لما كانت مثل العالم المكلف الإنساني المشاركة له في الخطاب لا في التكليف دون غيره من العالم لقبولها جميع الحقائق كالإنسان و سائر العالم ليس كذلك فمنهم القطب كما منا و هو الألف و مقام القطب منا الحياة القيومية هذا هو المقام الخاص به فإنه سار بهمته في جميع العالم كذلك الألف من كل وجه من وجه روحانيته التي ندركها نحن و لا يدركها غيرنا و من حيث سريانه نفسا من أقصى المخارج الذي هو منبعث النفس إلى آخر المنافس و يمتد في الهواء الخارج و أنت ساكت و هو الذي يسمى الصدى فتلك قيومية الألف لا أنه واقف و من حيث رقمه فإن جميع الحروف تنحل إليه و تتركب منه و لا ينحل هو إليها كما ينحل هو أيضا إلى روحانيته و هي النقطة تقديرا و إن كان الواحد لا ينحل فقد عرفناك ما لأجله كان الألف قطبا و هكذا تعمل فيما نذكره لك بعد هذا إن أردت أن تعرف حقيقته (و الإمامان) الواو و الياء المعتلتان اللذان هما حرفا المد و اللين لا الصحيحتان (و الأوتاد) أربعة الألف و الواو و الياء و النون الذين هم علامات الإعراب (و الأبدال) سبعة الألف و الواو و الياء و النون و تاء الضمير و كافة و هاؤه فالألف ألف رجلان و الواو و العمرون و الياء ياء العمرين و النون نون يفعلون و سر النسبة بيننا و بينهم في مرتبة الأبدال كما بينا في القطب أن التاء إذا غابت من قمت تركت بدلها فقال المتكلم قام زيد فنابت بنفسها مناب الحروف التي هي اسم هذا الشخص المخبر عنه و لو كان الاسم مركبا من ألف حرف ناب الضمير مناب تلك الحروف لقوة حروف الضمائر و تمكنها و اتساع فلكها فلو سميت رجلا يا دار مية بالعلياء فالسند فقد نابت التاء أو الكاف أو الهاء مناب جملة هذه الحروف في الدلالة و تركته بدلها أو جاءت بدلا منها كيفما شئت و إنما صح لها هذا لكونها تعلم ذلك و لا يعلمه من هي بدل منه أو هو بدل عنها فلهذا استحقت هي و أخواتها مقام الأبدال و مدرك من أين علم هذا موقوف على الكشف فابحث عليه بالخلوة و الذكر و الهمة و إياك أن تتوهم تكرار هذه الحروف في المقامات إنها شيء واحد له وجوه إنما هي مثل الأشخاص الإنسانية فليس زيد بن علي هو عين أخيه زيد بن علي الثاني و إن كانا قد اشتركا في البنوة و الإنسانية و والدهما واحد و لكن بالضرورة نعلم أن الأخ الواحد ليسعين الأخ الثاني فكما يفرق البصر بينهما و العلم كذلك يفرق العلم بينهما في الحروف عند أهل الكشف من جهة الكشف و عند النازلين عن هذه الدرجة من جهة المقام التي هي بدل عن حروفه و يزيد صاحب الكشف على العالم من جهة المقام بأمر آخر لا يعرفه صاحب علم المقام المذكور و هو مثلا قلت إذا كررته بدلا من اسم بعينه فتقول لشخص بعينه قلت كذا و قلت كذا فالتاء عند صاحب الكشف التي في قلت الأول غير التاء التي في قلت الثاني لأن عين المخاطب تتجدد في كل نفس بل هم في لبس من خلق جديد فهذا شأن الحق في العالم مع أحدية الجوهر و كذلك الحركة الروحانية التي عنها أوجد الحق تعالى التاء الأولى غير الحركة التي أوجد عنها التاء الأخرى بالغا ما بلغت فيختلف معناها بالضرورة فصاحب علم المقام يتفطن لاختلاف علم المعنى و لا يتفطن لاختلاف التاء أو أي حرف ضميرا كان أو غير ضمير فإنه صاحب رقم و لفظ لا غير كما تقول الأشاعرة في الأعراض سواء فالناس مجمعون معهم على ذلك في الحركة خاصة و لا يصلون إلى علم ذلك في غير الحركة فلهذا أنكروه و لم يقولوا به و نسبوا القائل بذلك إلى الهوس و إنكار الحس و حجبوا عن إدراك ضعف عقولهم و فساد محل نظرهم و قصورهم عن التصرف في المعاني فلو حصل لهم الأول عن كشف حقيقي من معدنه لانسحبت تلك الحقيقة على جميع الأعراض حكما عاما لا يختص بعرض دون عرض و إن اختلفت أجناس الأعراض فلا بد من حقيقة جامعة و حقيقة فاصلة و هكذا هذه المسألة التي ذكرناها في حق من قال بما قلناه فيها و من أنكره فليس المطلوب عند المحققين الصور المحسوسة لفظا و رقما و إنما المطلوب المعاني التي تضمنها هذا الرقم أو هذا اللفظ و حقيقة اللفظة و المرقوم عينها فإن الناظر في الصور إنما هو روحاني فلا يقدر أن يخرج عن جنسه فلا تحجب بأن ترى الميت لا يطلب الخبز لعدم السر الروحاني منه و يطلبه الحي لوجود الروح فيه فتقول نراه يطلب غير جنسه فاعلم إن في الخبز و الماء و جميع المطاعم و المشارب و الملابس و المجالس أرواحا لطيفة غريبة هي سر حياته و علمه و تسبيحه ربه و علو منزلته في حضرة مشاهدة خالقه و تلك الأرواح أمانة عند هذه الصور المحسوسة يؤدونها إلى هذا الروح المودع في الشبح أ لا ترى إلى بعضهم كيف يوصل أمانته إليه الذي هو سر الحياة فإذا أدى إليه أمانته خرج إما من الطريق الذي دخل منه فيسمى قيئا و قلسا و إما من طريق آخر فيسمى عذرة و بولا فما أعطاه الاسم الأول إلا السر الذي أداه إلى الروح و بقي باسم آخر يطلبه من أجله صاحب الخضراوات و المدبرين أسباب الاستحالات هكذا يتقلب في أطوار الوجود فيعرى و يكتسي و يدور بدور الأكرة كالدولاب إلى أن يشاء الله العليم الحكيم فالروح معذور في تعشقه بهذه المحسوسات فإنه عاين مطلوبه فيها فهي في منزل محبوبه
و قال أبو إسحاق الزوالي رحمه الله
فافهموا فهمنا الله و إياكم سرائر كلمه و أطلعنا و إياكم على خفيات غيوب حكمه أما قولنا الذي ذكرناه بعد كل حرف فأريد إن أبينه لكم حتى تعرفوا منه ما لا ينفركم عما لا تعلمون فأقل درجات الطريق التسليم فيما لا تعلمه و أعلاه القطع بصدقه و ما عدا هذين المقامين فحرمان كما إن المتصف بهذين المقامين سعيد قال أبو يزيد البسطامي لأبي موسى يا أبا موسى إذا لقيت مؤمنا بكلام أهل هذه الطريقة قل له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة و قال رويم من قعد مع الصوفية و خالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الايمان من قلبه «شرح» فمن ذلك قولنا حرف كذا باسمه كما سقته هو من عالم الغيب فاعلم إن العالم على بعض تقاسيمه على قسمين بالنظر إلى حقيقة ما معلومة عندنا «قسم يسمى عالم الغيب» و هو كل ما غاب عن الحس و لم تجر العادة بأن يدرك الحس له و هو من الحروف السين و الصاد و الكاف و الخاء المعجمة و التاء باثنتين من فوق و الفاء و الشين و الهاء و الثاء بالثلاث و الحاء و هذه حروف الرحمة و الألطاف و الرأفة و الحنان و السكينة و الوقار و النزول و التواضع و فيهم نزلت هذه الآية وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً و فيهم نزل أيضا على الرقيقة المحمدية التي تمتد إليهم منه من كونه أوتي جوامع الكلم أتى إليهم بها رسولهم فقال تعالى وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ و فيهم وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ و فيهم الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و فيهم وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ و هذا القبيل من الحروف هو أيضا الذي نقول فيه إنه من اللطف لما ذكرناه فهذا من جملة المعاني التي نطلق عليه منه عالم الغيب و اللطف «و القسم الآخر يسمى عالم الشهادة و القهر» و هو كل عالم من عالمي الحروف جرت العادة عندهم إن يدركوه بحواسهم و هو ما بقي من الحروف و فيهم قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ و قوله تعالى وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ و قوله وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ فهذا عالم الملك و السلطان و القهر و الشدة و الجهاد و المصادمة و المقارعة و من روحانية هذه الحروف يكون لصاحب الوحي الغت و الغط و صلصلة الجرس و رشح الجبين و لهم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كما أنه في حروف عالم الغيب نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به و لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ من قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و أما قولنا و الملك و الجبروت أو الملكوت فقد تقدم ذكره في أول هذا الباب عند قولنا ذكر مراتب الحروف و أما قولنا مخرجه كذا فمعلوم عند القراء و فائدته عندنا إن تعرف أفلاكه فإن الفلك الذي جعله الله سببا لوجود حرف ما ليس هو الفلك الذي وجد عنه حرف غيره و إن توحد الفلك فليست الدورة واحدة بالنظر إلى تقدير ما تفرضه أنت في شيء تقتضي حقيقته ذلك الفرض و يكون في الفلك أمر يتميز عندك عن نفس الفلك تجعله علامة في موضع الفرض و ترصده فإذا عادت العلامة إلى حد الفرض الأول فقد انتهت الدورة و ابتدأت أخرى قال ع إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله و سيأتي بيان هذا الحديث في الباب الحادي عشر من هذا الكتاب و أما قولنا عدده كذا و كذا أو كذا دون كذا فهو الذي يسميه بعض الناس الجزم الكبير و الجزم الصغير و قد يسمونه الجمل عوضا من الجزم و له سر عجيب في أفلاك الدراري و في أفلاك البروج و أسماؤها معلومة عند الناس فيجعلون الجزم الكبير لفلك البروج و يطرحون ما اجتمع من العدد ثمانية و عشرين ثمانية و عشرين و الجزم الصغير لأفلاك الدراري و طرح عدده تسعة تسعة بطريقة ليس هذا الكتاب موضعها و علم ليس هو مطلوبنا و فائدة الأعداد عندنا في طريقنا الذي تكمل به سعادتنا إن المحقق و المريد إذا أخذ حرفا من هذه أضاف الجزم الصغير إلى الجزم الكبير مثل أن يضيف إلى القاف الذي هو مائة بالكبير و واحد بالصغير فيجعل أبدا عدد الجزم الصغير و هو من واحد إلى تسعة فيرده إلى ذاته فإن كان واحدا الذي هو حرف الألف بالجزمين و القاف و الشين و الياء عندنا و عند غيرنا بدل الشين الغين المعجمة بالجزم الصغير فيجعل ذلك الواحد لطيفته المطلوبة منه بأي جزم كان فإن كان الألف حتى إلى الطاء التي هي بسائط الأعداد فهي مشتركة بين الكبير و الصغير في الجزمين فمن حيث كونها للجزم الصغير ردها إليك و من حيث كونها للجزم الكبير ردها إلى الواردات المطلوبة لك فتطلب في الألف التي هي الواحد ياء العشرة و قاف المائة و شين الألف أو غينه على الخلاف و تمت مراتب العدد و انتهى المحيط و رجع الدور على بدئه فليس إلا أربع نقط شرق و غرب و استواء و حضيض أربعة أرباع و الأربعة عدد محيط لأنها مجموع البسائط كما إن هذه العقد مجموع المركبات العددية و إن كان اثنان الذي هو الباء بالجزمين و الكاف و الراء بالجزم الصغير جعلت الباء منك حالك و قابلت بها عالم الغيب و الشهادة فوقفت على أسرارها من كونها غيبا و شهادة لا غير و هي الذات و الصفات في الإلهيات و العلة و المعلول في الطبيعيات لا في العقليات و الشرط و المشروط في العقليات و الشرعيات لا في الطبيعيات لكن في الإلهيات و إن كان ثلاثة الذي هو الجيم بالجزمين و اللام و السين المهملة عند قوم و الشين المعجمة عند قوم بالجزم الصغير جعلت الجيم منك عالمك و قابلت به عالم الملك من كونه ملكا و عالم الجبروت من كونه جبروتا و عالم الملكوت من كونه ملكوتا و بما في الجيم من العدد الصغير يبرز منك و بما فيه و في اللام و السين أو الشين من العدد الكبير تبرز وجوه من المطلوب من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ الله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ على حسب الاستعداد و أقل درجاتهالذي يشمل العامة العشر المذكور و التضعيف موقوف على الاستعداد و فيه تفاضل رجال الأعمال و كل عالم في طريقه على ذلك و ليس غرضنا في هذا الكتاب ما يعطي الله الحروف من الحقائق إذا تحققت بحقائقها و إنما غرضنا أن نسوق ما يعطي الله لمنشئها لفظا أو خطا إذا تحقق بحقائق هذه الحروف و كوشف على أسرارها فاعلموا ذلك و إن كان أربعة الذي هو الدال بالجزمين و الميم و التاء بالصغير جعلت الدال منك قواعدك و قابلت بها الذات و الصفات و الأفعال و الروابط و بما في الدال من العدد بالصغير يبرز عن أسرار قبولك و بما فيه و في الميم و التاء بالكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و الكمال فيها و الأكمل بحسب الاستعداد و إن كانت خمسة الذي هو الهاء بالجزمين و النون و الثاء بالصغير جعلت الهاء منك مملكتك في مواطن الحروف و مقارعة الأبطال و قابلت بها الأرواح الخمسة الحيواني و الخيالي و الفكري و العقلي و القدسي و بما في الهاء من الصغير تبرز من أسرار قبولك و بما فيه و في النون و الثاء من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و الكامل و الأكمل أثر حاصل عن الاستعداد و إن كان ستة الذي هو الواو بالجزمين و الصاد أو السين على الخلاف و الخاء بالصغير جعلت الواو منك جهاتك المعلومة و قابلت بها فيها عن الحق بوجه و إثباتها بوجه و هو علم الصورة و بما في الواو من أسرار القبول بارز بالصغير و بما فيه و في الصاد أو السين و الخاء بالكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و في هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار الاستواء و ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ و هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ و كل آية أو خبر تثبت له جل و علا الجهة و التحديد و المقدار و الكمال و الأكمل فيه على قدر الاستعداد و التأهب و إن كان سبعة و هو الزاي بالجزمين و العين و الذال بالصغير جعلت الذي منك صفاتك و قابلت بها صفاته و بما في الزاي من الصغير يبرز من أسرار قبولك و بما فيه و في العين و الذال من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و في هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار المسبعات كلها حيث وقعت و الكمال و الأكمل فيه على قدر الاستعداد و التأهب و إن كان ثمانية الذي هو الحاء بالجزمين و الفاء في قول و الصاد في قول و الضاد في قول و الظاء في قول جعلت الحاء منك ذاتك بما فيها و قابلت بها الحضرة الإلهية مقابلة الصورة صورة المرآة و بما في الحاء من الصغير يبرز من أسرار قبولك و بما فيه و في الفاء و الظاء أو الضاد من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و في هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار أبواب الجنة الثمانية و فتحها لمن شاء الله هنا و كل حضرة مثمنة في الوجود و الكمال و الأكمل بحسب الاستعداد و إن كان تسعة و هو الطاء بالجزمين و الضاد أو الصاد في قول و في المئين الظاء أو الغين في قول بالجزم الصغير جعلت الطاء منك مراتبك في الوجود التي أنت عليها في وقت نظرك في هذا التجلي و قابلت بها مراتب الحضرة و هو الأبد لها و لك و بما في الطاء من الصغير يبرز من أسرار القبول و بما فيه و في الضاد أو الصاد و الغين أو الظاء من الكبير تبرز وجوه من المطلوب المقابل و في هذا التجلي يعلم المكاشف أسرار المنازل و المقامات الروحانية و أسرار الأحدية و الكامل و الأكمل على حسب الاستعداد فهذا وجه من الوجوه التي سقنا عدد الحرف من أجله فاعمل عليه و إن كان ثم وجوه أخر فليتك لو عملت على هذا و هو المفتاح الأول و من هنا تنفتح لك أسرار الأعداد و أرواحها و منازلها فإن العدد سر من أسرار الله في الوجود ظهر في الحضرة الإلهية بالقوة فقال صلى الله عليه و سلم إن الله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة و قال إن لله سبعين ألف حجاب إلى غير ذلك و ظهر في العالم بالفعل و انسحبت معه القوة فهو في العالم بالقوة و الفعل و غرضنا إن مد الله في العمر و تراخي الأجل أن نضع في خواص العدد موضوعا لم نسبق إليه في علمي نبدي فيه من أسرار الأعداد ما تعطيه حقائقه في الحضرة الإلهية و في العالم و الروابط ما تغتبط به الأسرار و تنال به السعادة في دار القرار و أما قولنا بسائطه فلسنا نريد بسائط شكل الحرف مثلا الذي هو ص و إنما نريد بسائط اللفظ الذي هو الكلمة الدالة عليه و هو الاسم أو التسمية و هو قولك صاد فبسائط هذه اللفظة نريد و أما بسائط الشكل فليس له بسائط من الحروف و لكن له النقص و التمام و الزيادة مثل الراء و الزاي نصف النون و الواو نصف القاف و الكاف أربعة أخماس الطاء و أربعة أسداس الظاء و الدال خمسي الطاء و الياء ذالان و اللام يزيد على الألف بالنون و على النون بالألف و شبه هذا و أما بسائط أشكال الحروف إنما ذلك منالنقط خاصة فعلى قدر نقطه بسائطه و على قدر مرتبة الحرف في العالم من جهة ذاته أو من نعت هو عليه في الحال علو منازل نقطه و أفلاكها و نزولها فالأفلاك التي عنها وجدت بسائط ذلك الحرف المذكور باجتماعها و حركاتها كلها وجد اللفظ به عندنا و تلك الأفلاك تقطع في فلك أقصى على حسب اتساعها و أما قولنا فلكه و سنى حركة فلكه فنريد به الفلك الذي عنه وجد العضو الذي فيه مخرجه فإن الرأس من الإنسان أوجده الله تعالى عند حركة مخصوصة من فلك مخصوص من أفلاك مخصوصة و العنق عن الفلك الذي يلي هذا الفلك المذكور و الصدر عن الفلك الرابع من هذا الفلك الأول المذكور فكل ما يوجد في الرأس من المعاني و الأرواح و الأسرار و الحروف و العروق و كل ما في الرأس من هيأة و معنى عن ذلك الفلك و دورته اثنتا عشرة ألف سنة و دورة فلك العنق و ما فيه من هيأة و معنى و الحروف الحلقية من جملتها إحدى عشرة ألف سنة و دورة فلك الصدر على حكم ما ذكرناه تسع آلاف سنة و طبعه و عنصره و ما يوجد عنه راجع إلى حقيقة ذلك الفلك و أما قولنا يتميز في طبقة كذا فاعلموا إن عالم الحروف على طبقات بالنسبة إلى الحضرة الإلهية و القرب منها مثلنا و تعرف ذلك فيهم بما أذكره لك و ذلك أن الحضرة الإلهية التي للحروف عندنا في الشاهد إنما هي في عالم الرقم خط المصحف و في الكلام التلاوة و إن كانت سارية في الكلام كله تلاوة أو غيرها فهذا ليس هو عشك إن تعرف أن كل لافظ بلفظة إلى الآباد أنه قرآن و لكنه في الوجود بمنزلة حكم الإباحة في شرعنا و فتح هذا الباب يؤدي إلى تطويل عظيم فإن مجاله رحب فعدلنا إلى أمر جزئي من وجه صغر فلكه المرقوم و هو المكتوب و الملفوظ به خاصة و اعلم أن الأمور عندنا من باب الكشف إذا ظهر منها في الوجود ما ظهر إن الأول أشرف من الثاني و هكذا على التتابع حتى إلى النصف و من النصف يقع التفاضل مثل الأول حتى إلى الآخر و الآخر و الأول أشرف ما ظهر ثم يتفاضلان على حسب ما وضعا له و على حسب المقام فالأشرف منها أبدا يقدم في الموضع الأشرف و تبيين هذا أن ليلة خمسة عشر في الشرف بمنزلة ليلة ثلاثة عشر و هكذا حتى إلى ليلة طلوع الهلال من أول الشهر و طلوعه من آخر الشهر و ليلة المحاق المطلق ليلة الإبدار المطلق فافهم فنظرنا كيف ترتب مقام رقم القرآن عندنا و بما ذا بدئت به السور من الحروف و بما ذا ختمت و بما ذا اختصت السور المجهولة في العلم النظري المعلومة بالعلم اللدني من الحروف و نظرنا إلى تكرار بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و نظرنا في الحروف التي لم تختص بالبداية و لا بالختام و لا ب بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و طلبنا من الله تعالى أن يعلمنا بهذا الاختصاص الإلهي الذي حصل لهذه الحروف هل هو اختصاص اعتنائي من غير شيء كاختصاص الأنبياء بالنبوة و الأشياء الأول كلها أو هو اختصاص نالته من طريق الاكتساب فكشف لنا عن ذلك كشف إلهام فرأيناه على الوجهين معا في حق قوم عناية و في حق قوم جزاء لما كان منهم في أول الوضع و الكل لنا و لهم و للعالم عناية من الله تعالى فلما وقفنا على ذلك جعلنا الحروف التي لم تثبت أولا و لا آخرا على مراتب الأولية كما نذكره عامة الحروف ليس لها من هذا الاختصاص القرآني حظ و هم الجيم و الضاد و الخاء و الذال و الغين و الشين و جعلنا الطبقة الأولى من الخواص حروف السور المجهولة و هم الألف و اللام و الميم و الصاد و الراء و الكاف و الهاء و الياء و العين و الطاء و السين و الحاء و القاف و النون و أعني بهذا صورة اشتراكهم في اللفظ و الرقم فاشتراكها في الرقم اشتراكها في الصورة و الاشتراك اللفظي إطلاق اسم واحد عليها مثل زيد و زيد آخر فقد اشتركا في الصورة و الاسم و أما المقرر عندنا و المعلوم إن الصاد من المص و من كهيعص و من ص ليس كل واحد منهن عين الآخر منهن و يختلف باختلاف أحكام السورة و أحوالها و منازلها و هكذا جميع هذه الحروف على هذه المرتبة و هذه تعمها لفظا و خطا و أما الطبقة الثانية من الخاصة و هم خاصة الخاصة فكل حرف وقع في أول سورة من القرآن مجهولة و غير مجهولة و هو حرف الألف و الياء و الباء و السين و الكاف و الطاء و القاف و التاء و الواو و الصاد و الحاء و النون و اللام و الهاء و العين و أما الطبقة الثالثة من الخواص و هم الخلاصة فهم الحروف الواقعة في أواخر السور مثل النون و الميم و الراء و الباء و الدال و الزاي و الألف و الطاء و الياء و الواو و الهاء و الظاء و الثاء و اللام و الفاء و السين و إن كان الألف فيما يرى خطا و لفظا في رِكْزاً و لِزاماً و فَمَنِ اهْتَدى فما أعطانا الكشف إلا الذي قبل ذلك الألف فوقفنا عنده و سميناه آخرا كما شهدنا هناك و أثبتنا الألف كما رأينا هنا و لكن في فصل آخر لا في هذا الفصل فإنا لا نزيد في التقييد في هذه الفصول على ما نشاهده بل ربما نرغب في نقص شيء منها مخافة التطويل فنسعف في ذلك من جهة الرقم و اللفظ و نعطي لفظا يعم تلك المعاني التي كثرت ألفاظها فنلقيه فلا يخل بشيء من الإلقاء و لا ننقص و لا يظهر لذلك الطول الأول عين فينقضي المرغوب لله الحمد و أما الطبقة الرابعة من الخواص و هم صفاء الخلاصة و هم حروف بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و ما ذكرت إلا حيث ذكرها رسول الله صلى الله عليه و سلم على حد ما ذكرها الله له بالوجهين من الوحي و هو وحي القرآن و هو الوحي الأول فإن عندنا من طريق الكشف إن الفرقان حصل عند رسول الله صلى الله عليه و سلم قرآنا مجملا غير مفصل الآيات و السور و لهذا كان ع يعجل به حين كان ينزل عليه به جبريل ع بالفرقان فقيل له وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ الذي عندك فتلقيه مجملا فلا يفهم عنك من قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ فرقانا مفصلا وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً بتفصيل ما أجملته في المعاني و قد أشار من باب الأسرار فقال إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ و لم يقل بعضه ثم قال فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ و هذا هو وحي الفرقان و هو الوجه الآخر من الوجهين و سيأتي الكلام على بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في بابه الذي أفردت له في هذا الكتاب و اعلموا أن بسملة سورة براءة هي التي في النمل فإن الحق تعالى إذا وهب شيئا لم يرجع فيه و لا يرده إلى العدم فلما خرجت رحمة براءة و هي البسملة حكم التبري من أهلها برفع الرحمة عنهم فوقف الملك بها لا يدري أين يضعها لأن كل أمة من الأمم الإنسانية قد أخذت رحمتها بإيمانها بنبيها فقال أعطوا هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان ع و هي لا يلزمها إيمان إلا برسولها فلما عرفت قدر سليمان و آمنت به أعطيت من الرحمة الإنسانية حظا و هو بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الذي سلب عن المشركين و في هذه السورة الجساسة و أما الطبقة الخامسة و هي عين صفاء الخلاصة فذلك حرف الباء فإنه الحرف المقدم لأنه أول البسملة في كل سورة و السورة التي لم يكن فيها بسملة ابتدئت بالباء فقال تعالى بَراءَةٌ قال لنا بعض الاسرائيليين من أحبارهم ما لكم في التوحيد حظ لأن سور كتابكم بالباء فأجبته و لا أنتم فإن أول التوراة باء فأفحم و لا يتمكن إلا هذا فإن الألف لا يبتدئ بها أصلا فما وقع من هذه الحروف في مبادي السور قلنا فيه له بداية الطريق و ما وقع آخرا قلنا له غاية الطريق و إن كان من العامة قلنا له وسط الطريق لأن القرآن هو الصراط المستقيم و أما قولنا مرتبته الثانية حتى إلى السابعة فنريد بذلك بسائط هذه الحروف المشتركة في الأعداد فالنون بسائطه اثنان في الألوهية و الميم بسائطه ثلاثة في الإنسان و الجيم و الواو و الكاف و القاف بسائطه أربعة في الجن و الذال و الزاي و الصاد و العين و الضاد و السين و الذال و الغين و الشين بسائطه خمسة في البهائم و الألف و الهاء و اللام بسائطه ستة في النبات و الباء و الحاء و الطاء و الياء و الفاء و الراء و التاء و الثاء و الخاء و الظاء بسائطه سبعة في الجماد و أما قولنا حركته معوجة أو مستقيمة أو منكوسة أو ممتزجة أو أفقية فأريد بالمستقيمة كل حرف حرك الهمة إلى جانب الحق خاصة من جهة السلب إن كنت عالما و من جهة ما يشهد إن كنت مشاهدا و المنكوسة كل حرف حرك الهمة إلى الكون و أسراره و المعوجة و هي الأفقية كل حرف حرك الهمة إلى تعلق المكون بالمكون و الممتزجة كل حرف حرك الهمة إلى معرفة أمرين مما ذكرت لك فصاعدا و تظهر في الرقم في الألف و الميم المعرق و الحاء و النون و ما أشبه هؤلاء و أما قولنا له الأعراف و الخلق و الأحوال و الكرامات أو الحقائق و المقامات و المنازلات فاعلموا أن الشيء لا يعرف إلا بوجهه أي بحقيقته فكل ما لا يعرف الشيء إلا به فذلك وجهه فنقط الحرف وجهه الذي يعرف به و النقط على قسمين نقط فوق الحرف و نقط تحته فإذا لم يكن للشيء ما يعرف به عرف بنفسه مشاهدة و بضده نقلا و هي الحروف اليابسة فإذا دار الفلك أي فلك المعارف حدثت عنه الحروف المنقوطة من فوق و إذا دار فلك الأعمال حدثت عنه الحروف المنقوطة من أسفل و إذا دار فلك المشاهدة حدثت عنه الحروف اليابسة غير المنقوطة ففلك المعارف يعطي الخلق و الأحوال و الكرامات و فلك الأعمال يعطي الحقائق و المقامات و المنازلات و فلك المشاهدة يعطي البراءة من هذا كله قيل لأبي يزيد كيف أصبحت قال لا صباح لي و لا مساء إنما الصباح و المساء لمن تقيد بالصفة و أنا لا صفة ليو هذا مقام الأعراف و أما قولنا خالص أو ممتزج فالخالص الحرف الموجود عن عنصر واحد و الممتزج الموجود عن عنصرين فصاعدا و أما قولنا كامل أو ناقص فالكامل هو الحرف الذي وجد عن تمام دورة فلكه و الناقص الذي وجد عن بعض دورة فلكه و طرأت على الفلك علة أوقفته فنقص عما كان يعطيه كمال دورته كالدودة في عالم الحيوان التي ما عندها سوى حاسة اللمس فغذاؤها من لمسها كالواو مع القاف و الزاي مع النون و أما قولنا يرفع من اتصل به نريد كل حرف إذا وقفت على سره و رزقت التحقق به و الاتحاد تميزت في العالم العلوي و أما قولنا مقدس أي عن التعلق بغيره فلا يتصل في الخط بحرف آخر و تتصل الحروف به فهو منزه الذات تمدها ستة أفلاك عالية الأوج عنها وجدت الجهات هذه الستة الأحرف بحر عظيم لا يدرك قعره فلا يعرف حقيقتها إلا الله و هي مفاتح الغيب و ندرك من باب الكشف أثرها المنوط بها و هي الألف و الواو و الدال و الذال و الراء و الزاي و أما قولنا مفرد و مثنى و مثلث و مربع و مؤنس و موحش فنريد بالمفرد إلى المربع ما نذكره و ذلك أن من الأفلاك التي عنها توجد هذه الحروف ما له دورة واحدة فذلك قولنا مفرد و دورتان فذلك المثنى هكذا إلى المربع و أما المؤنس و الموحش فالدورة تأنس بأختها الشيء يألف شكله قال تعالى لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً فالعارف يألف الحال و يأنس به نودي ع في ليلة إسرائه في استيحاشه بلغة أبي بكر فآنس بصوت أبي بكر خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر من طينة واحدة فسبق محمد صلى الله عليه و سلم و صلى أبو بكر ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا فكان كلامهما كلامه سبحانه فلم يعد المرتبة و عدى الخطاب إلى المرتبة الأخرى فقال كأنه مبتدئ و هو عاطف على هذا الكلام ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ فأرسلها فمن الناس من قطعها و منهم من وصلها في هذا مقام الإثبات و بقاء الرسم و ظهور العين و سلطان الحقائق و تمشية العدل من باب الفضل و الطول و الموحش محو لا محق صاحب علة ترتقي فتحقق ما ذكرناه و أما قولنا له الذات و الصفات و الأفعال على حسب الوجوه فأي حرف له وجه واحد كان له من هذه الحضرات حضرة واحدة أي شيء واحد على حسب علوه و نزوله و كذلك إذا تعددت الوجوه و أما قولنا له من الحروف فإنما أعني الحقائق المتممة لذاته من جهة ما و أما قولنا له من الأسماء فنريد به الأسماء الإلهية التي هي الحقائق القديمة التي عنها ظهرت حقائق بسائط ذلك الحرف لا غير و لها منافع كثيرة عالية الشأن عند العارفين إذا أرادوا التحقق بها حركوا الوجود من أوله إلى آخره فهي لهم هنا خصوص و في الآخرة عموم بها يقول المؤمن في الجنة للشيء يريده كن فيكون فهذه نبذ من معاني عالم الحروف قليلة على أو جز ما يمكن و أخصره و فيها تنبيه لأصحاب الروائح و الذوق انتهى الجزء السابع و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)
«الفصل الثاني في معرفة الحركات التي تتميز بها الكلمات و هي الحروف الصغار»
اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أنا كنا شرطنا أن نتكلم في الحركات في فصل الحروف لم أطلق عليها الحروف الصغار ثم إنه رأينا إنه لا فائدة في امتزاج عالم الحركات بعالم الحروف إلا بعد نظام الحروف و ضم بعضها إلى بعض فتكون كلمة عند ذلك من الكلم و انتظامها ينظر إلى قوله تعالى في خلقنا فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و هو ورود الحركات على هذه الحروف بعد تسويتها فتقوم نشأة أخرى تسمى كلمة كما يسمى الشخص الواحد منا إنسانا فهكذا انتشا عالم الكلماتو الألفاظ من عالم الحروف فالحروف للكلمات مواد كالماء و التراب و النار و الهواء لإقامة نشأة أجسامنا ثم نفخ الروح فيه الامري فكان إنسانا كما قبلت الرياح عند استعدادها نفخ الروح الامري فكان جانا كما قبلت الأنوار عند استعدادها نفخ الروح فكانت الملائكة و من الكلم ما يشبه الإنسان و هو أكثرها و منها ما يشبه الملائكة و الجن و كلاهما جن و هو أقلها كالباء الخافضة و اللام و الخافضة و المؤكدة و واو القسم و بائه و تائه و واو العطف و فائه و القاف من ق و الشين من ش و العين من ع إذا أمرت بها من الوقاية و الوشي و الوعي و ما عدا هذا الصنف المفرد فهو أشبه شيء بالإنسان و إن كان المفرد يشبه باطن الإنسان فإن باطن الإنسان جان في الحقيقة فلما كان عالم الحركات لا يوجد إلا بعد وجود الذوات المتحركة بها و هي الكلمات المنشآت من الحروف أخرنا الكلام عليها عن فصل الحروف إلى فصل الألفاظ و لما كانت الكلمات التي أردنا أن نذكرها في هذا الباب عن جملة الألفاظ أردنا أن نتكلم في الألفاظ على الإطلاق و حصر عالمها و نسبة هذه الحركات منها بعد ما نتكلم أولا على الحركات على الإطلاق ثم بعد ذلك نتكلم على الحركات المختصة بالكلمات التي هي حركات اللسان و علاماتها التي هي حركات الخط ثم بعد ذلك نتكلم على الكلمات التي توهم التشبيه كما ذكرناه و لعلك تقول هذا العالم المفرد من الحروف الذي قبل الحركة دون تركيب كباء الخفض و شبهه من المفردات كنت تلحقه بالحروف لانفراده فإن هذا هو باب التركيب و هو الكلمات قلنا ما نفخ في باء الخفض الروح و أمثاله من مفردات من الحروف أرواح الحركات ليقوموا بأنفسهم كما قام عالم الحروف وحده دون الحركات و إنما نفخ فيه الروح من أجل غيره فهو مركب و لذلك لا يعطي ذلك حتى يضاف إلى غيره فيقال بالله و تالله و و الله لأعبدن و سأعبد اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي و ما أشبه ذلك و لا معنى له إذا أفردته غير معنى نفسه و هذه الحقائق التي تكون عن التركيب توجد بوجوده و تعدم بعدمه فإن الحيوان حقيقته لا توجد أبدا إلا عند تألف حقائق مفردة معقولة في ذواتها و هي الجسمية و التغذية و الحس فإذا تألف الجسم و الغذاء و الحس ظهرت حقيقة الحيوان ليس هي الجسم وحده و لا الغذاء وحده و لا الحس وحده فإذا أسقطت حقيقة الحس و ألفت الجسم و الغذاء قلت نبات حقيقة ليست الأولى و لما كانت الحروف المفردة التي ذكرناها مؤثرة في هذا التركيب الآخر اللفظي الذي ركبناه لإبراز حقائق لا تعقل عند السامع إلا بها لهذا شبهناها لكم المتوصل بالعالم الروحاني كالجن أ لا ترى الإنسان يتصرف بين أربع حقائق حقيقة ذاتية و حقيقة ربانية و حقيقة شيطانية و حقائق ملكية و سيأتي ذكر هذه الحقائق مستوفى في باب المعرفة للخواطر من هذا الكتاب و هذا في عالم الكلمات دخول حرف من هذه الحروف على عالم الكلمات فتحدث فيه ما تعطيه حقيقتها فافهم هذا فهمنا الله و إياكم سرائر كلمه (نكتة و إشارة) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أوتيت جوامع الكلم و قال تعالى وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ و قال وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ (كُتُبِهِ) كتابه و يقال قطع الأمير يد السارق و ضرب الأمير اللص فمن ألقى عن أمره شيء فهو ألقاه فكان الملقي محمد ع ألقى عن الله كلمات العالم بأسره من غير استثناء شيء منه البتة فمنه ما ألقاه بنفسه كأرواح الملائكة و أكثر العالم العلوي و منه أيضا ما ألقاه عن أمره فيحدث الشيء عن وسائط كبرة الزراعة ما تصل إلى أن تجري في أعضائك روحا مسبحا و ممجدا إلا بعد أدوار كثيرة و انتقالات في عالم و تنقلب في كل عالم من جنسه على شكل أشخاصه فرجع الكل في ذلك إلى من أوتي جوامع الكلم فنفخ الحقيقة الإسرافيلية من المحمدية المضافة إلى الحق نفخها كما قال تعالى و يوم تنفخ في الصور بالنون و قرئ بالياء و ضمها و فتح الفاء و النافخ إنما هو إسرافيل ع و الله قد أضاف النفخ إلى نفسه فالنفخ من إسرافيل و القبول من الصور و سر الحق بينهما هو المعنى بين النافخ و القابل كالرابط من الحروف بين الكلمتين و ذلك هو سر الفعل الأقدس الأنزه الذي لا يطلع عليه النافخ و لا القابل فعلى النافخ أن ينفخ و على النار أن تتقد و السراج أن ينطفئ و الاتقاد و الانطفاء بالسر الإلهي فنفخ فيها فتكون طائرا بإذن الله قال تعالى وَ نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ و النفخ واحد و النافخ واحد و الخلاف في المنفوخ فيه بحكم الاستعداد و قد خفي السر الإلهي بينهما في كل حالة فتفطنوا يا إخواننا لهذا الأمر الإلهي و اعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ لا يتوصل أحد إلى معرفة كنه الألوهة أبدا و لا ينبغي لها أن تدرك عزت و تعالت علوا كبيرا فالعالم كله من أوله إلى آخره مقيد بعضه ببعضه عابد بعضه بعضا معرفتهم منهم إليهم و حقائقهم منبعثة عنهم بالسر الإلهي الذي لا يدركونه و عائدة عليهم فسبحان من لا يجارى في سلطانه و لا يداني في إحسانه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فبعد فهم جوامع الكلم الذي هو العلم الإحاطي و النور الإلهي الذي اختص به سر الوجود و عمد القبة و ساق العرش و سبب ثبوت كل ثابت محمد صلى الله عليه و سلم فاعلموا وفقكم الله أن جوامع الكلم من عالم الحروف ثلاثة ذات غنية قائمة بنفسها و ذات فقيرة إلى هذه الغنية غير قائمة بنفسها و لكن يرجع منها إلى الذات الغنية وصف تتصف به يطلبها بذاته فإنه ليس من ذاتها إلا بمصاحبة هذه الذات لها فقد صح أيضا من وجه الفقر للذات الغنية القائمة بنفسها كما صح للأخرى و ذات ثالثة رابطة بين ذاتين غنيتين أو ذاتين فقيرتين أو ذات فقيرة و ذات غنية و هذه الذات الرابطة فقيرة لوجود هاتين الذاتين و لا بد فقد قام الفقر و الحاجة بجميع الذوات من حيث افتقار بعضها إلى بعض و إن اختلفت الوجوه حتى لا يصح الغني على الإطلاق إلا لله تعالى الغني الحميد من حيث ذاته فلنسم الغنية ذاتا و الذات الفقيرة حدثا و الذات الثالثة رابطة فنقول الكلم محصور في ثلاث حقائق ذات و حدث و رابطة و هذه الثلاثة جوامع الكلم فيدخل تحت جنس الذات أنواع كثيرة من الذوات و كذلك تحت جنس كلمة الحدث و الرابط و لا نحتاج إلى تفصيل هذه الأنواع و مساقها في هذا الكتاب و قد اتسع القول في هذه الأنواع في تفسير القرآن لنا و إن شئت أن تقيس على ما ذكرناه فانظر في كلام النحويين و تقسيمهم الكلم و في الاسم و الفعل و الحرف و كذلك المنطقيين فالاسم عندهم هو الذات عندنا و الفعل عندهم هو الحدث عندنا و الحرف عندهم هو الرابطة عندنا و بعض الأحداث عندهم بل كلها أسماء كالقيام و القعود و الضرب و جعلوا الفعل كل كلمة مقيدة بزمان معين و نحن إنما قصدنا بالكلمات الجري على الحقائق بما هي عليه فجعلنا القيام و قام و يقوم و قم حدثا و فصلنا بينهم بالزمان المبهم و المعين و قد تفطن لذلك الزجاجي فقال و الحدث الذي هو القيام مثلا هو المصدر يريد هو الذي صدر من المحدث و هو اسم الفعل يريد أن القيام هذه الكلمة اسم لهذه الحركة المخصوصة من هذا المتحرك الذي بها سمي قائما فتلك الهيئة هي التي سميت قياما بالنظر إلى حال وجودها و قام بالنظر إلى حال انقضائها و عدمها و يقوم و قم بالنظر إلى توهم وقوعها و لا توجد أبدا إلا في متحرك فهي غير قائمة بنفسها ثم قال و الفعل يريد لفظة قام و يقوم لا نفس الفعل الصادر من المتحرك قائما مثلا مشتق منه الهاء تعود على لفظة اسم الفعل الذي هو القيام مأخوذ يعني قام و يقوم من القيام لأن النكرة عنده قبل المعرفة و المبهم نكرة و المختص معرفة و القيام مجهول الزمان و قام مختص الزمان و لو دخلت عليه أن و يقوم مختص الزمان و لو دخلت عليه لم و هذا مذهب من يقول بالتحليل إنه فرع عن التركيب و أن المركب وجد مركبا و على مذهب من يقول بالتفريق و أن التركيب طارئ و هو الذي يعضد في باب النقل أكثر فإن الأظهر أن المعرفة قبل النكرة و أن لفظة زيد إنما وضعت لشخص معين ثم طرأ التنكير بكونه شورك في تلك اللفظة فاحتيج إلى التعريف بالنعت و البدل و شبه ذلك فالمعرفة أسبق من النكرة عند المحققين و إن كان لهؤلائك وجه هذا أليق و أما نحن و من جرى مجرانا و رقى مرقانا الأشمخ فغرضنا أمر آخر ليس هو قول أحدهما مطلقا إلا بنسب و إضافات و نظر إلى وجوه ما يطول ذكرها و لا تمس الحاجة إليها في هذا الكتاب إذ قد ذكرناها في غيره من تواليفنا فلنبين أن الحركات على قسمين حركة جسمانية و حركة روحانية و الحركة الجسمانية لها أنواع كثيرة سيأتي ذكرها في داخل الكتاب و كذلك الروحانية و لا نحتاج منها في هذا الكتاب إلا إلى حركات الكلام لفظا و خطا فالحركات الرقمية كالأجسام و الحركات اللفظية لها كالأرواح و المتحركات على قسمين متمكن و متلون فالمتلون كل متحرك تحرك بجميع الحركات أو ببعضها فالمتحرك بجميعها كالدال من زيد و المتحرك ببعضها كالاسماء التي لا تنصرف في حال كونها لا تنصرف فإنها قد تنصرف في التنكير و الإضافة كالدال من أحمد و المتمكن كل متحرك ثبت على حركة واحدة و لم ينتقل عنها كالاسماء المبنية مثل هؤلاء و حذام و كحروف الأسماء المعربة التي قبل حرف الإعراب منها كالزاي و الياء من زيد و شبهه و اعلم أن أفلاك الحركات هي أفلاك الحروف التي تلك الحركات عليها لفظا و خطا فانظره هناك و لها بسائط و أحوال و مقامات كما كان للحروف نذكرها في كتاب المبادىء المخصوص بعلم الحروف إن شاء الله و كما ثبت التلوين و التمكين للذات كذلك ثبت للحدث و الرابط و لكن في الرفع و النصب و حذف الوصف و حذف الرسم و يكون تلوين تركيب الرابط لأمرين بالموافقة و الاستعارة و الاضطرار فبالموافقة و هو الإتباع هذا ابنم و رأيت ابنما و عجبت من ابنم بالاستعارة حركة النقل كحركة الدال من قد أفلح في قراءة من نقل و بالاضطرار التحريك لالتقاء الساكنين و قد تكون حركة الإتباع الموافق في التركيب الذاتي و إن كان أصل الحروف كلها التمكين و هو البناء مثل الفطرة فينا و هنا أسرار لمن تفطن و لكن الوالدان ينقلان عن الفطرة المقيدة لا الفطرة المطلقة كذلك الحروف متمكنة في مقامها لا تختل ثابتة مبنية كلها ساكنة في حالها فأراد اللافظ أن يوصل إلى السامع ما في نفسه فافتقر إلى التلوين فحرك الفلك الذي عنه توجد الحركات عند أبي طالب و عند غيره هو المتقدم و اللفظ أو الرقم عن ذلك الفلك و هذا موضع طلب لمريدي معاينة الحقائق و أما نحن فلا نقول بقول أبي طالب و نقتصر و لا بقول الآخر و نقتصر فإن كل واحد منهما قال حقا من جهة ما و لم يتمم فأقول إن الحقائق الأول الإلهية تتوجه على الأفلاك العلوية بالوجه الذي تتوجه به على محال آثارها عند غير أبي طالب المكي و تقبل كل حقيقة على مرتبتها و لما كانت تلك الأفلاك في اللطافة أقرب عند غير أبي طالب إلى الحقائق كان قبولها أسبق لعدم الشغل و صفاء المحل من كدورات العلائق فإنه نزيه فلهذا جعلها السبب المؤثر و لو عرف هذا القائل إن تلك الحقائق الأول إنما توجهت على ما يناسبها في اللطافة و هو أنفاس الإنسان فتحرك الفلك العلوي الذي يناسبه عالم الأنفاس و هذا مذهب أبي طالب ثم يحرك ذلك الفلك العلوي العضو المطلوب بالغرض المطلوب بتلك المناسبة التي بينهما فإن الفلك العلوي و إن لطف فهو في أول درج الكثافة و آخر درج اللطافة بخلاف عالم أنفاسنا و اجتمعت المذاهب فإن الخلاف لا يصح عندنا و لا في طريقنا لكنه كاشف و اكشف فتفهم ما أشرنا إليه و تحققه فإنه سر عجيب من أكبر الأسرار الإلهية و قد أشار إليه أبو طالب في كتاب القوت له ثم نرجع و نقول فافتقر المتكلم إلى التلوين ليبلغ إلى مقصده فوجد عالم الحروف و الحركات قابلا لما يريده منها لعلمها أنها لا تزول عن حالها و لا تبطل حقيقتها فيتخيل المتكلم أنه قد غير الحرف و ما غيره برهان ذلك أن تفني نظرك في دال زيد من حيث هو دال و انظر فيه من حيث تقدمه قام مثلا و تفرغ إليه أو أي فعل لفظي كان ليحدث به عنه فلا يصح لك إلا الرفع فيه خاصة فما زال عن بنائه الذي وجد عليه و من تخيل أن دال الفاعل هو دال المفعول أو دال المجرور فقد خلط و اعتقد أن الكلمة الأولى هي عين الثانية لا مثلها و من اعتقد هذا في الوجود فقد بعد عن الصواب و ربما يأتي من هذا الفصل في الألفاظ شيء إن قدر و ألهمناه فقد تبين لك أن الأصل الثبوت لكل شيء أ لا ترى العبد حقيقة ثبوته و تمكنه إنما هو في العبودة فإن اتصف يوما ما بوصف رباني فلا تقل هو معار عنده و لكن انظر إلى الحقيقة التي قبلت ذلك الوصف منه تجدها ثابتة في ذلك الوصف كلما ظهر عينها تحلت بتلك الحلية فإياك أن تقول قد خرج هذا عن طوره بوصف ربه فإن الله تعالى ما نزع وصفه و أعطاه إياه و إنما وقع الشبه في اللفظ و المعنى معا عند غير المحقق فيقول هذا هو هذا و قد علمنا أن هذا ليس هذا و هذا ينبغي لهذا و لا ينبغي لهذا فليكن عند من لا ينبغي له عارية و أمانة و هذا قصور و كلام من عمي عن إدراك الحقائق فإن هذا و لا بد ينبغي له هذا فليس الرب هو العبد و إن قيل في الله سبحانه إنه عالم و قيل في العبد إنه عالم و كذلك الحي و المريد و السميع و البصير و سائر الصفات و الإدراكات فإياك أن تجعل حياة الحق هي حياة العبد في الحد فتلزمك المحالات فإذا جعلت حياة الرب على ما تستحقه الربوبية و حياة العبد على ما يستحقه الكون فقد انبغي للعبد أن يكون حيا و لو لم ينبغ له ذلك لم يصح أن يكون الحق آمرا و لا قاهرا إلا لنفسه و يتنزه تعالى أن يكون مأمورا أو مقهورا فإذا ثبت أن يكون المأمور و المقهور أمرا آخر و عينا أخرى فلا بد أن يكون حيا عالما مريدا متمكنا مما يراد به هكذا تعطي الحقائق فثم على هذا حرف لا يقبل سوى حركته كالهاء من هذا و ثم حرف يقبل الحركتين و الثلاث من جهة صورته الجسمية و الروحية كالهاء في الضمير له و لها و به كما تقبل أنت بنفسك الخجل و بصورتك حمرته و تقبل بنفسك الوجل و بصورتك صفرته و الثوب يقبل الألوان المختلفة و ما بقي الكشف إلا عن الحقيقة التي تقبل الأعراض هل هي واحدة أو شأنها شأن الأعراض في العدم و الوجود و هذا مبحث للنظار و أما نحن فلا نحتاج إليه و لا نلتفت فإنه بحر عميق بحال المريد على معرفته من باب الكشف عليه فإنه بالنظر إلى الكشف يسير و بالنظر إلى العقل عسير ثم أرجع و أقول إن الحرف إذا قامت به حقيقة الفاعلية بتفريغ الفعل على البنية المخصوصة في اللسان تقول قال الله و إذا قامت به حقيقة تطلبه يسمى عندها منصوبا بالفعل أو مفعولا كيف شئت و ذلك بأن تطلب منه العون أو تقصده كما طلب مني القيام بما كلفني فمن أجل أنه لم يعطني إلا بعد سؤالي فكان سؤالي أو حالي القائم مقام سؤالي بوعده جعله يعطيني قال تعالى وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ فسؤالي إياه من أمره إياي به و إعطاؤه إياي من طلبي منه فتقول دعوت الله فنصبت حرف الهاء و قد كانت مرفوعة فعلمنا بالحركات أن الحقائق قد اختلفت بهذا ثبت الاصطلاح في لحن بعض الناس و هذا إذا كان المتكلم به غيرنا و أما المتكلم فالحقائق يعلم أولا و يجريها في أفلاكها على ما تقتضيه بالنظر إلى أفلاك مخصوصة و كل متكلم بهذه المثابة و إن لم يعلم بهذا التفصيل و هو عالم به من حيث لا يعلم أنه عالم به و ذلك أن الأشياء المتلفظ بها إما لفظ يدل على معنى و هو مقام الباحث في اللفظ ما مدلوله ليرى ما قصد به المتكلم من المعاني و إما معنى بدل عليه بلفظ ما و هو المخبر عما تحقق و أضربنا عن اللحن فإن أفلاكه غير هذه الأفلاك و إسقاط الحركات من الخط في حق قوم دون قوم ما سببه و من أين هو هذا كله في كتاب المبادي إذ كان القصد بهذا الكتاب الإيجاز و الاختصار جهد الطاقة و لو اطلعتم على الحقائق كما أطلعنا عليها و على عالم الأرواح و المعاني لرأيتم كل حقيقة و روح و معنى على مرتبته فافهم و ألزم فها نحن قد ذكرنا من بعض ما تعطيه حقائق الحركات ما يليق بهذا الكتاب فلنقبض العنان و لنرجع إلى معرفة الكلمات التي ذكرناها مثل كلمة الاستواء و الأين و في و كان و الضحك و الفرح و التبشبش و التعجب و الملل و المعية و العين و اليد و القدم و الوجه و الصورة و التحول و الغضب و الحياء و الصلاة و الفراغ و ما ورد في الكتاب العزيز و الحديث من هذه الألفاظ التي توهم التشبيه و التجسيم و غير ذلك مما لا يليق بالله تعالى في النظر الفكري عند العقل خاصة فنقول لما كان القرآن منزلا على لسان العرب ففيه ما في اللسان العربي و لما كانت الأعراب لا تعقل ما لا يعقل إلا حتى ينزل لها في التوصيل بما تعقله لذلك جاءت هذه الكلمات على هذا الحد كما قال ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى و لما كانت الملوك عند العرب تجلس عبدها المقرب المكرم منها بهذا القدر في المساحة فعقلت من هذا الخطاب قرب محمد صلى الله عليه و سلم من ربه و لا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب فالبرهان العقلي ينفي الحد و المسافة حتى يأتي الكلام في تنزيه الباري عما تعطيه هذه الألفاظ من التشبيه في الباب الثالث الذي يلي هذا الباب و لما كانت الألفاظ عند العرب على أربعة أقسام ألفاظ متباينة و هي الأسماء التي لم تتعد مسماها كالبحر و المفتاح و المقصان و ألفاظ متواطئة و هي كل لفظة قد تووطئ عليها أن تطلق على آحاد نوع ما من الأنواع كالرجل و المرأة و ألفاظ مشتركة و هي كل لفظ على صيغة واحدة يطلق على معان مختلفة كالعين و المشتري و الإنسان و ألفاظ مترادفة و هي ألفاظ مختلفة الصيغ تطلق على معنى واحد كالأسد و الهزبر و الغضنفر و كالسيف و الحسام و الصارم و كالخمر و الرحيق و الصهباء و الخندريس هذه هي الأمهات مثل البرودة و الحرارة و اليبوسة و الرطوبة في الطبائع و ثم ألفاظ متشابهة و مستعارة و منقولة و غير ذلك و كلها ترجع إلى هذه الأمهات بالاصطلاح فإن المشتبه و إن قلت فيه إنه قبيل خامس من قبائل الألفاظ مثل النور يطلق على المعلوم و على العلم لشبه العلم به من كشف عين البصيرة به المعلوم كالنور مع البصر في كشف المرئي المحسوس فلما كان هذا الشبه صحيحا سمي العلم نورا و يلحق بالألفاظ المشتركة فاذن لا ينفك لفظ من هذه الأمهات و هذا هو حد كل ناظر في هذا الباب و أما نحن فنقول بهذا معهم و عندنا زوائد من باب الاطلاع على الحقائق من جهة لم يطلعوا عليها علمنا منها أن الألفاظ كلها متباينة و إن اشتركت في النطق و من جهة أخرى أيضا كلها مشتركة و إن تباينت في النطق و قد أشرنا إلى شيء من هذا فيما تقدم من هذا الباب في آخر فصل الحروف فإذا تبين هذا فاعلم أيها الولي الحميم أن المحقق الواقف العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس و التنزيه و نفي المماثلة و التشبيه لا يحجبه ما نطقت به الآيات و الأخبار في حقالحق تعالى من أدوات التقييد بالزمان و الجهة و المكان كقوله ع أين الله فأشارت إلى السماء فأثبت لها الايمان فسأل صلى الله عليه و سلم بالظرفية عما لا يجوز عليه المكان في النظر العقلي و الرسول أعلم بالله و الله أعلم بنفسه و قال في الظاهر أَ أَمِنْتُمْ من في السَّماءِ بالفاء و قال وَ كانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً و الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ و يفرح بتوبة عبده و يعجب من الشاب ليست له صبوة و ما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية و قد تقرر بالبرهان العقلي خلقه الأزمان و الأمكنة و الجهات و الألفاظ و الحروف و الأدوات و المتكلم بها و المخاطبين من المحدثات كل ذلك خلق لله تعالى فيعرف المحقق قطعا أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيك التشبيه و التمثيل و أن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا و لكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم فإن المشبهة و المجسمة قد يطلق عليهم علماء من حيث علمهم بأمور غير هذا فتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى فطائفة لم تشبه و لم تجسم و صرفت علم ذلك الذي ورد في كلام الله و رسله إلى الله تعالى و لم تدخل لها قدم في باب التأويل و قنعت بمجرد الايمان بما يعلمه الله في هذه الألفاظ و الحروف من غير تأويل و لا صرف إلى وجه من وجوه التنزيه بل قالت لا أدري جملة واحدة و لكني أحيل إبقاءه على وجه التشبيه لقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا لما يعطيه النظر العقلي و على هذا فضلاء المحدثين من أهل الظاهر السالمة عقائدهم من التشبيه و التعطيل و طائفة أخرى من المنزهة عدلت بهذه الكلمات عن الوجه الذي لا يليق بالله تعالى في النظر العقلي عدلت إلى وجه ما من وجوه التنزيه على التعيين مما يجوز في النظر العقلي أن يتصف به الحق تعالى بل هو متصف به و لا بد و ما بقي النظر إلا في إن هذه الكلمة هل المراد بها ذلك الوجه أم لا و لا يقدح ذلك التأويل في ألوهته و ربما عدلوا بها إلى وجهين و ثلاثة و أكثر على حسب ما تعطيه الكلمة في وضع اللسان و لكن من الوجوه المنزهة لا غير فإذا لم يعرفوا من ذلك الخبر أو الآية عند التأويل في اللسان إلا وجها واحدا قصروا الخبر على ذلك الوجه التنزيه و قالوا هذا هو ليس إلا في علمنا و فهمنا و إذا وجدوا له مصرفين فصاعدا صرفوا الخبر أو الآية إلى تلك المصارف و قالت طائفة من هؤلاء يحتمل أن يريد كذا و يحتمل أن يريد كذا و تعدد وجوه التنزيه ثم تقول و الله أعلم أي ذلك أراد و طائفة أخرى تقوى عندها وجه ما من تلك الوجوه النزيهة بقرينة ما قطعت لتلك القرينة بذلك الوجه على الخبر و قصرته عليه و لم تعرج على باقي الوجوه في ذلك الخبر و إن كانت كلها تقتضي التنزيه و طائفة من المنزهة أيضا و هي العالية و هم من أصحابنا فرغوا قلوبهم من الفكر و النظر و أخلوها إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر و نظر و بحث فقامت هذه الطائفة المباركة الموفقة و الكل موفقون بحمد الله و قالت حصل في نفوسنا تعظيم الحق جل جلاله بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاءنا من عنده بدقيق فكر و نظر فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم حيث لم ينظروا و لا تأولوا و لا صرفوا بل قالوا ما فهمنا فقال أصحابنا بقولهم ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات و ذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري و نجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب و المراقبة و الحضور و التهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى حتى يكون الحق تعالى تعليمنا على الكشف و التحقيق لما سمعته يقول وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و يقول إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً فعند ما توجهت قلوبهم و هممهم إلى الله تعالى و لجأت إليه و ألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث و النظر و نتائج العقول كانت عقولهم سليمة و قلوبهم مطهرة فارغة فعند ما كان منهم هذا الاستعداد تجلى الحق لهم معلما فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار و الكلمات دفعة واحدة و هذا ضرب من ضروب المكاشفة فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري لم يصح لهم عند هذا الكشف و المعاينة أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم و لا إن يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين بل يعرفون الكلمة و المعنى النزيه الذي سيقت له فيقصروها على ما أريدت له و إن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين عند هذا المشاهد هذا حال طائفة منا و طائفة أخرى منا أيضا ليس لهم هذا التجليو لكن لهم الإلقاء و الإلهام و اللقاء و الكتابة و هم معصومون فيما يلقى إليهم بعلامة عندهم لا يعرفها سواهم فيخبرون بما خوطبوا به و ما ألهموا به و ما ألقى إليهم أو كتب فقد تقرر عند جميع المحققين الذين سلموا الخبر لقائله و لم ينظروا و لا شبهوا و لا عطلوا و المحققين الذين بحثوا و اجتهدوا و نظروا على طبقاتهم أيضا و المحققين الذين كوشفوا و عاينوا و المحققين الذين خوطبوا و ألهموا أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات المقيدة بالتحديد و التشبيه على حد ما نعقله في المحدثات و لكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه و التقديس على طبقات العلماء و المحققين في ذلك لما فيه و تقتضيه ذاته من التنزيه و إذا تقرر هذا فقد تبين أنها أدوات التوصيل إلى أفهام المخاطبين و كل عالم على حسب فهمه فيها و قوة نفوذه و بصيرته فعقيدة التكليف هينة الخطب فطر العالم عليها و لو بقيت المشبهة مع ما فطرت عليه ما كفرت و لا جسمت و إن كان ما أرادوا التجسيم و إنما قصدوا إثبات الوجود لكن لقصور أفهامهم ما ثبت لهم إلا بهذا التخيل فلهم النجاة و إذ قد ثبت هذا عند المحققين مع تفاضل رتبهم في درج التحقيق فلنقل إن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أن لا يتقيد وجود الحق مع وجود العالم بقبلية و لا معية و لا بعدية زمانية فإن التقدم الزماني و المكاني في حق الله ترمي به الحقائق في وجه القائل به على التحديد اللهم إلا أن قال به من باب التوصيل كما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم و نطق به الكتاب إذ ليس كل أحد يقوى على كشف هذه الحقائق فلم يبق لنا أن نقول إلا أن الحق موجود بذاته لذاته مطلق الوجود غير مقيد بغيره و لا معلول عن شيء و لا علة لشيء بل هو خالق المعلولات و العلل و الملك القدوس الذي لم يزل و أن العالم موجود بالله تعالى لا بنفسه و لا لنفسه مقيد الوجود بوجود الحق في ذاته فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق و إذا انتفى الزمان عن وجود الحق و عن وجود مبدأ العالم فقد وجد العالم في غير زمان فلا نقول من جهة ما هو الأمر عليه إن الله موجود قبل العالم إذ قد ثبت أن القبل من صيغ الزمان و لا زمان و لا إن العالم موجود بعد وجود الحق إذ لا بعدية و لا مع وجود الحق فإن الحق هو الذي أوجده و هو فاعله و مخترعه و لم يكن شيئا و لكن كما قلنا الحق موجود بذاته و العالم موجود به فإن سأل سائل ذو و هم متى كان وجود العالم من وجود الحق قلنا متى سؤال زماني و الزمان من عالم النسب و هو مخلوق لله تعالى لأن عالم النسب له خلق التقدير لا خلق الإيجاد فهذا سؤال باطل فانظر كيف تسأل فإياك إن تحجبك أدوات التوصيل عن تحقيق هذه المعاني في نفسك و تحصيلها فلم يبق إلا وجود صرف خالص لا عن عدم و هو وجود الحق تعالى و وجود عن عدم عين الموجود نفسه و هو وجود العالم و لا بينية بين الوجودين و لا امتداد إلا التوهم المقدر الذي يحيله العلم و لا يبقى منه شيئا و لكن وجود مطلق و مقيد وجود فاعل و وجود منفعل هكذا أعطت الحقائق و السلام «مسألة» سألني وارد الوقت عن إطلاق الاختراع على الحق تعالى فقلت له علم الحق بنفسه عين علمه بالعالم إذ لم يزل العالم مشهودا له تعالى و إن اتصف بالعدم و لم يكن العالم مشهودا لنفسه إذ لم يكن موجودا و هذا بحر هلك فيه الناظرون الذين عدموا الكشف و بنسبة لم تزل موجودة فعلمه لم يزل موجودا و علمه بنفسه علمه بالعالم فعلمه بالعالم لم يزل موجودا فعلم العالم في حال عدمه و أوجده على صورته في علمه و سيأتي بيان هذا في آخر الكتاب و هو سر القدر الذي خفي عن أكثر المحققين و على هذا لا يصح في العالم الاختراع و لكن يطلق عليه الاختراع بوجه ما لا من جهة ما تعطيه حقيقة الاختراع فإن ذلك يؤدي إلى نقص في الجناب الإلهي فالاختراع لا يصح إلا في حق العبد و ذلك أن المخترع على الحقيقة لا يكون مخترعا إلا حتى يخترع مثال ما يريد إبرازه في الوجود في نفسه أولا ثم بعد ذلك تبرزه القوة العملية إلى الوجود الحسي على شكل ما يعلم له مثل و متى لم يخترع الشيء في نفسه أولا و إلا فليس بمخترع حقيقة فإنك إذا قدرت أن شخصا علمك ترتيب شكل ما ظهر في الوجود له مثل فعلمته ثم أبرزته أنت للوجود كما علمته فلست أنت في نفس الأمر و عند نفسك بمخترع له و إنما المخترع له من اخترع مثاله في نفسه ثم علمكه و إن نسب الناس الاختراع لك فيه من حيث إنهم لم يشاهدوا ذلك الشيء من غيرك فارجع أنت إلى ما تعرفه من نفسك و لا تلتفت إلى من لا يعلم ذلك منك فإن الحق سبحانه ما دبر العالم تدبير من يحصل ما ليس عنده و لا فكر فيه و لا يجوز عليه ذلك و لا اخترع في نفسه شيئا لم يكن عليه و لا قال في نفسه هل نعمله كذا و كذا هذا كله ما لا يجوز عليه فإن المخترع للشيء يأخذ أجزاء موجودة متفرقة في الموجودات فيؤلفها في ذهنه و وهمه تأليفا لم يسبق إليه في علمه و إن سبق فلا يبالي فإنه في ذلك بمنزلة الأول الذي لم يسبقه أحد إليه كما تفعله الشعراء و الكتاب الفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة فثم اختراع قد سبق إليه فيتخيل السامع أنه سرقه فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد إلا إلى ما حدث عنده خاصة إن أراد أن يلتذ و يستمتع بلذة الاختراع و مهما نظر المخترع لأمر ما إلى من سبقه فيه بعد ما اخترعه ربما هلك و تفطرت كبده و أكثر العلماء بالاختراع البلغاء و المهندسون و من أصحاب الصنائع النجارون و البناءون فهؤلاء أكثر الناس اختراعا و أذكاهم فطرة و أشدهم تصرفا لعقولهم فقد صحت حقيقة الاختراع لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك و لا علمه غيره بالقوة أو بالقوة و الفعل إن كان من العلوم التي غايتها العمل و الباري سبحانه لم يزل عالما بالعالم أزلا و لم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم فما اخترع في نفسه شيئا لم يكن يعلمه فإذ قد ثبت عند العلماء بالله قدم علمه فقد ثبت كونه مخترعا لنا بالفعل لا أنه اخترع مثالنا في نفسه الذي هو صورة علمه بنا إذ كان وجودنا على حد ما كنا في علمه و لو لم يكن كذلك لخرجنا إلى الوجود على حد ما لم يعلمه و ما لا يعلمه لا يريده و ما لا يريده و لا يعلمه لا يوجده فنكون إذن موجودين بأنفسنا أو بالاتفاق و إذا كان هذا فلا يصح وجودنا عن عدم و قد دل البرهان على وجودنا عن عدم و على أنه علمنا و أراد وجودنا و أوجدنا على الصورة الثابتة في علمه بنا و نحن معدومون في أعياننا فلا اختراع في المثال فلم يبق إلا الاختراع في الفعل و هو صحيح لعدم المثال الموجود في العين فتحقق ما ذكرناه و قل بعد ذلك ما شئت فإن شئت و صفته بالاختراع و عدم المثال و إن شئت نفيت هذا عنه نفيته و لكن بعد وقوفك على ما أعلمتك به
«الفصل الثالث في العلم و العالم و المعلوم من الباب الثاني»
اعلم أيدك الله أن العلم تحصيل القلب أمرا ما على حد ما هو عليه ذلك في نفسه معدوما كان ذلك الأمر أو موجودا فالعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب و العالم هو القلب و المعلوم هو ذلك الأمر المحصل و تصور حقيقة العلم عسير جدا و لكن أمهد لتحصيل العلم ما يتبين به إن شاء الله تعالى فاعلموا إن القلب مرآة مصقولة كلها وجه لا تصدأ أبدا فإن أطلق يوما عليها أنها صدئت كما قال ع إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد الحديث و فيه إن جلاءها ذكر الله و تلاوة القرآن و لكن من كونه الذكر الحكيم فليس المراد بهذا الصدأ أنه طخاء طلع على وجه القلب و لكنه لما تعلق و اشتغل بعلم الأسباب عن العلم بالله كان تعلقه بغير الله صدأ على وجه القلب لأنه المانع من تجلى الحق إلى هذا القلب لأن الحضرة الإلهية متجلاة على الدوام لا يتصور في حقها حجاب عنا فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعي المحمود لأنه قبل غيرها عبر عن قبول ذلك الغير بالصدأ و الكن و القفل و العمي و الران و غير ذلك و إلا فالحق يعطيك أن العلم عنده و لكن بغير الله في علمه و هو بالله في نفس الأمر عند العلماء بالله و مما يؤيد ما قلناه قول الله تعالى وَ قالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ فكانت في أكنة مما يدعوها الرسول إليه خاصة لا أنها في كن و لكن تعلقت بغير ما تدعى إليه فعميت عن إدراك ما دعيت إليه فلا تبصر شيئا و القلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مصقولة صافية فكل قلب تجلت فيه الحضرة الإلهية من حيث هي ياقوت أحمر الذي هو التجلي الذاتي فذلك قلب المشاهد المكمل العالم الذي لا أحد فوقه في تجل من التجليات و دونه تجلى الصفات و دونهما تجلى الأفعال و لكن من كونها من الحضرة الإلهية و من لم تتجل له من كونها من الحضرة الإلهية فذلك هو القلب الغافل عن الله تعالى المطرود من قرب الله تعالى فانظر وفقك الله في القلب على حد ما ذكرناه و انظر هل تجعله العلم فلا يصح و إن قلت الصقالة الذاتية له فلا سبيل و لكن هي سبب كما إن ظهور المعلوم للقلب سبب و إن قلت السبب الذي يحصل المعلوم في القلب فلا سبيل و إن قلت المثال المنطبع في النفس من المعلوم و هو تصور المعلوم فلا سبيل فإن قيل لك فما هو العلم فقل درك المدرك على ما هو عليه في نفسه إذا كان دركه غير ممتنع و أما ما يمتنع دركه فالعلم به هو لا دركه كما قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك فجعل العلم بالله هو لا دركه فاعلم ذلك و لكن لا دركه من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره و لكن دركه من جوده و كرمه و وهبه كما يعرفه العارفون أهل الشهود لا من قوة العقل من حيث نظره «تتميم» و لما ثبت أن العلم بأمر ما لا يكون إلا بمعرفة قد تقدمت قبل هذه المعرفة بأمر آخر يكون بين المعروفين مناسبة لا بد من ذلك و قد ثبت أنه لا مناسبة بين الله تعالى و بين خلقه من جهة المناسبة التي بين الأشياء و هي مناسبة الجنس أو النوع أو الشخص فليس لنا علم متقدم بشيء فندرك به ذات الحق لما بينهما من المناسبة مثال ذلك علمنا بطبيعة الأفلاك التي هي طبيعة خامسة لم نعلمها أصلا لو لا ما سبق علمنا بالأمهات الأربع فلما رأينا الأفلاك خارجة عن هذه الطبائع بحكم ليس هو في هذه الأمهات علمنا إن ثم طبيعة خامسة من جهة الحركة العلوية التي في الأثير و الهواء و السفلية التي في الماء و التراب و المناسبة بين الأفلاك و الأمهات الجوهرية التي هي جنس جامع للكل و النوعية فإنها نوع كما أن هذه نوع لجنس واحد و كذلك الشخصية و لو لم يكن هذا التناسب لما علمنا من الطبائع علم طبيعة الفلك و ليس بين الباري و العالم مناسبة من هذه الوجوه فلا يعلم بعلم سابق بغيره أبدا كما يزعم بعضهم من استدلال الشاهد على الغائب بالعلم و الإرادة و الكلام و غير ذلك ثم يقدسه بعد ما قد حمله على نفسه و قاسه بها ثم إنه مما يؤيد ما ذهبنا إليه من علمنا بالله تعالى أن العلم يترتب بحسب المعلوم و ينفصل في ذاته بحسب انفصال المعلوم عن غيره و الشيء الذي به ينفصل المعلوم إما أن يكون ذاتا كالعقل من جهة جوهريته و كالنفس و إما أن يكون ذاتا من جهة طبعه كالحرارة و الإحراق للنار فكما انفصل العقل عن النفس من جهة جوهريته كذلك انفصل النار عن غيره بما ذكرناه و إما أن ينفصل عنه بذاته لكن بما هو محمول فيه إما بالحال كجلوس الجالس و كتابة الكاتب و إما بالهيئة كسواد الأسود و بياض الأبيض و هذا حصر مدارك العقل عند العقلاء فلا يوجد معلوم قطعا للعقل من حيث ما هو خارج عما وصفنا إلا بأن نعلم ما انفصل به عن غيره إما من جهة جوهره أو طبعه أو حاله أو هيأته و لا يدرك العقل شيئا لا توجد فيه هذه الأشياء البتة و هذه الأشياء لا توجد في الله تعالى فلا يعلمه العقل أصلا من حيث هو ناظر و باحث و كيف يعلمه العقل من حيث نظره و برهانه الذي يستند إليه الحس أو الضرورة أو التجربة و الباري تعالى غير مدرك بهذه الأصول التي يرجع إليها العقل في برهانه و حينئذ يصح له البرهان الوجودي فكيف يدعي العاقل أنه قد علم ربه من جهة الدليل و أن الباري معلوم له و لو نظر إلى المفعولات الصناعية و الطبيعية و التكوينية و الانبعاثية و الإبداعية و رأى جهل كل واحد منها بفاعله لعلم أن الله تعالى لا يعلم بالدليل أبدا لكن يعلم أنه موجود و أن العالم مفتقر إليه افتقارا ذاتيا لا محيص له عنه البتة قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فمن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد من الكتاب العزيز الذي وحد بها نفسه فلا أحد أعرف من الشيء بنفسه فلتنظر بما وصف نفسه و تسأل الله تعالى أن يفهمك ذلك فستقف علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أيد الآباد و سأورد من هذه الآيات في الباب الذي يلي هذا الباب شيئا يسيرا و الله يرزقنا الفهم عنه آمين و يجعلنا من العالمين الذين يعقلون آياته