قال الله تعالى الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ من فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فقطع المسافات زيادة تعب بل تعب خاصة فإنه ما يحركني إلا طلبه فلو لا أني جعلته مطلوبي و مقصدي بهذه السياحة و السفر ما طلبته و قد أخبرني أنه معي في حال انتقالاتي كما هو معي في حال الإقامة و له في كل شيء وجهة فلما ذا أجول فالحركة لتحصيله دليل على عدم الوجدان في السكون فاطلب وجهه في موضع إقامتي فإذا عرفته فيه كنت منزلا من منازل القمر مقصودا لا قاصدا و لا نازلا تطلبني الأسماء و لا أطلبها و تقصدني الأنوار و لا أقصدها وقفت مع من لا يجوز عليه التحرك و الانتقال فصاحب السفر مع قوله ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا و صاحب الإقامة مع قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و السكون أولى من الحركة فإن العبد مأمور بالسكون تحت مجاري الأقدار و ما يأتي به الله إليه في الليل و النهار و قال في ذم من بادر الأقدار بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة و المبادرة حركة ما قال الله لنا آمرا فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا إلا لنسكن و يكون هو سبحانه الذي يتصرف في أمر عبده حتى يوفيه ما قدر له من كل ما يصيبه حتى أنه لو كان مما يصيبه السفر و الانتقال لنقله الحق بهذه الصفة التي هو عليها من السكون في محفة عناية إلهية لا يعرف الحركة المتعبة مستريحا مظللا عليه مخدوما هذا سفر تارك السفر إذا كان مقدرا له السفر و قد ذقنا الأمرين و رأينا السكون أرجح من الحركة و أقوى في المعرفة مع انتقال الأحوال عليه في كل نفس و ذاك الانتقال عليه لا بد منه له فهو طريق مطرقة يسلك فيها و لا يسلك فإذا انتقل هو بذاته فلا يزيد شيئا على تلك الانتقالات عليهإلا التعب خاصة فكان المسافر يستعجل عذابا و مشقة فإن الأمور الجارية على العبد مثل الرزق و الأجل إن لم تأت إليه أتى إليها لا بد من ذلك
و لا معنى لشكوى الشوق يوما إلى من لا يزول من العيان
السكون مع المشاهدة و الحركة مع الفقد إلا الحركة المأمور بها لأنك لا تخلو إن تتحرك في طلبه فأنت فاقدا و في غير طلبه فأنت خاسر فالسكون بكل حال أولى من الحركة التي في مقام ذلك السكون و أنت في مقام أن تتحرك بالله فالسكون بالله مع الله أولى لراحة الوقت فإنه و الله إن كنت فاقدا له في السكون فأنت في الحركة المحسوسة أفقد بما لا يتقارب فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ ... وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ لو لم يكن من شرف السكون إلا ورود الأسماء الإلهية عليك و نزول الحق إليك لأنك إن تحركت إليه حددته و إن سكنت معه عبدته الحركة إليه عين الجهل به و السكون معه عين العلم به ما أسرى برسول الله ص ليراه و إنما أسرى به ليريه من آياته من قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ فمن رجح ترك السفر فقد أصاب في النظر و قصد عين الخبر إذا كان جليس الذاكر فإلى أين يرحل فهذا قد أبنت لك عن السفر و تركه فكن بحسب ما يقع لك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ