اعلم وفقنا الله و إياكم أن الخلوة أصلها في الشرع من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه فهذا حديث إلهي صحيح يتضمن الخلوة و الجلوة و أصل الخلوة من الخلأ الذي وجد فيه العالم
فمن خلا و لم يجد فما خلا فهي طريق حكمها حكم البلا
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان الله و لا شيء معه و سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء ثم خلق الخلق و قضى القضية و فرغ من أشياء و هو كل يوم في شأن و سيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد الخلوة أعلى المقامات و هو المنزل الذي يعمره الإنسان و يملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غيره فتلك الخلوة و نسبتها إليه و نسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه و لا يدخله و فيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خاليا من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته و نسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع فيه سواه و أصل الخلوة في العالم الخلأ الذي ملأه العالم فأول شيء ملأه الهباء و هو جوهر مظلم ملأ الخلأ بذاته ثم تجلى له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر و زال عنه حكم الظلمة و هو العدم فاتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به و كان ظهوره به على صورة الإنسان و بهذا يسميه أهل الله الإنسان الكبير و تسمى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أو دع الله فيه حقائق العالم الكبير كلها فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه و العالم على صورة الحق فالإنسان على صورة الحق و هو قوله إن الله خلق آدم على صورته و لما كان الأمر على ما قررناه لذلك قال تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لكن يعلم القليل من الناس فالإنسان عالم صغير و العالم إنسان كبير ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك و العناصر و المولدات فكان الإنسان آخر مولد في العالم أوجده الله جامعا لحقائق العالم كله و جعله خليفة فيه فأعطاه قوة كل صورة موجودة في العالم فذلك الجوهر الهبائي المنصبغ بالنور هو البسيط و ظهور صور العالم فيه هو الوسيط و الإنسان الكامل هو الوجيز قال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأول ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لأن العالم قبله كما قال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه فلو رآها أولا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل أن نفسه رأى في العالم فرفع الله عنه هذا الإشكال بأن قدم له رؤية الآيات في العالم كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان و كيف لا يكون أقدم و هو أبوه فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق و في نفسه أنه الحق لا غيره و تبين له ذلك فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة فإنه ما ثم جملة واحدة و لهذا تمم تعالى في التعريف فقال أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعيان العالم شَهِيدٌ على التجلي فيه و الظهور و ليس في قوة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه و لا أن لا يكون مظهرا و هو المعبر عنه بالإمكان فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور و هو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ثم تمم و قال إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من العالم مُحِيطٌ و الإحاطة بالشيء تستر ذلك الشيء فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشيء فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشيء و هو العالم في المحيط كالروح للجسم و المحيط كالجسم للروح الواحد شهادة و هو المحيط الظاهر و الآخر غيب و هو المستور بهذه الإحاطة و هو عين العالم و لما كان الحكم للموصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة و كانت أعيان شيئيات العالم على استعدادات في أنفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها فظهرت صورها في المحيط و هو الحق فقيل عرش و كرسي و أفلاك و أملاك و عناصر و مولدات و أحوال تعرض و ما ثم إلا الله فالحق من كونه محيطا كبيت الخلوة لصاحب الخلوة فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فإن البيت يحجبه فلا يعرف منه إلا مكانه و مكانه يدل على مكانته فقد أعطيتك مرتبة الخلوة التي نريد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات و درجاتها ألف و سبع و ستون درجة فظهر في الدرجات صورة الوترية و إذا لم يعمر الخلأ إلا العالم فهو في خلوة بنفسه هذا أصله ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه و بقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما و لا بغير ذلك فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه و مع ربه لا مع نفسه فيرى من حيث أثره في المحيط به بالصور التي ظهر بها المحيط نفسه بنفسه و من حيث تعدد أعيانه رأى منه به و كانت كل عين مغايرة لصاحبتها و لذلك اختلفت صور العالم و إن كان واحدا كما اختلفت صورة الإنسان في نفسه و إن كان الإنسان واحدا فيده ما هي رجله و رأسه ما هو صدره و عينه ما هو أذنه و لا لسانه و لا فرجه و عقله ما هو فكره و لا خياله فهو متنوع متعدد العين بالصور المحسوسة و المعنوية و مع هذا يقال فيه إنه واحد و يصدق و يقال فيه كثير و يصدق فمن حيث أحديته نقول رأى نفسه بنفسه و من حيث كثرته نقول رأى بعضه ببعضه فتكلم بلسانه و بطش بيده و سعى برجله و استنشق بأنفه و سمع بإذنه و نظر بعينه و تخيل بخياله و عقل بعقله فهذا كثير و ما ثم إلا هو فمن حصل له هذا العلم كما قررناه كان صاحب خلوة و من حرمه فليس بصاحب خلوة فقد تبين لك أن الحق بالعالم و العالم بالحق فهويته عين المجموع كما إن المجموع هو الإنسان بغيبه و شهادته و نطقه و حيوانيته فهو واحد في الكثرة و كثير في الأحدية فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا و آخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين و أما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاما و لا تصح إلا لمحجوب و أما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبدا فإنهم يشاهدون الأرواح العلوية و الأرواح النارية و يرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته و أكوان بيت خلوته فهو في ملأ كما هو في نفس الأمر فإذا أخذ الله عن بصره هذه المدركات و فصل بين الحيوان و الجماد و الملائكة و عالم الصمت من عالم الكلام و عالم السكون من عالم الحركات و يحب أن يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون و لا حركة كون فمنهم من يطلب الخلوة لمزيد علم بالله من الله لا من نظره و فكره و هذا أتم المقاصد فإنه مأمور بذلك و العمل على الأمر الإلهي هو غاية كمال العمل و الله يقول له قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فمن تحدث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة قال بعضهم لصاحب خلوة اذكرني عند ربك في خلوتك فقال له إذا ذكرتك فلست معه في خلوة و من هنا تعرف قوله تعالى أنا جليس من ذكرني فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله و إن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوة الذاكرة فإن القوة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني و القوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبهالقوة المصورة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بد من ذلك ليس لها تصرف إلا به فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظي فأول خلوته الذكر الخيالي و هو تصور لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية و لفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير أن يرتقي إلى الذكر المعنوي الذي لا صورة له و هو ذكر القلب و من الذكر القلبي ينقدح له المطلوب و الزيادة من العلوم و بذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له و أنشأها الحس في خياله في نوم و يقظة و غيبة و فناء فيعلم ما رأى و هو علم التعبير للرؤيا و منهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم و هذا لا يكون إلا للذين يأخذون العلم من أفكارهم فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية و هو ميزان لطيف أدنى هواء يحركه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات و يسدون مجاري الأهواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب و مثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل الله و إنما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان و لا له فيهم أثر و أي صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج و يعلم أنه لا يراد لها و أنه ليس من أهل العلم الإلهي الصحيح إذ لو أراده الله لعلم الفيض الإلهي لحال بينه و بين الفكر و منهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الأنس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته حتى أنه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤديه ذلك إلى اتخاذ الخلوة و منهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الالتذاذ و هذه كلها أمور معلولة لا تعطي مقاما و لا رتبة و صاحب الخلوة لا ينتظر واردا و لا صورة و لا شهودا و إنما يطلب علما بربه فوقتا يعطيه ذلك في غير مادة و وقتا يعطيه ذلك في مادة و يعطيه العلم بمدلول تلك المادة الخلوة لها الدعوى و صاحبها مسئول لها الحجاب الأقرب هي نسبة ما هي مقام أعني الخلوة المعهودة عند القوم لا الخلوة التي هي مقام التي ذكرناها في أول الباب و هذه و إن لم تكن مقاما فإنها تحصل لصاحبها بالذكر مقامات لها إحاطة بالملك و الملكوت و الجبروت عند العارفين و الملامية من الأدباء أرباب المواقف و أما أهل الوصال و الأنس من العارفين و الملامية فلا يرون لها في الملكوت دخولا و أنها مخصوصة بعالم الجبروت و الملك لا غير إلا أنها لها قرب من الملكوت ما بينها و بينه إلا درجتان فالأدباء الواقفون من الملامية يرون لها ستمائة درجة و إحدى و أربعون درجة و العارفون من أهل الأنس يرون لها ألف درجة و سبعا و ستين درجة و الأدباء من العارفين الواقفين يرون لها ستمائة درجة و سبعا و ستين درجة و الملامية من أهل الأنس و الوصال يرون لها ألف درجة و ستة و ثلاثين درجة