قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و السبعون و مائة في معرفة مقام السفر و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن السفور دليل الخوف و الحذر هذا هو العرف في الأعراض بالخبر
فإن رأيت فتاة الحي قد سفرت فكن فديتك من هذا على حذر
لذا نقول بأن الممكنات على أصولها ما لها عين من الصور
و لا تقل بحلول إنها عدم و قد يكون لها التكوين في السور

قال تعالى في وصف أهل الله السَّائِحُونَ و السياحة الجولان في الأرض على طريق الاعتبار و القربة إلى الله لما في الأنس بالخلق من الوحشة فاعلم أن أهل الله ما طلبوا السياحة في الأرض و لزوم الفقر و سواحل البحار إلا لما غلب عليهم من الأنس بالجنس الذين هم أشكاله من الأناسي و هو و إن كان ذلك الأنس في الظاهر فهو استيحاش في الباطن من حيث لا يشعر طالب السياحة و لا يعلم طالب السياحة أنه ما دعاه إلى ذلك إلا الوحشة إلا بعد وقوفه على ما تنتج له السياحة و ذلك أن الله خلق الإنسان الذي هو آدم و كل خليفة على صورته نفى عنه المماثلة فقال إنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و سرت هذه الحقيقة في الإنسان فإذا جنح إلى الله و تاب استشرفت نفسه على هذه المرتبة أعني نفي المثلية فلما رأى أمثاله من الناس غار أن يكون له مثل كما غار الحق أن يكون ثم من ينسب إليه الألوهية غيره فاستوحش من المخلوقين و طلب الانفراد بذاته من أمثاله حتى لا يبقى له آنس إلا بذاته وحده و لا يرى له مثلا ففر بنفسه إلى الأماكن القاصية عن رؤية أمثاله فلازم الجبال و بطون الأودية و هذه الحالة هي السياحة فأسفرت له هذه السياحة عن مطلوبه فآنس بذاته فذلك تشبهه بمقام قوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لأنه لم يبق مدع كان يدعي الألوهية موجودا كذلك هذا ما بقي له في الفقر الذي هو فيه من يتسمى بإنسان الذي هو مثله غير الوحش فالوحش و غير الجنس له بمنزلة العالم من الله فلهذا طلب السفر أي المعنى الذي يظهر ما ذكرناه و لهذا المعنى أشار الشبلي حين بات عند بعض إخوانه فسامره الشبلي فقال له صاحبه يا شبلي قم نتعبد فقال له الشبلي العبادة لا تكون بالشركة و كذلك الربوبية لا تكون بالشركة فبقوة الصورة التي خلق الإنسان عليها طلب الفرار من الناس دون غيرهم من المخلوقين و لهذا ما ادعى أحد من الخلق الألوهية إلا هذا الجنس الإنساني فلم يرد السائح أن يرى مثله لهذا الذي ذكرناه هذا مقام هذا السفر و أما السفر في المعقولات بالفكر و في مراتب المعارف و العلوم فله باب آخر في هذا الكتاب يريد بعد هذا إن شاء الله في باب من أبواب الأحوال فهذه سياحة الخصوص من أهل الله‏ و أما سياحة العموم منهم فسبب سياحتهم قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ فنظروا ما هي أرض الله فقالوا كل أرض موات لا يكون عليها ملك لغير الله فتلك أرضه الخاصة به المضافة إليه البريئة من الشركة فيها البعيدة من المعمور فإن الأرض الميتة القريبة من العمران يمكن أن يصل إليها بعض الناس فيحييها فيملكها بإحيائها و البعيدة من العمران سالمة من هذا التخيل فقالوا ما أمرنا الله بالعبادة فيها إلا و لها خصوص وصف و ليس فيها من خصوص الأوصاف إلا كونها ليس فيها نفس لغير الله ففيها نفس الرحمن فإذا عبد الإنسان ربه في مثل هذه الأرض وجد أنسا من تلك الوحشة التي كانت له في العمران و وجد لذة و طيبا في قلبه و انفراده و ذلك كله من أثر نفس الرحمن الذي نفس الله به عنه ما كان يجده من الغم و الضيق و الحرج في الأرض المشتركة فهذا الذي أدى العامة من أهل الله إلى السياحة ثم إنهم رأوا في هذه الأرض من الآيات و العجائب و الاعتبارات ما دعاهم إلى النظر فيما ينبغي لما لك هذه الأرض فأنار الله قلوبهم بأنوار العلوم و فتح لهم في النظر في الآيات و هي العلامات الدالة على عظمة من‏انقطعوا إليه و هو الله تعالى ورثا نبويا من قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ ثم قال لِنُرِيَهُ من آياتِنا فعرج به إلى السموات إلى أن بلغ به الإسراء إلى حيث قدره الله له من المنازل العالية فأراه من الآيات ما زاده علما بالله إلى علمه لذا قرن به أنه هو السميع لما خوطب به البصير لما شاهده من الآيات فالسائحون من عباد الله يشاهدون من آيات الله و من خرق العوائد ما يزيدهم قوة في إيمانهم و نفسهم و معرفتهم بالله و أنسابه و رحمة بخلقه و شفقة عليهم فإذا رأوا قنة جبل شامخ تذكروا علوا لهم حيث لم يطلبوا من الله إلا الأنفس و هو الانفراد به في خلوة من أشكالهم حذرا من الشغل بسواهم و إذا كانوا في بطن واد أو قاع من القيعان ذكرهم ذلك بعبوديتهم و تواضعهم تحت جبروت سلطان خالقهم فذلوا في أنفسهم و عرفوا مقدارهم و علموا إن ما ينالونه من الرفعة إنما ذلك عناية الله لا باستحقاق ثم إذا كانوا على ساحل بحر تذكروا بالبحر سعة علم الله و سعة عظمته و رحمته ثم يرون مع هذه العظمة ما تحدث فيه الرياح من تلاطم الأمواج و تداخل بعضها في بعض فيذكرهم ذلك في جناب الحق تعارض الأسماء الإلهية و تداخل بعضها في بعض في تعلقاتها مثل الاسم المنتقم و السريع الحساب و الشديد العقاب عند معصية العاصي و يجي‏ء أيضا في مقابلة هذه الأسماء الاسم الغفار و العفو و المحسان فتتقابل الأسماء على هذا العبد العاصي و كذلك التردد الإلهي يعتبرونه في تموج هذا البحر فيفتح لهم في بواطنهم في علوم إلهية لا ينالونها إلا في مشاهدة ذلك البحر في سياحتهم فيكثر منهم التكبير و التعظيم لجناب الله ثم ما يحصل لهم من خرق العوائد في استئناس الوحوش بهم و إقبالهم عليهم و فيهم من تكلمه الوحوش بلسانه و فيهم من يعلم منطقها و ترى ما هم عليه من عبادة الله ما يزيدهم ذلك حرصا و اجتهادا في طاعة ربهم و الحكايات في كتب القوة في ذلك كثيرة جدا و لو لا أن كتابنا هذا مبناه على المعارف و الأسرار لسقنا من الحكايات ما شاهدناه بنفوسنا في سياحتنا و اجتماعنا بهذه الطائفة و ما رأينا فيهم من العجائب و هذا القدر كاف في الغرض المقصود من هذا الباب حتى يرد الكلام إن شاء الله في السفر و مراتبه فيما بعد عند ذكر المسافر و السالك و الطريق وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إلى الحق و إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ‏