قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و السبعون و مائة في معرفة أحوال القوم رضي الله عنهم عند

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
للقوم عند حلول الموت أحوال تنوعت و هي أمثال و أشكال‏
فمنهم من يرى الأسماء تطلبه و منهم من يرى الأملاك و الحال‏
في ذاك مختلف عند الوجود لما تعطي الحقائق و التفصيل إجمال‏
و منهم من يرى الإرسال مقبلة إليه تتحفه و الرسل أعمال‏
و منهم من يرى التنزيه يطلبه و هو الذي عنده التشبيه إضلال‏
و كلهم سعدوا و العين واحدة و عندهم في جنان الخلد أشغال‏
هذا هو الحق لا تبغي به بدلا فهو الصحيح الذي ما فيه إشكال‏

قال رسول الله ص يموت المرء على ما عاش عليه و يحشر على ما عليه مات‏ و قال تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ يعني عند الموت أي يعاين ما هو أمره عليه الذي ينفرد به أهل الله العابدون ربهم إذا أتاهم اليقين يقول لنبيه ص اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يعني الموت لأنه أمر متيقن لا اختلاف في وقوعه في كل حيوان و إنما وقع الخلاف في ماهيته قال شاعرهم‏

فخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجب و الخلف في الشجب‏

يعني ما هو و الشجب الموت فإذا حضرتهم الوفاة رضي الله عنهم فلا بد لهم من مشاهد اثنتي عشرة صورة يشهدونها كلها أو بعضها لا بد من ذلك و هن صورة عمله و صورة علمه و صورة اعتقاده و صورة مقامه و صورة حاله و صورة رسوله و صورة الملك و صورة اسم من أسماء الأفعال و صورة اسم من أسماء الصفات و صورة اسم من أسماء النعوت و صورة اسم من أسماء التنزيه و صورة اسم من أسماء الذات و كان الأولى أن تكون هذه الصور كلها بالسين لا بالصاد فإنها منازل معان إلا أنه لما تجسدت المعاني و ظهرت بالأشكال و المقادير لذلك تصورت في صور إذ كان الشهود بالبصر و حكمت الحضرة بذلك الخيالية البرزخية فالموت و النوم سواء فيما تنتقل إليه المعاني فمنهم من يتجلى له عند الموت عمله العمل فيتجلى له عمله في الزينة و الحسن على قدر ما أنشأه العامل عليه من الجمال فإن أتم العمل كما شرع له و لم ينقص منه شيئا يشينه انتقاصه كان في أتم نشأة حسنة ظهرت من تمام أركان ذلك العمل الظاهرة و الباطنة من الحضور و شهود الرب في قلبه و في قبلته إذا صلى و كل عمل مشروع فهو صلاة و لهذا قال ص عن الله تعالى أنه يقول يوم القيامة أنظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كانت انتقص منهاشيئا قال أنظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه‏ ثم تؤخذ الأعمال على ذا كم فإن كان العمل غير ذات العامل كمانع الزكاة و كغاصب أمر ما حرم عليه اغتصابه كسي ذلك المال صورة عمل هذا العبد من حسن أو قبح فإن كان قبيحا طوق به كما قال في مانع الزكاة سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا به يَوْمَ الْقِيامَةِ و قال فيه ع يمثل له ما له شجاعا أقرع‏ الحديث و فيه يقول له أنا كنزك فيطوق به و الكنز من عمل العبد في المال و هكذا العباد الله الصالحين فيما يجودون به من الخير بما يرجع إلى نفوسهم و إلى التصرف في غير ذواتهم فيرى علامات ذلك كله و هذا داخل تحت قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ و هذا الموطن من بعض مواطن ما يرى فيه عمله فيشاهد العبد الصالح عند الاحتضار عمله الصالح الذي هو لروحه مثل البراق لمن أسرى به عليه فيرفع تلك الروح الطيبة إلى درجاتها حيث كانت من عليين فإن عباد الله على طبقات في أعمالهم في الحسن و الأحسن و الجميل و الأجمل العلم‏ (و منهم) رضي الله عنهم من تجلى له عند الموت علمه بالجناب الإلهي و هم رجلان رجل أخذ علمه بالله عن نظر و استدلال و رجل أخذ علمه عن كشف و صورة الكشف أتم و أجمل في التجلي لأن الكشف و اقتناء هذا العلم ينتجه تقوى و عمل صالح و هو قوله وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله فيظهر له علمه عند الموت صورة حسنة أو نورا يلتبس به فيفرح به فإن صحبته دعوى في اقتنائه ذلك العلم نفسية فهو في الصورة الجميلة دون من لم تصحبه دعوى في اقتناء ذلك العلم بل يراه منحة إلهية و فضلا و منة لا يرى لنفسه تعملا بل يكون ممن فنى عن عمله في عمله فكان معمولا به كالآلة للصانع يعمل بها و ينسب العمل إليه لا إليها فيقع الثناء على الصانع العامل بها لا عليها فهكذا يكون بعض عباد الله في اقتناء علومهم الإلهية فتكون صورة العلم في غاية من الحسن و الجمال الاعتقاد (و منهم) المعتقد الذي لا علم عنده إلا إن عقده موافق للعلم بالأمر على ما هو عليه فكان يعتقد في الله ما يعتقده العالم لكن عن تقليد لمعلمه من العلماء بالله و لكن لا بد أن يتخيل ما يعتقده فإنه ليس في قوته إن يجرده عن الخيال و هو عند الاحتضار و للاحتضار حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح الذي لا يدخله ريب ما هو الخيال الذي هو قوة في الإنسان في مقدم دماغه بل هو خيال من خارج كجبريل في صورة دحية و هو حضرة مستقلة وجودية صحيحة ذات صور جسدية تلبسها المعاني و الأرواح فتكون درجته بحسب ما اعتقده من ذلك المقام فإن كان هذا العبد صاحب مقام قد لحق بدرجة الأرواح النورية فإنها التي ذكر الله عنها أنها قالت وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فيظهر له مقامه في صورة فينزل فيها منزلة الوالي في ولايته فيكون بحسب مقامه و هذه كلها بشارات الحياة الدنيا الذين قال الله فيهم الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى‏ في الْحَياةِ الدُّنْيا (الحال) فإن كان صاحب حال في وقت احتضاره يرد عليه من الله حال يقبض فيه فهو له كالخلعة لا كالولاية فيتلبس بها و يتجمل بحسب ما يكون ذلك الحال دل على منزلته و الحال قد تكون ابتداء و قد تكون عن عمل متقدم و بينهما فرقان و إن كان الحال موهوبا على كل وجه و لكن الناس على قسمين منهم من تتقدم له خدمة فيقال إنه مستحق لما خلع عليه و منهم من لم يتقدم له ذلك فتكون المنة و العناية به أظهر لأنه لا يعرف له سبب مع أن الأحوال كلها مواهب و المقامات استحقاق الرسل‏ (و منهم) من يتجلى له عند الاحتضار رسوله الذي ورثه إذ كان العلماء ورثة الأنبياء فيرى عيسى عند احتضاره أو موسى أو إبراهيم أو محمد أو أي نبي كان على جميعهم السلام فمنهم من ينطق باسم ذلك النبي الذي ورثه عند ما يأتيه فرحا به لأن الرسل كلهم سعداء فيقول عند الاحتضار عيسى أو يسميه المسيح كما سماه الله و هو الأغلب فيسمع الحاضرون بهذا الولي يتلفظ بمثل هذه الكلمة فيسيئون الظن به و ينسبونه إلى أنه تنصر عند الموت و أنه سلب عنه الإسلام أو يسمى موسى أو بعض أنبياء بنى إسرائيل فيقولون إنه تهود و هو من أكبر السعداء عند الله فإن هذا المشهد لا تعرفه العامة بل يعرفه أهل الله من أرباب الكشوف و إن كان ذلك الأمر الذي هو فيه اكتسبه من دين محمد ص و لكن ما ورث منه هذا الشخص إلا أمرا مشتركا كان لنبي قبله و هو قوله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فلما كانت الصورة مشتركة جلى الحق له صاحب تلك الصورة في النبي الذي كانت له تلك الصفة التي شاركه فيها محمد ص مثل قوله أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي و ذلك‏ليتميز هذا للشخص بظهور من ورثه من الأنبياء عمن ورث غيره فلو تجلى في صورة محمدية التبس عليه الشخص الذي ورث محمدا ص فيما اختص به دون غيره من الرسل الملك‏ (و منهم) من يتجلى له عند الاحتضار صورة الملك الذي شاركه في المقام فإنهم الصَّافُّونَ و منهم الْمُسَبِّحُونَ و منهم التالون إلى ما هم عليه من المقامات فينزل إليه الملك صاحب ذلك المقام مؤنسا و جليسا تستنزله عليه تلك المناسبة فربما يسميه عند الموت و يرى من المحتضر تهمما به و بشاشة و فرحا و سرورا و ما وصفنا في هذا الاحتضار إلا أحوال الأولياء الخارجين عن حكم التلبيس ما ذكرنا من أحوال العامة من المؤمنين فإن ذلك مذاق آخر و للأولياء هذا الذي نذكره خاصة فلذلك ما نتعرض لما يطرأ من المحتضر من العامة مما يكره رؤيته و يتمعر وجهه ليس ذلك مطلوبنا و لا يرفع بذلك رأسا أهل الله و إن تعرض لهم فإنهم عارفون بما يرونه‏ (أسماء الأفعال) و منهم من يتجلى له عند الموت هجيره من الأسماء الإلهية فإن كان من أسماء الأفعال كالخالق بمعنى الموجد و الباري و المصور و الرزاق و المحيي و كل اسم يطلب فعلا فهو بحسب ما كان عليه في معاملته معه ظهر له بما يناسب ذلك العمل فيراه في أحسن صورة فيقول له من أنت يرحمك الله فيقول هجيرك و سيأتي ذكر الهجيرات من هذا الكتاب في باب أحوال الأقطاب من آخره إن شاء الله‏ (أسماء الصفات) فإن كان هجيره كل اسم يستدعي صفة كمال كالحي و العالم و القادر و السميع و البصير و المريد فإن هذه الأسماء كلها أسماء المراقبة و الحياء فهم أيضا بحسب ما كانوا في حال حياتهم عند هذه الأذكار من طهارة النفوس عن الأعراض التي تتخلل هذه النشأة الإنسانية التي لا يمكن الانفكاك عنها و ليس فها دواء إلا الحضور الدائم في مشاهدة الوجه الإلهي الذي له في كل كون عرضي و غير عرضي‏ (أسماء النعوت) فإن كان هجيره أسماء النعوت و هي أسماء النسب كالأول و الآخر و ما جرى هذا المجرى فهو فيها بحسب ما يقوم به من علم الإضافات في ذكره ربه بمثل هذه الأسماء فيعرفه إن لها عينا وجوديا كمثبتي الصفات أو لا عين لها (أسماء التنزيه‏ و منهم) من يتجلى له عند الاحتضار أسماء التنزيه كالغني فإن كان مثل هذا الاسم هجيره في مدة عمره فهو فيه بحسب شهوده هل يذكره بكونه غنيا عن كذا و يذكره غنيا حميدا من غير أن يخطر له عن كذا و كذا فيما يماثله من أسماء التنزيه سواء (أسماء الذات‏ و منهم) من كان هجيره الاسم الله أو هو و الهو أرفع الأذكار عندهم كأبي حامد و منهم من يرى أنت أتم و هو الذي ارتضاه الكتاني مثل قوله يا حي يا قيوم يا لا إله إلا أنت و منهم من يرى أنا أتم و هو رأى أبي يزيد فإذا احتضر من هذا ذكره فهو بحسب اعتقاده في ذلك من نسبة تلك الكناية من توهم تحديد و تجريد عن تحديد و منهم من يرى أن التجريد و التنزيه تحديد و من المحال أن يعقل أمر من غير تحديد أصلا فإنه لا يخلو إما أن يعقل داخلا أو خارجا أو لا داخل و لا خارج أو هو عين الأمر لا غيره و كل هذا تحديد فإن كل مرتبة قد تميزت عن غيرها بذاتها و لا معنى للحد إلا هذا و هذا القدر كاف انتهى الجزء التاسع و مائة

(بسم الله الرحمن الرحيم)