قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع و السبعون و مائة في معرفة مقام المعرفة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
من ارتقى في درج المعرفة رأى الذي في نفسه من صفه‏
لأنها دلت على واحد للفرق بين العلم و المعرفة
لها وجود في وجود الذي أرسله الحق و ما كلفه‏
فهو إمام الوقت في حاله و يشتهي الواقف أن يعرفه‏
تجري على الحكمة أحكامه في الرتبة العالية المشرفه‏

اعلم أن المعرفة نعت إلهي لا عين لها في الأسماء الإلهية من لفظها و هي أحدية المكانة لا تطلب إلا الواحد و المعرفة عند القوم محجة فكل علم لا يحصل إلا عن عمل و تقوى و سلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبه بخلاف‏العلم الحاصل عن النظر الفكري لا يسلم أبدا من دخول الشبه عليه و الحيرة فيه و القدح في الأمر الموصل إليه‏ و اعلم أنه لا يصح العلم لأحد إلا لمن عرف الأشياء بذاته و كل من عرف شيئا بأمر زائد على ذاته فهو مقلد لذلك الزائد فيما أعطاه و ما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد و كل ما سوى ذلك الواحد فعلمه بالأشياء و غير الأشياء تقليد و إذا ثبت أنه لا يصح فيما سوى الله العلم بشي‏ء إلا عن تقليد فلنقلد الله و لا سيما في العلم به و إنما قلنا لا يصح العلم بأمر ما فيما سوى الله إلا بالتقليد فإن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بقوة ما من قواه التي أعطاه الله و هي الحواس و العقل فالإنسان لا بد أن يقلد حسه فيما يعطيه و قد يغلط و قد يوافق الأمر على ما هو عليه في نفسه أو يقلد عقله فيما يعطيه من ضرورة أو نظر و العقل يقلد الفكر و منه صحيح و فاسد فيكون علمه بالأمور بالاتفاق فما ثم إلا تقليد و إذا كان الأمر على ما قلناه فينبغي للعاقل إذا أراد أن يعرف الله فليقلده فيما أخبر به عن نفسه في كتبه و على ألسنة رسله و إذا أراد أن يعرف الأشياء فلا يعرفها بما تعطيه قواه و ليسع بكثرة الطاعات حتى يكون الحق سمعه و بصره و جميع قواه فيعرف الأمور كلها بالله و يعرف الله بالله إذ و لا بد من التقليد و إذا عرفت الله بالله و الأمور كلها بالله لم يدخل عليك في ذلك جهل و لا شبهة و لا شك و لا ريب فقد نبهتك على أمر ما طرق سمعك فإن العقلاء من أهل النظر يتخيلون أنهم علماء بما أعطاهم النظر و الحس و العقل و هم في مقام التقليد لهم و ما من قوة إلا و لها غلط قد علموه و مع هذا غالطوا أنفسهم و فرقوا بين ما يغلط فيه الحس و العقل و الفكر و بين ما لا يغلط فيه و ما يدريهم لعل الذي جعلوه غلطا يكون صحيحا و لا مزيل لهذا الداء العضال إلا من يكون علمه بكل معلوم بالله لا بغيره و هو سبحانه عالم بذاته لا بأمر زائد فلا بد أن تكون أنت عالما بما يعلمه به سبحانه لأنك قلدت من يعلم و لا يجهل و لا يقلد في علمه و كل من يقلد سوى الله فإنه قلد من يدخله الغلط و تكون إصابته بالاتفاق فإن قيل لنا و من أين علمت هذا و ربما دخل لك الغلط و ما تشعر به في هذه التقسيمات و أنت فيها مقلد لمن يغلط و هو العقل و الفكر قلنا صدقت و لكن لما لم نر إلا التقليد ترجح عندنا أن نقلد هذا المسمى برسول و المسمى بأنه كلام الله و علمنا عليه تقليدا حتى كان الحق سمعنا و بصرنا فعلمنا الأشياء بالله و عرفنا هذه التقاسيم بالله فكان إصابتنا في تقليد هذا بالاتفاق لأنا قلنا مهما أصاب العقل أو شي‏ء من القوي أمرا ما على ما هو عليه في نفسه إنما يكون بالاتفاق فما قلنا إنه يخطئ في كل حال و إنما قلنا لا نعلم خطأه من إصابته فلما كان الحق جميع قواه و علم الأمور بالله عند ذلك علم الإصابة في القوي من الغلط و هذا الذي ذهبنا إليه ما يقدر أحد على إنكاره فإنه يجده من نفسه فإذا تقرر هذا فاشتغل بامتثال ما أمرك الله به من العمل بطاعته و مراقبة قلبك فيما يخطر فيه و الحياء من الله و الوقوف عند حدوده و الانفراد به و إيثار جنابه حتى يكون الحق جميع قواك فتكون على بصيرة من أمرك و قد نصحتك إذ قد رأينا الحق أخبر عن نفسه بأمور تردها الأدلة العقلية و الأفكار الصحيحة مع إقامة أدلتها على تصديق المخبر و لزوم الايمان بها فقلد ربك إذ و لا بد من التقليد و لا تقلد عقلك في تأويله فإن عقلك قد أجمع معك على التقليد بصحة هذا القول أنه عن الله فما لك منازع منك يقدح فيما عندك فلا تقلد عقلك في التأويل و اصرف علمه إلى الله قائله ثم اعمل حتى تنزل في العلم به كهو فحينئذ تكون عارفا و تلك المعرفة المطلوبة و العلم الصحيح الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ و بعد أن تقرر هذا فلنرجع إلى الطريقة المعهودة في هذا الباب التي بأيدي الناس من أهله فإن هذه الطريقة التي نبهناك عليها طريقة غريبة فنقول إن المحاسبي ذكر أن المعرفة هي العلم بأربعة أشياء الله و النفس و الدنيا و الشيطان و الذي قال رسول الله ص إن‏ المعرفة بالله ما لها طريق إلا المعرفة بالنفس‏فقال من عرف نفسه عرف ربه‏ و قال أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه‏ فجعلك دليلا أي جعل معرفتك بك دليلا على معرفتك به فأما بطريقة ما وصفك بما وصف به نفسه من ذات و صفات و جعله إياك خليفة نائبا عنه في أرضه و إما بما أنت عليه من الافتقار إليه في وجودك و أما الأمران معا لا بد من ذلك و رأينا الله يقول في العلم بالله المعبر عنه بالمعرفة سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فأحالنا الحق على الآفاق و هو ما خرج عنا و على أنفسنا و هو ما نحن عليه و به فإذا وقفنا على الأمرين معا حينئذ عرفناه و تبين لنا أنه الحق فدلالة الله أتم و ذلك إنا إذا نظرنا في نفوسنا ابتداء لم نعلم هل يعطي النظر فيما خرج عنا من العالم و هوقوله في الْآفاقِ علما بالله ما لا تعطيه نفوسنا أو كل شي‏ء في نفوسنا فإذا نظرنا في نفوسنا حصل لنا من العلم به ما يحصل للناظر في الآفاق فأما الشارع فعلم إن النفس جامعة لحقائق العالم فجمعك عليك حرصا منه كما قال فيه حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ حتى تقرب الدلالة فتفوز معجلا بالعلم بالله فتسعد به و أما الحق فذكر الآفاق حذرا عليك مما ذكرناه أن تتخيل أنه قد بقي في الآفاق ما يعطي من العلم بالله ما لا تعطيه نفسك فأحالك على الآفاق فإذا عرفت عين الدلالة منه على الله نظرت في نفسك فوجدت ذلك بعينه الذي أعطاك النظر في الآفاق أعطاك النظر في نفسك من العلم بالله فلم تبق لك شبهة تدخل عليك لأنه ما ثم إلا الله و أنت و ما خرج عنك و هو العالم ثم علمك كيف تنظر في العالم فقال أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ... أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الآية أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و كل آية طلب منك فيها النظر في الآيات كما قال إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و يَتَفَكَّرُونَ و يَسْمَعُونَ و يَفْقَهُونَ و لِلْعالِمِينَ و لِلْمُؤْمِنِينَ و لِأُولِي النُّهى‏ و لِأُولِي الْأَلْبابِ لما علم أنه سبحانه خلق الخلق أطوارا فعدد الطرق الموصلة إلى العلم به إذ كل طور لا يتعدى منزلته بما ركب الله فيه فالرسول ع ما أحالك إلا على نفسك لما علم أنه سيكون الحق قواك فتعلمه به لا بغيره فإنه العزيز و العزيز هو المنيع الحمى و من ظفر به غيره فليس بمنيع الحمى فليس بعزيز فلهذا كان الحق قواك فإذا علمته و ظفرت به يكون ما علمه و لا ظفر به إلا هو فلا يزول عنه نعت العزة و هكذا هو الأمر فقد سد باب العلم به إلا منه و لا بد و لهذا ينزهه العقل و يرفع المناسبة من جميع الوجوه و يجي‏ء الحق فيصدقه في ذلك ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ يقول لنا صدق العقل فإنه أعطى ما في قوته لا يعلم غير ذلك فإني أعطيت كل شي‏ء خلقه و العقل من جملة الأشياء فقد أعطيناه خلقه و تمم الآية فقال ثُمَّ هَدى‏ أي بين فبين سبحانه أمرا لم يعطه العقل و لا قوة من القوي فذكر لنفسه أحكاما هو عليها لا يقبلها العقل إلا إيمانا أو بتأويل يردها تحت إحاطته لا بد من ذلك فطريقة السلامة لمن لم يكن على بصيرة من الله أن لا يتأول و يسلم ذلك إلى الله على علمه فيه هذه طريقة النجاة فالحق سبحانه يصدق كل قوة فيما تعطيه فإنها وفت بجميع ما أعطاها الله و بقي للحق من جانب الحق ذوق آخر يعلمه أهل الله و هم أهل القرآن أهل الله و خاصته فيعتقدون فيه كل معتقد إذ لا يخلو منه تعالى وجه في كل شي‏ء هو حق ذلك الوجه و لو لم يكن الأمر كذلك ما كان إلها و لكان العالم يستقل بنفسه دونه و هذا محال فخلو وجه الحق عن شي‏ء من العالم محال و هذه المعرفة عزيزة المنال فإنها تؤدي إلى رفع الخطاء المطلق في العالم و لا يرتفع الخطاء الإضافي و هو المنسوب إلى مقابله فهو خطأ بالتقابل و ليس بخطإ مع عدم التقابل فالكامل من أهل الله من نظر في كل أمر على حدة حتى يرى خلقه الذي أعطاه الله و وفاه إياه ثم يرى ما بين الله لعباده مما خرج عن خلق كل شي‏ء فينزل موضع البيان من قوله ثُمَّ هَدى‏ موضعه و ينزل كل خلق على ما أعطاه خالقه فمثل هذا لا يخطئ و لا يخطئ بإطلاق في الأصول و الفروع فكل مجتهد مصيب إن عقلت في الأصول و الفروع و قد قيل بذلك و بعد أن تقرر ما ذكرناه فلنقل إن المعرفة في طريقنا عندنا لما نظرنا في ذلك فوجدناها منحصرة في العلم بسبعة أشياء و هو الطريق التي سلكت عليه الخاصة من عباد الله الواحد علم الحقائق و هو العلم بالأسماء الإلهية الثاني العلم بتجلى الحق في الأشياء الثالث العلم بخطاب الحق عباده المكلفين بالسنة الشرائع الرابع علم الكمال و النقص في الوجود الخامس علم الإنسان نفسه من جهة حقائقه السادس علم الخيال و عالمه المتصل و المنفصل السابع علم الأدوية و العلل فمن عرف هذه السبع المسائل فقد حصل المسمى معرفة و يندرج في هذا ما قاله المحاسبي و غيره في المعرفة (العلم الأول) و هو العلم بالحقائق‏ و هو العلم بالأسماء الإلهية و هي على أربعة أقسام‏ قسم يدل على الذات و هو الاسم العلم الذي لا يفهم منه سوى ذات المسمى لا يدل على مدح و لا ذم و هذا قسم لم نجده في الأسماء الواردة علينا في كتابه و لا على لسان الشارع إلا الاسم الله و هو اسم مختلف فيه و قسم ثان و هو يدل على الصفات و هو على قسمين قسم يدل على أعيان صفات معقولة يمكن وجودها و قسم يدل على صفات إضافية لا وجود لها في الأعيان و قسم ثالث و هو يدل على صفات أفعال و هو على قسمين صريح و مضمن و قسم رابع مشترك يدل بوجه على صفة فعل مثلا و بوجه على صفة تنزيه أما علم الأسماء الإلهية و هو العلم الأول من المعرفة فهو العلم بما تدل‏عليه مما جاءت له و هو في هذه الأقسام التي قسمناها حتى نبينها في هذا الباب إن شاء الله و العلم أيضا بخواصها و الكلام فيه محجور على أهل الله العارفين بذلك لما في ذلك من كشف أسرار و هتك أستار و تأبى الغيرة الإلهية إظهار ذلك بل أهل الله مع معرفتهم بذلك لا يستعملونها مع الله و الدليل على ذلك أن رسول الله ص أعلم الناس بها و بإجابة الله تعالى من دعاه بها لما هي عليه من الخاصية في علم الله بها و قد دعاه رسول الله ص في أمته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعه ذلك و لم يجبه و إن كان قد عوضه فمن باب آخر و هو أن كل دعاء لا يرد جملة واحدة و إن عوقب صاحبه و لكن يرد ما دعا به خاصة إذا دعا فيما لا يقتضيه خاصية ذلك الاسم و أجاب دعاء بلعام بن باعورا في موسى ع و قومه لما دعاه بالاسم الخاص بذلك و هو قوله آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ فلم يكن له من الاسم إلا حروفه فنطق بها و لهذا قال فَانْسَلَخَ مِنْها فكانت في ظاهره كالثوب على لابسه و كما تنسلخ الحية من جلدها و لو كان في باطنه لمنعه الحياء و المقام من الدعاء على نبي من الأنبياء و أجيب لخاص الاسم و عوقب و جعل مثله كَمَثَلِ الْكَلْبِ و نسي حروف ذلك الاسم فلو أن رسول الله ص يدعو بالاسم الخاص و يستعمله لأجابه الله في عين ما سأل مع علمنا بأنه علم علم الأولين و الآخرين و أنه أعلم الناس فعلمنا إن دعاءه لم يكن بخاص الاسم و تأدب و سبب ذلك الأدب الإلهي فإنه لا يعلم ما في نفس الله كما قال عيسى ع تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ فلعل ذلك الذي يدعوه فيه ما له فيه خيرة فعدلوا ع إلى الدعاء فيما يريدون من الله بغير الاسم الخاص بذلك المراد فإن كان لله في علمه فيه رضي و للداعي فيه خيرة أجاب في عين ما سئل فيه و إن لم يكن عوض الداعي درجات أو تكفيرا في سيئات و معلوم عند الخاص و العام إن ثم اسما عاما يسمى الاسم الأعظم و هو في آية الكرسي و أول سورة آل عمران و مع علم النبي ع به ما دعا به في ما ذكرناه و لو دعا به أجابه الله في عين ما سأل فيه و علم الله في الأشياء لا يبطل فلهذا أدب الله أهله فهذا من علم الأسماء الإلهية و من الأسماء ما هي حروف مركبة و منها ما هي كلمات مركبة مثل الرحمن الرحيم هو اسم مركب كبعلبك و الذي هو حروف مركبة كالرحمن وحده‏ و اعلم أن الحروف كالطبائع و كالعقاقير بل كالأشياء كلها لها خواص بانفرادها و لها خواص بتركيبها و ليس خواصها بالتركيب لأعيانها و لكن الخاصية لاحدية الجمعية فافهم ذلك حتى لا يكون الفاعل في العالم إلا الواحد لأنه دليل على توحيد الإله فكما أنه واحد لا شريك له في فعله الأشياء كذلك سرت الحقيقة في الأفعال المنسوبة إلى الأكوان إنها لا تصدر منها إذا كانت مركبة إلا لأحدية ذلك التركيب و كل جزء منها على انفراده له خاصية تناقض خاصية المجموع فإذا اجتمع اثنان فصاعدا أعطى أثرا لا يكون لكل جزء من ذلك المجموع على انفراده كسواد المداد حدث السواد عن المجموع لأحدية الجمع و كل جزء على انفراد لا يعطي ذلك السواد و هكذا تركيب الكلمات كتركيب الحروف و من هنا تعلم أن الحرف الواحد له عمل و لكن بالقصد كما عمل ش في لغة العرب عند السامع إن بشي ثوبه و هو حرف واحد و ق أن يقي نفسه من كذا و ع إن يعي ما سمعه مع كونه حرفا واحدا و أما كن فهو من فعل الكلمة الواحدة لا من فعل الحروف و خاصيته في الإيجاد و له شروط مع هذا يتأدب هل الله مع الله فجعلوا بدله في الفعل بسم الله و قد استعمله رسول الله ص في غزوة تبوك و ما سمع منه قبل ذلك و لا بعده و إنما أراد إعلام الناس من علماء الصحابة بمثل هذه الأسرار بذلك فالذي نذكر في هذا الباب العلم بما ذكرناه من أقسام الأسماء الإلهية أسماء الذات التي هي كالأعلام فلا أعرف بيد العالم في كتاب و لا سنة منها شيئا إلا الاسم الله في مذهب من لا يرى أنه مشتق من شي‏ء ثم إنه مع الاشتقاق الموجود فيه هل هو مقصود للمسمى أو ليس بمقصود للمسمى كما يسمى شخصا بيزيد على طريق العلمية و إن كان هو فعلا من الزيادة و لكن ما سميناه به لكونه يزيد و ينمو في جسمه و في علمه و إنما سميناه به لنعرفه و نصيح به إذا أردناه فمن الأسماء ما يكون بالوضع على هذا الحد فإذا قيلت على هذا فهي أعلام كلها و إذا قيلت على طريق المدح إن كانت من أسماء المدح فهي أسماء صفات علي الحقيقة و من شأن الصفة إنها لا يعقل لها وجود إلا في موصوف بها لأنها لا تقوم بنفسها سواء كان لها وجود عيني أو إضافي‏لا وجود له في عينه فهي تدل على الموصوف بها بطريق المدح أو الذم و بطريق الثناء و بهذا وردت الأسماء الحسنى الإلهية في القرآن و نعت بها كلها ذاته سبحانه و تعالى من طريق المعنى و كلمة الله من طريق الوضع اللفظي‏ فالظاهر أن الاسم الله للذات كالعلم ما أريد به الاشتقاق و إن كانت فيه رائحة الاشتقاق كما يراه بعض علماء هذا الشأن من أصحاب العربية و أما أسماء الضمائر فإنها تدل على الذات بلا شك و ما هي مشتقة مثل هو و ذا و أنا و أنت و نحن و الياء من أني و الكاف من أنك فلفظة هو اسم ضمير الغائب و ليست الضمائر مخصوصة بالحق بل هي لكل مضمر فهو لفظ يدل على ذات غائبة مع تقدم كلام يدل عليه عند السامع و إن لم يكن كذلك فلا فائدة فيه و لذلك لا يجوز الإضمار قبل الذكر إلا في ضرورة الشعر لما يتقيد به الشاعر من الأوزان و أنشد وافى ذلك‏ جزى ربه عني عدي بن حاتم‏ فأضمر قبل الذكر فإنه أراد أن يقول جزى عني عدي بن حاتم ربه فلم يتزن فقدم الضمير من أجل الوزن و من الضمائر لفظة ذا و هي من أسماء الإشارة مثل قوله ذلِكُمُ الله و كذلك لفظة ياء المتكلم مثل قوله فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي و كذلك لفظة أنت و تاء المخاطب مثل قوله كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ و لفظة نحن و لفظ إنا مشددة و لفظة نا مثل قوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و كذلك حرف كاف الخطاب إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فهذه كلها أسماء ضمائر و إشارات و كنايات تعم كل مضمر و مخاطب و مشار إليه و مكنى عنه و أمثال هذه و مع هذا فليست أعلاما و لكنها أقوى في الدلالة من الأعلام لأن الأعلام قد تفتقر إلى النعوت و هذه لا افتقار لها و ما منها كلمة إلا و لها في الذكر بها نتيجة و ما أحد من أهل الله أهل الأذواق رأيناه نبه على ذلك في طريق الله للسالكين بالأذكار الأعلى لفظ هو خاصة و جعلوها من ذكر خصوص الخصوص لأنها أعرف من الاسم الله عندهم في أصل الوضع لأنها لا تدل إلا على العين خاصة المضمرة من غير اشتقاق و إنما غلبها أهل الله على سائر المضمرات و الكنايات لكونها ضمير غيب مطلق عن تعلق العلم بحقيقته و قالوا إن لفظة هو ترجع إلى هويته التي لا يعلمها إلا هو فاعتمدوا على ذلك و لا سيما الطائفة التي زعمت أنه لا يعلم نفسه تعالى الله عن ذلك و ما علمت الطائفة أن غير لفظة هو في الذكر أكمل في المرتبة مثل الياء من أني و النون من نزلنا و لفظة نحن فهؤلاء أعلى مرتبة في الذكر من هو في حق السالك لا في حق العارف فلا أرفع من ذكر هو عند العارفين في حقهم و كما هي عندهم أعلى في الرتبة من لفظة هو كذلك هي أعلى من أسماء الخطاب مثل كاف المخاطب و تائه و أنت فإنه لا يقول إني و إنا و نحن إلا هو عن نفسه فمن قالها به فهو القائل وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فنتيجته أعظم لأن الذكر يعظم بقدر عظم علم الذاكر و لا أعلم من الله و باقي أسماء الضمائر مثل هو و ذا و كاف الخطاب هي من خواص عين المشار إليه فهي أشرف من الهو و مع هذا فما أحد من أهل الله سن الذكر بها كما فعلوا بلفظة هو فلا أدري هل منعهم من ذلك عدم الذوق لهذا المعنى و هو الأقرب فإنهم ما جعلوها ذكرا فإن قالوا فإنها تطلب التحديد قلنا فذلك سائغ في جميع المضمرات و نحن نقول بالذكر بذلك كله مع الحضور على طريق خاص و قد ورد في الشرع ما يقوي ما ذهبنا إليه من ذلك‏ قوله ص إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ و قوله عن الله كنت سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله‏ و الحق بلا شك هو القائل بالنون و أنا و إنا و نحن و إني فلنذكره بها نيابة عنه أو نذكره به لأنه الذاكر بها على لساني فهو أتم في الحضور بالذكر و أقرب فتحا للوقوف على ما تدل عليه و لهذه الأسماء أيضا أعني المضمرات خواص في الفعل لم أر أحدا يعرف منها من أهل الله إلا لفظة هو فإذا قلت هو كان هو و إن لم يكن هو عند قولك هو و لكن يكون هو عند قولك هو و كذلك ما بقي من أسماء الإضمار فاعلم ذلك فإنه من أسرار المعرفة بالله و لا يشعر به و لا نبه أحد عليه من أهل الله غيرة و بخلا أو خوفا لما يتعلق به من الحظر لما يظهر فيه من تكوين الله عند لفظة هو من العبد إذ كان الله يقولها على لسان عبده آية ذلك من كتاب الله فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فإن تكوين الله بلفظ هو من العبد هو ظهوره في مظهر خاص في ذلك الوقت إذ لا يظهر غيره و لا قال هو إلا هو فهو أظهر نفسه فهو الظاهر المظهر و الباطن المبطن و العزيز المعز و الغني المغني فقد نبهتك على سر هذا الذكر بهذا الاسم و على هذا تأخذ جميع أسماء الضمائر و الإشارات و الكنايات‏و لكن الطهارة و الحضور و الأدب و العلم بهذه الأمور لا بد منه حتى تعرف من تذكر و كيف تذكر و من يذكر و بمن تذكر و الله خير الذاكرين له و لك‏ (القسم الثاني) من علم الأسماء الإلهية و هذا القسم ينقسم قسمين العلم بأسماء صفات المعاني مثل الحي و هو اسم يطلب ذاتا موصوفة بالحياة و العلم يسمى الموصوف به عالما و القادر للموصوف بالقدرة و المريد للموصوف بالإرادة و السميع و البصير و الشكور للموصوف بالسمع و البصر و الكلام و هذه كلها معان قائمة بالموصوف أو نسب على خلاف ينطلق عليه منها أسماء و لها أحكام في الموصوف بها و تلك الأسماء و إن كانت تدل على ذات موصوفة بصفة تسمى علما و قدرة و لكن لها مراتب كمن قام به العلم يسمى عالما و عليما و علاما و خبيرا و محصيا و محيطا هذه كلها أسماء لمن وصف بالعلم و لكن مدلول كونه عالما خلاف مدلول كونه عليما و خبيرا يفهم من ذلك ما لا يفهم من العالم فإن عليما للمبالغة فيفهم منه ما لا يفهم من العالم فإن من يعلم أمرا ما من المعلومات يسمى عالما و لا يسمى عليما و لا علاما إلا إذا تعلق علمه بمعلومات كثيرة و خبير التعلق العلم بعد الابتلاء قال تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و كذا المحصي يتعلق بحصر المعلومات من وجه يصح فهو تعلق خاص يطلبه العلم و كذلك المحيط له تعلق خاص و هو العلم بحقائق المعلومات الذاتية و الرسمية و اللفظية و ما يتناهى منها إنه متناه و ما لا يتناهى منها إنه غير متناه فقد أحاط به علما إنه لا يتناهى فإن هنا زلت طائفة كبيرة من أهل العلم و هكذا تأخذ جميع الصفات كالقادر و المقتدر و القاهر كل ذلك تطلبه القدرة و بين هذه الأسماء فرقان و إن كانت الصفة الواحدة تطلبها فإن القاهر في مقابلة المنازع و القهار في مقابلة المنازعين و القادر في مقابلة القابل للأثر فيه مع كونه معدوما في عينه ففيه ضرب من الامتناع و هي مسألة مشكلة لأن تقدم العدم للممكن قبل وجوده لا يكون مرادا و لا هو صفة نفسية للممكن فهذا هو الإشكال فينبغي أن يعلم و المقتدر لا يكون إلا في حال تعلق القدرة بالمقدور لأنه تعمل في تعلق القدرة بالمقدور لإيجاد عينه كالمكتسب و الكاسب فقد بان لك الفرقان بين الأسماء و إن كانت تطلب صفة واحدة و لكن بوجوه مختلفة إذ لا يصح الترادف في العالم لأن الترادف تكرار و ليس في الوجود تكرار جملة واحدة للاتساع الإلهي فاعلم ذلك و ما وجدنا في الشرع للكلام اسما إلهيا إلا الشكور و المجيب فالكلام ما وجدنا اسما من لفظ اسمه في الشرع و كذلك الإرادة ليس لها اسم في علمي من لفظ اسمهما غير أن من أسمائها من جهة معناها أسماء الأفعال فإنه قال فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و لها تعلق صعب التصور و هو إرادته أن يقول و ليس قوله من الأفعال و لا هو نسبة عدمية و لا صفة عدمية و كذلك يتصور في القدرة أيضا و ذلك أن يقال الحق قادر أن يكلم عباده بما شاء فهنا علم ينبغي أن يعرف و ذلك أن الله أدخل تعلق إرادته تحت حكم الزمان فجاء بإذا و هي من صيغ الزمان فقال إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ و الزمان قد يكون مزادا و لا يصح فيه إذا لأنه لم يكن بعد فيكون له حكم فعلم هذا من علوم غامض الأسماء الإلهية ثم اعلم أن الذي يعقد عليه أهل الله تعالى في أسمائه سبحانه هي ما سمي به نفسه في كتبه أو على ألسنة رسله و أما إذا أخذناها من الاشتقاق أو على جهة المدح فإنها لا تحصى كثرة و الله يقول وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ و ورد في الصحيح أن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة و ما قدرنا على تعيينها من وجه صحيح فإن الأحاديث الواردة فيها كلها مضطربة لا يصح منها شي‏ء و كل اسم إلهي يحصل لنا من طريق الكشف أو لمن حصل فلا نورده في كتاب و إن كنا ندعو به في نفوسنا لما يؤدي إليه ذلك من الفساد في المدعين الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ و في زماننا منهم كثير و لما فحصنا عن الحفاظ لم نر أحدا اعتنى بها مثل الحافظ أبي محمد علي بن سعيد بن حزم الفارسي و غاية ما وصلت إليه قدرته ما أذكره من الأسماء الحسنى هذا مبلغ إحصائه فيها من الطرق الصحاح على ما حدثناه علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الفريابي عن أبي محمد عبد الحق بن عبد الله الأزدي الإشبيلي و حدثناه عبد الحق إجازة و غير واحد ما بين سماع و قراءة و إجازة عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني عن أبي محمد علي بن حزم الفارسي قال إنما تؤخذ يعني الأسماء من نص القرآن و مما صح عن النبي ص و قد بلغ إحصاؤنا ما نذكره و هي‏ الله الرحمن الرحيم العليم الحكيم الكريم العظيم حليم القيوم الأكرم السلام التواب الرب الوهاب الأقرب سميع مجيب واسع العزيز الشاكر القاهر الآخر الظاهر الكبير الخبير القدير البصير الغفور الشكور الغفار القهار الجبار المتكبر المصور البر مقتدر الباري العلي الغني الولي القوي الحي الحميد المجيد الودود الصمد الأحد الواحد الأول الأعلى المتعال الخالق الخلاق الرزاق الحق اللطيف رءوف عفو الفتاح المتين المبين المؤمن المهيمن الباطن القدوس الملك مليك الأكبر الأعز السيد سبوح وتر محسان جميل رفيق المسعر القابض الباسط الشافي المعطي المقدم المؤخر الدهر فهذا الذي روينا عن أشياخنا عن أشياخهم عنه في إحصائه و عندنا من القرآن أسماء أخر جاءت مضافة و هي عندنا من الأسماء و ليست عنده من الأسماء و كذلك في الأخبار و من أراد أن يقف على أسماء الله تعالى على الحقيقة فلينظر في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و على الحقيقة فما في الوجود إلا أسماؤه و لكن حجبت عيون البصائر عن العلم بها أعيان الأكوان فإنه سبحانه الواقي لا غيره فهو المحتجب بكل واق و شبه هذا فهو فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا و جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً و جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و قيام السموات و الأرض و هو الصبور و قابِلِ التَّوْبِ و سَرِيعُ الْحِسابِ و شَدِيدُ الْعِقابِ و رَفِيعُ الدَّرَجاتِ و ذُو الْعَرْشِ و ذو المعارج و قد رميت بك على الطريق فهذا قسم الصفات الدالة على المعاني و النسب و الإضافات كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن‏ (القسم الثالث) و هو أسماء الأفعال‏ و هي صريح كالمصور و مضمن مثل قوله وَ مَكَرَ الله و أسماء الأفعال كلها أسماء الإرادة (القسم الرابع) أسماء الاشتراك‏ كاسمه المؤمن و الرب فالمؤمن المصدق و المؤمن معطي الأمان و الرب المالك و الرب المصلح و الرب السيد و الرب المربي و الرب الثابت فإذا حصل بيدك اسم من الأسماء الإلهية فانظر في أية مرتبة هو من هذه المراتب فادع به من حيث مرتبته لا تخرجه عنها جملة واحدة و لا تغفل عن دلالته على الذات التي لها هذه النعوت كلها تكن أحدي العين في عين الكثرة فتكون الواحد الكثير فإن المراتب و الحقائق تطلب الأسماء لمن هي صفاته حتى إذا دعي بها زهت و علمت إن لله بها عناية حيث أطلق عليه من أحكامها أسماء و حيث جعل ذاته محلا لأحكامها فالحلم معنى معقول يطلق منه اسم على من ظهر فيه حكمه و هو الحليم مع المقدرة و المتجاوز و الصفوح و العفو و كذلك مرتبة الكرم معنى معقول يطلق منه اسما على من ظهر منه حكمه كالكريم و المعطي و الجواد و الوهاب و المنعم و هكذا تأخذ جميع الأسماء على حد ما أشرت إليك و لا تتعد بها مراتبها مع علمك أنه ليس في أسماء الله ترادف و إنها كلها متباينة فهذا قد أبنت لك عن العلم الأول من المعرفة الذي لأهل الله مجملا مع نبذ من التفصيل فتفهم ذلك‏ النوع الثاني من علوم المعرفة و هو علم التجلي‏ اعلم أن التجلي الإلهي دائم لا حجاب عليه و لكن لا يعرف أنه هو و ذلك أن الله لما خلق العالم أسمعه كلامه في حال عدمه و هو قوله كن و كان مشهودا له سبحانه و لم يكن الحق مشهودا له و كان على أعين الممكنات حجاب العدم لم يكن غيره فلا تدرك الموجود و هي معدومة كالنور ينفر الظلمة فإنه لا بقاء للظلمة مع وجود النور كذلك العدم و الوجود فلما أمرها بالتكوين لإمكانها و استعداد قبولها سارعت لترى ما ثم لأن في قوتها الرؤية كما في قوتها السمع من حيث الثبوت لا من حيث الوجود فعند ما وجد الممكن انصبغ بالنور فزال العدم و فتح عينيه فرأى الوجود الخير المحض فلم يعلم ما هو و لا علم أنه الذي أمره بالتكوين فأفاده التجلي علما بما رآه لا علما بأنه هو الذي أعطاه الوجود فلما انصبغ بالنور التفت على اليسار فرأى العدم فتحققه فإذا هو ينبعث منه كالظل المنبعث من الشخص إذا قابلة النور فقال ما هذا فقال له النور من الجانب الأيمن هذا هو أنت فلو كنت أنت النور لما ظهر للظل عين فإنا النور و أنا مذهبه‏و نورك الذي أنت عليه إنما هو من حيث ما يواجهني من ذاتك ذلك لتعلم أنك لست أنا فإنا النور بلا ظل و أنت النور الممتزج لإمكانك فإن نسبت إلى قبلتك و إن نسبت إلى العدم قبلك فأنت بين الوجود و العدم و أنت بين الخير و الشر فإن أعرضت عن ظلك فقد أعرضت عن إمكانك و إذا أعرضت عن إمكانك جهلتني و لم تعرفني فإنه لا دليل لك على أني إلهك و ربك و موجدك إلا إمكانك و هو شهودك ظلك و إن أعرضت عن نورك بالكلية و لم تزل مشاهدا ظلك لم تعلم أنه ضل إمكانك و تخيلت أنه ظل المحال و المحال و الواجب متقابلان من جميع الوجوه فإن دعوتك لم تجبني و لم تسمعني فإنه يصمك ذلك المشهود عن دعائي فلا تنظر إلي نظرا يفنيك عن ظلك فتدعى أنك أنا فتقع في الجهل و لا تنظر إلى ظلك نظرا يفنيك عني فإنه يورثك الصمم فتجهل ما خلقتك له فكن تارة و تارة و ما خلق الله لك عينين إلا لتشهدني بالواحدة و تشهد ظلك بالعين الأخرى و قد قلت لك في معرض الامتنان أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي بينا له الطريقين طريق النور و الظل إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً فإن العدم المحال ظلمة و عدم الممكن ظل لا ظلمة و لهذا في الظل راحة الوجود و اعلم أن التجلي الأول الذي حصل للممكن عند ما اتصف بالوجود و انصبغ بالنور هو التجلي للأرواح النورية التي ليست لها هذه الهياكل المظلمة و لكن لها ظل إمكانها الذي لا يبرح فيها و هي و إن كانت نورا بما انصبغت به فظلها فيها لا ظهور له عليها و حكمه فيها لا يزول و هذه المرتبة كان يريد أن يكون‏ نهى رسول الله ص إذ كان يقول في دعائه اللهم اجعلني نورا ثم بعد هذا التجلي الإبداعي الذي هيم بعض الأرواح النورية تجلى تجليا لبعض هذه الأرواح المبدعة فعلم منه في هذا التجلي جميع المراتب التي تظهر عنه في عالم الأنوار و الظلم و اللطائف و الكثائف و البسائط و المركبات و الجواهر و الأعراض و الأزمنة و الأمكنة و الإضافات و الكيفيات و الكميات و الأوضاع و الفاعلات و المنفعلات إلى يوم القيامة و أنواع العالم و مبلغها مائتا ألف مرتبة و سبع آلاف مرتبة و ستمائة مرتبة و قام هذا العدد من ضرب ثلاثمائة و ستين في مثلها ثم أضيف إليها ثمانية و سبعون ألفا فكان المجموع ما ذكرناه و هو علم العقل الأول و عمر العالم من حين ولي النظر فيه هذا المفعول الإبداعي و ما قبل ذلك فمجهول لا يعلمه إلا الله تعالى فلما علم العقل من هذا التجلي هذه المراتب و هي علومه كان من جملة ذلك انبعاث النفس الكلية عنه و هي أول مفعول انبعاثي و هي ممتزجة بين ما انفعل عنها و بين ما انفعلت عنه فالذي انفعلت عنه نور و الذي انفعل عنها ظلمة و هي الطبيعة فظهر ظل النفس في ظاهرها مما يلي جانب الطبيعة لكن لم يمتد عنها ظلها كما يمتد عن الأجسام الكثيفة و انتقش فيها جميع ما للعقل من العلوم التي ذكرناها و لها وجه خاص إلى الله لا علم للعقل به فإنه سر الله الذي بينه و بين كل مخلوق لا تعرف نسبته و لا يدخل تحت عبارة و لا يقدر مخلوق على إنكار وجوده فهو المعلوم المجهول و هذا هو التجلي في الأشياء المبقي أعيانها و أما التجلي للأشياء فهو تجلى يفني أحوالا و يعطي أحوالا في المتجلي له و من هذا التجلي توجد الأعراض و الأحوال في كل ما سوى الله ثم له تجل في مجموع الأسماء فيعطي في هذا التجلي في العالم المقادير و الأوزان و الأمكنة و الأزمان و الشرائع و ما يليق بعالم الأجسام و عالم الأرواح و الحروف اللفظية و الرقمية و عالم الخيال ثم له تجل آخر في أسماء الإضافة خاصة كالخالق و ما أشبهه من الأسماء فيظهر في العالم التوالد و التناسل و الانفعالات و الاستحالات و الأنساب و هذه كلها حجب على أعيان الذوات الحاملات لهذه الحجب عن إدراك ذلك التجلي الذي لهذه الحجب الموجد أعيانها في أعيان الذوات و بهذا القدر تنسب الأفعال للأسباب و لولاها لكان الكشف فلا يجهل و لكن كما قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و وقوع خلاف المعلوم محال فبالتجلي تغير الحال على الأعيان الثابتة من الثبوت إلى الوجود و به ظهر الانتقال من حال إلى حال في الموجودات و هو خشوع تحت سلطان التجلي فله النقيضان يمحو و يثبت و يوجد و يعدم و قد بين الله لنا ذلك بقوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا فنقله من حال الشموخ إلى حال الخشوع و الاندكاك و قال ص في الحديث الذي صححه الكشف إن الله إذا تجلى لشي‏ء خشع له‏ فالله متجل على الدوام لأن التغيرات مشهودة على الدوام في الظواهر و البواطن و الغيب و الشهادة و المحسوس و المعقول فشأنه التجلي و شأن الموجودات التغيير بالانتقال من حال إلى حال فمنا من يعرفه و منا من لا يعرفه فمن عرفه عبده في كل حال و من لم يعرفه أنكره في كل حال‏ ثبت في الصحيح أن النبي ص قال الحمد لله على كل حال‏ فأثنى عليه على كل حال لأنه المعطي بتجليه كل حال و أوضح من هذا في التبليغ ما يكون مع إقامة الحدود و إنكار ما ينبغي أن ينكر فإن المنكر بالتغيير أنكر يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ أحوال إلهية في أعيان كيانية بأسماء نسبية عينتها تغييرات كونية فتجلى أحدي العين في أعيان مختلفة الكون فرأت صورها فيه فشهد العالم بعضه بعضا في تلك العين فمنه المناسب و هو الموافق و منه غير المناسب و هو المخالف فظهرت الموافقة و الخلاف في أعيان العالم دنيا و آخرة لأنه لا تزال أعيان العالم تبصر بعضها بعضا في تلك العين المنجلية فتنعكس أنوارها عليها بما تكتسبه من تلك العين فيحدث في العالم ما يحدث دنيا و آخرة عن أثر حقيقة تلك العين لما تعلقت بها أبصار العالم كالمرآة تقابل الشمس فينعكس ضوءها على القطن المقابل لانعكاس النور فيحدث فيه الحرق هذا عين ما يظهر في العالم من تأثير بعضه في بعض من شهود تلك العين فالمؤثر روحاني و الذي تأثر طبيعي و ما من شي‏ء تكون له صورة طبيعية في العالم إلا و لها روح قدسي و تلك العين لا تنحجب أبدا فالعالم في حال شهود أبدا و التغيير كائن أبدا لكن الملائم و غير الملائم و هو المعبر عنه بالنفع و الضرر فهذا علم التجلي من أحد أقسام المعرفة إن لم يحصل للإنسان مع بقية إخوانه فليس بعارف و لا حصل له مقام المعرفة النوع الثالث من المعرفة و هو العلم بخطاب الحق عباده بالسنة الشرائع‏ اعلم وفقك الله أن ما عدا الثقلين من كل ما سوى الله على معرفة بالله و وحي من الله و علم بمن تجلى له مفطور على ذلك سعيد كله و لهذا قال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ فعم ثم فصل ليبين للناس ما نزل إليهم فقال وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ و هو قوله إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ يقول و ما هم قليل يعني أنهم كثير فهو قوله وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ ثم قال وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ و سبب ذلك إن وكله من حيث نفسه الناطقة الموجودة بين الطبيعة و النور بما جعل الله فيها من الفكر ليكتسب به المعرفة بالله تعالى اختيارا من الله و أعطاها العقل كما أعطى سائر الموجودات و أعطاه صفة القبول و عشقه بالقوة المفكرة لاستنباط العلوم من ذاته لتظهر فيه قوة إلهية فإنه يحب الرئاسة و الظهور و الشفوف على أبناء جنسه لاشتراكهم في ذلك ثم لما أعطاهم القوة المفكرة نصب لهم علامات و دلائل تدل على الحدوث لقيامها بأعيانهم و نصب لهم دلائل و علامات تدل على القدم الذي هو عبارة عن نفي الأولية عن وجوده و تلك الدلائل بأعيانها هي التي نصبها للدلالة على الحدوث فسلبها عن الذات القديمة المسماة الله هو الدليل ليس غير ذلك فللأدلة وجهان و هي عين واحدة يدل ثبوتها على حدوث العالم و سلبها على موجد العالم فلما نظر بهذا النظر و قال عرفت الله بما نصبه من الأدلة على معرفتنا بنا و به و هي الآيات المنصوبة في الآفاق و في أنفسنا حتى يتبين لنا أنه الحق و قد تبين و هو الذي عبرنا عنه بالتجلي فإن التجلي إنما هو موضوع للرؤية و ذلك قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا فذكر الرؤية و الآيات للتجلي فيتبين لهم أنه الحق يعني ذلك التجلي الذي رأوه علامة أنه علامة على نفسه ف يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ المطلوب و لهذا تمم فقال في الآية عينها أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يعني أن يكون دليلا على نفسه و أوضح الدلالات دلالة الشي‏ء على نفسه بظهوره فلما حصلت لعقولهم هذه المعرفة بالتنزيه عما نسبوه إلى ذوات العالم و هو دليل واحد العين متردد في الدلالة بين سلب لمعرفة الله و بين إثبات لمعرفة العالم أقام الحق لهذا الجنس الإنساني شخصا ذكر أنه جاء إليهم من عند الله برسالة يخبرهم بها فنظروا بالقوة المفكرة فرأوا إن الأمر جائز ممكن فلم يقدموا على تكذيبه و لا رأوا علامة تدل على صدقه فوقفوا و سألوه هل جئت إلينا بعلامة من عنده حتى نعلم أنك صادق في رسالتك فإنه لا فرق بيننا و بينك و ما رأينا لك أمرا تميزت به عنا و باب الدعوى مفتوح و من الدعوى ما يصدق و منها ما لا يصدق فجاء بالمعجزة فنظروا فيها نظر إنصاف و هي بين أمرين الواحد أن تكون مقدورة لهم فيدعي الصرف عنها مطلقا فلا تظهر إلا على يدي من هو رسول إلى يوم القيامة هذا إذا كانت معجزة لا آية فقط فإن المعجزات نصبت للخصم الألد الفاقد نور الايمان و الأمر الآخر أن تكون المعجزة خارجة عن مقدور البشر بالحس و الهمة معا فإذا أتى بأحد هذين الأمرين و تحققه الناظر دليلا آمن برسالته و صدقه في مقالته و إخباره عن ربه إذا كانت الدلالة على المجموع بحسب ما وقعت به الدعوى و لا يمكن في ذوق طريقنا تصديقه مع‏الدلالة إلا بتجل إلهي لقلبه من اسمه النور فإذا انصبغ باطنه بذلك النور صدقه فذلك نور الايمان و غيره لم يحصل عنده من ذلك النور شي‏ء مع علمه بأنه صادق من حيث الدلالة لا من حيث النور المقذوف في القلب فجحد مع علمه و هو قوله تعالى وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا و دونهم في هذه الرتبة من قيل فيه و أضله الله على علم فذلك نور العلم به لا نور الايمان فلما صدقه من صدقه و أظهر صدقه و اعتمد على عقله حيث قاده إلى الحق و لم يحصل له ضوء من نور الايمان يستضي‏ء به و ما علم أنه بذلك النور صدقه لا بنور علمه الذي هو عند من جحده مع علمه بصدق دعواه فلما اعتمد على عقله هذا المصدق و جاء آخر من المصدقين به أيضا كشف الله له عن نور إيمانه و نور علمه فكان نورا على نور و جاء ثالث ما عنده من نور العلم النظري شي‏ء و لا يعرف موضع الدلالة من تلك الآية المعجزة و قذف الله في قلبه نور الايمان فآمن و صدق و ليس معه نور علم نظري و لكن فطرة سليمة و عقل قابل و هيكل منور بعيد من استعمال الفكر فسارع في القبول فقعد هؤلاء الثلاثة الأصناف بين يدي هذا الرسول الذي صدقوه فأخذ الرسول يصف لهم مرسله الحق تعالى ليعرفهم به المعرفة التي ليست عندهم مما كانوا قد أحالوا مثل ذلك على الحق تعالى و سلبه عنه أهل الأدلة النظرية و أثبتوا تلك الصفات للمحدثات دلالة على حدوثها فلما سمعوا ما تنكره الأدلة العقلية النظرية و ترده افترقوا عند ذلك على فرق فمنهم من ارتد على عقبه و شك في دليله الذي دله على صدقه و أقام له في ذلك الدليل شبهات قادحة فيه صرفته عن الايمان و العلم به فارتد على عقبه و منهم من قال إن في جمعنا هذا من ليس عنده سوى نور الايمان و لا يدري ما العلم و لا ما طريقه و هذا الرسول لا نشك في صدقه و في حكمته و من الحكمة مراعاة الأضعف فخاطب هذا الرسول بهذه الصفات التي نسبها إلى ربه أنه عليها هذا الضعيف الذي لا نظر له في الأدلة و ليس عنده سوى نور الايمان رحمة به لأنه لا ينبت له الايمان إلا بمثل هذا الوصف و للحق أن يصف نفسه بما شاء على قدر عقل القابل و إن كان في نفسه على خلاف ذلك و اتكل هذا المخبر بهذا الوصف و المراعي حق هذا الأضعف على ما يعرفه من علمنا به و تحققه من صدقنا فيه و وقوفنا مع دليلنا فلا يقدح شي‏ء من هذا فيما عندنا إذ قد عرفنا مقصود هذا الرسول بالأمر فثبتوا على إيمانهم مع كونهم أحالوا ما وصف الرسول به ربه في أنفسهم و أقروه حكمة و استجلابا للأضعف و فرقة أخرى من الحاضرين قالوا هذا الوصف يخالف الأدلة و نحن على يقين من صدق هذا المخبر و غايتنا في معرفتنا بالله سلب ما نسبناه لحدوثها فهذا أعلم بالله منا في هذه النسبة فنؤمن بها تصديقا له و نكل علم ذلك إليه و إلى الله فإن الايمان بهذا اللفظ ما يضرنا و نسبة هذا الوصف إليه تعالى مجهولة عندنا لأن ذاته مجهولة من طريق الصفات الثبوتية و السلب فما يعول عليه و الجهل بالله هو الأصل فالجهل بنسبة ما وصف الحق نفسه به في كتابه أعظم فلنسلم و لنؤمن على علمه بما قاله عن نفسه و فرقة أخرى من الحاضرين قالوا لا نشك في دلالتنا على صدق هذا المخبر و قد آتانا في نعت الله الذي أرسله إلينا بأمور إن وقفنا عند ظاهرها و حملناها عليه تعالى كما نحملها على نفوسنا أدى إلى حدوثه و زال كونه إلها و قد ثبت فننظر هل لها مصرف في اللسان الذي جاء به فإن الرسول ما أرسل إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ فنظروا أبوابا مما يؤول إليها ذلك الوصف مما يقتضي التنزيه و ينفي التشبيه فحملوا تلك الألفاظ على ذلك التأويل فإذا قيل لهم في ذلك أي شي‏ء دعاكم إلى ذلك قالوا أمر أن القدح في الأدلة فإنا بالأدلة العقلية أثبتنا صدق دعواه و لا نقبل ما يقدح في الدلالة العقلية فإن ذلك قدح في الدلالة على صدقه و الأمر الآخر قد قال لنا هذا الصادق إن الله الذي أرسله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و وافق الأدلة العقلية فتقوى صدقه عندنا بمثل هذا فإن قلنا ما قاله في الله على الوجه الذي يعطيه ظاهر اللفظ و نحمله عليه كما نحمله على المحدثات ضللنا فأخذنا في التأويل إثباتا للطريقين و فرقة أخرى و هي أضعف الفرق لم يتعدوا حضرة الخيال و ما عندهم علم بتجريد المعاني و لا بغوامض الأسرار و لا علموا معنى قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و لا قوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و هم واقفون في جميع أمورهم مع الخيال و في قلوبهم نور الايمان و التصديق و عندهم جهل باللسان فحملوا الأمر على ظاهره و لم يردوا علمه إلى الله فيه فاعتقدوا نسبة ذلك النعت إلى الله مثل نسبته إلى نفوسهم و ما بعد هذه الطائفة طائفة في الضعف أكثر منها فإنهم على نصف الايمان حيث‏قبلوا نعت التشبيه و لم يعقلوا نعوت التنزيه من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و الفرقة الناجية من هؤلاء الفرق المصيبة للحق هي التي آمنت بما جاء من عند الله على مراد الله و علمه في ذلك مع نفي التشبيه ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فهذه يا ولي ألسنة الشرائع في العالم فجاء بالصورة في حق الحق و العين و اليد و الرجل و السمع و البصر و الرضي و الغضب و التردد و التبشبش و التعجب و الفرح و الضحك و الملل و المكر و الخداع و الاستهزاء و السخرية و السعي و الهرولة و النزول و الاستواء و التحديد في القرب و الصبر على الأذى و ما جرى هذا المجرى مما هو نعت المخلوقين ذلك لنؤمن عامة و لنعلم أن التجلي الإلهي في أعيان الممكنات أعطى هذه النعوت فلا شاهد و لا مشهود إلا الله فالسنة الشرائع دلائل التجليات و التجليات دلائل الأسماء الإلهية فارتبطت أبواب المعرفة بعضها ببعض فكل لفظ جاءت به الشريعة فهو على ما جاءت به لكن عالمنا يعرف بأي لسان تكلم الشرع و لمن خاطب و بمن خاطب و بما خاطب و لمن ترجع الأفعال و إلى من تنسب الأقوال و من المتقلب في الأحوال و من قال سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ لنقول و لا بشي‏ء من آلائك ربنا نكذب هذا أراد أن يسمع منا و قد قلناه و الحمد لله‏ (النوع الرابع) من علوم المعرفة و هو العلم بالكمال و النقص في الوجود اعلم أنه من كمال الوجود وجود النقص فيه إذ لو لم يكن لكان كمال الوجود ناقصا بعدم النقص فيه قال تعالى في كمال كل ما سوى الله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فما نقصه شيئا أصلا حتى النقص أعطاه خلقه فهذا كمال العالم الذي هو كل ما سوى الله إلا الله ثم الإنسان فلله كمال يليق به و للإنسان كمال يقبله و من نقص من الأناسي عن هذا الكمال فذلك النقص الذي في العالم لأن الإنسان من جملة العالم و ما كل إنسان قبل الكمال و ما عداه فكامل في مرتبته لا ينقصه شي‏ء بنص القرآن‏ قال ص في الإنسان كمل من الرجال كثيرون و من النساء مريم و آسية و فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام فما ظهر في العالم نقص إلا في هذا الإنسان و ذلك لأنه مجموع حقائق العالم و هو المختصر الوجيز و العالم هو المطول البسيط فأما كمال الألوهية فظاهر بالشرائع و أما بأدلة العقول فلا فعين ما يراه العقل كما لا هو النقص عند الله لو كان كما يقتضيه دليل العقل فجاء العقل بنصف معرفة الله و هو التنزيه و سلب أحكام كثيرة عنه تعالى و جاء الشارع يخبر عن الله بثبوت ما سلب عنه العقل بدلالته و تقرير ما سلبه عنه فجاء بالأمرين للكمال الذي يليق به تعالى فحير العقول فهذا هو الكمال الإلهي فلو لم يعط الحيرة لما ذكره لكان تحت حكم ما خلق فإن القوي الحسية و الخيالية تطلبه بذواتها لترى موجدها و العقول تطلبه بذواتها و أدلتها من نفي و إثبات و وجوب و جواز و إحالة لتعلم موجدها فخاطب الحواس و الخيال بتجريده الذي دلت عليه أدلة العقول و الحواس تسمع فحارت الحواس و الخيال و قالوا ما بأيدينا منه شي‏ء و خاطب العقول بتشبيهه الذي دلت عليه الحواس و الخيال و العقول تسمع فحارت العقول و قالت ما بأيدينا منه شي‏ء فعلا عن إدراك العقول و الحواس و الخيال و انفرد سبحانه بالحيرة في الكمال فلم يعلمه سواه و لا شاهده غيره فلم يحيطوا به علما و لا رأوا له عينا فآثار تشهد و جناب يقصد و رتبة تحمد و إله منزه و مشبه يعبد هذا هو الكمال الإلهي و بقي الإنسان متوسط الحال بين كمال الحيرة و الحد و هو كمال العالم فبالإنسان كمل العالم و ما كمل الإنسان بالعالم فلما انحصرت في الإنسان حقائق العالم بما هو إنسان لم يتميز عن العالم إلا بصغر الحجم خاصة و بقيت له رتبة كماله فجميع الموجودات قبلت كمالها و الحق كامل و الإنسان انقسم قسمين قسم لم يقبل الكمال فهو من جملة العالم غير أنه مجموع العالم جمعية المختصر من الكبير و قسم قبل الكمال فظهرت فيه لاستعداده الحضرة الإلهية بكمالها و جميع أسمائها فأقام هذا القسم خليفة و كساه حلة الحيرة فيه فنظرت الملائكة إلى نشأة جسده فقالت فيه ما قالت لتنافر حقائقه التي ركب الله فيها جسده فلما أعلمها الحق بما خلقه عليه و أعطاه إياه حارت فيه فقالت لا علم لنا و الحائر لا علم له فأعطاه علم الأسماء الإلهية التي لم تسبحه الملائكة بها و لا قدسته كما قال ع إنه يحمد الله غدا في القيامة عند سؤاله في الشفاعة بمحامد لا يعلمها الآن يقتضيها الموطن‏ فإن محامد الله تعالى بحسب ما تطلبها المواطن و النشآت فأعطت نشأة آدم و من أشبهه من أولاده الأهلية للخلافة في العالم و ما كان ذلك لغيرهم فكان كمال‏الإنسان بهذا الاستعداد لهذا التجلي الخاص فظهر بأسماء الحق على تقابلها و أعطاه الحق فيما بين له مصارفها فهو يظهر بما ظهر من استخلفه و هي المسمى في الخلافة بالحق و العدل قال الله لداود إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فيهوي بمتبعه عن هذه الدرجة التي أهلت لها و أهلت لك و لأمثالك كما قال أبو العتاهية

أتته الخلافة منقادة إليه تجرر أذيالها
و لم تك تصلح إلا له و لم يك يصلح إلا لها
و لو رامها أحد غيره لزلزلت الْأَرْضُ زِلْزالَها

فإذا أعطى التحكم في العالم فهي الخلافة فإن شاء تحكم و طهر كعبد القادر الجيلي و إن شاء سلم و ترك التصرف لربه في عباده مع التمكن من ذلك لا بد منه كأبي مسعود بن الشبلي إلا أن يقترن به أمر إلهي كداود ع فلا سبيل إلى رد أمر الله فإنه الهوى الذي نهي عن اتباعه و كعثمان رضي الله عنه الذي لم يخلع ثوب الخلافة عن عنقه حتى قتل لعلمه بما للحق فيه فإن رسول الله ص نهاه أن يخلع عنه ثوب الخلافة فكل من اقترن بتحكمه أمر إلهي وجب عليه الظهور به و لا يزال مؤيدا و من لم يقترن به أمر إلهي فهو مخير إن شاء ظهر به ظهر بحق و إن شاء لم يظهر فاستتر بحق و ترك الظهور أولى فتلحق الأولياء الأنبياء بالخلافة خاصة و لا يلحقونهم في الرسالة و النبوة فإن بابهما مسدود فللرسول الحكم فإن استخلف فله التحكم فإن كان رسولا فتحكمه بما شرع و إن لم يكن رسولا فتحكمه عن أمر الله بحكم وقته الذي هو شرع زمانه فإنه بالحكم ينسب إلى العدل و الجور انتهى الجزء العاشر و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(النوع الخامس) من علوم المعرفة و هو علم الإنسان بنفسه من جهة حقائقه‏ اعلم أن الإنسان ما أعطى التحكم في العالم بما هو إنسان و إنما أعطى ذلك بقوة إلهية ربانية إذ لا تتحكم في العالم إلا صفة حق لا غير و هي في الإنسان ابتلاء لا تشريف و لو كانت تشريفا بقيت معه في الآخرة في دار السعداء و لو كانت تشريفا ما قيل له وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فحجرت عليه و التحجير ابتلاء و التشريف إطلاق و لا نسب في التحكم إلى عدل و لا إلى جرر و لا ولي الخلافة في العالم إلا أهل الله بل ولى الله التحكم في العالم من أسعده الله به و من أشقاه من المؤمنين و مع هذا أمرنا الحق أن نسمع له و نطيع و لا نخرج يدا من طاعة و قال فإن جاروا فلكم و عليهم و هذه حالة ابتلاء لا حالة شرف فإنه في حركاته فيها على حذر و قدم غرور و لهذا يكون يوم القيامة على بعض الخلفاء ندامة فإذا وقف الإنسان على معرفة نفسه و اشتغل بالعلم بحقائقه من حيث ما هو إنسان فلم ير فرقا بينه و بين العالم و رأى أن العالم الذي هو ما عدا الثقلين ساجد لله فهو مطيع قائم بما تعين عليه من عبادة خالقه و منشئه طلب الحقيقة التي يجتمع فيها مع العالم فلم يجد إلا الإمكان و الافتقار و الذلة و الخضوع و الحاجة و المسكنة ثم نظر إلى ما وصف به الحق العالم كله فرآه قد وصفه بالسجود له حتى ظله و رأى أنه ما وصف بذلك من جنسه إلا الكثير لا الكل كما وصف كل جنس من العالم فخاف أن يكون من الكثير الذي حق عليه العذاب ثم رأى أن العالم قد فطروا بالذات على عبادة الله و افتقر هذا الإنسان إلى من يرشده و يبين له الطريق المقربة إلى سعادته عند الله لما سمع الله يقول وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فعبده بالافتقار إليه كما عبد سائر العالم ثم رأى أن الله قد حد له حدودا و رسم له أمورا و نهاه أن يتعداها و إن يأتي من أمره سبحانه ما استطاع فتعين عليه العلم بما شرع الله له ليقيم عبادة الله الفرعية كما أقام العبادة الأصلية فإن العبادة الأصلية هي التي تطلبها ذوات الممكنات بما هي ممكنات و العبادات الفرعية هي أعمال يفتقر فيها العبد إلى إخبار إلهي من حيث ما يستحقه سيده و ما تقتضيه عبوديته فإذا علم أمر سيده و نهيه و وفى حق سيده تعالى و حق عبودته فقد عرف نفسه و كل من عرف نفسه عرف ربه و من عرف ربه عبده بأمره فما ثم من جمع بين العبادتين عبادة الأمر و عبادة النهي إلا الثقلان فإن الأرواح الملكية لا نهي عندها؟؟ قال فيهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ و لم يذكر لهم نهي و قال في عبادتهم الذاتية يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ‏يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ فإن حقيقة نشأتهم تعطي ذلك فهذه هي العبادة الذاتية و هي عبادة سارية في كل ما سوى الله و لما كان الإنسان مجموع حقائق العالم كما قلنا و عرف نفسه من جهة حقائقه تعين عليه أن يقوم وحده من حيث هو بعبادة جميع العالم و إن لم يفعل فما عرف نفسه من جهة حقائقه لأنها عبادة ذاتية و صورة معرفته بذلك أن يشاهد جميع حقائقه كلها في عبادتها كشفا كما هي عليه في نفسها سواء كوشف بذلك أو لم يكاشف فهذا الذي أريده بالعلم بحقائقه أي عن الكشف فإذا شاهدها لم يتمكن له مخالفة أمر سيده فيما أمر به من عبادته بالوقوف عند حدوده و مراسمه فيما دخل فيه و فيما خرج عنه فإذا قال سبحان الله بكله على ما رسمنا انتقش في جوهر نفسه جميع ما قاله العالم كله من حيث تلك التسبيحة و هذه هي النفس الزكية التي تسمى لسان العالم بحيث لو صح أن يتعطل شي‏ء من العالم في عبادة ربه لقام هذا العبد العارف بهذا القدر مقامه فيما فرط فيه و سد مسده لو تصور هذا و يجازى هذا العبد من جانب الحق بهذا القدر و هو مجازاة الأصغر بجائزة الأكبر يقول لو قدرنا العالم كله ما سوى الإنسان غفل عن عبادة الله طرفة عين و كان هذا الإنسان ذاكر الله قائما بحقه في تلك اللحظة ناب مناب العالم و سد مسده فجوزي بجزاء العالم كله و إن كان لا يتصور من العالم غفلة فإنه ليس من أهل الغفلة إلا الثقلان خاصة فانظر ما أعطاك العلم بنفسك و بما أنت عليه من حقائق الكون‏ (النوع السادس) من علوم المعرفة و هو علم الخيال‏ و عالمه المتصل و المنفصل و هذا ركن عظيم من أركان المعرفة و هذا هو علم البرزخ و علم عالم الأجساد التي تظهر فيها الروحانيات و هو علم سوق الجنة و هو علم التجلي الإلهي في القيامة في صور التبدل و هو علم ظهور المعاني التي لا تقوم بنفسها مجسدة مثل الموت في صورة كبش و هو علم ما يراه الناس في النوم و علم الموطن الذي يكون فيه الخلق بعد الموت و قبل البعث و هو علم الصور و فيه تظهر الصور المرئيات في الأجسام الصقيلة كالمرآة و ليس بعد العلم بالأسماء الإلهية و لا التجلي و عمومه أتم من هذا الركن فإنه واسطة العقد إليه تعرج الحواس و إليه تنزل المعاني و هو لا يبرح من موطنه تجبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و هو صاحب الإكسير الذي تحمله على المعنى فيجسده في أي صورة شاء لا يتوقف له النفوذ في التصرف و الحكم تعضده الشرائع و تثبته الطبائع فهو المشهود له بالتصرف التام و له التحام المعاني بالأجسام يحير الأدلة و العقول فلنبينه إن شاء الله في هذا الفصل بأوجز ما يمكن و أبلغ و الله الموفق لا رب غيره اعلموا يا إخواننا أنه ما من معلوم كان ما كان إلا و له نسبة إلى الوجود بأي نوع كان من أنواع الوجود فإنه على أربعة أقسام فمنها معلوم يجمع مراتب الوجود كلها و منها معلوم يتصف ببعض مراتب الوجود و لا يتصف ببعضها و هذه المراتب الأربعة التي للوجود منها الوجود العيني و هو الموجود في نفسه على أي حقيقة كان من الاتصاف بالدخول و الخروج أو بنفيهما فيكون مع كونه موجودا في عينه لا داخل العالم و لا خارج لعدم شرط الدخول و الخروج و هو التحيز و ليس ذلك إلا لله خاصة و أما ما هو من العالم قائم بنفسه غير متحيز كالنفوس الناطقة و العقل الأول و النفس و الأرواح المهيمة و الطبيعة و الهباء و أعني بهذه كلها أرواحها فكل ذلك داخل في العالم إلا أنه لا داخل أجسام العالم و لا خارج عنها فإنها غير متحيزات‏ (و المرتبة الثانية) الوجود الذهني و هو كون المعلوم متصورا في النفس على ما هو عليه في حقيقته فإن لم يكن التصور مطابقا للحقيقة فليس ذلك بوجود له في الذهن‏ (و المرتبة الثالثة) الكلام‏ و للمعلومات وجود في الألفاظ و هو الوجود اللفظي و يدخل في هذا الوجود كل معلوم حتى المحال و العدم فإن له الوجود اللفظي فإنه يوجد في اللفظ و لا يقبل الوجود العيني أبدا أعني المحال و أما العدم فإن كان العدم الذي يوصف به الممكن فيقبل الوجود العيني و إن كان العدم الذي هو المحال فلا يقبل الوجود العيني‏ (و المرتبة الرابعة) الوجود الكتابي‏ و هو الوجود الرقمي و هو نسبته إلى الوجود في الخط أو الرقم أو الكتابة و نسبة المعلومات كلها من المحال و غير المحال نسبة واحدة فهذا المحال و إن كان لا يوجد له عين فله نسبة وجود في اللفظ و الخط فما ثم معلوم لا يتصف بالوجود بوجه و سبب ذلك قوة الوجود الذي هو أصل الأصول و هو الله تعالى إذ به ظهرت هذه المراتب و تعينت هذه الحقائق و بوجوده عرف من يقبل مراتب الوجود كلها ممن لا يقبلها فالأسماء متكلما بها كانت أو مرقومة ينسحب وجودها على كل معلوم فيتصف ذلك المعلوم‏بضرب من ضروب الوجود فما في العلم معدوم مطلق العدم ليس له نسبة إلى الوجود بوجه ما هذا ما لا يعقل فافهم هذا الأصل و تحققه ثم اعلم بعد هذا أن حقيقة الخيال المطلق هو المسمى بالعماء الذي هو أول ظرف قبل كينونة الحق‏ ورد في الصحيح أنه قيل لرسول الله ص أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء و إنما قال هذا من أجل إن العماء عند العرب هو السحاب الرقيق الذي تحته هواء و فوقه هواء فلما سماه بالعماء أزال ما يسبق إلى فهم العرب من ذلك فنفى عنه الهواء حتى يعلم أنه لا يشبهه من كل وجه فهو أول موصوف بكينونة الحق فيه فإن للحق على ما أخبر خمس كينونات كينونة في العماء و هو ما ذكرناه و كينونة في العرش و هو قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ و كينونة في السماء في‏ قوله ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا و كينونة في الأرض و هو قوله وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و كينونة عامة و هو مع الموجودات على مراتبها حيثما كانت كما بين ذلك في حقنا فقال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و كل هذه النسب بحسب ما يليق بجلاله من غير تكييف و لا تشبيه و لا تصور بل كما تعطيه ذاته و ما ينبغي أن ينسب إليها من ذلك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ فلا يصل أحد إلى العلم و لا إلى الظفر بحقيقته الْحَكِيمُ الذي نزل لعباده في كلماته فقرب البعيد في الخطاب لحكمة أرادها تعالى ففتح الله تعالى في ذلك العماء صور كل ما سواه من العالم إلا إن ذلك العماء هو الخيال المحقق أ لا تراه يقبل صور الكائنات كلها و يصور ما ليس بكائن هذا لاتساعه فهو عين العماء لا غيره و فيه ظهرت جميع الموجودات و هو المعبر عنه بظاهر الحق في قوله هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و لهذا في الخيال المتصل يتخيل من لا معرفة له بما ينبغي لجلال الله بتصوره فإذا تحكم عليه الخيال المتصل فما ظنك بالخيال المطلق الذي هو كينونة الحق فيه و هو العماء فمن تلك القوة ضبطه الخيال المتصل ثم جاء الشرع في أماكن يقرر ما ضبطه الخيال المتصل من كينونة الحق في قبلة المصلي و في مواجهة المصلي إياه فقبله الخيال المتصل و هو من بعض وجوه الخيال المطلق الذي هو الحضرة الجامعة و المرتبة الشاملة و انتشاء هذا العماء من نفس الرحمن من كونه إلها لا من كونه رحمانا فقط فجميع الموجودات ظهر في العماء بكن أو باليد الإلهية أو باليدين إلا العماء فظهوره بالنفس خاصة و لو لا ما ورد في الشرع النفس ما أطلقناه مع علمنا به و كان أصل ذلك حكم الحب و الحب له الحركة في المحب و النفس حركة شوقية لمن تعشق به و تعلق له في ذلك التنفس لذة و قد قال تعالى كما ورد كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف‏ فبهذا الحب وقع التنفس فظهر النفس فكان العماء فلهذا أوقع عليه اسم العماء الشارع لأن العماء الذي هو السحاب يتولد من الأبخرة و هي نفس العناصر لما فيه من حكم الحرارة فلهذا الالتفات سماه عماء ثم نفى عنه الهواء الذي يحيط به كما يحيط بجسم السحاب و يصرفه الهواء حيث شاء فنفى أن يكون هذا العماء يتحكم فيه غيره إذ هو أقرب الموجودات إلى الله الكائن عن نفسه فلما عمر هذا العماء الخلأ كله الذي هو مكان العالم أو ظرفه إذ لو انعدم العالم لتبين الخلأ و هو امتداد متوهم في غير جسم فهذا العماء هو الحق المخلوق به كل شي‏ء و سمي الحق لأنه عين النفس و النفس مبطون في المتنفس هكذا يعقل فالنفس له حكم الباطن فإذا ظهر له حكم الظاهر ف هُوَ الْأَوَّلُ في الباطن وَ الْآخِرُ في الظاهر وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ فإنه فيه ظهر كل شي‏ء مسمى من معدوم يمكن وجود عينه و من معدوم يوجد عينه ثم ظهر في عين هذا العماء أرواح الملائكة المهيمة و ما هم ملائكة بل هم أرواح مطهرة ثم ما زال يظهر فيه صور أجناس العالم شيئا بعد شي‏ء و طورا بعد طور إلى أن كمل من حيث أجناسه فلما كمل بقيت الأشخاص من هذه الأجناس تتكون دائما تكوين استحالة من وجود إلى وجود لا من عدم إلى وجود فخلق آدم من تراب و خلق بنى آدم من نطفة و هي الماء المهين ثم خلق النُّطْفَةَ عَلَقَةً فلهذا قلنا في الأشخاص إنها مخلوقة من وجود لا من عدم فإن الأصل على هذا كان و هو العماء من النفس و هو وجود و هو عين الحق المخلوق به و أجناس العالم مخلوقون من العماء و أشخاص العالم مخلوقون من العماء أيضا و من أنواع أجناسه فما خلق شي‏ء من عدم لا يمكن وجوده بل ظهر في أعيان ثابتة و هو قولنا في أول هذا الكتاب الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم و عدمه عن عدم من حيث إنه لم يكن لها عين ظاهرة و عدمه و عدم العدم وجود أي و إن لم يكن لها عين فهذه العين من وجود ظهرت على الحقيقة فأعدمت العدم الأول الذي‏أثبته بنسبة ما فهو من حيث تلك النسبة ثابت و من هذه النسبة الأخرى منفي و إذا تحققت هذا فإن شئت قلت هو عن عدم و إن شئت قلت هو عن وجود بعد علمك بالأمر على ما هو عليه و لو لا قوة الخيال ما ظهر من هذا الذي أظهرناه لكم شي‏ء فإنه أوسع الكائنات و أكمل الموجودات و يقبل الصور الروحانيات و هو التشكل في الصور المختلفة من الاستحالة الكائنة و الاستحالة منها ما فيها سرعة كاستحالة الأرواح صورا جسدية و المعاني صورا جسدية تظهر في كون هذا العماء و ثم استحالات فيها بطء كاستحالة الماء هواء و الهواء نارا و النطفة إنسانا و العناصر نباتا و حيوانا فهذه كلها و إن كانت استحالات فما لها سرعة استحالة الصور في القوة المتخيلة في الإنسان و هو الخيال المتصل و لا في استحالات صور الأرواح في صور الأجسام أجسادا كالملائكة في صور البشر فإن السرعة هنالك أقوى و كذا زوالها أسرع من استحالات الأجسام بعد الموت إلى ما تستحيل إليه ثم إذا فهمت هذا الأصل علمت أن الحق هو الناطق و المحرك و المسكن و الموجد و المذهب فتعلم أن جميع الصور بما ينسب إليها مما هو له خيال منصوب و أن حقيقة الوجود له تعالى أ لا ترى إلى واضع خيال الستارة ما وضعه إلا ليتحقق الناظر فيه علم ما هو أمر الوجود عليه فيرى صورا متعددة حركاتها و تصرفاتها و أحكامها لعين واحدة ليس لها من ذلك شي‏ء و الموجد لها و محركها و مسكنها بيننا و بينه تلك الستارة المضروبة و هو الحد الفاصل بيننا و بينه به يقع التمييز فيقال فيه إله و يقال فينا عبيد و عالم أي لفظ شئت ثم إن هذا العماء هو عين البرزخ بين المعاني التي لا أعيان لها في الوجود و بين الأجسام النورية و الطبيعة كالعلم و الحركة هذا في النفوس و هذه في الأجسام فتتجسد في حضرة الخيال كالعلم في صورة اللبن و كذلك تعيين النسب و إن كانت لا عين لها لا في النفس و لا في الجسم كالثبات في الأمر نسبة إلى الثابت فيه يظهر هذا الثبات في صورة القيد المحسوس في حضرة الخيال المتصل و كالأرواح في صور الأجسام المتشكلة الظاهرة بها كجبريل في صورة دحية و من ظهر من الملائكة في صور الذر يوم بدر هذا في الخيال المنفصل و كالعصا و الحبال في صور الحيات تسعى كما قال يُخَيَّلُ إِلَيْهِ يعني إلى موسى من سِحْرِهِمْ أي من علمهم بما فعلوه أَنَّها تَسْعى‏ فأقاموا ذلك في حضرة الخيال فأدركها موسى مخيلة و لا يعرف أنها مخيلة بل ظن أنها مثل عصاه في الحكم و لهذا خاف فقيل له لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى‏ فالفرقان بين الخيال المتصل و الخيال المنفصل أن المتصل يذهب بذهاب المتخيل و المنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني و الأرواح فتجسدها بخاصيتها لا يكون غير ذلك و من هذا الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل و الخيال المتصل على نوعين منه ما يوجد عن تخيل و منه ما لا يوجد عن تخيل كالنائم ما هو عن تخيل ما يراه من الصور في نومه و الذي يوجد عن تخيل ما يمسكه الإنسان في نفسه من مثل ما أحس به أو ما صورته القوة المصورة إنشاء لصورة لم يدركها الحس من حيث مجموعها لكن جميع آحاد المجموع لا بد أن يكون محسوسا فقد يندرج المتخيل الذي هو صورة الملك في صورة البشر و هو من الخيال المنفصل في الخيال المتصل فيرفعه في الخيال المتصل و هو خيال بينهما صورة حسية لولاها ما رفع مثالها الخيال المتصل و من هذا الباب التجلي الإلهي في صور الاعتقادات و هذا مما يجب الايمان به‏ خرج مسلم في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري و هو حديث طويل و فيه حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر و فاجر فيأتيهم رب العالمين تبارك و تعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فيقول ما ذا تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم و لم نصاحبهم قال فيقول أنا ربكم قال فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم و بين ربكم آية تعرفونه بها فيقولون نعم قال ف يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود و لا يبقى من كان يسجد اتقاء و رياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رءوسهم و قد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم قال فيقولون نعم أنت ربنا الحديث فانظر نظر المنصف في هذا الخبر من تحول الحق سبحانه في الصور و هو سبحانه لا غيره فأنكر في صورة و أقر به في صورة و العين واحدة و الصور مختلفة فهذا عين ما أردناه من اختلاف الصور في العماء أعني صور العالم فالصور بما هي صور هي المتخيلات و العماء الظاهرة فيه هو الخيال و في هذا الحديث شفاء لكل صاحب علة إذااستعمله بالنظر السديد على الإنصاف و طلب الحق و هكذا تجليه على القلوب و في أعيان الممكنات فهو الظاهر و هو الصور بما تعطيه أعيان الممكنات باستعداد إنها فيمن ظهر فيها فالممكنات هو العماء و الظاهر فيه هو الحق و العماء هو الحق المخلوق به و اختلاف أعيان الممكنات في أنفسها في ثبوتها و الحكم لها فيمن ظهر فيها و هكذا أيضا تجلى الحق للنائم في حال نومه و يعرف أنه الحق و لا يشك و كذلك في الكشف و يقول له عابر الرؤيا حقا رأيت و هو في الخيال المتصل فما أوسع حضرة الخيال و فيها يظهر وجود المحال بل لا يظهر فيها على التحقيق إلا وجود المحال فإن الواجب الوجود و هو الله تعالى لا يقبل الصور و قد ظهر بالصورة في هذه الحضرة فقد قبل المحال الوجود الوجود في هذه الحضرة و فيها يرى الجسم في مكانين كما رأى آدم نفسه خارجا عن قبضة الحق فلما بسط الحق يده فإذا فيه آدم و ذريته الحديث فهو في القبضة و هو عينه خارج عن القبضة فلا تقبل هذه الحضرة إلا وجود المحالات و كذلك الإنسان في بيته نائم و يرى نفسه على صورته المعهودة في مدينة أخرى و على حالة أخرى تخالف حاله الذي هو عليها و هو عينه لا غيره لمن عرف أمر الوجود على ما هو عليه و لو لا هذه الرائحة ما قدر العقلاء على فرض المحال عند طلب الدلالة على أمر ما لأنه لو لم يقبل المحال الوجود في حضرة ما ما صح أن يفرض و لا يقدر فإذا قلت مثل هذا لمن فرضه ينسى بالخاصية حكم ما فرضه و يقول لا يتصور وجود المحال و هو يفرض وجوده و يحكم عليه بما يحكم على الواقع فلو لم يتصوره ما حكم عليه و إذا تصوره فقد قبل الوجود بنسبة ما فتحقق ما قلناه تجد الحق و من هذا الباب مشاهدة المقتول في سبيل الله في المعركة و هو في نفس الأمر حي يرزق و يأكل يدركه المؤمن بإيمانه و المكاشف ببصره و كالميت في قبره يشاهده ساكتا و هو متكلم يسأل و يجيب فإن قلت لمن يرى هذا إنه خيل له يقول لك بل أنت خيل لك إنه ساكت و هو متكلم و خيل لك إنه مضطجع و هو قاعد و يعضده في قوله الايمان بالخبر الصحيح الوارد فهو أقوى في الدلالة منك فعينه أتم نظرا من عينك و الكامل النظر الذي هو أكمل من الاثنين يقول لكل واحد صدقت هو ساكت متكلم مضطجع قاعد مقتول حي و كل صورة مشهودة فيه من الباب الذي ذكرناه و من ذلك الصورة في المرآة و كل جسم صقيل إن كان الجسم الصقيل كبيرا كبرت الصورة المرئية فيه ثم إذا نظرت إلى الصورة من خارج وجدتها غير متنوعة فيما ظهر فيها من التنوع بتنوع المرائي حتى في تموج الماء تظهر الصورة متموجة و كل عين أي كل نظرة تقول للأخرى إنها في مقام الخيال و إن الحق بيدها و تصدق كل نظرة منها فتعلم قطعا إن الصورة المرئية في المرائي و الأجسام الصقيلة إنما ظهورها في الخيال كرؤية النائم و تشكل الروحاني سواء و إنها ليست في المرآة و لا في الحس فإنها تخالف صورة الحس من حيث تعلقه الخاص به دون المرآة و ليس في الوجود في الغيب و الشهادة إلا ما ذكرناه و كذلك إدراكات الجنة فاكهتها لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ مع وجود الأكل و ارتفاع الحجر فيأكلها من غير قطع بمجرد القطف و قربه من الشخص و عدم امتناعها من القطف و وجود الأكل و بقاء العين في غصن الشجرة فتشاهدها غير مقطوعة و تشهدها قطفا في يدك تأكلها و تعلم و لا تشك أن عين ما تأكله هو عين ما تشهده في غصن شجرته غير مقطوع و كذلك سوق الجنة تظهر فيه صور حسان إذا نظر إليها أهل الجنان فكل صورة يشتهيها دخل فيها فيلبسها و يظهر بها في ملكه و لعينه و هو يراها في السوق ما انفصلت و لا فقدت و لو اشتهاها كل من في الجنة دخل فيها و هي على حالها في السوق ما برحت فهذا كله نظير الحقائق كالبياض في كل أبيض بذاته لا أنه انقسم و لا تجزأ بل حقيقة البياضية معقولة ما انتقص منها شي‏ء مع وجودها في كل أبيض و كذلك الحيوانية في كل حيوان و الإنسانية في كل إنسان فيعترف بهذا جميع العقلاء و ينكرون ما ذكرناه من هذه الأمور في التجلي و غيره فما جاء من ذلك في الكتاب و السنة اعترف‏ به المؤمنون و ساعدوا أهل الكشف و أنكره أصحاب النظر و إن قبلوه قبلوه بتأويل بعيد أو بتسليم لمن قاله إذا كان القائل الله أو رسوله فإن ظهر عنك مثله جهلوك و أنكروا ذلك و نسبوك إلى فساد الخيال فهم يعترفون بما أنكروه فإنهم أثبتوا الخيال و فساده و لا يدل فساده على عدمه و إنما هو فساده حيث لم يطابق عنده الصحيح الذي هو صحيح و سواء عندنا قلت فيه صحيح أو فاسد قد ثبت عينه و إن تلك الصورة في الخيال فدعها تكون صحيحة أو فاسدة ما أبالي و لم يكن مقصودنا إلا إثبات وجود الخيال‏لم نتعرض إلى صحة ما يظهر فيه و لا إلى فساده فقد ثبت أن الحكم له بكل وجه و على كل حال في المحسوس و المعقول و الحواس و العقول و في الصور و المعاني و في المحدث و في القديم و في المحال و في الممكن و في الواجب و من لا يعرف مرتبة الخيال فلا معرفة له جملة واحدة و هذا الركن من المعرفة إذا لم يحصل للعارفين فما عندهم من المعرفة رائحة ثم إنه مما يؤيد ما ذكرناه إنك لا تشك إنك مدرك لما أدركته إنه حق محسوس لما تعلق به الحس و أن الحديث الوارد عن النبي ص في قوله الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فنبه أن ما أدركتموه في هذه الدار هو مثل إدراك النائم بل هو إدراك النائم في النوم و هو خيال و لا تشك أن الناس في البرزخ بين هذه الدار و الدار الآخرة و هو مقام الخيال فانتباهك بالموت هو كمن يرى أنه استيقظ في النوم في حال نومه فيقول في النوم رأيت كذا و كذا و هو يظن أنه قد استيقظ و يعضد هذا الخبر قوله تعالى في حق الميت فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي تدرك ما لم تكن أدركته بالموت فهو يقظة بالنسبة لما كنت عليه في حال الحياة الدنيا ثم إذا بعثت في النشأة الآخرة يقول المبعوث من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا هذا فكان كونه في مدة موته كالنائم في حال نومه مع كون الشارع سماه يقظة و هكذا كل حال تكون فيه لا بد لك من الانتقال عنه و تبقي مثل ما كنت عليه في خيالك المتصل و في قوة كونه كان على الحقيقة في الخيال المنفصل إذ لو كان حقيقة ما تغير و لا انتقل فإن الحقائق لا تتبدل و حقيقة الخيال التبدل في كل حال و الظهور في كل صورة فلا وجود حقيقي لا يقبل التبديل إلا الله فما في الوجود المحقق إلا الله و أما ما سواه فهو في الوجود الخيالي و إذا ظهر الحق في هذا الوجود الخيالي ما يظهر فيه إلا بحسب حقيقته لا بذاته التي لها الوجود الحقيقي و لهذا جاء الحديث الصحيح بتحوله في الصور في تجليه لعباده و هو قوله كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ فإنه لا يبقى حالة أصلا في العالم لا كونية و لا إلهية إِلَّا وَجْهَهُ يريد ذاته إذ وجه الشي‏ء ذاته فلا تهلك أين الصورة التي تحول فيها من الصورة التي تحول عنها هذا حظ الصورة التي تحول عنها من نسبة الهلاك إليها فكل ما سوى ذات الحق فهو في مقام الاستحالة السريعة و البطيئة فكل ما سوى ذات الحق خيال حائل و ظل زائل فلا يبقى كون في الدنيا و الآخرة و ما بينهما و لا روح و لا نفس و لا شي‏ء مما سوى الله أعني ذات الحق على حالة واحدة بل تتبدل من صورة إلى صورة دائما أبدا و ليس الخيال إلا هذا فهذا هو عين معقولية الخيال أنظره في الأصل حيث قال في العماء فشبه بالسحاب و التشبيه تخيل و العماء هو جوهر العالم كله فالعالم ما ظهر إلا في خيال فهو متخيل لنفسه فهو هو و ما هو هو و مما يؤيد ما ذكرناه وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فنفى عين ما أثبت أي تخيلت أنك رميت و لا شك أنه رمى و لهذا قال إِذْ رَمَيْتَ ثم قال الرمي صحيح وَ لكِنَّ الله رَمى‏ أي ظهرت يا محمد بصورة حق فأصابت رميتك ما لا تصيبه رمية البشر كما نفخ عيسى في صورة الطير فكان طيرا فظهر في نفخ عيسى النفخ الإلهي و هو قوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و النفخ نفس و العماء عين ذلك النفس فهو نفخ في وجود الحق فتشكل منه خلق في حق فكان الحق المخلوق به ما ظهر من صور العالم فيه و ما ظهر من اختلاف التجلي الإلهي فيه و هذا القدر كاف فيما ذهبنا إليه من علم الخيال و قد تقدم في هذا الكتاب معرفة الأرض التي خلقت من بقية طينة آدم ع و هي ما ظهر من صور العالم فيها فالعلم بتلك الأرض جزء من هذه المسألة (النوع السابع) من المعرفة و هو علم العلل و الأدوية و يحتاج إليه من يربي من الشيوخ و لا تنفع هذه الأدوية إلا فيمن يقبل استعمالها فإن لم يستعملها العليل فلا يظهر لها أثر فلنبين إن شاء الله العلل بطريق الحصر لأمهاتها ثم نذكر الأدوية المختصة بها العلل في هذه الطريقة ليس لها محل إلا النفوس خاصة لا حظ للعقول فيها البتة و لا للأبدان فإن علل العقول معروفة و علل الأجسام معروفة و أدوية علل الأجسام موقوفة على الأطباء و أدوية علل العقول اتخاذ الخلوات بالميزان الطبيعي و إزالة التفكر فيها و مداومة الذكر ليس غير ذلك و ما بقي لنا الخوض فيه إلا علل النفوس و هي ثلاثة أمراض مرض في الأقوال و مرض في الأفعال و مرض في الأحوال و أما مرض الاعتقادات فهو مرض العقول و قد ذكرناه فلنذكر أمراض الأقوال فمنها التزام قول الحق و هو من أكبر الأمراض دواؤه معرفة المواطن التي ينبغي أن يصرفه فيها فإن الغيبة حق و قد نهي عنها و النميمة حق و قد نهي عنها و ما يفعله الرجل مع أهله في فراشه إذا أفضى إليها فيقول في ذلك حقا و هذا القول من الكبائر و النصيحة في الملإ بالحق حق و هو فضيحة و لا تقع إلا من‏الجهلاء و أصحاب الأغراض لأن الفائدة المطلوبة من النصيحة حصول المنفعة و ثبوت الود فإذا وقع النصح في الملإ لم يحصل القبول و أثمر عداوة و ذمه الله فإنه يخجل بتلك النصيحة في الملإ و يجعل الشخص الذي خاطبه بالنصح في الملإ يكذب في اعتذاره عن ذلك و يجد عليه فيه و يكون ذلك سببا إلى فساد كبير فلو نصحه في خلوة بطريقة حسنة بأن يظهر له عيب نفسه في نفس الأمر و لا يشعره إنه يقصده بذلك ليعلمه إن كان جاهلا بقبح ذلك الأمر الذي نصحه فيه شكره في نفسه و أحبه و دعي له و أثمر له الخير و كان في ميزانه فما كل حق مأمور به و لا مستحسن شرعا و لا عرفا و كذلك من يجبه الناس بما يكرهون و إن كان حقا فإنه يدل على لؤم الطباع و الجهل و قلة الحياء من الله فإنه بعيد أن يسلم في نفسه من عيب يكون فيه لا يرضى الله فلو اشتغل بالنظر في عيبه لشغله ذلك عن عيب غيره و من التزم تتبع حركات صاحبه بحيث أن يقيد عليه أنفاسه فهو من أشد الأمراض فإنه شغل بما لا يعنيه و غفلة عن نفسه و النفس تخزنه عندها في زمان صداقته ليوم ما و هو لا يشعر و يحجبه عن هذا الشعور محبته فيه في الوقت فإذا وجد في نفسه أدنى كراهة في صاحبه أو أعراض لملل أو هفوة صدرت منه في حقه أخرج ما كان عنده مخزونا من القبائح التي كان خباؤها عنده و اختزنها له في نفسه في تتبعه فيقول له في معرض التوبيخ أ لم تقل كذا في يوم كذا أ لم تفعل كذا في يوم كذا ثم إذا عدد عليه ما كان اختزنه يقول له و هذا كله يدل على قلة الدين أو عدم الدين و أنا كنت أرى منك هذا كله و أقول لعل له في هذا و جهاد و لا وجه لك فيه في الشرع و هذا خلاف الحق فيسمعه ما يكره و ما كان غافلا عنه و ما كان يعلم أن هذا يحصي عليه أنفاسه و يرجع عليه من أكبر الأعداء و أصل هذا كله من التتبع لمثالبه و اختزانه إياها في خزانة نفسه و ذلك لسوء الطبع و دناءة الأصل و الفرع و هذا يوجد في الأصحاب و الأصدقاء كثيرا و قد قيل في ذلك‏

احذر عدوك مرة و احذر صديقك ألف مرة
فلربما هجر الصديق فكان أعرف بالمضرة

و هذا كله وبال يعود على قائله و إن كان حقا و من أمراض الأقوال السؤال عن أحوال الناس و ما يفعلون و لم جاء فلان و لم مشى فلان و السؤال عن كل ما لا يعني و سؤاله عن أهله ما فعلوا في غيبته دواه‏ التأسي برسول الله ص في كونه ما أتى أهله من سفره ليلا و نهيه أصحابه عن ذلك حتى لا يفجأهم فيرى منهزما يكره‏ و الاستئذان من هذا الباب إبقاء للستر فإنه قد علم إن لكل أحد هنات و أيضا فم كل ما يعمله الإنسان و إن كان خيرا يحب أن يعلمه منه كل أحد فإذا ألح هذا السائل عن العلم به أضر بالمسئول حيث جعله ينطق بما لا يريده أو يكذب فإن لم ينطق أثر في نفس السائل خرازة و يقول لو كنت عنده بمكانة ما ستر عني ما سألته عنه فنقص من خلوص مودته التي كانت له في نفسه و لو حصلت له تهمة في نفسه تؤديه إلى مثل هذا الفعل فليس له ذلك شرعا و لا عقلا و لا مروءة و هذا باب قل أن يقع إلا من خبيث الباطن لا دين له سيئ السريرة قال ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه‏ و من أمراض الأقوال الامتنان و التحدث بما يفعله من الخير مع الشخص على طريق المن و المن الأذى دواؤه لما كان يسوءه ذلك و يحبط أجر رب النعمة فإن الله تعالى قد أبطل ذلك العمل بقوله لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ و أي أذى أعظم من المن فإنه أذى نفسي و دواؤه إنه لا يرى أوصل إليه مما كان في يديه إلا ما هو له في علم الله و إن ذلك الخير إنما كان أمانة بيده ما كان له لكنه لم يكن يعرف صاحبها فلما أخرجها بالعطاء لمن عين الله في نفس الأمر حينئذ يعرف صاحب تلك الأمانة فشكر الله على أدائها و من أعطى هذا النظر فلا تصح منه منة أصلا و من أمراض الأقوال أيضا أن يفعل الرجل الخير مع بعض أولاده لأمر في نفسه و بعض أولاده ما فعل معهم ذلك الخير فيقول له قائل بحضور من لم يفعل معه ذلك من أولاده لم لم تفعل مثل ذلك مع هذا الولد الآخر فهذا من فضول الكلام حيث قاله بحضور ولده و يثمر في نفس الولد عداوة لأبيه و لا يقع مثل هذا إلا من جاهل كثير الفضول فإنها كلمة شيطانية و ليس لها دواء بعد وقوعها و أما قبل وقوعها فداؤها أن ينظر في‏ قول النبي ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه‏ و من أمراض الأقوال أيضا أن يقول الإنسان أنا أقول الحق و لا أبالي عز على السامع ذلك أو لم يعز عليه من غير أن ينظر إلى فضول القول و مواطنه ثم يقول‏ قلت لفلان الحق و عز عليه سماعه و يزكي نفسه و يجرح غيره و ينسى قوله تعالى لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ و هو دواء هذه العلة الدواء لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ إِلَّا من أَمَرَ بِصَدَقَةٍ و لها مواطن و صفة مخصوصة و هو أن يأمره في السر لا في الجهر فإن الجهر علة لا يشعر بها لأنه قد يعطيها لغير الله ثم قال أَوْ مَعْرُوفٍ و قول المعروف هو القول في موطنه الذي عينه الله و يرجو حصول الفائدة به في حق السامع فهذا معنى أَوْ مَعْرُوفٍ فمن لم يفعل فهو جاهل و إن ادعى العلم ثم قال أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فيعلم إن مراد الله التوادد و التحابب فيسعى في ذلك و إن لم يجعل الكلام في موضعه أدى إلى التقاطع و التنافر و التدابر ثم بعد هذا كله قال في حق المتكلم و من لم يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله و لا يكون ذلك إلا ممن يعلم ما يرضى الله و لا يعلم ما يرضى الله إلا بالعلم بما شرع الله في كتابه و على لسان رسوله فيرى عند ما يريد أن ينطق بالأمر هل نطقه به في ذلك الموطن يرضى الله من جميع الوجوه فإن وجد وجها يقدح فيه فالكل غير مقبول و غير مرضي عند الله فإنه لا يحتمل التجزي و لا الانقسام و هذا موضع غلط و دواؤه ما قلنا من العمل المشروع و العلم بما يرضى الله و من أمراض الأقوال أيضا تغيير المنكر على شخص معين من سلطان و غيره دون أن يعم دواءه معرفة الميزان في ذلك و براءته في نفسه من كل منكر يعلم أن الشرع ينكره عليه في مذهبه و اجتهاده لا غير و لا يلزمه ما هو عند غيره منكر و عنده مباح ثم الذي هو عنده منكر ينظر إلى من يغير عليه ذلك إن كان ممن هو عنده معروف كالنبيذ عند الحنفي المتخذ من التمر إذا رآه يشربه أو يتوضأ به و هو عنده حرام فلا يغيره إلا على من يعتقد تحريمه خاصة أو يكون من المنكر المجمع عليه فهذا هو الميزان و تفاريع الأقوال كثيرة و حصر عللها و أدويتها في أمرين الواحد أن تتكلم إذا اشتهيت أن تسكت و تسكت إذا اشتهيت أن تتكلم و الأمر الآخر أن لا تتكلم إلا فيما إن سكت عنه كنت عاصيا و إن لم فلا و إياك و الكلام عند ما تستحسن كلامك و تستحليه فإن الكلام في ذلك الوقت من أكبر الأمراض و ما له دواء إلا الصمت لا غير إلا أن تشهد على رفع الستر هذا هو الضابط (وصل) و أما أمراض الأفعال‏ فهو أن يكون أداؤك لذلك الفعل الذي هو عبادة كالصلاة مثلا في الملإ أحسن من أدائك في السر يقول ص في مثل هذه الفعلة تلك استهانة استهان بها ربه في رجل حسن صلاته في الملإ و أساءها في الخلوة و هذا من أصعب الأمراض النفسية و دواؤه أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى‏ و يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ و الله أحق أن يستحي منه و أمثال هذه الآيات و الأخبار و لهذا دواء آخر و لكن يغمض تركيبه و هو أن ينوي بتحسينه تعليم الجاهل و تذكرة الغافل و من الأمراض الفعلية أيضا ترك العمل من أجل الناس و هو الرياء عند الجماعة و أما العمل من أجل الناس فذلك شرك ما هو رياء عند السادة من أهل الله و دواؤه وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و ما أشبه هذه الآية فاعلم ذلك‏ (وصل) و أما أمراض الأحوال‏ فصحبة الصالحين حتى يشتهر في الناس أنه منهم و هو في نفسه مع شهوته فإن حضروا سماعا و هو قد تعشق بجارية أو غلام و الجماعة لا تعلم بذلك فأصابه و جد و غلب عليه الحال لتعلقه بذلك الشخص الذي في نفسه فيتحرك و يصيح و يتنفس الصعداء و يقول الله الله أو هو هو و يشير بإشارات أهل الله و الجماعة تعتقد في حاله أنه حال إلهي مع كونه ذا وجد صحيح و حال صحيحة و لكن فيمن دواءه وَ قَدْ خابَ من دَسَّاها و ما أشبه هذه الآية من الأخبار و من أمراض الأحوال أيضا أن يلبس دون ما في نفسه دواؤه أن يلبس ما في نفسه مما يحل له لباسه و أمثال هذا فمن عرف هذه العلل و أدوائها و استعملها مع نفسه نفعها (حكي) عن الشيخ روز بهار أنه كان قد ابتلي بحب امرأة مغنية و هام فيها وجدا و كان كثير الزعقات في حال وجده في الله بحيث إنه كان يشوش على الطائفين بالبيت في زمن مجاورته فكان يطوف على سطوح الحرم و كان صادق الحال و لما ابتلي بحب هذه المغنية لم يشعر به أحد و انتقل حكم ذلك الذي كان عنده بالله بها و علم أن الناس يتخيلون فيه إن ذلك الوجد لله على أصله فجاء إلى الصوفية و خلع الخرقة و رمى بها إليهم و ذكر للناس قصته و قال لا أريد أكذب في حالي و لزم خدمة المغنية فأخبرت المرأة بحاله و وجده بها و أنه من أكابر أهل الله فاستحت المرأة و تابت إلى الله مما كانت فيه ببركة صدقه و لزمت خدمته و أزال الله ذلك التعلق بها من قلبه فرجع إلى الصوفية و لبس خرقته و لم ير أن يكذب مع الله في‏حاله فهكذا صدقهم فهذا حصر الأمر فإن الإنسان لا يخلو أن يقام في قول أو فعل أو حال و ما ثم رابع و كذلك صاحب القيام في حال الوجد إذا قام بوجده ثم زال عنه جلس من حينه و لا يتواجد فإن تواجد و لم يقل للحاضرين إنه متواجد فهو صاحب مرض فهذا جماع هذه المسألة و تفاريع الأقوال و الأفعال و الأحوال كثيرة فليحذر من الكذب في ذلك و ليلزم الصدق و لا يظهر للناس إلا بما يظهر لله في الموطن الذي ينبغي فإن العلم بحكم الله في تفاصيل هذه الأمور شرط في أهل الله و لا بد من ذلك فما عبد الله من لم يعلم حكمه فإن الله ما اتخذ وليا جاهلا فهذا قد ذكرنا جماع أبواب المعرفة و فصولها التي إذا حصلها الإنسان سمي عارفا خاصة فإن زاد على هذا العلم بالله و ما يجب له و ما يجوز عليه و ما يستحيل و يفرق بين علمه بذاته و بين علمه بكونه إلها فهذا مقام العلماء بالله لا مقام العارفين فإن المعرفة محجة و طريق و العلم حجة و العلم نعت إلهي و المعرفة نعت كياني نفسي رباني و هذا الباب للمعرفة غير أن أصحابنا من أهل الله قد أطلقوا على العلماء بالله اسم العارفين و على العلم بالله من طريق الذوق معرفة و حدوا هذا المقام بنتائجه و لوازمه التي تظهر عن هذه الصفة في أهلها (سئل) الجنيد عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه أي هو متخلق بأخلاق الله حتى كأنه هو و ما هو هو و هو هو فالعارف عند الجماعة من أشعر الهيبة نفسه و السكينة و عدم العلاقة الصارفة عنه و أن يجعل أول المعرفة لله و آخرها ما لا يتناهى و لا يدخل قلبه حق و لا باطل و أن توجب له الغيبة عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق فلا يشهد غير الله و لا يرجع إلى غيره فهو يعيش بربه لا بقلبه و أن تكون المعرفة إذا دخلت قلبه تفسد أحواله التي كان عليها بأن تقلبها إليه تعالى لا بأن تعدمها فإنها عندهم كما قال الله تعالى عن قول بلقيس إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ و عندنا ليس كذلك بل يجعلوا أعزة أهلها بالله بعد ما كانت بغير الله و ذلتها لله لا لغير الله فلا حال عندهم للعارف لمحو رسومه و فناء هويته و غيبة أثره و أنه لا تصح المعرفة و في العبد استغناء بالله و إن العارف أخرس منقطع مقتطع منقمع عاجز عن الثناء على معروفه و أنه خائف متبرم بالبقاء في هذا الهيكل و إن كان منورا لما عرفه الشارع أن في الموت لقاء الله فتنغصت عليه الحياة الدنيا شوقا إلى ذلك اللقاء فهو صافي العيش كدر طيب الحياة في نفس الأمر لا في نفسه قد ذهب عنه كل مخلوق و هابه كل ناظر إذا رى‏ء ذكر الله و أنه ذو أنس بالله و أن يكون مع الله بلا فصل و لا وصل حيي في قلبه تعظيم قلبه مرآة للحق حليم محتمل فارغ من الدنيا و الآخرة ذو دهش و حيرة يأخذ أعماله عن الله و يرجع فيها إلى الله بطنه جائع و بدنه عار لا يأسف على شي‏ء إذ لا يرى غير الله طيار تبكي عينه و يضحك قلبه فهو كالأرض يطئوها البر و الفاجر و كالسحاب يظل كل شي‏ء و كالمطر يسقى ما يحب و ما لا يحب لا تمييز عنده لا يقضي وطره من شي‏ء بكاؤه على نفسه و ثناؤه على ربه يضيع ماله و يقف مع ما للحق لا يشتغل عنه طرفة عين عرف ربه بربه مهدي في أحواله لا يلحظه الأغيار و لا يتكلم بغير كلام الله مستوحش من الخلق ذو فقر و ذلة يورث غنى و عزة معرفته طلوع حق على الأسرار و مواصلة الأنوار حاله فوق ما يقول استوت عنده الحالات في الفتح فيفتح له على فراشه كما يفتح له في صلاته و إن اختلفت الواردات بحسب المواطن دائم الذكر ذو لوامع يسقط التمييز لا يكدره شي‏ء و يصفو به كل شي‏ء تضي‏ء له أنواع العلم فيبصر بها عجائب الغيب مستهلك في بحار التحقيق صاحب أمواج تغط فترفع و تحط صاحب وقت و استيفاء حقوق المراسم الإلهية على التمام نعته في تحوله من صفة إلى صفة دائم لا يتعمل و لا يجتلب أحيد الوقت يسع الأشياء و لا تسعه يرجو و لا يرجى رحيم مؤنس مشاهد جلال الحق و جمال الحضرة امعة مع كل وارد يصادف الأمور من غير قصد له وجود في عين فقد ذو قهر في لطف و لطف في قهر حق بلا خلق مشاهد قيام الله على كل شي‏ء فإن عنه به باق معه به غائب عن التكوين حاضر مع المكون صاح بغيره سكران بحبه جامع للتجلي لا يفوته ما مضى بما هو فيه ثابت المواصلة محكم للعبادة في العادة مع إزالة العلل طائع بذاته قابل أمر ربه منزه عن الشبيه تجري عليه منه أحكام الشرع في عين الحقيقة ذو روح و ريحان قلبه طريق مطرقة لكل سالك صاحب دليل و كشف و شهود يكرم الوارد و يتأدب مع الشاهد بري‏ء من العلل صاحب إلقاء و تلق مضنون به مستور بولهه محبوس في الموقف ذاهب تحت القهر رجوعه سلوك و حجابه شهود سره لا يعلم به زره كلما ظهر له وجه‏علم أنه بطن عنه وجه منفرد بلا انفراد متواتر الأحوال بحكم الأسماء أمين بالفهم قابل للزيادة موحد بالكثرة صاحب حديث قديم يعلم ما وراء الحجب من غير رفع حجاب ذو نور طامس شعاعاته محرقة و فجآت وارداته مقلقة يرد عليه ما لا يعرف متمكن في تلوينه لكون خالقه كل يوم في شأن مجرد بكله عن السوي واقف بالحق في موطنه مريد لكل ما يراد منه ذو عناية إلهية تجذبه سالك في سكون مقيم في سفره صاحب نظرة و نظر يجد ما لا تسعه العبارة من دقائق الفهم عن الله من غير سبب مهذب الأخلاق غير قائل بالاتحاد ذاهب في كل مذهب بغير ذهاب مقدس الروح عن رعونات النفوس معلوم المراتب في البساط مؤمن بالناطق في سره مصغ إليه راغب فيما يريد به مشفق مما في باطنه مظهر خلاف ما يخفى لمصلحة وقته ولهه لا يحكم عليه غريب في الملإ الأعلى و الأسفل ذو همة فعالة مقيدة غير مطلقة غيور على الأسرار أن تذاع لا يسترقه شي‏ء يطالع بالكوائن على طريق المشورة باستجلاء في ذلك يجده يمنعه ذلك من الانزعاج لأنه لا يقتضيه مقام الكون له جماع الخير يتحكم بالمشيئة لا بالاسم قد استوت طرفاه فازله مثل أبده تدور عليه المقامات و لا يدور عليها له يدان يقبض بهما و يبسط في عالم الغيب و الشهادة عن أمر الحق ولاية و خلافة حمال أعباء المملكة يستخرج به غيابات الأمور ينشئ خواطره أشخاصا على صورته محفوظ الأربعة فريد من النظر آله في الملكوت وقائع مشهودة و نعوت العارف أكثر من أن تحصى فهذه بعض إشارات الطائفة في حقيقة العارف و المعرفة جئنا بها لنعلم مقاصدهم في ذلك حتى لا يقول أحد عنا إنا قد انفردنا بطريق لم يسلكوا عليها بل الطريق واحدة و إن كان لكل شخص طريق تخصه فإن الطرق إلى الله تعالى على عدد أنفاس الخلائق يعني أن كل نفس طريق إلى الله و هو صحيح فعلى قدر ما يفوتك من العلم بالأنفاس و مراعاتها يفوتك من العلم بالطريق و بقدر ما يفوتك من العلم بالطرق يفوتك من غاياتها و غاية كل طريق هو الله فإنه إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و أما صفة العارف عندنا من الموطن الإلهي الذي يشهده العارفون من الحق في وجودهم و هو شهود عزيز و ذلك أن يكون العارف إذا حصلت له المعرفة قائما بالحق في جمعيته نافذ الهمة مؤثرا في الوجود على الإطلاق من غير تقييد لكن على الميزان المعلوم عند أهل الله مجهول النعت و الصفة عند الغير من جميع العالم من بشر و جن و ملك و حيوان لا يعرف فيحد و لا يفارق العادة فيميز حامل الذكر مستور الحال عام الشفقة على عباد الله يفرق في رحمته بين من أمر برحمته حتى يجعل له خصوص وصف عارف بإرادة الحق في عباده قبل وقوع المراد فيريد بإرادة الحق لا ينازع و لا يقاوم و لا يقع في الوجود ما لا يريده و إن وقع ما لا يرضى وقوعه بل يكرهه شديد في لين يعلم مكارم الأخلاق في سفسافها فينزلها منازلها مع أهلها تنزيل حكيم بري‏ء ممن تبرأ الله منه محسن إليه مع البراءة منه مصدق بكل خبر في العالم كما يعلم عند الغير أنه كذب فهو عنده صدق مؤمن عباد الله من غوائله مشاهد تسبيح المخلوقات على تنوعات أذكارها لا تظهر إلا لعارف مثله إذا تجلى له الحق يقول أنا هو لقوة التشبه في عموم الصفات الكونية و الإلهية إذا قال بسم الله كان عن قوله ذلك كل ما قصده بهمته لا يقول كن أدبا مع الله يعطي المواطن حقها كبير بحق صغير لحق متوسط مع حق جامع لهذه الصفات في حال واحدة خبير بالمقادير و الأوزان لا يفرط و لا يفرط يتأثر مع الأناة لتغير الأحوال فلا يفوته من العالم و لا مما هو عليه الحق في الوقت شي‏ء مما يطلبه العالم في زمن الحال يشاهد نشأ الصور من أنفاسه بصورة ما هو عليه في قلبه عند خروج النفس فإذا ورد عليه النفس الغريب من خارج لتبريد القلب خلع على ذلك النفس خلعة الوقت فينصبغ ذلك النفس بذلك النور الذي يجد في القلب يستر مقامه بحاله و حاله بمقامه فيجهله أصحاب الأحوال بمقامه و يجهله أصحاب المقامات بحاله له عنف على شهوته إذا لم ير وجه الحق في طبيعتها يبذل لك لا له عطاءه غير معلول لا يمن إذا امتن و يمتن بقبول المن لا يؤاخذ الجاهل بجهله فإن جهله له وجه في العلم لا يشعر المعطي من عنده حين ما يعطيه يعرفه أن ذلك أمانة عنده أمر بإيصالها إليه لا يعرفه أن ذلك من عند الله يفتح مغاليق الأمور المشكلة بالنور المبين يأكل من فوقه و من تحت رجله يضم القلوب إليه إذا شاء من حيث لا تشعر و يرسلها إذا شاء من حيث لا تشعر يملك أزمة الأمور و تملكه بما فيها من وجه الحق لا غير ينظر إلى العلو فينسفل بنظره و ينظر إلى السفل فيعلو و يرتفع بنظره يحجر الواسع و يوسع المحجور يسمع كل مسموع منه لا من حيثية ذلك المسموع و يبصر كل مبصر منه لا من حيث ذلك المبصر يقتضي بين الخصمين‏بما يرضى الخصمين فيحكم لكل واحد لا عليه مع تناقض الأمر يميل إلى غير طريقه في طريقه لحكمة الوقت يغلب ذكر النفس على ذكر الملإ من أجل المفاضلة غيرة أن يفاضل الحق فإنه ذاكر بحق في حق الأمور كلها عنده ذوقية لا خبرية يعرف ربه من نفسه كما علم الحق العالم من علمه بنفسه لا يؤاخذ بالجريمة فإن الجريمة استحقاق و المجرم المستحق عظمته في ذلته و صغاره لا ينتقل عن ذلته في موطن عظمته دنيا و آخرة هو في علمه بحسب علمه إن اقتضى العمل عمل و إن اقتضى أن لا عمل لم يعمل عنده خزائن الأمور بحكمه و مفاتيحها بيده ينزل بقدر ما يشاء و يخرج ما يشاء من غير اشتعار غواص في دقائق الفهوم عند ورود العبارات له نعوت الكمال له مقام الخمسة في حفظ نفسه و غيره ينظر في قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فلا يتعداه يدبر أمور الكون بينه و بين ربه كالمشير العالم الناصح في الخدمة القائم بالحرمة لا أينية لسره لا يبخل عند السؤال ينظر في الآثار الإلهية الكائنة في الكون ليقابلها بما عنده لما سمع الله يقول سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ يسمع نداء الحق من ألسنة الخلق يسع الأشياء و لا تسعه سوى ربه فهو ابنه و عينه مرتب للأوامر الإلهية الواردة في الكون ثابت في وقت التزلزل لا تزلزله الحادثات ليست في الحضرة الإلهية صفة لا يراها في نفسه يظهر في أي صورة شاء بصفة الحياة مع الوقوف عند المحدود يعرف حقه من حق خالقه يتصرف في الأشياء بالاستحقاق و يصرف الحق فيها بالاستخلاف له الاقتدار الإلهي من غير مغالبة لا تنفذ فيه همم الرجال و لا يتوجه للحق عليه حق يتولى الأمور بنفسه لا بربه لأنه لا يرى نفسه لغلبته ربه عليه تعود عليه صفات التنزيه مع وجود التشبيه يحصي أنفاسه بمشاهدة صورها فيعلم ما زاد و ما نقص في كل يوم و ليلة ينظر في المبدأ و المعاد فيرى التقاء طرفي الدائرة يلقى الكلمة في المحل القابل فيبدل صورته و حاله في أي صورة كان ما يطأ مكانا إلا حيي ذلك المكان بوطأته لأنه وطئه بحياة روحية إذا قام قام لقيامه ربه و يغضب لغضبه و يرضى لرضاه فإن حالته في سلوكه كانت هكذا فعادت عليه هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ لا يخطر له خاطر في شي‏ء إلا تكون و لا يعرف ذلك الشي‏ء أنه كونه له على الأشياء شرف العماء لا شرف الاستواء فهو وحيد في الكون غير معروف العين من لجأ إليه خسر و لا تقتضي حاجته إلا به فإنه ظاهر بصورة العجز و قدرته من وراء ذلك العجز لا يمتنع عن قدرته ممكن كما لا يمتنع عن قدرة خالقه محال ليصح الامتياز فهذا و إن تأخر بظاهره فهو متقدم بباطنه ليجمع في شهوده بين الأول و الآخر و الباطن و الظاهر بحسن للمسي‏ء و المحسن يرجع إلى الله في كل أمر و لا ينتقم لنفسه و لا لربه إلا بأمره الخاص فإن لم يأمره عفي بحق لشهوده السابقة في الحال القليل عنده كثير و الكثير عنده قليل يجري مع المصالح فيكون الحق له ملكا يسبح أسماء الله بتنزيهها عن أن تنالها أيدي الغافلين غيرة على الجناب الإلهي من حيث كونها دلائل عليه دلالة الاسم على المسمى إن ولي منصبا يعطي العلو لم ير فيه متعاليا بالله فأحرى بنفسه يعدل في الحكم و لا يتصف بالظلم جامع علوم الشرع من عين الجمع مستغن عن تعليم المخلوقين بتعليم الحق يعطي ما تحصل به المنفعة و لا يعطي ما تكون به المضرة إن عاقب فتطهير لا تبقي مع نور عدله ظلمة جور و لا مع نور علمه ظلمة جهل يبين عن الأمور بلسان إلهي فيكشف غامضها و يجليها في منصتها يخترع من مشاهدة صورة موجدة لا من نفسه و ليس هذا لكل عارف إلا لمن يعلم المصارف فإنه مشهد ضنين له البقاء في التلوين يرث و لا يورث بالنبوة العامة يتصرف و يعمل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي يؤذي فيحلم عن مقدرة و إذا آخذ فبطشه شديد لأنه خالص غير مشوب برحمة قال أبو يزيد بطشي أشد فهذه صفة العارف عندي فتحقق فإن موطن هذا لمأخذ عزيز وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (وصل) في تسمية هذا المقام بالمعرفة و صاحبه بالعارف‏ اختلف أصحابنا في مقام المعرفة و العارف و مقام العلم و العالم فطائفة قالت مقام المعرفة رباني و مقام العلم إلهي و به أقول و به قال المحققون كسهل التستري و أبي يزيد و ابن العريف و أبي مدين و طائفة قالت مقام المعرفة إلهي و مقام العلم دونه ربه أيضا أقول فإنهم أرادوا بالعلم ما أردناه بالمعرفة و أرادوا بالمعرفة ما أردناه بالعلم فالخلاف فيه لفظي و عمدتنا قول الله تعالى وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ من الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا من الْحَقِّ فسماهم عارفين و ما سماهم علماء ثم ذكر ذكرهم فقال يَقُولُونَ رَبَّنا و لم يقولوا إلهنا آمَنَّا و لم يقولوا علمنا و لا شاهدنا فأقروا بالاتباع فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ و ما قالوا نحن من الشاهدين و قالوا وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما جاءَنا من الْحَقِّ وَ نَطْمَعُ‏و لم يقولوا و نقطع أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا و لم يقولوا إلهنا مع القوم و لم يقولوا مع عبادك الصالحين كما قالت الأنبياء فقال الله لهؤلاء الطائفة التي صفتهم هذه فَأَثابَهُمُ الله بِما قالُوا جَنَّاتٍ محل شهوات النفوس فأنزلناهم حيث أنزلهم الله و قد استوفينا القول في الفرق بين المعرفة و العلم في كتاب مواقع النجوم و بينا فيه إن القائل بمقام المعرفة إذا سألته عنه أجاب بما يجيب به المخالف في مقام العلم فوقع الخلاف في التسمية لا في المعنى ثم حدث لهم في هذا المقام خلاف آخر هل الموصوف به مالك جميع المقامات أم لا و الصحيح إنه ليس من شرطه التحكم و أن ملك جميع المقامات بما يعطيه من الأحوال و التصرف في العالم و إنما شرطه أن يعلم فإذا أراد التحكم نزل إلى الحال لأن التحكم للأحوال إذا علم إن نزوله غير مؤثر في مقامه و لهذا لا ينزلون إلى الحال إلا عن أمر إلهي فإذا سمع من شيخ محقق في هذا الطريق إن صاحب هذا المقام مالك جميع المقامات فإنه يريد بالعلم لا بالحال و قد يعطي الحال و لكن ما هو بشرط فإن قال أحد إنه شرط فهو مدع لا معرفة له بطريق الله و لا بأحوال الأنبياء و أكابر الأولياء و يرد عليه هذا القول فإن الكامل كلما علا في المقام نقص في الحال أعني في الدنيا و أما في الآخرة فلا كما أن المشاهدة تغني عن رؤية الأغيار كذلك المقام يذهب بالأحوال لأن الثبوت يقابل الزوال انتهى الجزء الحادي عشر و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

و علموا أن الله تعالى لما خلق القوة المسماة عقلا و جعلها في النفس الناطقة ليقابل بها الشهوة الطبيعية إذا حكمت على النفس أن تصرفها في غير المصرف الذي عين لها الشارع فعلم الله أنه قد أودع في قوة العقل القبول لما يعطيه الحق و لما تعطيه القوة المفكرة و قد علم الله أنه جعل في القوة المفكرة التصرف في الموجودات و التحكم فيها بما يضبطه الخيال من الذي أعطته القوي الحسية و من الذي أعطته القوة المصورة مما لم تدركه من حيث المجموع بالقوة الحسية فعلم أنه لا بد أن تحكم عليه القوة المفكرة بالتفكر في ذات موجدة و هو الله تعالى فأشفق عليها من ذلك لما علمه من قصورها عن درك ما ترومه من ذلك فخاطبها قرآنا وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَ الله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يقول ما حذرناكم من النظر في ذات الله إلا رحمة بكم و شفقة عليكم لما نعلم ما تعطيه القوة المفكرة للعقل من نفي ما نثبته على ألسنة رسلي من صفاتي فتردونها بأدلتكم فتحرمون الايمان فتشقون شقاوة الأبد ثم‏ أمر رسول الله ص أن ينهانا أن نفكر في ذات الله‏ كما فعل بعض عباد الله فأخذوا يتكلمون في ذات الله من أهل النظر و اختلفت مقالاتهم في ذات الله و كل تكلم بما اقتضاه نظره فنفى واحد عين ما أثبته الآخر فما اجتمعوا على أمر واحد في الله من حيث النظر في ذاته و عصوا الله و رسوله بما تكلموا به مما نهاهم الله عنه رحمة بهم فرغبوا عن رحمة الله و ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً فقالوا هو علة و قال آخرون ليس بعلة و قال آخرون ذات الحق لا تصح أن تكون جوهرا و لا عرضا و لا جسما بل عين أنيتها عين ماهيتها و إنها لا تدخل تحت شي‏ء من المقولات العشرة و أطنبوا في ذلك و كانوا كما جاء في المثل أسمع جعجعة و لا أرى طحنا ثم جاء الشرع بنقيض ما دلت عليه العقول فجاء بالمجي‏ء و النزول و الاستواء و الفرح و الضحك و اليد و القدم و ما قد روينا في صحيح الأخبار مما هو من صفات المحدثات ثم جاء ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ مع ثبوت هذه الصفات فلو استحالت كما يدل عليه العقل ما أطلقها على نفسه و لكان الخبر الصدق كذبا إذ ما بعث الله رسولا إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ليبين لهم ما أنزل إليهم ليفهموا و قد بين ص و بلغ و أشهد الله على أمته أنه بلغ فجهلنا النسبة ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ خاصة و فهمنا معقول هذه الألفاظ الواردة و أن المعقول منها واحد بالنظر إلى الوضع فتختلف نسبتها باختلاف المنسوب إليه ما تختلف حقائقها لأن الحقائق لا تتبدل فمن وقف مع هذه الألفاظ و معانيها و قال بعدم علم النسبة إلى الحق فهو عالم مؤمن و من نسبها على وجه من وجوه المصارف الخارجة عن التجسيم فلا مؤمن و لا عالم فلو أنصف هذا الناظر في ذات الله ما نظر في ذات الله و آمن بما جاء من عند الله إذ قد دله دليل على صدق المخبر و هو الرسول فهذا منعني في هذا الباب من الكلام في ذات الله بما تعطيه أدلة العقول و عدلنا إلى علم ذلك بما جاء من المنقول مع نفي المماثلة في النسبة و العلم الصحيح‏بحقيقة الصفة الواردة الموصوف بها ذاتا مجهولة و قد نصحتك فاعلم و اثبت على ما جاءتك به الشريعة تسلم فهو أعلم بنفسه و أصدق في قوله و ما عرفنا إلا بما هو عليه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏