قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و السبعون و مائة في معرفة مقام المحبة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الحب ينسب للإنسان و الله بنسبة ليس يدري علمنا ما هي‏
الحب ذوق و لا تدري حقيقته أ ليس ذا عجب و الله و الله‏
لوازم الحب تكسوني هويتها ثوب النقيضين مثل الحاضر الساهي‏
بالحب صح وجوب الحق حيث يرى فينا و فيه و لسنا عين أشباه‏
استغفر الله مما قلت فيه و قد أقول من جهة الشكر لله‏

(و مما يتضمن هذا الباب أيضا قولنا)

أحببت ذاتي حب الواحد الثاني و الحب منه طبيعي و روحاني‏
و الحب منه إلهي أتتك به ألفاظ نور هدى في نص قرآن‏
و قد سألت و ما أدري سؤالكم عن أي حب و لا عن أي ميزان‏
فكل حب له بدء يحققه علمي سوى حب رب ما له ثاني‏
و كل حب له بدء و ليس له نهاية غير حب الطبع و اثنان‏
لا يوصفان إذا حققت شأنهما و ما هما بنهايات و نقصان‏
فغاية الحب في الإنسان وصلته روحا بروح و جثمانا بجثمان‏
و غاية الوصل بالرحمن زندقة فإن إحسانه جزء إحسان‏
إن لم أصوره لم تعلم بمن كلفت نفسي و تصويره رد لبرهان‏

(و مما يتضمنه هذا الباب أيضا قولنا)

أنا محبوب الهوى لو تعلموا و الهوى محبوبنا لو تفهموا
فإذا أنتم فهمتم غرضي فاحمدوا الله تعالى و اعلموا
ما لقومي عن كلامي أعرضوا أبهم عن درك لفظي صمم‏
ما لقومي عن عيان ما بدا من حبيبي في وجودي قد عموا
لست أهوى أحدا من خلقه لا و لا غير وجودي فافهموا
مذ تألهت رجعت مظهرا و كذا كنت فبي فاعتصموا
أنا حبل الله في كونكم فالزموا الباب عبيدا و اخدموا
و إذا قلت هويت زينبا أو نظاما أو عنانا فأحكموا
إنه رمز بديع حسن تحته ثوب رفيع معلم‏
و أنا الثوب على لابسه و الذي يلبسه ما يعلم‏
ليس في الجبة شي‏ء غير ما قاله الحلاج يوما فأنعموا
و حياة الحب لو أشهده لاعترانى لشهودي بكم‏
ما يرى عين وجود الحق من أصله في كل حال عدم‏

(و مما يتضمنه هذا الباب قولنا)

إن الوجود لحرف أنت معناه و ليس لي أمل في الكون إلا هو
الحرف معنى و معنى الحرف ساكنه و ما تشاهد عين غير معناه‏
و القلب من حيث ما تعطيه فطرته يجول ما بين مغناه و معناه‏
عز الإله فما يحويه من أحد و بعد هذا فإنا قد وسعناه‏
و ما أنا قلت بل جاء الحديث به عن الإله و هذا اللفظ فحواه‏
لما أراد الإله الحق يسكنه لذاك عدله خلقا و سواه‏
فكان عين وجودي عين صورته وحي صحيح و لا يدريه إلا هو
الله أكبر لا شي‏ء يماثله و ليس شي‏ء سواه بل هو إياه‏
فما ترى عين ذي عين سوى عدم فصح إن الوجود المدرك الله‏
فلا يرى الله إلا الله فاعتبروا قولي ليعلم منحاه و معزاه‏

(و مما يتضمنه هذا الباب أيضا قولنا) في واقعة رأيت الحق فيها يخاطبني بمعنى ما في هذه الأبيات و سماني باسم ما سمعت به قط إلا منه تعالى في تلك الواقعة و هو نرديار فسألته تعالى عن تفسير هذا اللفظ فقال ممسوك الدار و هي هذه الأبيات و قد تقدمت في هذا الكتاب بأطول مما هي هنا و ما سقت منها هنا إلا ما وقع‏

مسكتك في داري لإظهار صورتي فسبحانكم مجلى و سبحان سبحانا
فما نظرت عيناك مثلي كاملا و لا نظرت عين كمثلك إنسانا
فلم يبق في الإمكان أكمل منكم نصبت على هذا من الشرع برهانا
فأي كمال كان لم يك غيركم على كل وجه كان ذلك ما كانا
ظهرت إلى خلقي بصورة آدم و قررت هذا في الشرائع إيمانا
فلو كان في الإمكان أكمل منكم لكان وجود النقص في إذا كانا
لأنك مخصوص بصورة حضرتي و أكمل مني ما يكون فقد بأنا

(و مما ضمنته هذا الباب أيضا قولنا)

الله أكبر أن يخطئ به أحد و هو الحبيب العلي السيد الصمد
الشمس تدركنا و الشمس ندركها نعم و منها إلينا العطف و الرفد
و إننا لنراها و هي ظاهرة مثل التجلي و لم يظفر به أحد
النور يمنعنا من أن نكيفها فكيف من لا له كيف فيتحد
الكيف و الكم من نعت الجسوم و ما هناك جسم و لا حال و لا عدد

(و مما يتضمنه هذا الباب أيضا قولنا)

بادر لجبر الذي قد فات من عمرك و لتتخذ زادك الرحمن في سفرك‏
و قل له بالهوى يا منتهى أملي ما أشوق السر و المعنى إلى خبرك‏
لقد علمت بأني حين أبصر من كان الوجود به ما زلت من نظرك‏
لو لا الفناء و نفي المثل عنك و ما قد جاء عنك من الإحراق من بصرك‏
ما كان لي أمل في غير مشهدكم و لا قرأت كتابا ليس في سيرك‏
إني سألتك يا من لا شبيه له أمرا أراد به المحتوم من قدرك‏
فقال لي من قضائي إن ترى قدري يرده قدري و الكل من أترك‏
قد جاءكم عن نبي في إزالة ما قضيته و بما يزيد في عمرك‏
لكم كلام نفيس كله درر و ذا من الدر فلنلحقه في دررك‏

(و مما يتضمنه هذا الباب في حب الحب قولنا)

و لما رأيت الحب يعظم قدره و مالي به حتى الممات يدان‏
تعشقت حب الحب دهري و لم أقل كفاني الذي قد نلت منه كفاني‏
فابد إلى المحبوب شمس اتصاله أضاء بها كوني و عين جناني‏
و ذاب فؤادي خيفة من جلاله فوقع لي في الحين خط أمان‏
و نزهني في روض إنس جماله فغبت عن الأرواح و الثقلان‏
و أحضرني و السر مني غائب و غيبني و الأمر مني داني‏
فإن قلت أنا واحد فوجوده و إن أثبتوا عيني فمزدوجان‏
و لكنه مزج رقيق منزه يرى واحدا و العلم يشهد ثاني‏
فقلت له و هو القوول و إنه عبارته المثلى جرت بلسان‏
أيا من بدا في نفسه لنفيسه و لا عدد فالعين مني فإني‏
فنفسك شاهدت النفيسة منعما بنفسك و انظر في المراة تراني‏
فيا غائبا من كان هذا مقامه يرى في جنان الناعمات بجان‏
فلا و الذي طارت إلى حسن ذاته قلوب فأفناها عن الطيران‏

اعلم وفقك الله أن الحب مقام إلهي فإنه وصف به نفسه و تسمى بالودود و في الخبر بالمحب و مما أوحى الله به إلى موسى في التوراة يا ابن آدم أنى و حقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا و قد وردت المحبة في القرآن و السنة في حق الله و في حق المخلوقين و ذكر أصناف المحبوبين بصفاتهم و ذكر الصفات التي لا يحبها الله و ذكر الأصناف الذين لا يحبهم الله فقال تعالى لنبيه ص آمرا أن يقول لنا قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و قال في ذكر الأصناف الذين يحبهم إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ و يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ و يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ و يُحِبُّ الصَّابِرِينَ و يحب الشاكرين و يحب المتصدقين و يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ و يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ كما نفى عن نفسه أن يحب قوما لأجل صفات قامت بهم لا يحبها ففحوى الخطاب أنه سبحانه يحب زوالها و لا تزول إلا بضدها و لا بد فقال إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ و لا يُحِبُّ الْفَسادَ و ضده الصلاح فعين ترك الفساد صلاح و قال إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ و لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ و لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ و لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ و لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ و لا يحب الْجَهْرَ بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ و لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ثم إنه سبحانه حبب إلينا أشياء منها بالتزيين و منها مطلقة فقال ممتنا علينا وَ لكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ و قال زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ الآية و قال في حق الزوجين وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً و نهانا أن نلقي بالمودة إلى أعداء الله فقال لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ و المحبة الواردة في القرآن كثيرة و أما الأخبار فقوله ص عن الله إنه قال كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق و تعرفت إليهم فعرفوني‏ فما خلقنا إلا له لا لنا لذلك قرن الجزاء بالأعمال فعملنا لنا لا له و عبادتنا له لا لنا و ليست العبادة نفس العمل فالأعمال الظاهرة في المخلوقين خلق له فهو العامل و يضاف إليه حسنها أدبا مع الله مع كونها كل من عند الله لأنه قال وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و قال الله خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فدخلت أعمال العباد في ذلك و قال رسول الله ص إن الله يقول ما تقرب المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به‏ الحديث و من هذا التجلي قال من قال بالاتحاد و بقوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و بقوله وَ ما تَعْمَلُونَ و في الخبر أن الله‏يحب كل مفتن تواب‏ و في الخبر وجبت للمتحابين في‏ و في الخبر حبوا الله لما أسدى إليكم من نعمه‏ و في الخبر أن الله جميل يحب الجمال و أن الله يحب أن يمدح‏ و قال ع حبب إلي من دنياكم ثلاث‏ الحديث و الأخبار في هذا الباب كثيرة جدا و اعلم أن مقامها شريف و إنها أصل الوجود

و عن الحب صدرنا و على الحب جبلنا
فلذا جئناه قصدا و لهذا قد قبلنا

و لهذا المقام أربعة ألقاب‏ منها الحب‏ و هو خلوصه إلى القلب و صفاؤه عن كدورات العوارض فلا غرض له و لا إرادة مع محبوبه‏ (و اللقب الثاني) الود و له اسم إلهي و هو الودود و الود من نعوته و هو الثابت فيه و به سمي الودود الثبوتة في الأرض‏ (و اللقب الثالث) العشق‏ و هو إفراط المحبة و كنى عنه في القرآن بشدة الحب في قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و هو قوله قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي صار حبها يوسف على قلبها كالشغاف و هي الجلدة الرقيقة التي تحتوي على القلب فهي ظرف له محيطة و قد وصف الحق نفسه في الخبر بشدة الحب غير أنه لا يطلق على الحق اسم العشق و العاشق و العشق التفاف الحب على المحب حتى خالط جميع أجزائه و اشتمل عليه اشتمال الصماء مشتق من العشقة (و اللقب الرابع) الهوى‏ و هو استفراغ الإرادة في المحبوب و التعلق به في أول ما يحصل في القلب و ليس لله منه اسم و لحصوله سبب نظرة أو خبر أو إحسان و أسبابه كثيرة و معناه‏ في الخبر الإلهي الصحيح حب الله عبده إذا أكثر نوافل الخيرات‏ و كذلك اتباع الرسول فيما شرع و هذا منزلته فينا مسمى الهوى قال بعضهم في الحب المولد عن الخبر

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة و الأذن تعشق قبل العين أحيانا

(و لنا في الحب المولد عن النظر و الخبر في الغزليات)

حبي لغيرك موقوف على النظر إلا هواك فمبناه على الخبر
إنه يعلم أني ما علمت لها على الذي قيل لي أختا من البشر
فبغيتى من عزلتي إن أفوز بها و أن تجود على عيني بالنظر

(و لنا أيضا في هذا المعنى)

حقيقتي همت بها و ما رآها بصري‏
و لو رآها لغدا قتيل ذاك الحور
فعند ما أبصرتها صرت بحكم النظر
فبت مسحورا بها أهيم حتى السحر
يا حذرى من حذرى لو كان يغني حذرى‏
حكم القضاء و القدر و إنما هيمني‏
و الله ما هيمني جمال ذاك الخفر
يا حسنها من ظبية ترعى بذات الخمر
إذا رنت أو عطفت تسبى عقول البشر
تفتر عن ظلم و عن حب غمام نشر
كأنما أنفاسها أعراف مسك عطر
كأنها شمس ضحى في النور أو كالقمر
إن سفرت أبرزها نور صباح مسفر
أو سدلت غيبها ظلام ذاك الشعر
يا قمرا تحت دجى خذي فؤادي و ذر
عيني لكي أبصركم إذ كان حظي نظري‏
فإن مبني كلفي بحبها من خبري‏

(و لنا أيضا في هذا المعنى)

الأذن عاشقة و العين عاشقة شتان ما بين عشق العين و الخبر
فالإذن تعشق ما و همي يصوره و العين تعشق محسوسا من الصور
فصاحب العين إن جاء الحبيب له يوما ليبصره يلتذ بالنظر
و صاحب الأذن إن جاء الحبيب له في صورة الحس ما ينفك عن غير
إلا هوى زينب فإنه عجب قد استوى فيه حظ السمع و البصر

و ألطف ما في الحب ما وجدته و هو أن تجد عشقا مفرطا و هوى و شوقا مقلقا و غراما و نحولا و امتناع نوم و لذة بطعام‏

و لا يدري فيمن و لا بمن و لا يتعين لك محبوبك و هذا ألطف ما وجدته ذوقا ثم بعد ذلك بالاتفاق أما يبدو لك تجل في كشف فيتعلق ذلك الحب به أو نرى شخصا فيتعلق ذلك الوجد الذي تجده به عند رؤيته فتعلم إن ذلك كان محبوبك و أنت لا تشعر أو يذكر شخص فتجد الميل إليه بذلك الهوى الذي عندك فتعلم أنه صاحبك و هذا من أخفى دقائق استشراف النفوس على الأشياء من خلف حجاب الغيب فتجهل حالها و لا تدري بمن هامت و لا فيمن هامت و لا ما هيمها و يجد الناس ذلك في القبض و البسط الذي لا يعرف له سبب فعند ذلك يأتيه ما يحزنه فيعرف أن ذلك القبض كان لهذا الأمر أو يأتيه ما يسره فيعرف أن ذلك البسط كان لهذا الأمر و ذلك لاستشراف النفس على الأمور من قبل تكوينها في تعلق الحواس الظاهرة و هي مقدمات التكوين و يشبه ذلك أخذ الميثاق على الذرية بأنه ربنا فلم يقدر أحد على إنكاره بعد ذلك فتجد في فطرة كل إنسان افتقارا لموجود يستند إليه و هو الله و لا يشعر به و لهذا قال يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله يقول لهم ذلك الافتقار الذي تجدونه في أنفسكم متعلقة الله لا غيره و لكن لا تعرفونه فعرفنا الحق به و لما ذقنا هذا المقام قلنا فيه‏

علقت بمن أهواه عشرين حجة و لم أدر من أهوى و لم أعرف الصبرا
و لا نظرت عيني إلى حسن وجهها و لا سمعت أذناي قط لها ذكرا
إلى أن تراءى البرق من جانب الحمى فنعمني يوما و عذبني دهرا

و لنا أيضا في هذا المعنى ذوقا فإنا لا نعبر إلا عما ذقناه‏

علقت بمن أهواه من حيث لا أدري و لا أدري من هذا الذي قال لا أدري‏
فقد حرت في حالي و حارت خواطري و قد حارت الحيرات في و في أمري‏
فبينا أنا من بعد عشرين حجة أترجم عن حب يعانقه سرى‏
و لم أدر من أهوى و لا أعرف اسمه و لا أدر من هذا الذي ضمه صدري‏
إلى أن بدا لي وجهها من نقابها كمثل سحاب الليل أسفر عن بدر
فقلت لهم من هذه قيل هذه بنية عين القلب بنت أخي الصد
فكبرت إجلالا لها و لأصلها فليلي بها أربى على ليلة القدر

و لنا في هذا المعنى ذوقا في أول دخولي إلى الشام وجدت ميلا مجهولا مدة طويلة في قصة طويلة إلهية متخيلة في صورة جسدية فقلنا نخاطبها في ذلك بالحال و لسانه‏

أقول و عندي من هواك الذي عندي مقالة من قال الحبيب له قل لي‏
و لما دخلت الشام خولطت في عقلي فلم أر قبلي في الهوى عاشقا مثلي‏
عشقت و ما أدري الذي قد عشقته أ خالقي المحبوب أم هو من شكلي‏
و لا سمعت أذناي قط بذكره فهل قال هذا عاشق غيرنا قبلي‏
فجبت بلاد الله شرقا و مغربا لعلي أرى شخصا يوافقني علي‏
فلم أر إلا ذا حبيب معين يلازمه طبعا ملازمة الظل‏
فقلت إلهي أن قلبي مهيم و لم أدر فانظر في مقامي و في ذلي‏
فنادى منادي الحب من بين أضلعي لقد غصت يا مسكين في أبحر الجهل‏
ألا فاستمع قولي و خذ سر حكمتي فإني من أهل التعاليم و الفضل‏
بسبع و عشر ثم خمسين بعدها إذا أنت حصلت اثنتين على وصلي‏
يقوم لكم شكل بديع مربع تماما على الوصل الذي فيه و الفصل‏
كمثل اسمه الله بيانا محققا فكان اسم محبوبي على صورة الأصل‏
فذاك اسم من تهواه إن كنت عالما و هذا من العلم المضاف إلى البخل‏
فإن كنت ذا فهم فلا تبتغي سوى مثلثة التربيع جامعة الشمل‏
فثليثها بيت و بيت مصحف لها حسن إدلال يدل على دلى‏
فبيت إلى لعين عين و ثم بيت لماجد هما أهل بيت للسماحة و البذل‏
و أوله حرف نزيه مسبع من الستة الأعلام من أحرف الفصل‏

و هذا ألطف ما يكون من المحبة و دونه حب الحب و هو الشغل بالحب عن متعلقة جاءت ليلى إلى قيس و هو يصيح ليلى ليلى و يأخذ الجليد و يلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة الفؤاد فسلمت عليه و هو في تلك الحال فقالت له أنا مطلوبك أنا بغيتك أنا محبوبك أنا قرة عينك أنا ليلى فالتفت إليها و قال إليك عني فإن حبك شغلني عنك و هذا ألطف ما يكون و أرق في المحبة و لكن هو دون ما ذكرناه في اللطف و كان شيخنا أبو العباس العريبي رحمه الله يسأل الله أن يرزقه شهوة الحب لا الحب و اختلف الناس في حده فما رأيت أحدا حده بالحد الذاتي بل لا يتصور ذلك فما حده من حده إلا بنتائجه و آثاره و لوازمه و لا سيما و قد اتصف به الجناب العزيز و هو الله و أحسن ما سمعت فيه ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس ابن العريف الصنهاجى قالوا سمعناه يقول و قد سئل عن المحبة فقال الغيرة من صفات المحبة و الغيرة تأبى إلا الستر فلا تحد و اعلم أن الأمور المعلومات على قسمين منها ما يحد و منها ما لا يحد و المحبة عند العلماء بها المتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد فيعرفها من قامت به و من كانت صفته و لا يعرف ما هي و لا ينكر وجودها و اعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه بحيث أن يصمه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه و يعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه و يخرسه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه و ذكر من يحب محبوبه و يختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه و يرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبه إما عن رؤية تقدمته و إما عن وصف ينشئ منه الخيال صورة فيكون كما قيل‏

خيالك في عيني و ذكرك في فمي و مثواك في قلبي فأين تغيب‏

فيه يسمع و له يسمع و به يبصر و له يبصر و به يتكلم و له يتكلم و لقد بلغ بي قوة الخيال إن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني كما كان يتجسد جبريل لرسول الله ص فلا أقدر أنظر إليه و يخاطبني و أصغى إليه و أفهم عنه و لقد تركني أياما لا أسيغ طعاما كلما قدمت لي المائدة يقف على حرفها و ينظر إلي و يقول لي بلسان أسمعه بإذني تأكل و أنت تشاهدني فامتنع من الطعام و لا أجد جوعا و أمتلئ منه حتى سمنت و عبلت من نظري إليه فقام لي مقام الغذاء و كان أصحابي و أهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقا و لا أجد جوعا و لا عطشا لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي و قعودي و حركتي و سكوني‏ و اعلم أنه لا يستغرق الحب المحب كله إلا إذا كان محبوبه الحق تعالى أو أحدا من جنسه من جارية أو غلام و أما ما عدى من ذكرته فإنه لا يستغرقه حبه إياه و إنما قلنا ذلك لأن الإنسان لا يقابل بذاته كلها إلا من هو على صورته إذا أحبه فما فيه جزء إلا و فيه ما يماثله فلا تبقي فيه فضلة يصحو بها جملة واحدة فيهيم ظاهره في ظاهره و باطنه في باطنه أ لا ترى الحق قد تسمى بالظاهر و الباطن فتستغرق الإنسان المحبة في الحق و في أشكاله و ليس ذلك فيما سوى الجنس من العالم فإنه إذا أحب صورة من العالم إنما يستقبله بالجزء المناسب و يبقى ما بقي من ذاته صاحية في شغلها و أما استغراق حبه إذا أحب الله فلكونه على صورته كما ورد في الخبر فيستقبل الحضرة الإلهية بذاته كلها و لهذا تظهر فيه جميع الأسماء الإلهية و يتخلق بها من ليست عنده صفة الحب و بكونها من عنده صفة الحب فلهذا يستغرق الإنسان الحب و إذا تعلق بالله و كان الله محبوبه فيفني في حبه في الحق أشد من فنائه في حب أشكاله فإنه في حب أشكاله فاقد في غيبته ظاهر المحبوب و إذا كان الحق هو المحبوب فهو دائم المشاهدة و مشاهدة المحبوب كالغذاء للجسم به ينمي و يزيد فكلما زاد مشاهدة زاد حبا و لهذا الشوق يسكن باللقاء و الاشتياق يهيج باللقاء و هو الذي يجده العشاق عند الاجتماع‏بالمحبوب لا يشبع من مشاهدته و لا يأخذ نهمته منا لأنه كلما نظر إليه زاد وجدا به و شوقا مع حضوره معه كما قيل‏

و من عجب إني أحن إليهم و أسأل شوقا عنهم و هم معي‏
و تبكيهم عيني و هم في سوادها و تشتاقهم نفسي و هم بين أضلعي‏

و كل حب يبقى في المحب عقلا يعقل به عن غير محبوبه أو تعقلا فليس بحب خالص و إنما هو حديث نفس قال بعضهم‏ و لا خير في حب يدبر بالعقل‏ و حكايات المحبين في هذا الباب أكثر من أن تحصى و لنا في ازدياد المحبة مع المشاهدة و الشوق‏

أغيب فيفني الشوق نفسي فالتقى فلا أشتفي فالشوق غيبا و محضرا
و يحدث لي لقياه ما لم أظنه مكان الشفا داء من الوجد آخرا
لأني أرى شخصا يزيد جماله إذا ما التقيناه نخوة و تكبرا
فلا بد من وجد يكون مقارنا لما زاد من حسن نظاما محررا

أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده و في الدنيا لقلوب عباده كما ورد في صحيح مسلم من تحوله سبحانه في الصور كما ينبغي لذاته من غير تشبيه و لا تكييف فو الله لو لا الشريعة التي جاءت بالأخبار الإلهي ما عرف الله أحد و لو بقينا مع الأدلة العقلية التي دلت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا و ليس كذا ما أحبه مخلوق فلما جاء الخبر الإلهي بالسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا و أنه كذا من أمور تناقض ظواهرها الأدلة العقلية أحببناه لهذه الصفات الثبوتية ثم بعد أن أوقع النسب و ثبت السبب و النسب الموجبات للمحبة قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فثبت الأسباب الموجبة للحب التي نفاها العقل بدليله و هذا معنى‏ قوله فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني‏ فما يعرف الله إلا بما أخبر به عن نفسه من حبه إيانا و رحمته بنا و رأفته و شفقته و تحببه و نزوله في التحديد لمثله تعالى و نجعله نصب أعيننا في قلوبنا و في قبلتنا و في خيالنا حتى كأنا نراه لا بل نراه فينا لأنا عرفناه بتعريفه لا بنظرنا و منا من يراه و يجهله فكما أنه لا يفتقر إلى غيره كذلك و الله لا يحب في الموجودات غيره فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب و ما في الموجود إلا محب فالعالم كله محب و محبوب و كل ذلك راجع إليه كما أنه لم يعبد سواه فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه و لولاها ما عبد يقول تعالى وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و كذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه و لكن احتجب عنه تعالى بحب زينب و سعاد و هند و ليلى و الدنيا و الدرهم و الجاه و كل محبوب في العالم فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات و هم لا يعلمون و العارفون لم يسمعوا شعرا و لا لغزا و لا مديحا و لا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصور و سبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه فإن الحب سببه الجمال و هو له لأن الجمال محبوب لذاته‏ و الله جميل يحب الجمال‏ فيحب نفسه و سببه الآخر الإحسان و ما ثم إحسان إلا من الله و لا محسن إلا الله فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن و إن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله و لما علم الحق نفسه فعلم العالم من نفسه فأخرجه علم صورته فكان له مرآة يرى صورته فيه فما أحب سوى نفسه فقوله يُحْبِبْكُمُ الله على الحقيقة نفسه أحب إذ الاتباع سبب الحب و اتباعه صورته في مرآة العالم سبب الحب لأنه لا يرى سوى نفسه و سبب الحب النوافل و هي الزيادات و صورة العالم زيادة في الوجود فأحب العالم نافلة فكان سمعه و بصره حتى لا يحب سوى نفسه و ما أغمضها من مسألة و ما أسرع تفلتها من الوهم فإنه اتفق في الوجود أمر غريب و ذلك أن ثم أمورا يتحقق بها العقل و يثبت عليها و لا يتزلزل و تتفلت من الوهم و لا يقدر يبقى على ضبطها مثل هذه المسألة يثبتها العقل و لا يقدر يزول عنها و تتفلت من الوهم و لا يقدر على ضبطها و ثم أمور أخر بالعكس تتفلت من العقل و تثبت في الوهم و يحكم عليها و يؤثر فيها كمن يعطيه العقل بدليله أن رزقه لا بد أن يأتيه سعى إليه أو لم يسع فيتفلت هذا العلم عن العقل و يحكم عليه الوهم بسلطانه إنك إن لم تسع في طلبه تموت فيغلب عليه فيقوم يتعمل في تحصيله فحقه من جهة عقله زائل و باطله من جهة وهمه ثابت لا يتزلزل و كمن يرى حية أو أسدا على صورة لا يتمكن فيما يغطيه العقل أن يصل ضرره إليه فيغيب عن ذلك الدليل و يتوهم ضرره فينفر منه‏ و يتغير وجهه و باطنه بحكم الوهم و سلطانه و هذا موجود فللوهم سلطان في مواطن و للعقل سلطان في مواطن فلنذكر في هذا الباب إن شاء الله من لوازم الحب و مقاماته ما تيسر فنقول إن الحب تعلق خاص من تعلقات الإرادة فلا تتعلق المحبة إلا بمعدوم غير موجود في حين التعلق يريد وجود ذلك المحبوب أو وقوعه و إنما قلت أو وقوعه لأنها قد تتعلق بإعدام الموجود و إعدام الموجود في حال كون الموجود موجودا ليس بواقع فإذا عدم الموجود الذي تعلقت به المحبة فقد وقع و لا يقال وجد الإعدام فإنه جهل من قائله و قولنا يريد وجود ذلك المحبوب و أن المحبوب على الحقيقة إنما هو معدوم فذلك أن المحبوب للمحب هو إرادة أوجبت الاتصال بهذا الشخص المعين كائنا من كان إن كان ممن من شأنه أن يعانق فيحب عناقه أو ينكح فيحب نكاحه أو يجالس فيحب مجالسته فما تعلق حبه إلا بمعدوم في الوقت من هذا الشخص فيتخيل إن حبه متعلق بالشخص و ليس كذلك و هذا هو الذي يهيجه للقائه و رؤيته فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فهو في شخصيته أو في وجوده فلا فائدة لتعلق الحب به فإن قلت أنا كنا تحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك و الحب لا يزول مع وجود العناق و الوصال فإذا متعلق الحب قد لا يكون معدوما قلنا أنت غالط إذا عانقت الشخص الذي تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته أو مؤانسته فإن متعلق حبك في تلك حال ما هو بالحاصل و إنما هو بدوام الحاصل و استمراره و الدوام و الاستمرار معدوم ما دخل في الوجود و لا تتناهى مدته فإذا ما تعلق الحب في حال الوصلة إلا بمعدوم و هو دوامها و ما أحسن ما جاء في القرآن قوله يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ بضمير الغائب و الفعل المستقبل فما أضاف متعلق الحب إلا لغائب و معدوم و كل غائب فهو معدوم إضافي‏ فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ليصح كونه على الصورة لما فيه من الاختيار و هذا هو الفرق بين الحب الطبيعي و الروحاني و الإنسان يجمعهما وحده و البهائم تحب و لا تجمع بين الضدين بخلاف الإنسان و إنما جمع الإنسان في حبه بين الضدين لأنه على صورته و قد وصف نفسه بالضدين و هو قوله هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و صورة جمع الحب بين الضدين أن الحب من صفاته اللازمة له حب الاتصال بالمحبوب و من صفاته اللازمة حب ما يحبه المحبوب فيحب المحبوب الهجر فإن أحب المحب الهجر فقد فعل ما لا نقتضيه المحبة فإن المحبة تطلب الاتصال و إن أحب الاتصال فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة فإن المحب يحب ما يحب محبوبه و لم يفعل فالمحب محجوج على كل حال و غاية الجمع بينهما أن يحب حب المحبوب للهجر لا الهجر و يحب الاتصال و لا تخرج هذه المسألة على أكثر من هذا كالراضي بالقضاء فيصح له اسم الرضاء بالقضاء مع كونه لا يرضى بالمقضي إذا كان المقضي به كفرا كذا ورد الشرع و هكذا في مسألة الحب يحب المحب الاتصال بالمحبوب و يحب حب المحبوب الهجر لا يحب الهجر لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب الهجر كما أن القضاء ما هو عين المقضي فإن القضاء حكم الله بالمقضي لا عين المقضي فيرضى بحكم الله و حب الحيوان ليس كذلك لأنه حب طبيعي لا روحاني فيطلب الاتصال بمن يحب خاصة و لا يعلم أن محبوبه له حب في كذا لا علم له بذلك فلهذا قسمنا الحب الذي هو صفة للإنسان إلى نوعين فيه حب طبيعي و به يشارك البهائم و الحيوانات و حب روحاني و به ينفصل و يتميز عن حب الحيوان و إذا تقرر هذا وصل‏ فاعلم أن الحب منه إلهي و روحاني و طبيعي و ما ثم حب غير هذا فالحب الإلهي هو حب الله لنا و حبنا الله أيضا قد يطلق عليه أنه إلهي و الحب الروحاني هو الذي يسعى به في مرضاة المحبوب لا يبقى له مع محبوبه غرض و لا إرادة بل هو بحكم ما يراد به خاصة و الحب الطبيعي هو الذي يطلب به جميع نيل أغراضه سواء سر ذلك المحبوب أو لم يسره و على هذا أكثر حب الناس اليوم فلنقدم أولا الكلام على الحب الإلهي في وصل ثم يتلوه وصل في الحب الروحاني ثم يتلوه وصل ثالث في الحب الطبيعي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ (الوصل الأول) في الحب الإلهي‏ و هو أن يحبنا لنا و لنفسه أما حبه إيانا لنفسه فهو قوله أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني‏ فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه و قوله (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فما خلقنا إلا لنفسه و أما حبه إيانا لنا فلما عرفنا به من الأعمال التي تؤدينا إلى سعادتنا و نجاتنا من الأمور التي لا توافق أغراضنا و لا تلائم طباعنا خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له و الثناء عليه و السجود له ثم عرفنا بذلك فقال‏وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي بالثناء عليه بما هو عليه و ما يكون منه و عرفنا أيضا فقال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ فلزم ذلك و ثابر عليه و خاطب بهذه الآية نبيه ص الذي أشهده ذلك و رآه فقال له أَ لَمْ تَرَ و لم يقل أ لم تروا فإنا ما رأينا فهو لنا إيمان و هو لمحمد ص عيان و كذا قال له أيضا لما أشهده سجود كل شي‏ء أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ فما ترك أحدا فإنه ذكر من في السموات و من في الأرض فذكر العالم العلوي و السفلي فأشهده سجود كل شي‏ء فكل من أشهده الله ذلك و رآه دخل تحت هذا الخطاب و هذا تسبيح فطري ذاتي عن تجل تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي و هذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه و كذلك قال في أهل الكشف و هم عامة الإنس و كل عاقل أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ الله من شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ هذا حظ النعيم البصري ثم أخبر أن ذلك التفيؤ يمينا و شمالا أنه سجود لله و صغار و ذلة لجلاله فقال سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ فوصفهم بعقليتهم أنفسهم حتى سجدوا لله داخرين ثم أخبر فقال متمما وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ من دابَّةٍ أي ممن يدب عليها يقول يمشي و هم يعني أهل السموات و الملائكة يعني التي ليست في سماء و لا أرض ثم قال وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يعني عن عبادة ربهم ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم عالمون بمن سجدوا له ثم وصف المأمورين منهم إنهم يفعلون ما يؤمرون و هم الذين قال فيهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ثم قال في الذين هم عند ربهم يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ أي لا يملون كل ذلك يدل على أن العالم كله في مقام الشهود و العبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر و ليس إلا النفوس الناطقة الإنسانية و الجانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له و السجود فأعضاء البدن كلها بتسبيحه ناطقة أ لا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود و الأيدي و الأرجل و الألسنة و السمع و البصر و جميع القوي فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ و هذا كله من حكم حبه إيانا لنفسه فمن و في شكره و من لم يوف عاقبه فنفسه أحب و تعظيمه و الثناء عليه أحب و أما حبه إيانا لنا فإنه عرفنا بمصالحنا دنيا و آخرة و نصب لنا الأدلة على معرفته حتى نعلمه و لا نجهله ثم إنه رزقنا و أنعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به و إقامة الدليل عندنا على أن كل نعمة نتقلب فيها إنما ذلك من خلقه و راجعة إليه و إنه ما أوجدها إلا من أجلنا لننعم بها و نقيم بذلك و تركنا نرأس و نربع ثم إنه بعد هذا الإحسان التام لم نشكره و العقل يقضي بشكر المنعم و قد علمنا أنه لا محسن إلا الله فمن إحسانه أن بعث إلينا رسولا من عنده معلما و مؤدبا فعلمنا بما لنا في نفسه فشرع لنا الطريق الموصل إلى سعادتنا و أبانه و حذرنا من الأمور المردية و اجتناب سفساف الأخلاق و مذامها ثم أقام الدلالة على صدقه عندنا فجاء بالبينات و قذف في قلوبنا نور الايمان و حببه إلينا و زينه في قلوبنا و كره إلينا الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ فآمنا و صدقنا ثم من علينا بالتوفيق فاستعملنا في محابه و مراضيه فعلمنا أنه لو لا ما أحبنا ما كان شي‏ء من هذا كله ثم إن رحمته سبقت غضبه و إن شقي من شقي فلا بد من شمول الرحمة و العناية و المحبة الأصلية التي تؤثر في العواقب و لما سبقت المحبة و حقت الكلمة و عمت الرحمة و كانت الدار الدنيا دار امتزاج و حجاب بما قدره العزيز العليم خلق الآخرة و نقلنا إليها و هي دار لا تقبل الدعاوي الكاذبة فأقر الجميع بربوبيته هناك كما أقروا بربوبيته في قبضة الذر من ظهر آدم فكنا في الدار الدنيا وسطا بين طرفين طرفي توحيد و إقرار و في الوسط وقع الشرك مع ثبوت الوجود فضعف الوسط و لذلك قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى‏ فنسبوا العظمة و الكبرياء إلى الله تعالى في شركهم ثم أخبر تعالى أنه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر لقومه بصفة الكبرياء و الجبروت و ما جعل ذلك في قلوبهم بسبب طابع العناية فهم عند نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذلاء صاغرين لذلك الطابع فما دخل الكبرياء على الله قلب مخلوق أصلا و إن ظهرت منه صفات الكبرياء فثوب ظاهر لا بطانة له منه و هذا كله من رحمته و محبته في خلقه ليكون المال إلى‏السعادة فلما ضعف الوسط و تقوى الطرفان غلب في آخر الأمر و امتلأت الدار إن و جعل في كل واحدة منهما نعيما لأهلها يتنعمون به بعد ما طهرهم الله بما نالوه من العذاب لينالوا النعيم على طهارة أ لا ترى المقتول قودا كيف يطهره ذلك القتل من ظلم القتل الذي قتل من قتل به فالسيف محاء و كذلك إقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين حتى قرصة البرغوث و الشوكة يشاكها و ثم طائفة أخرى تقام عليهم حدود الآخرة في النار ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة و إن لم تخرجوا من النار فحب الله عباده لا يتصف بالبدء و لا بالغاية فإنه لا يقبل الحوادث و لا العوارض لكن عين محبته لعباده عين مبدأ كونهم متقدميهم و متأخريهم إلى ما لا نهاية له فنسبة حب الله لهم نسبة كينونته كانت معهم أينما كانوا في حال عدمهم و في حال وجودهم فكما هو معهم في حال وجودهم هو معهم في حال عدمهم لأنهم معلومون له مشاهد لهم محب فيهم لم يزل و لا يزال لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه بل لم يزل محبا خلقه كما لم يزل عالما بهم‏ فقوله فأحببت أن أعرف‏ تعريفا لنا مما كان الأمر عليه في نفسه كل ذلك كما لا يليق بجلاله لا يعقل تعالى إلا فاعلا خالقا و كل عين فكانت معدومة لعينها معلومة له محبوبا له إيجادها ثم أحدث له الوجود بل أحدث فيها الوجود بل كساها حلة الوجود فكانت هي ثم الأخرى ثم الأخرى على التوالي و التتابع من أول موجود المستند إلى أولية الحق و ما ثم موجود آخر بل وجود مستمر في الأشخاص فالآخر في الأجناس و الأنواع و ليس الأشخاص في المخلوقات إلا في نوع خاص متناهية في الآخرة و إن كانت الدنيا متناهية فالأكوان جديدة لا نهاية لتكوينها لأن الممكنات لا نهاية لها فأبدها دائم كما الأزل في حق الحق ثابت لازم فلا أول لوجوده فلا أول لمحبته عباده سبحانه ذكر المحبة يحدث عند المحبوب عند التعريف الإلهي لا نفس المحبة القرآن كلام الله لم يزل متكلما و مع هذا قال معرفا ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فحدث عندنا الذكر لا في نفسه من سيدنا و مالكنا و مصلحنا و مغذينا و ما يأتينا من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ فحدث عندنا الذكر من الرحمن لا في نفسه فالرحمة و النعمة و الإحسان في البدء و العاقبة و المال و لم يجر لاسم من أسماء الشقاء ذكر في الإتيان إنما هو رب أو رحمن ليعلمكم ما في نفسه لكم‏ (تكملة في الحب الإلهي) و هي كوننا نحب الله فإن الله يقول يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و نسبة الحب إلينا ما هو نسبة الحب إليه و الحب المنسوب إلينا من حيث ما تعطيه حقيقتنا ينقسم قسمين قسم يقال فيه حب روحاني و الآخر حب طبيعي و حبنا الله تالى بالحبين معا و هي مسألة صعبة التصور إذ ما كل نفس ترزق العلم بالأمور على ما هي عليه و لا نرزق الايمان بها على وفق ما جاء من الله في إخباره عنه و لذلك امتن الله بمثل هذا على نبيه ص فقال وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا فنحن بحمد الله ممن شاء من عباده و ما بقي لنا بعد التقسيم في حبنا إياه إلا أربعة أقسام و هي إما أن نحبه له أو نحبه لأنفسنا أو نحبه للمجموع أو نحبه و لا لواحد مما ذكرناه و هنا يحدث نظر آخر و هو لما ذا نحبه إذ و قد ثبت إنا نحبه فلا نحبه له و لا لأنفسنا و لا للمجموع فما هو هذا الأمر الرابع هذا فصل و ثم تقسيم آخر و هو و إن أحببناه فهل نحبه بنا أو نحبه به أو نحبه بالمجموع أو نحبه و لا بشي‏ء مما ذكرناه و كل هذا يقع الشرح فيه و الكلام عليه إن شاء الله و كذلك نذكر في هذه التكملة ما بدء حبنا إياه و هل لهذا الحب غاية فيه ينتهي إليها أم لا فإن كانت له غاية فما تلك الغاية و هذه مسألة ما سألني عنها أحد إلا امرأة لطيفة من أهل هذا الشأن ثم نذكر أيضا إن شاء الله هل الحب صفة نفسية في المحب أو معنى زائد على ذاته وجودي أو هو نسبة بين المحب و المحبوب لا وجود لها كل ذلك تحتاج إليه هذه التكملة فاعلم إن الحب لا يقبل الاشتراك و لكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق حبها بوجوه مختلفة و لكن لأمور مختلفة و إن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة واحدة أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه فتتعلق المحبة بكثيرين فيحب الإنسان محبوبين كثيرين و إذا صح أن يحب المحب أكثر من واحد جاز أن يحب الكثير كما قال أمير المؤمنين‏

ملك الثلاث الآنسات عناني و حللن من قلبي بكل مكان‏

الفتوحات (۴-ج)، جلد۲، ص: ۳۳۰ هنا سر خفي في قوله عناني فأفرد و ما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنة مختلفة فدل أن هذا المحب و إن كان مركبا فما أحب إلا معنى واحدا قام له في هؤلاء الثلاثة أي ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن و الدليل على ذلك قوله في تمام البيت و حللن من قلبي بكل مكان فلو أحب من كل واحدة معنى لم يكن في الأخرى لكان العنان الذي يعطي لواحدة غير العنان الذي يعطي الأخرى و لكان المكان الذي تحله الواحدة غير المكان الذي تحله الأخرى فهذا واحد أحب واحدا و ذلك الواحد المحبوب موجود في كثيرين فأحب الكثير لأجل ذلك و هذا كحبنا الله تعالى له و منا من يحبه لنفسه و منا من يحبه للمجموع و هو أتم في المحبة لأنه أتم في المعرفة بالله و الشهود لأن منا من عرفه في الشهود فأحبه للمجموع و منا من عرفه لا في الشهود و لكن في الخبر فأحبه له و منا من عرفه في النعم فأحبه لنفسه و منا من أحبه للمجموع و ذلك أن الشهود لا يكون إلا في صورة و الصورة مركبة و المحب ذو صورة مركبة فيسمع من وجه فيحبه للخبر مثل‏ قوله على لسان نبيه هل واليت لي وليا أو عاديت في عدوا فإذا أحببت الأشياء من أجله و عاديت الأشياء من أجله فهذا معنى حبنا له ليس غير ذلك فقمنا بجميع ما يحبه منا أن نقوم به عن طيب نفس و يكون من لا يشاهده من صورتي في حكم التبع كما هي الجوارح منا و حيوانيتنا بحكم النفس الناطقة لا تقدر على مخالفتها لأنها كالآلات لها تصرفها كيف تريد في مرضاة الله و في غير مرضاته و كل جزء من جوارح الإنسان إذا ترك بالنظر إلى نفسه لا يتمكن له أن يتصرف إلا فيما يرضى الله فإنه له و جميع ما في الوجود بهذه المثابة إلا الثقلان و هو قوله وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يريد بذلك التسبيح الثناء على الله لا للجزاء لأنه في عبادة ذاتية لا يتصور معها طلب مجازاة فهذا من حبه له سبحانه إلا بعض النفوس الناطقة لما جعل لها في معرفة الله القوة المفكرة لم تفطر على العلم بالله و لهذا قبض عليها في قبض الذرية من ظهورهم وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ شهادة قهر فسجدت لله كرها لا طوعا من أجل القبض عليها ثم أرسلها مسرحة من تلك القبضة الخاصة و هي مقبوض عليها من حيث لا تشعر فتخيلت أنها مسرحة فلما وجدت مدبرة لهذا الهيكل المظلم جرت في الأمور بحسب ما يعطيها غرضها لا تحب من الأمور إلا ما يلائم طبعها و غفلت عن مشهد الإقرار بالربوبية عليها لموجدها فبينا هي كذلك إذ قالت لها القوة المفكرة جميع القوي قد استعملتها و غفلت عني و تركتني و أنا من بعض آلاتك و ما لك بي عناية فاستعمليني فقالت لها نعم لا تؤاخذيني فإني جهلت رتبتك و قد أذنت لك في التصرف فيما تعطيه حقيقتك حتى أتحقق بما أنت عليه فأصرفك فيه و أستعملك فقالت سمعا ثم ردت وجهها القوة الفكرية إليها كالمعلمة و قالت لها لقد غفلت عن ذاتك و عن وجودك أنت لم تزالي هكذا موجودة لذاتك أو لم تكوني ثم كنت قالت النفس لم أكن ثم كنت قال الفكر فهذا الذي كونك عينك أو غيرك فكري و حققي و استعمليني فلهذا العمل أنا ففكرت النفس فعلمت بما أعطاها الدليل أنها لم توجد عينها و أنها موجودة لغيرها فالفقر للموجد لها ذاتي بما تجده في نفسها مما يقوم بها من الآلام الطبيعية فتفتقر إلى الأسباب المعتادة لإزالة تلك الآلام فبذلك الافتقار علمت أنها فقيرة في وجود عينها للسبب الموجد لها فلما ثبت لها حدوثها و ثبت أن لها سببا أوجدها ثم فكرت فعلمت إن ذلك السبب لا ينبغي أن يشبهها فيكون فقيرا مثلها و إنه لا يناسب هذه الأسباب المزيلة لآلامها لمشاهدتها حدوث هذه الأسباب بعد أن لم تكن و قبولها للاستحالات و الفساد فثبت عندها أن لها موجدا أوجدها و أوجد كل من يشبهها من الحوادث و الأسباب المزيلة لآلامها فتنبهت أن ثم أمرا ما لولاه لبقيت ذات مرض و علة فمن رحمته بها أوجد لها هذه الأسباب المزيلة آلامها و قد كانت تحب هذه الأسباب و تجري إليها بالطبع فانتقل تعلق ذلك الحب في السبب الموجد تلك الأسباب و قالت هو أولى بي إن أحبه و لكن لا أعلم ما يرضيه حتى أعامله به فحصل عندها حبه فأحبته لما أنعم عليها من وجودها و وجود ما يلائمها و هنا وقفت و هي في ذلك كله غافلة ناسية إقرارها بربوبية موجدها في قبضة الذر فبينا هي كذلك إذ جاءها داع من خارج من جنسها ادعى أنه رسول من عند هذا الذي أوجدها فقالت له أنت مثلي و أخاف أن لا تكون صادقا فهل عندك من يصدقك فإن لي قوة مفكرة بها توصلت إلى معرفة موجدي فقام لها بدليل يصدقه‏في دعواه ففكرت فيه إلى أن ثبت صدقه عندها فآمنت به فعرفها أن ذلك الموجد الذي أوجدها كان قد قبض عليها و أشهدها على نفسها بربوبيته و إنها شهدت له بذلك فقالت ما عندي من ذلك خبر و لكن من الآن أقوم بواجب ذلك الإقرار فإنك صادق في خبرك و لكن ما أدري ما يرضيه من فعلي فلو حددت حدودا و رسمت لي مراسم أقف عندها حتى تعلم أني ممن و في بشكره على ما أنعم به علي فرسم لها ما شرع فقامت بذلك شكرا و إن خالف غرضها و لم تفعل ذلك خوفا و لا طمعا لأنه لما رسم لها ما رسم ابتداء و عرفها أن وقوفها عند تلك المراسم يرضيه و ما ذكر لها ما لها في ذلك من الثواب و ما عليها إن خالفت من العقاب فبادرت هذه النفس الزكية لمراضيه في ذلك فقالت لا إله إلا الله كما قيل لها ثم بعد ذلك عرفها بما لها في ذلك من الثواب الجزيل و الإنعام التام و ما لمن خالف شرعه من العقاب فانضاف إلى عبادتها إياه حبا و رضي خاصة عبادة أخرى تطلبها رغبة في الثواب و رهبة من العقاب فجمعت في عبادتها بين أمرين بين عبادة له و عبادة رغبة و رهبة فأحبته له و لنفسها من حيث ما هي كثيرة بطبيعتها و روحانيتها فتعلقت الرغبة و الرهبة من حيث طبيعتها و تعلقت عبادتها إياه محبة له من روحانيتها فإن أحبت شيئا من الموجودات سواه فإنما تحبه من روحانيتها له و من طبيعتها النيل غرضها فلما رآها الحق على ذلك و قد علم أن من حقيقتها الانقسام و قد جمعت بين الحبين و هو قد وصف نفسه بالغيرة فلم يرد المشاركة و أراد أن يستخلصها لنفسه فلا تحب سواه فتجلى لها في صورة طبيعية و أعطاها علامة لا تقدر على إنكارها في نفسها و هي المعبر عنها بالعلم الضروري فعلمت أنه هو هذه الصورة فمالت إليه روحا و طبعا فلما ملكها و علم أن الأسباب لا بد أن تؤثر فيها من حيث طبيعتها أعطاها علامة تعرفه بها ثم تجلى لها بتلك العلامة في جميع الأسباب كلها فعرفته فاحبت الأسباب من أجله لا من أجلها فصارت بكلها له لا لطبيعتها و لا لسبب غيره فنظرته في كل شي‏ء فزهت و سرت و رأت أنها قد فضلت غيرها من النفوس بهذه الحقيقة فتجلى لها في عين ذاتها الطبيعية و الروحانية بتلك العلامة فرأت أنها ما رأته إلا به لا بنفسها و ما أحبته إلا به لا بنفسها فهو الذي أحب نفسه ما هي أحبته و نظرت إليه في كل موجود بتلك العين عينها فعلمت أنه ما أحبه غيره فهو المحب و المحبوب و الطالب و المطلوب و تبين لها بهذا كله أن حبها إياه له و لنفسها فما شاهدته في هذه المرتبة الأخرى من حبها إياه إن ما كان به لا بها و لا بالمجموع و ما ثم أمر زائد إلا العدم فأرادت أن تعرف ما قدر ذلك الحب و ما غايته فوقفت على‏ قوله كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف‏ و قد عرفته لما تجلى لها في صورة طبيعية فعلمت أنه يستحق من تلك الصورة التي ظهر لها فيها اسم الظاهر و الباطن فعلمت أن الحب الذي أحب به أن يعرف إنما هو في الباطن المنسوب إليه و علمت أن المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد التعرف إليهم ليعرفوه فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم فقبل صور العالم و أرواحه و طبائعه كلها و هو قابل إلى ما لا يتناهى فهذا بدء حبه إيانا و أما حبنا إياه فبدؤه السماع لا الرؤية و هو قوله لنا و نحن في جوهر العماء كن فالعماء من تنفسه و الصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن فنحن كلماته التي لا تنفد قال تعالى وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ و هي عيسى وَ رُوحٌ مِنْهُ و هو النفس و تلك الحقيقة سارية في الحيوان فإذا أراد الله أمانته أزال عنه النفس فبالنفس كانت حياته و سيأتي في باب النفس صور التكوينات عنه في العالم فلما سمعنا كلامه و نحن ثابتون في جوهر العماء لم نتمكن أن نتوقف عن الوجود فكنا صورا في جوهر العماء فأعطينا بظهورنا في العماء الوجود للعماء بعد ما كان معقولي الوجود حصل له الوجود العيني فهذا كان سبب بدء حبنا إياه و لهذا نتحرك و نطيب عند سماع النغمات لأجل كلمة كن الصادرة من الصورة الإلهية غيبا و شهادة فشهادة صورة كلمة كن اثنان كاف و نون و هكذا عالم الشهادة له وجهان ظاهر و باطن فظاهره النون و باطنه الكاف و لهذا مخرج الكاف في الإنسان أدخل لعالم الغيب فإنه من آخر حروف الحلق بين الحلق و اللسان و النون من حروف اللسان و غيب هذه الكلمة هو الواو بين الكاف و النون و هي من حروف الشفتين فلها الظهور و هي حرف علة لا حرف صحيح و لهذا وجد عنه التكوين لأنه حرف علة و لما كان من حروف الشفتين بامتداد النفس من خارج الشفتين إلى ظاهر الكون لهذكان ظهور الحكم في الجسم للروح فظهرت منه الأفعال و الحركات من أجل روحه و كان روحه غيبا لأن الواو لا وجود لها في الشهادة لأنها حذفت لسكونها و سكون النون فهي تعمل من خلف الحجاب فهي غائبة العين ظاهرة الحكم فغاية حبنا إياه أن نعلم حقيقة ما حبنا هل هو صفة نفسية للمحب أو معنوية فيه أو نسبة بين المحب و المحبوب و هي العلاقة التي تجذب المحب لطلب الوصلة بالمحبوب فقلنا هي صفة نفسية للمحب فإن قيل نراها تزول قلنا من المحال زوالها إلا بزوال المحب من الوجود و المحب لا يزول من الوجود فالمحبة لا تزول و إنما الذي يعقل زواله إنما هو تعلقه بمحبوب خاص يمكن أن يزول ذلك التعلق الخاص و تزول تلك العلاقة بذلك المحبوب المعين و تتعلق بمحبوب آخر و هي متعلقة بمحبوبين كثيرين فتنقطع العلاقة بين المحب و محبوب خاص و هي موجودة في نفسها فإنها عين المحب فمن المحال زوالها فالحب هو نفس المحب و عينه لا صفة معنى فيه يمكن أن ترتفع فيرتفع حكمها فالعلاقة هي النسبة بين المحب و المحبوب و الحب هو عين المحب لا غيره فصف بالحب من شئت من حادث و غيره فليس الحب سوى عين المحب فما في الوجود إلا محب و محبوب لكن من شأن المحبوب أن يكون معدوما و لا بد فيجب إيجاد ذلك المعدوم أو وقوعه في موجود و لا بد لا في معدوم هذا أمر محقق لا بد منه فالعلاقة التي في المحب إنما هي في ذلك الموجود الذي يقبل وجود ذلك المحبوب أو وقوعه لا وجوده إذا كان المحبوب لا يمكن أن يتصف بالوجود و لكن يتصف بالوقوع مثال ذلك أن يحب إنسان إعدام أمر موجود لما في وجوده من الضرر في حقه كالألم فإنه أمر وجودي في المتألم فيحب إعدامه فمحبوبه الإعدام و هو غير واقع فإذا زال الألم فازالته عدمه بعد وجوده بانتقاله إلى العدم فلهذا قلنا في مثل هذا بالوقوع لا بالوجود فالمحبوب معدوم أبدا و لا تصح محبة الموجود جملة واحدة إلا من حيث العلاقة إذ لا تتعلق إلا بموجود يظهر فيه وجود ذلك المحبوب المعدوم و قد بيناه قبل هذا في هذا الباب فقد تبين لك في هذه التكملة ماهية الحب و بدؤه و غايته و بما أحب المحب و حبه لمحبوبه أو لنفسه كل ذلك قد تبين فلنعدل إلى الكلام في الوصل الثاني إن شاء الله تعالى فقد حصل في الحب الإلهي ما فيه غنية على قدر الوقت انتهى الجزء الثاني عشر و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(الوصل الثاني) في الحب الروحاني‏ و هو الحب الجامع في المحب أن يحب محبوبه لمحبوبه و لنفسه إذ كان الحب الطبيعي لا يحب المحبوب إلا لأجل نفسه‏ فاعلم أن الحب الروحاني إذا كان المحب موصوفا بالعقل و العلم كان بعقله حكيما و بحكمته عليما فرتب الأمور ترتيب الحكمة و لم يتعد بها منازلها فعلم إذا أحب ما هو الحب و ما معنى المحب و ما حقيقة المحبوب و ما يريد من المحبوب و هل لمحبوبه إرادة و اختيار فيحب ما يحب المحبوب أم لا إرادة له فلا يحب إلا لنفسه أو الموجود الذي لا يريد وجود محبوبه إلا في عين ذلك الموجود فبهذا القدر نقول في الموجود إنه محبوب و إن لم يكن إلا فيه لا عينه فذلك الموجود إن كان ممن يتصف بالإرادة فيمكن أن يحبه له لا لنفسه و إن لم يتصف بالإرادة فلا يحب المحب محبوبه إلا لنفسه أعني لنفس المحب لا لمحبوبه فإن محبوبه غير موصوف بأن له محبة في شي‏ء أو غرضا لكن الذي يوجد فيه هذا المحبوب قد يكون ذا إرادة فيتعين على المحب أن يحب محبوب ذلك الموجود فيحبه له و لكن بحكم التبع هذا تعطيه المحبة فإن المحب يطلب بذاته الوصلة بعد طلبه وجود محبوبه فإن عين وجود محبوبه عين وصلته لا بد من ذلك و هو قولنا

زمان الوجود زمان الوصال زمان الوداد كلوا و اشربوا

و هذا البيت من قصيدة لنا في مجلى حقيقة تجلت لنا في حضرة شهودية و هي‏

تعجبت من زينب في الهوى و ليس لنا غيرها مذهب‏
فلما تجلى لنا نور من أنار الحشى فانجلى الغيهب‏
بذلت لها نفسها ضنة بها و الهوى أبدا متعب‏
فلم يك بين حصول الهوى و نيل المنى أمد يضرب‏

لأنه عند ما يحصل الهوى يقع التنفس و التنهد فيخرج النفس بشكل ما تصور في نفس المحب من صورة المحبوب‏فيظهره صورة من خارج يشاهدها فيحصل له مقصوده و نعيمه بها من غير زمان كما تقدم في ذكر وجود العماء فتممنا و قلنا بعد هذا في القصيدة عينها

تعجبت من رحمة الله بي و من مثل ذا ينبغي تعجبوا
زمان الوداد زمان الوجود زمان الوصال كلوا و اشربوا
فأين الغرام و أين السقام و أين الهيام إلا فأعجبوا
مطهرة الثوب محجوبةفليست إلى أحد تنسب‏

فإن المحبوب كما قلنا لا بد أن يكون معدوما و في حال عدمه فهو طاهر الثوب في أول ما يوجد لأنه ما اكتسب منه مما يشينه و يدنسه في أول ظهوره و وجوده فالأصل الطهارة و هو قوله كل مولود يولد على الفطرة و هي الطهارة و قولنا محجوبة هو عدمها الذي قلنا من شهود الوجود و قولنا فليست إلى أحد تنسب لأن المعدوم لا ينسب و لكن المحب يطلبه لنفسه ثم تممنا فقلنا و هو آخر القصيدة

فقد وجب الشكر لله إذ هي البكر لي و أنا الثيب‏

لأن المحبوب وجد عن عدم فهو بكر و قد كنت أحببت قبل ذلك فإنا ثيب فإذا كان المحبوب الذي هو المعدوم إذا وجد لا يوجد في موجود يتصف بالإرادة لم يتصف هذا المحب بأنه يريده له فيحبه لنفسه بالضرورة كالحب الطبيعي فإذا كان المحبوب لا يوجد إلا في موجود متصف بالإرادة كالحق تعالى أو جارية أو غلام و ما ثم من يتعلق به حب المحب إلا من ذكرناه فحينئذ يصح أن يحب ما يحب هذا الموجود الذي لا يوجد محبوبه إلا فيه فإن اتفق أن يكون ذلك لا يريد ما أحب هذا المحب بقي المحب على أصله في محبته محبوبه لأن محبوبه ما له إرادة كما قلنا فلا يلزم من هذا أن يحب ما أحب هذا الموجود الذي لا يحب ما يحبه هذا المحب إذ كان ذلك الموجود ما هو عين المحبوب و إنما هو محل لوجود ذلك المحبوب و ليس في قوة المحب إيجاد ذلك المحبوب في هذا الموجود إلا إن أمكنه من نفسه و أما إن كان المحبوب ممن لا يكون وجوده في موجود فلا يتمكن له إيجاد المحبوب البتة إلا أن تقوم من الحق به عناية فيعطيه التكوين كعيسى ع و من شاء الله من عباده فإذا أعطى هذا فبالضرورة يحمله الحب على إيجاد محبوبه و هذه مسألة لا تجدها محققة على ما ذكرناه فيها في غير هذا الكتاب لأني ما رأيت أحدا حقق فيها ما ذكرناه و إن كان المحبون كثيرين بل كل من في الوجود محب و لكن لا يعرف متعلق حبه و ينحجبون بالموجود الذي يوجد محبوبه فيه فيتخيلون أن ذلك الموجود محبوبهم و هو على الحقيقة بحكم التبعية فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب و إنما يحبه لنفسه هذا هو التحقيق فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له و يترك إرادته لإرادة محبوبه و لما لم يكن الأمر في نفسه على هذا لم يبق إلا أن يحبه لنفسه فافهم فهذا هو الحب الروحاني المجرد عن الصورة الطبيعية فإن تلبس بها و ظهر فيها كما قلنا في الحب الإلهي و هو في الروحاني أقرب نسبة لأنه على كل حال صورة من صور العالم و إن كان فوق الطبيعة فاعلم أنه إذا قبل الروح الصورة الطبيعية في الأجساد المتخيلة لا في الأجسام المحسوسة التي جرت العادة بإدراكها فإن الأجساد المتخيلة أيضا معتادة الإدراك لكن ما كل من يشهدها يفرق بينها و بين الأجسام الحقيقية عندهم و لهذا لم يعرف الصحابة جبريل حين نزل في صورة أعرابي و ما علمت أن ذلك جسد متخيل حتى عرفهم النبي ص لما قال لهم هذا جبريل‏ و لم يقم بنفسهم شك أنه عربي و كذلك مريم حين تمثل لها الملك بَشَراً سَوِيًّا لأنه ما كانت عندها علامة في الأرواح إذا تجسدت و كذا يظهر الحق لعباده يوم القيامة فيتعوذون منه لعدم معرفتهم به فكان الحكم في الجناب الإلهي و الروحاني في الصور سواء في حق المتجلي له من الجهل به فلا بد لمن اعتنى الله به من علامة بها يعرف تجلى الحق من تجلى الملك من تجلى الجان من تجلى البشر إذا أعطوا قوة الظهور في الصور كقضيب البان و أمثاله فإذا كان البشر بهذه النشأة الترابية العنصرية له قوة التحول في الصور في عين الرائي و هو على صورته فهذا التحول في الأرواح أقرب فاعلم من ترى و بما ذا ترى و ما هو الأمر عليه و قد بينا ذلك في باب المعرفة في علم الخيال فانظره هناك فإذاتجلى الروح في صورة طبيعية مشى الحكم عليها كما ذكرناه في الحب الإلهي سواء من حيث قبول تلك الصورة للظاهر و الباطن لا تعدل عن ذلك المجرى فاعلم ذلك فيجمع الروحاني بين الحب الطبيعي و الروحاني و بين الحب لنفسه و لمحبوبه إن كان محبوبه كما قلنا ذا إرادة و يتبين لك بما قررناه أن الناس لا يعرفون ما يحبون و أنه يندرج محبوبهم في موجود ما فيتخيلون أنهم يحبون ذلك الموجود و ليس كذلك فاعلم قدر ما أعلمتك به و اشكر الله حيث خلصك من الجهل بي و هذا القدر كاف في الغرض المقصود فإن فيه تفاريع كثيرة و غرضنا في هذا الكتاب تحصيل الأصول و الحمد لله‏ (الوصل الثالث) في الحب الطبيعي‏ و هو نوعان طبيعي و عنصري و نسينا أن تذكر غاية الحب الروحاني فلنذكره‏ في الحب الطبيعي‏ لتعلقه بالصورة الطبيعية فغايته الاتحاد و هو أن تصير ذات المحبوب عين ذات المحب و ذات المحب عين ذات المحبوب و هو الذي تشير إليه الحلولية و لا علم لها بصورة الأمر فاعلم أن الصورة الطبيعية على أي حال كان ظهورها جسما أو جسدا بأي نسبة كانت فإن المحبوب الذي هو المعدوم و إن كان معدوما فإنه ممثل في الخيال فله ضرب من ضروب الوجود المدرك بالبصر الخيالي في الحضرة الخيالية بالعين الذي تليق بها فإذا تعانق الحبيبان و امتص كل واحد منهما ريق صاحبه و تحلل ذلك الريق في ذات كل واحد من الحبيبين و تنفس كل واحد من الصورتين عند التقبيل و العناق فخرج نفس هذا فدخل في جوف هذا و نفس هذا في جوف هذا و ليس الروح الحيواني في الصور الطبيعية سوى ذلك النفس و كل نفس فهو روح كل واحد من المتنفسين و قد حيي به من قبله في حال التنفيس و التقبيل فصار ما كان روحا لزيد هو بعينه يكون روحا لعمرو و قد كان ذلك النفس خرج من محب فتشكل بصورة حب فصحبته لذة المحبة فلما صار روحا في هذا الذي انتقل إليه و صار نفس الآخر روحا في هذا الآخر عبر عن ذلك بالاتحاد في حق كل واحد من الشخصين و صح له أن يقول‏ أنا من أهوى و من أهوى أنا و هذا غاية الحب الروحاني في الصور الطبيعية و هو قوله في القصيدة في أول هذا الباب‏ روحا بروح و جثمانا بجثمان‏ ثم نرجع إلى الحب الطبيعي فنقول إن الحب الطبيعي هو العام فإن كل ما تقدم من الحب في الموصوفين به قبلوا الصور الطبيعية على ما تعطيه حقائقهم فاتصفوا في حبهم بما تتصف به الصور الطبيعية من الوجد و الشوق و الاشتياق و حب اللقاء بالمحبوب و رؤيته و الاتصال به و قد وردت أخبار كثيرة صحاح في ذلك يجب الايمان بها مثل‏ قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه‏ مع كونه ما زال من عينه و لا يصح أن يزول عن عينه فإنه عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ و رقيب و مع هذا فجاء باللقاء في حقه و في حق عبده و وصف نفسه بالشوق إلى عباده و أنه أشد فرحا و محبة في توبة عبده من الذي ضلت راحلته عليها طعامه و شرابه في أرض دوية ثم يجدها بعد ما يئس من الحياة و أيقن بالموت‏ فكيف يكون فرحه بها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الشخص براحلته مع غناه سبحانه و قدرته و نفوذ إرادته في عباده و لكن انظر في سر قوله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فتعلم أنه ما تعدى بالأمور استحقاقها و أن مرتبة العلم ما فوقها مرتبة و قد قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ لأنه خلاف المعلوم فوقوعه محال فالأمر و إن كان ممكنا بالنظر إليه فليس بممكن بالنظر إلى علم الله فيه بوقوع أحد الإمكانين و أحدية المشيئة فيه و ما تعلقت المشيئة الإلهية بكونه فلا بد من كونه و ما لا بد من وقوعه لا يتصف بالإمكان بالنظر إلى هذه الحقيقة و لهذا عدل من عدل من الناظرين في هذا الشأن من إطلاق اسم الممكن عليه إلى اسم الواجب الوجود بالغير و هو أولى في التحقيق لأحدية المشيئة و لهذا قال و لو شاء حيث ما قاله و لو حرف امتناع لامتناع فقد سبقت المشيئة بما سبقت كما قال وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ فكان اسم وجوب الوجود بالغير أكمل في نسبة الأمر من اسم الممكن إذ ما ثم إلا أمر واحد كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فزال الاحتمال فزال الإمكان فما ثم إلا وجوب مطلق أو وجوب مقيد ثم نرجع و نقول‏ اعلم أن الحب الطبيعي من ذاته إذا قام بالمحب أن لا يحب المحبوب إلا لما له فيه من النعيم به و اللذة فيحبه لنفسه لا لعين المحبوب و قد تبين لك فيما تقدم أن هذه الحقيقة سارية في الحب الإلهي و الروحاني فأما بدء الحب الطبيعي فما هو للانعام و الإحسان فإن الطبع لا يعرف ذلك جملة واحدة و إنما يحب الأشياء لذاته خاصة فيريد الاتصال بها و الدنو منها و هو سار في كل حيوان و هو في الإنسان بما هو حيوان فيحبه الحيوان في نفس الأمر لقوام وجوده‏ به لا لأمر آخر و لكن لا يعرف معنى قوام وجوده و إنما يجد داعية من نفسه للاتصال بموجود معين ذلك الاتصال هو محبوبه بالأصالة و ذلك لا يكون إلا في موجود معين فيحب ذلك الوجود بحكم التبعية لا بالأصالة فاتصاله اتصال محسوس و قرب محسوس و هو قولنا و جثمانا بجثمان فهذا هو غاية الحب الطبيعي فإن كان نكاحا عين محبوبه في موجود ما فغايته حصول ذلك المحبوب في الوجود فيطلب و يشتاق للمحل الذي يظهر فيه عين محبوبه و لا يظهر إلا بينهما لا في واحد منهما لأنها نسبة بين اثنين و كذلك إن كان عناقا أو تقبيلا أو مؤانسة أو ما كان و لا فرق بين أن تقول طبيعة الشي‏ء أو حقيقته كل ذلك سائغ في العبارة عنه و هو في الإنسان أتم من غيره لأنه جامع حقائق العالم و الصورة الإلهية فله نسبة إلى الجناب الأقدس فإنه عنه ظهر و عن قوله كن تكون و له نسبة إلى الأرواح بروحه و إلى عالم الطبيعة و العناصر بجسمه من حيث نشأته فهو يحب كل ما تطلبه العناصر و الطبيعة بذاته و ليس إلا عالم الأجسام و الأجساد و الأرواح و منها أجسام عنصرية و كل جسم عنصري فهو طبيعي و منها أجسام طبيعية غير عنصرية فما كل جسم طبيعي عنصري فالعناصر من الأجسام الطبيعية لا يقال فيها عنصرية و كذلك الأفلاك و الأملاك و لهذا عرفنا إن الملأ الأعلى يختصمون فيدخلون في قوله تعالى وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا من رَحِمَ رَبُّكَ و هم يخالفون هؤلاء المرحومين مخالفيهم وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي من أجل الخلاف خلقهم لأن الأسماء الإلهية متفاضلة فمن هناك صدر الخلاف أين الضار من النافع و المعز من المذل و القابض من الباسط و أين الحرارة من البرودة و أين الرطوبة من اليبوسة و أين النور من الظلمة و أين العدم من الوجود و أين النار من الماء و أين الصفراء من البلغم و أين الحركة من السكون و أين العبودية من الربوبية أ ليست هذه متقابلات ف لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ و أين التحليل من التحريم في العين الواحدة للشخصين فيحرم على هذا ما يحل لهذا فيتوارد حكمان مختلفان على عين واحدة فانظر حكم الطبيعة المتضادة من أين صدرت و ما كان سبب وجودها متقابلة من العلم الإلهي لتعلموا أنه ليس بيد أحد من المخلوقين مما سوى الله من الأمر شي‏ء لا في الدنيا و لا في الآخرة حتى أن الآخرة ذات دارين رؤية و حجاب فالحمد لله الذي أبان لنا عن الأمور و مصادرها و مواردها و جعلنا من العارفين بها فالله يجعلنا ممن أسعده بما علمه فقد تبين لك أن المحبوب هو الاتصال بموجود ما من كثيرين أو قليلين و مع كونه مؤانسة و مجالسة و تقبيلا و عناقا و غير ذلك بحسب ما تقتضيه حقيقة الموجود فيه عين المحبوب و بحسب حقيقة المحب فالمحبوب واحد العين متنوع و هو حب الاتصال خاصة إما بحديث أو ضم أو تقبيل هذا تنوعه في واحد أو كثيرين فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا لأن القلب لا يسعهما فإن قلت هذا يمكن أن يصح في حب المخلوق و أما في حب الخالق فلا فإنه قال يحبهم فأحب كثيرين قلنا الحب معقول المعنى و إن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول و لكن عزيز التصور و هو مجهول النسبة إلى الله تعالى فإن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فقولك و أما في حب الحق فلا هذا تحكم منك فإنه لا يقول هذا إلا من يعرف ذات الحق و هي لا تعرف فلا تعرف النسبة و تعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهم و بما يعرفونه في لحنهم من كل ما ينسبه إلى نفسه و وصف أنه عليه و لكن كيفية ذلك مجهولة (وصل) و أما القسم الثاني و هو الحب العنصري‏ فهو و إن كان طبيعيا فبين القسمين فارق و ذلك أن الطبيعي لا يتقيد بصورة طبيعية دون صورة طبيعية و هو مع كل صورة كما هو مع الأخرى في الحب مثل الكهرباء مع ما يتعلق بها و مسكه بالخاصية و أما العنصري فهو الذي يتقيد بصورة طبيعية وحدها كقيس ليلى و قيس لبني و كثير عزة و جميل بثينة و لا يكون هذا إلا لعموم المناسبة بينهما كمغناطيس الحديد و يشبهه في الحب الروحاني وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و يشبهه من الحب الإلهي التقييد بعقيدة واحدة دون غيرها كما يشبه الروحاني الطبيعي في الطهارة و يشبه الإلهي الطبيعي في الذي يراه في جميع العقائد عينا واحدة (وصل) و اعلم أن الحب كما قلناه و إن كان له أربعة ألقاب فلكل لقب حال فيه ما هو عين الآخر فلنبين ذلك كله فمن ذلك الهوى و يقال على نوعين و هما في الحب النوع الواحد سقوطه في القلب و هو ظهوره من الغيب إلى الشهادة في القلب يقال هوى النجم إذا سقط يقول تعالى وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ فهو من أسماء الحب في ذلك الحال و الفعل منه هوى‏يهوى بكسر عين الفعل في الماضي و فتحها في المستقبل و الاسم منه هوى و هو الهوى و هذا الاسم هو الفعل الماضي من الهوى الذي هو السقوط يقال هوى بفتح عين الفعل في الماضي يهوي بكسرها في المستقبل و الاسم منه هوى و سبب حصول المعنى الذي هو الهوى في القلب أحد ثلاثة أشياء أو بعضها أو كلها إما نظرة أو سماع أو إحسان و أعظمها النظر و هو أثبتها فإنه لا يتغير باللقاء و السماع ليس كذلك فإنه يتغير باللقاء فإنه يبعد أن يطابق ما صوره الخيال بالسماع صورة المذكور و أما حب الإحسان فمعلول تزيله الغفلة مع دوام الإحسان لكون عين المحسن غير مشهودة و أما الهوى الثاني فلا يكون إلا مع وجود حكم الشريعة و هو قوله لداود فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ يعني لا تتبع محابك بل اتبع محابي و هو الحكم بما رسمته لك ثم قال فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله أي يحيرك و يتلفك و يعمى عليك السبيل الذي شرعته لك و طلبت منك المشي عليه و هو الحكم به فالهوى هنا محاب الإنسان فأمره الحق بترك محابه إذا وافق غير الطريق المشروعة له فإن قلت فقد نهاه عما لا يصح أن ينتهي عنه فإن الحب الذي هو الهوى سلطانه قوي و لا وجود لعين العقل معه قلنا ما كلفه إزالة الهوى فإنه لا يزول إلا أن الهوى كما قلنا يختلف متعلقة و يكون في موجودين كثيرين و قد بينا أن الهوى الذي هو الحب حقيقته حب الاتصال في موجود ما أو كثيرين فطلب منه تعالى أن يعلقه بالحق الذي شرع له و هو سبيل الله كما يعلقه بسبل كثيرة ما هي سبيل الله فهذا معنى قوله وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فما كلفه ما لا يطيق فإن تكليف ما لا يطاق محال على العالم الحكيم أن يشرعه فإن احتججت بتكليف الايمان من سبق في علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل و أمثاله قلنا الجواب من وجهين الوجه الواحد إني لست أعني بتكليف ما لا يطاق إلا ما جرت العادة به أنه لا يطيقه المكلف مثل أن يقول له اصعد إلى السماء بغير سبب و اجمع بين الضدين فقم في الوقت الذي لا يقوم و إنما كلفه ما جرت العادة به أن يطيقه و هو اعتقاد الايمان أو التلفظ به و كلاهما يجد كل إنسان في نفسه التمكن من مثل هذا كسبا أو خلقا كيفما شئت فقل و لهذا تقوم الحجة به لله على العبد يوم القيامة و قد قال قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فلو كلفه ما ليس في وسعه عادة لم يصح قوله فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ بل كان يقول و لله أن يفعل ما يريد كما قال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ و معنى ذلك أنه لا يقال للحق لم كلفتنا و نهيتنا و أمرتنا مع علمك بما قدرته علينا من مخالفتك هذا موضع لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ فإنه يقول لهم هل أمرتكم بما تطيقونه أو بما لا تطيقونه عندكم فلا بد أن يقولوا بما جرت العادة به أن نطيقه فقد كلفهم ما يطيقونه فثبت إن لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فإنهم جاهلون بعلم الله فيهم زمان التكليف و الجواب الثاني قد تقدم من أنه لا بد من الايمان به و قد وقع في قبض الله الذرية و يظهر حكمه في الآخرة فلا يبقى إلا مؤمن و هو في الدار الدنيا معترف بوجوده و إن أشرك فما يشرك إلا بموجود و لهذا ما طلب منه إلا توحيد الأمر له خاصة و هو محبوب الحق و هو معدوم منهم و هو يحب توحيده أن يظهر في هؤلاء الموجودين فهو و إن أحب واحدا فأحبه من كثيرين فمن اتصف به أحبه الله لكون محبوبه و هو التوحيد ظهر فيه و من أبغضه فلكون محبوبه لم يظهر فيه و هو التوحيد فمال الكل إلى الايمان و قد قررنا ذلك في سبق الرحمة غضب الله فقد تبين لك معنى الهوى و أما الحب فهو أن يتخلص هذا الهوى في تعلقه بسبيل الله دون سائر السبل فإذا تخلص له وصفا من كدورات الشركاء من السبل سمي حبا لصفائه و خلوصه و منه سمي الحب الذي يجعل فيه الماء حبا لكون الماء يصفو فيه و يروق و ينزل كدرة إلى قعره و كذلك الحب في المخلوقين إذا تعلق بجناب الحق سبحانه و تخلص له من علاقته بالأنداد الذين جعلها المشركون شركاء لله في الألوهة سمي ذلك حبا بل قال فيه تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و سبب ذلك أنه إذا كشف الغطاء و تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا فزال‏ حبهم إياهم في ذلك الموطن و بقي المؤمنون على حبهم لله فكانوا أشد حبا لله بما زادوا على أولئك في وقت رجوعهم عن حيهم آلهتهم حين لم تغن عنهم من الله شيئا فلا يبقى مع المشركين يوم القيامة إلا حبهم لله خاصة فإنهم في الدنيا أحبوه و أحبوا شركاءهم على أنهم آلهة و لو لا ذلك التوهم و الغلط ما أحبوهم فكان محبوبهم الألوهة و تخيلوها في كثيرين فأحبوه و أحبوا الشركاء فإذا كان في القيامة كما ذكرنا لم يبق عندهم سوى حبهم لله تعالى فكانوا في الآخرة أشد حبا لله منهم له في الدنيا لكون‏حبهم كان منقسما فاجتمع عليه في الآخرة لما لم يعاين محبوبه و هو الألوهة إلا فيه خاصة فلذلك كان سبق الرحمة و قوة الطرفين و ضعف الواسطة بما فيها من الشركة و قد بينا ذلك كله فيما تقدم فهذا الفرق بين الحب و الهوى و أما العشق فهو إفراط المحبة أو المحبة المفرطة و هو قوله في الذين آمنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ و هو مع صفاته لو أخذ الذي هو مسمى الحب و ظهوره في حبة القلب الذي أيضا به سمي حبا فإذا عم الإنسان بجملته و أعماه عن كل شي‏ء سوى محبوبه و سرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه و قواه و روحه و جرت فيه مجرى الدم في عروقه و لحمه و غمرت جميع مفاصله فاتصلت بوجوده و عانقت جميع أجزائه جسما و روحا و لم يبق فيه متسع لغيره و صار نطقه به و سماعه منه و نظره في كل شي‏ء إليه و رآه في كل صورة و ما يرى شيئا إلا و يقول هو هذا حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا كما حكي عن زليخا أنها افتصدت فوقع الدم في الأرض فانكتب به يوسف يوسف في مواضع كثيرة حيث سقط الدم لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها و هكذا حكي عن الحلاج لما قطعت أطرافه انكتب بدمه في الأرض الله الله حيث وقع و لذلك قال رحمه الله‏

ما قد لي عضو و لا مفصل إلا و فيه لكم ذكر

فهذا من هذا الباب و هؤلاء هم العشاق الذين استهلكوا في الحب هذا الاستهلاك و هو الذي يسمى بالغرام و سيأتي ذكره في نعت المحبين إن شاء الله‏ و أما الود فهو ثبات الحب أو العشق أو الهوى أية حالة كانت من أحوال هذه الصفة فإذا ثبت صاحبها الموصوف بها عليها و لم بغيره شي‏ء عنها و لا أزاله عن حكمها و ثبت سلطانها في المنشط و المكره و ما يسوء و يسر في حال الهجر و الطرد من الموجود الذي يحب أن يظهر فيه محبوبه و لم يبرح تحت سلطانه لكونه مظهر محبوبه سمي لذلك ودا و هو قوله تعالى سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي ثباتا في المحبة عند الله و في قلوب عباده هذا معنى الود و للحب أحوال كثيرة جدا في المحبين سأذكرها إن شاء الله مثل الشوق و الغرام و الهيام و الكلف و البكاء و الحزن و الكبد و الذبول و الانكسار و أمثال ذلك مما يتصف به المحبون و يذكرونه في أشعارهم مفصلة إن شاء الله و قد يقع في الحب أغاليط كثيرة أولها ما ذكرناه و هو إنهم يتخيلون أن المحبوب أمر وجودي و هو أمر عدمي يتعلق الحب به أن يراه موجودا في عين موجودة فإذا رآه انتقل حبه إلى دوام تلك الحال التي أحب وجودها من تلك العين الموجودة فلا يزال المحبوب معدوما و ما يشعر بذلك أكثر المحبين إلا أن يكونوا عارفين بالحقائق و متعلقاتها و قد بينا ذلك و أكثر كلامنا في هذا الباب إنما هو في المحبة المفرطة فإنها تذهب بالعقول أو تورث النحول و الفكر الدائم و الهمم اللازم و القلق و الأرق و الشوق و الاشتياق و السهاد و تغيير الحال و كسوف البال و الوله و البله و سوء الظن بالمحبوب أعني الموجود الذي تحب ظهور محبوبك فيه الذي تزعم العامة فيه أنه المحبوب لها و نحن فيه على نوعين طائفة منا نظرت إلى المثال الذي في خيالها من ذلك الموجود الذي يظهر محبوبه فيه و يعاين وجود محبوبه و هو الاتصال به في خياله فيشاهده متصلا به اتصال لطف ألطف منه في عينه في الوجود الخارج و هو الذي اشتغل به قيس المجنون عن ليلى حين جاءته من خارج فقال لها إليك عني لئلا تحجبه كثافة المحسوس منها عن لطف هذه المشاهدة الخيالية فإنها في خياله ألطف منها في عينها و أجمل و هذا ألطف المحبة و صاحب هذا النعت لا يزال منعما لا يشكو الفراق و لنا في هذا النعت اليد الطولى بين المحبين فإن مثل هذا في المحبين عزيز الوجود لغلبة الكثافة عليهم و سبب ذلك عندنا أنه من استفرغ في حب المعاني المجردة عن المواد فغايته إذا كثفها أن ينزلها إلى الخيال و لا ينزل بها أكثر فمن كان أكشف حاله الخيال فما ظنك بلطافته في المعاني و هذا الذي حاله هذا هو الذي يمكن أن يحب الله فإن غايته في حبه إياه إذا لم يجرده عن التشبيه أن ينزله إلى الخيال و هو قوله ع اعبد الله كأنك تراه‏ فإذا أحببنا و نحن بهذه الصفة موجودا نحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكثائف نلطفه بأن نرفعه إلى الخيال لنكسوه حسنا فوق حسنه و نجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها و لا الانتقال عنها فلا يزال في اتصال دائم و لنا في ذلك‏

ما لمجنون عامر من هواه غير شكوى البعاد و الاغتراب‏
و أنا ضده فإن حبيبي في خيالي فلم أزل في اقتراب‏
فحبيبي مني و في و عنديفلما ذا أقول ما بي و ما بي‏

أما قولنا يذهب الحب بالعقول فإنهم قالوا و لا خير في حب يدبر بالعقل‏ و قال أبو العباس المقراني الكساد الحب أملك للنفوس من العقول و إنما قالوا ذلك لأن العقل يقيد صاحبه و الحب من أوصافه الضلال و الحيرة و الحيرة تنافي العقل فإن العقل يجمعك و الحيرة تفرقك قال إخوة يوسف ليعقوب إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يريدون حيرته في حب يوسف و الحيرة تفرق و لا تجمع و لهذا وصفت المحبة بالبث و هو تفرق هموم المحب في وجوه كثيرة قال تعالى وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً و كذلك قوله هَباءً مُنْبَثًّا و المحب في حكم محبوبه فلا تدبير له في نفسه و إنما هو يحكم ما يعطيه و يأمره به سلطان الحب المستولي على قلبه و من ضلالته في حبه أنه يتخيل في كل شخص أن محبوبه حسن عنده و أنه يرى منه مثل ما يراه هذا المحب و هذا من الحيرة و على هذا جرى المثل حسن في كل عين من تود يعني عندك أيها المحب تتخيل أن كل من يرى محبوبك يحسن عنده كما يحسن عندك و من ضلالة المحب أنه يتحير في الوجوه التي يرى أنه يحصل محبوبه منها فيقول أفعل كذا لنصل بهذا الفعل إلى محبوبي أو كذا و كذا فلا يزال يحار في أي الوجوه يشرع لأنه يتخيل أن وجود اللذة بمحبوبه في الحس أعظم منها في الخيال و ذلك لغلبة الكثافة على هذا المحب و يغفل عن لذة التخيل في حال النوم فإنه أشد من التذاذه بالخيال لأنه أشد اتصالا به من الخيال و الاتصال بالخيال أشد من الاتصال بالخارج و هو المحسوس فلذته بمعنى أشد اتصالا من الخيال فيحار المحب في تحصيل الوجوه التي بها يصل إلى الاتصال من خارج و يسأل عن ذلك من يعرف أن عنده خبرا من هذا الشأن عسى يجد عنده حيلة في ذلك و لا سيما و قد سمع في ذلك في قول القائل‏ لو صح منك الهوى أرشدت للحيل‏ يعني فيما تصنع حتى تتصل بالمحبوب‏ (وصل) فأول ما أذكره من نعوت المحبين ما حدثنا به يونس بن يحيى بن أبي الحسن الهاشمي العباسي القصار بمكة تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة سنة تسع و تسعين و خمسمائة قال أخبرنا ابن عبد الباقي أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو بكر الدينوري المفسر سنة ثمان و ثمانين و مائتين حدثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول إن لله عبادا ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته و فسح أرواحهم بالشوق إلى رؤيته فسبحان من شوق إليه أنفسهم و أدنى منه فهمهم و صفت له صدورهم فسبحان موفقهم و مؤنس وحشتهم و طبيب أسقامهم إلهي لك تواضعت أبدانهم و إلى الزيادة منك انبسطت أيديهم فاذقتهم من حلاوة الفهم عنك ما طيبت به عيشهم و أدمت به نعيمهم ففتحت لهم أبواب سماواتك و أبحت لقلوبهم الجولان في ملكوتك بل ما نسيت محبة المحبين و عليك معول شوق المشتاقين و إليك حنت قلوب العارفين و بك أنست قلوب الصادقين و عليك عكفت رهبة الخائفين و بك استجارت أفئدة المقصرين قد يئست الراحة من فتورهم و قل طمع الغفلة فيهم فهم لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم و لا يفترون عن التعب و السهر يناجونه بألسنتهم و يتضرعون إليه بمسكنتهم يسألونه العفو عن زلاتهم و الصفح عما وقع من الخطاء في أعمالهم فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان و خدموه خدمة الأبرار و من نعوتهم رضي الله عنهم النحول و هو نعت يتعلق بكنائفهم و بلطائفهم فأما تعلقه بلطائفهم فإن أرواح المحبين و إن لطفت عن إدراك الحواس و لطفت عن تصوير الخيال فإن الحب يلطفها لطافة السراب لمعنى أذكره و ذلك أن السراب يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً و ذلك لظمئه لو لا ذلك ما حسبه ماء لأن الماء موضع حاجته فيلجأ إليه لكونه مطلوبه و محبوبه لما فيه من سر الحياة ف إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً و إذا لم يجده شيئا وَجَدَ الله عِنْدَهُ عوضا من الماء فكان قصده حسا للماء و الله يقصد به إليه من حيث لا يشعر فكما أنه تعالى يمكر بالعبد من حيث لا يشعر كذلك يعتني بالعبد في الالتجاء إليه و الرجوع إليه و الاعتماد عليه بقطع الأسباب عنه عند ما يبديها له من حيث لا يشعر فوجود الله عنده عند فقد الماء المتخيل له في السراب هو رجوعه إلى الله لما تقطعت به الأسباب و تغلقت دون مطلوبه الأبواب رجع إلى من بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و هو كان المطلوب به من الله هذا فعله مع أحباه يردهم إليه اضطرارا و اختيارا كذلك أرواحهم يحسبونها قائمة بحقوق الله التي فرضها عليها و إنها المتصرفة عن أمر الله محبة لله و شوقا إلى مرضاته‏ليراها حيث أمرها فإذا كشف لها الغطاء و احتد بصرها وجدت نفسها كالسراب في شكل الماء فلم تر قائما بحقوق الله إلا خالق الأفعال و هو الله تعالى فوجدت الله عين ما تخيلت أنه عينها فذهبت عينها عنه و بقي المشهود الحق بعين الحق كما فنى ماء السراب عن السراب و السراب مشهود في نفسه و ليس بماء كذلك الروح موجود في نفسه و ليس بفاعل فعلم عند ذلك أن المحب عين المحبوب و أنه ما أحب سواه و لا يكون إلا كذلك و ألطف من هذا النحول في الأرواح فلا يكون و أما النوع المتعلق من النحول بكثائفهم فهو ما يتعلق به الحس من تغير ألوانهم و ذهاب لحوم أبدانهم لاستيلاء جولان أفكارهم في أداء ما كلفهم المحبوب أداءه مما افترضه عليهم فبذلوا المجهود ليتصفوا بالوفاء بالعهود إذ كانوا عاهدوا الله على ذلك و عقدوا عليه في إيمانهم به و برسوله و سمعوه يقول آمرا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قال أَوْفُوا بِعَهْدِي و لا تنقضوا الميثاق و قَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا فهذا سبب نحول أجسامهم و من نعوت المحبين الذبول و هو نعت صحيح في أرواحهم و أجسامهم أما في أجسامهم فسببه ترك ملاذ الأطعمة الشهية التي لها الدسم و الرطوبة و هي مستلذة للنفوس و تورث في الأجسام نضرة النعيم فلما رأوا رضي الله عنهم أن الحبيب كلفهم القيام بين يديه و مناجاته ليلا عند تجليه و نوم النائمين و رأوا أن الرطوبات الحاصلة في أجسامهم تصعد منها أبخرة إلى الدماغ تخدر الحواس و تغمرها فيغلبهم النوم عما في نفوسهم من القيام بين يدي محبوبهم لمناجاته في خلواتهم حين ينامون ثم إن تلك الأبخرة تورث قوة في أبدانهم تؤدي تلك القوة الجوارح إلى التصرف في الفضول الذي حجر عليهم التصرف فيه محبوبهم فتركوا الطعام و الشراب إلا قدر ما تمس الحاجة إليه من ذلك فقلت الرطوبة في أجسامهم فزالت عنهم نضرة النعيم و ذبلت شفاههم و استرخت أبدانهم و راح نومهم و تقوى سهرهم فنالوا مقصودهم من القيام بين يديه و وجدوا المعونة على ذلك بما تركوه فذلك هو ذبول الأجسام و أما ذبول أرواحهم فإن لهم نعيما بالمعارف و العلوم لأن لهم نسبة إلى أرواح الملإ الأعلى ليأنسوا بالجنس رغبة في المعاونة لما سمعوا الله تعالى يقول وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ فتخيلوا أنهم المخاطبون بذلك و ليس الأمر كذلك فإن الذين خوطبوا بذلك هم الذين يليق بهم أن يتعاونوا على الإثم و العدوان و لذلك أردف بالنهي فقال وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا الله و هذا ليس من صفات الملإ الأعلى فلما عرفوا غلطهم في ذلك عدلوا عن هذه الآية إلى قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا أي احبسوا نفوسكم مع الله فلما فارقوا الجنس بهذه الآية ذبلت أرواحهم و قد كانت في نضرة النعيم بمجالسة الجنس لأنها تعلقت بمن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فلم تعرف بينها و بينه مناسبة مثلية فتتعلق بها فقالت لها المعرفة بالله هو ما خاطبك سبحانه إلا بلسانك و لحنك و لغتك و ما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان الذين أنت منهم فارجع إلى مفهوم ما خاطبك به فإنه لم يخرجه عن حقيقة مدلوله و لا تنال بجهلك النسبة إليه من ذلك فإن تلك الصفة التي خاطبك بها تطلبه بذاتها لأنه وصف نفسه بها و لا تكون صفاته إلا بمناسبة خاصة منا إليه فإذا تعلقت أنت بتلك الصفة و لزمتها بالضرورة تحصلك عنده فتعلم عند ذلك صورة نسبتها إليه علم ذوق و تجل إلهي فيزيد ذبولك حتى تصير كالنقطة المتوهمة كما قال بعضهم‏

أصبحت فيك من الضنا كالنقطة المتوهمة

و هي التي لا وجود لها إلا في الوهم فهذا نعتهم في الذبول و قدر و ينافي خبر مؤيد بكشف أن إسرافيل ع و هو من أرفع الأرواح العلوية يتضاءل في نفسه كل يوم لاستيلاء عظمة الله على قلبه سبعين مرة حتى يصير كالوضع كما يحشر المتكبرون في نفوسهم على عباد الله يوم القيامة كأمثال الذر ذلة و صغارا و ذلك لما ظهروا به في الدنيا من التعاظم و التكبر فهذا نعت ذبولهم في أرواحهم و أجسامهم و من نعوت المحبين أيضا الغرام و هو الاستهلاك في المحبوب بملازمة الكمد قال تعالى إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي مهلكا لملازمة شهود المحبوب فإن الغريم هو الذي لزمه الدين و به سمي غريما و مقلوبة أيضا الرغام و هو اللصوق بالتراب فإن الرغام التراب يقال رغم أنفه إذ كان الأنف محل العزة قوبل بالرغام في الدعاء فألصقوه بالتراب فيكون الغرام حكمه في المغرم من المقلوب فهو موصوف‏ بالذلة لأن التراب أذل‏الأذلاء و لهذا وصفت الأرض بأنها ذلول على طريق المبالغة لكون الأذلاء يطئونها و لما لازم الحب قلوب المحبين و الشوق قلوب المشتاقين و الأرق نفوس الأرقين و كل صفة للحب موصوفها منه سمي صاحب هذه الملازمات كلها مغرما و سميت صفته غراما فهو اسم يعم جميع ما يلزم المحب من صفة الحب فليس للمحب صفة أعظم إحاطة من الغرام و من نعوت المحبين الشوق و هو حركة روحانية إلى لقاء المحبوب و حركة طبيعية جسمانية حسية إلى لقاء المحبوب إذا كان من شكله ذلك المحبوب فإذا لقيه أي محبوب كان فإنه يجد سكونا في حركة فيتحير لما ذا ترجع تلك الحركة مع وجود اللقاء و يراها تتزيد و يدركه معها خوف في حال الوصلة فيجد الخوف متعلقة توقع الفرقة و يجد الحركة الاشتياقية تطلب استدامة حالة الوصلة و لذلك يهيج باللقاء كما قيل في الشوق‏

و أبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار

و قال الآخر فيما ذكرناه من الخوف في حال الوصلة

و أبكي إن ناءوا شوقا إليهم و أبكي إن دنوا خوف الفراق‏

هذا جزاء من أحب غير عينه و جعل وجود عين محبوبه فيما هو خارج عنه فلو أحب الله لم تكن هذه حالته فمحب الله لا يخاف فرقة و كيف يفارق الشي‏ء لازمه و هو في قبضته لا يبرح و بحيث يراه محبوبه و هو أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ أين الفراق و ما في الكون إلا هو يقول الله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا الحديث فهكذا ينبغي أن تعرف يا أخي قدر من أحبك لله أو لنفسه إذا كان الحق مع غناه عن العالم إذا أحبه عبده سارع إليه بالوصلة و قربه و أدنى مجلسه و جعله من خواص جلسائه فأنت أولى بهذه الصفة إذا أحبك شخص فقد أعطاك السيادة عليه و جعل نفسه محلا لتحكمك فيه فينبغي لك إن كنت عاقلا أن تعرف قدر الحب و قدر من أحبك و لتسارع إلى وصلته تخلقا بأخلاق الله مع محبته فإنه من بدأك بالمحبة فتلك يدله عليك لا تكافئها أبدا و ذلك لأن كل ما يفعله من الحب بعد ابتدائه معه فإنما هو نتيجة عن ذلك الحب الذي أحبك ابتداء و من نعوت المحبين الهيام و هم المهيمون الذين يهيمون على وجوههم من غير قصد جهة مخصوصة و المحبون لله أولى بهذه الصفة فإن الذي يحب المخلوق إذا هام على وجهه فهو لقلقه و يأسه من مواصلة محبوبه و محب الله متيقن بالوصلة و قد علم أنه سبحانه لا يتقيد و لا يختص بمكان يقصد فيه لأن حقيقة الحق تأبى ذلك و لذلك قال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ بمحبة مهيم في كل واد و في كل حال لأن محبوبه الحق فلا يقصده في وجه معين بل يتجلى له في أي قصد قصده على أي حالة كان فهم أحق بصفة الهيمان من محبي المخلوقين فهو تعالى المشهود عند المحبين من كل عين و المذكور بكل لسان و المسموع من كل متكلم هكذا عرفه العارفون و بهذه الحقيقة تجلى للمحبين و من نعوت المحبين الزفرات و هي نار نور محرقة يضيق القلب عن حملها فتخرج منضغطة لتراكمها مما يجده المحب من الكمد فيسمع لخروجها صوت تنفس شديد الحرارة كما يسمع لصوت النار صوت يسمى ذلك الصوت زفرة و لا يكون ذلك إلا في الجسم الطبيعي خاصة و قد يكون في الصورة المتجسدة و لهذا تتصف الصورة المتجسدة عن المعنى المجرد إذا ظهر فيها و قيل هذه صورته بالغضب و الرضي كالأجسام الطبيعية كما قال ص عن نفسه إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر و أرضى كما يرضى البشر و إذا كان الجناب الإلهي الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ قد وصف نفسه بالرضى و الغضب في هاتين الصفتين و في أمثالهما مما وصف الحق بها نفسه و من تلك الحقيقة ظهرت في العالم و لهذا قلنا إن الله سبحانه علمه بنفسه علمه بالعالم لا يكون إلا هكذا فكل حقيقة ظهرت في العالم و صفة فلها أصل إلهي ترجع إليه لو لا ذلك الأصل الإلهي يحفظ عليها وجودها ما وجدت و لا بقيت و لا يعلم ذلك إلا الآحاد من أهل الله فإنه علم خصوص قال تعالى وَ غَضِبَ الله عَلَيْهِ ثم ورد في الخبر ما هو أشد من هذا لمن عقل عن الله و هو ما ورد في الحديث الصحيح من قول الأنبياء في القيامة أن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله‏ فهذا أشد من ذلك حيث اتصف غضبه بالحدوث و الزوال و في ذلك المقام‏ يقول محمد ص فيمن بدل من أصحابه بعده سحقا سحقا لاقتضاء الحال و الموطن فإن صاحب السياسةيجري في أحكامه بحسب الأحوال و المواطن و من نعوت المحبين الكمد و هو أشد حزن القلب لا يجري معه دمع إلا أن صاحبه يكون كثير التأوه و التنهد و هو حزن يجده في نفسه لا على فائت و لا تقصير و هذا هو الحزن المجهول الذي هو من نعوت المحبين ليس له سبب إلا الحب خاصة و ليس له دواء إلا وصال المحبوب فيفنيه شغله به عن الإحساس بالكمد و إن لم تقع الوصلة بالمحبوب اتصال ذوات فيكون المحبوب ممن يأمره فيشغله القيام بأوامره و فرحه بذلك عن الكمد فأكثر ما يكون الكمد إذا لم يقع بينه و بين المحبوب ما يشغله عن نفسه و ليس للمحب صفة تزول مع الاشتغال غير الكمد و نعوت المحبة كثيرة جدا مثل الأسف الوله البهت الدهش الحيرة الغيرة و الخرس السقام القلق الخمود البكاء التبريح و الوجد و السهاد و ما ذكره المحبون في أشعارهم من ذلك و كلامنا في هذا الباب ما يختص بحب الله لعباده و حب العباد لله لا غير ذلك فالله سبحانه قد ذكرا قواما بأنه يحبهم لصفة قامت بهم أحبهم لأجلها كما سلب محبته عن قوم لصفات قامت بهم ذكر ذلك في كتابه و عن لسان رسول الله ص انتهى الجزء الثالث عشر و مائة بانتهاء السفر الخامس عشر

(بسم الله الرحمن الرحيم)

فمن ذلك الاتباع لرسوله ص فيما شرع قال تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله فاعلم إن لله محبتين أو تعلقين محبته لعباده الذي هو خصوص إرادة التعلق الأول حبه إياهم ابتداء بذلك الحب وفقهم للاتباع اتباع رسله سلام الله على جميعهم ثم أنتج لهم ذلك الاتباع تعلقين من المحبة لأن الاتباع وقع من طريقين من جهة أداء الفرائض و التعلق الآخر من جهة ملازمة النوافل‏قال ص فيما يرويه عن ربه عز و جل أنه قال الحديث و فيه و ما تقرب إلى عبدي بشي‏ء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا و إذا كان الحق سمع العبد و قواه في النوافل فكيف بالحب الذي يكون من الحق له بأداء الفرائض و هو أن يكون الحق يريد بإرادة هذا العبد المجتبى و يجعل له التحكم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى الأولية التعلق التي بها و فقه فاندرج هذا التعلق في الأول و هو قوله وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله و كل صفة ذكرها الحق أنه يحب من أجلها من قامت به فما حصلت له تلك الصفة إلا بالاتباع فإن رسول الله ص سنها و ذلك عن الله فإنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ و إنه يفعل به و بنا فنفى أن يكون الفعل له و لنا كما يراه بعضهم و هو قوله ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ وَ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ فهو قوله ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ و معنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا فإن قال اتبعوني في فعلي اتبعناه و إن لم يقل فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول فينتج لنا الاتباع فيما أمرنا به و نهانا عنه و الوقوف عند حدوده أن نتبعه في أفعاله في خلقه و هي المسماة كرامة و آية أي علامة على صدق الاتباع و الرسل أيضا تابعون فإنه يقول ع إن أتبع إلا ما يوحى إلي فيكون ما يظهر عليه من الاتباع في فعل الله نتيجة اتباعه لأوامر الله آية و يكون لنا ذلك كرامة و هو الفعل بالهمة و التوجه من غير مباشرة فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد مما لا ينبغي أن يكون إلا على ذلك الوجه من غير سبب إلا مجرد الإرادة إلا لله تعالى فإن ذلك الفعل إذا ظهر عن سبب موضوع ظاهر لم يكن من هذا الباب كطيران الطائر بسبب ظاهر و إن كان لا يمسكه إلا الله أي الله الذي وضع له أسباب الإمساك في الهواء و الإنسان إذا اخترق الهواء و مشى فيه بمجرد الإرادة لا بسبب ظاهر معتاد أشبه فعل الحق في تكوين الأشياء بالإرادة فهذا الفارق بينه و بين وقوع ذلك بالأسباب و أصله التحقق بالاتباع و المتبع في التشريع إنما هو الله و المتبع في الفعل بالإرادة إنما هو الله و الكل بعناية الله و مشيئته لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و من ذلك حبه سبحانه التوابين فالتواب صفته و من أسمائه تعالى يقول عز و جل أَنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ فما أحب إلا اسمه و صفته و أحب العبد لاتصافه بها و لكن إذا اتصف بها على حد ما أضافها الحق إليه و ذلك أن الحق يرجع على عبده في كل حال يكون العبد عليه مما يبعده من الله و هو المسمى ذنبا و معصية و مخالفة فإذا أقيم العبد في حق من‏أساء إليه من أمثاله و أشكاله فرجع عليه بالإحسان إليه و التجاوز عن إساءته فذلك هو التواب ما هو الذي رجع إلى الله فإنه لا يصح أن يرجع إلى الله إلا من جهل إن الله معه على كل حال و ما خاطب الحق بقوله تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله إلا من غفل عن كون الله معه على كل حال كما قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فإن رجعت إليه من حيث حساب أو سؤال فذلك رجوع في الحقيقة من حال أنت عليها لحال ما أنت عليها و لما كانت الأحوال كلها بيد الله أضيف الرجوع إلى الله على هذا الوجه فالراجع إلى الله إنما يرجع من المخالفة إلى الموافقة و من المعصية إلى الطاعة فهذا معنى حب التوابين فإذا كنت من التوابين على من أساء في حقك كان الله توابا عليك فيما أسأت من حقه فرجع عليك بالإحسان فهكذا فلتعرف حقائق الأمور و تفهم معاني خطاب الله عباده و تميز بين المراتب فتكون من العلماء بالله و بما قاله و جاء ذكره لهذه المحبة في التوابين عقب ذكر الأذى الذي جعله في المحيض و كذلك‏ قال ع إن الله يحب كل مفتن تواب‏ أي مختبر يريد أن يختبره الله بمن يسي‏ء إليه من عباد الله فيرجع عليهم بالإحسان إليهم في مقابلة إساءتهم و هو التواب لا إن الله يختبر عباده بالمعاصي حاشا الله أن يضاف إليه مثل هذا و إن كانت الأفعال كلها لله من حيث كونها أفعالا و ما هي معاصي إلا من حيث حكم الله فيها بذلك فجميع أفعال الله حسنة من حيث ما هي أفعال فافهم ذلك و من ذلك حبه للمتطهرين قال تعالى وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فالتطهير صفة تقديس و تنزيه و هي صفته تعالى و تطهير العبد هو أن يميط عن نفسه كل أذى لا يليق به أن يرى فيه و إن كان محمودا بالنسبة إلى غير و هو مذموم شرعا بالنسبة إليه فإذا ظهر نفسه من ذلك أحبه الله تعالى كالكبرياء و الجبروت و التفخر و الخيلاء و العجب فمنها صفات لا تدخل القلب جملة واحدة للطابع الإلهي الذي على القلوب و هو قوله كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فيظهر في ظاهره الكبرياء و الجبروت على من استحق من قومه إما في زعمه و تحيله و إما في نفس الأمر و هو في قلبه معصوم من ذلك الكبرياء و الجبروت لأنه يعلم عجزه و ذلته و فقره لجميع الموجودات و أن قرصة البرغوث تؤلمه و المرحاض يطلبه لدفع ألم البول و الخراءة عنه و يفتقر إلى كسيرة خبز يدفع بها عن نفسه ألم الجوع فمن صفته هذه كل يوم و ليلة كيف يصح أن يكون في قلبه كبرياء و جبروت و هذا هو الطبع الإلهي على قلبه فلا يدخله شي‏ء من ذلك و أما ظهور ذلك على ظاهره فمسلم و لكن جعل الله لها مواطن يظهر فيها بهذه الأوصاف و لا يكون مذموما و جعل لها مواطن يذمه فيها فمن طهر ذاته عن أن ترى عليه هذه النعوت في غير مواطنها فهو متطهر و يحبه الله كما نفى محبته عن كل مختال فخور فإنه لا يظهر بهذه الصفة إلا من هو جاهل و الجهل مذموم و لهذا نهى الله نبيه ص أن يكون جاهلا و قال لنوح ع إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ فإنه لا يخلو أن يفتخر على مثله أو على ربه و خالقه فإن افتخر على مثله فقد افتخر على نفسه و الشي‏ء لا يفتخر على نفسه ففخره و اختياله جهل و محال أن يفتخر على خالقه لأنه لا بد إن يكون عارفا بخالقه أو غير عارف بأن له خالقا فإن عرف و افتخر عليه فهو جاهل بما ينبغي أن يكون لخالقه من نعوت الكمال و إن لم يعرف كان جاهلا فما أبغضه الله و لم يحبه إلا لجهله إذ لم يكن هذا في غير موطنه إلا لجهله و الجهل موت و العلم حياة و هو قوله تعالى أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعني بالعلم وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ و ذلك نور الايمان و الكشف الذي أوحى الله به إليه أو امتن به عليه فالمتطهر من مثل هذه النعوت محبوب لله فافهم‏ و من ذلك حبه المطهرين قال الله تعالى وَ الله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ و هم الذين طهروا غيرهم كما طهروا نفوسهم فتعدت طهارتهم إلى غيرهم فقاموا فيها مقام الحق نيابة عنه فإنه المطهر على الحقيقة و الحافظ و العاصم و الواقي و الغافر فمن منع ذاته و ذات غيره إن يقوم بها ما هو مذموم في حقها عند الله فقد عصمها و حفظها و وقاها و سترها عن قيام أمثال هذه بها فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي لينفر عنه بنور العلم و حياته ظلمة الجهالة و موتها فيكون في ميزانه يوم القيامة و من الأنوار التي تسعى بين يديه و هو محبوب عند الله مخصوص بعناية ولاية إلهية و استخلاف و الولاة الخلفاء من المقربين ممن استخلفهم عليهم لأنهم موضع مقصور من استخلفهم دون غيرهم و كل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك و قد أعلمه الله بما هي الطهارة التي يطهر بها رعاياه‏ و من ذلك حبه للصابرين و هو قوله وَ الله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ و هم الذين ابتلاهم الله فحبسوا نفوسهم عن الشكوى إلى‏غير الله الذي أنزل بهم هذا البلاء فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ في سَبِيلِ الله وَ ما ضَعُفُوا عن حمله لأنهم حملوه بالله و إن شق عليهم لا بد من ذلك و إن لم يشق عليهم فليس ببلاء وَ ما اسْتَكانُوا لغير الله في إزالته و لجئوا إلى الله في إزالته كما قال العبد الصالح مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فرفع الشكوى إليه لا إلى غيره فأثنى الله عليه بأنه وجده صابرا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ مع هذه الشكوى فدل إن الصابر يشكو إلى الله لا إلى غيره بل يجب عليه ذلك لما في الصبر إن لم يشك إلى الله من مقاومة القهر الإلهي و هو سوء أدب مع الله و الأنبياء ع أهل أدب و هم على علم من الله فإنك تعلم أن صبرك ما كان إلا بالله ما كان من ذاتك و لا من حولك و قوتك فإن الله يقول وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ فبأي شي‏ء تفتخر و هو ليس لك فما ابتلى الله عباده إلا ليلجئوا في رفع ذلك إليه و لا يلجئوا في رفعه إلى غيره فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين و هو محبوب الله و من أسمائه تعالى النعتية الصبور فما أحب إلا من رأى خلعته عليه ثم إن هنا سرا و أقامك فيه مقامه فإن الصبر لا يكون إلا على أذى و قد عرفنا إن في خلقه من يؤذي الله و رسوله و نعتهم لنا لنعرفهم فندفع ذلك الأذى عنه تعالى بمقاتلتهم أو بتعليمهم إن كانوا جاهلين طالبين العلم و قد سمي نفسه صبورا و قد رفع إلينا ما أوذى به و عرفنا بهم لنذب عنه و ندفع الأذى مع الاتصاف بالصبور لنعلم أنا إذا شكونا إليه ما نزل من البلاء و سألناه في رفعه عنا و سؤالنا إياه لا يزول عنا اسم الصبر فلا تزول عنا محبته كما لم يزل عنه اسم الصبور بتعريفه إيانا من أذاه حتى ندفع عنه فإنه‏ ورد في الصحيح ليس أحد أصبر على أذى من الله‏ فاجعل بالك لما نبهناك عليه‏ و من ذلك حب الشاكرين فوصف الحق نفسه في كتابه إنه يحب الشاكرين و الشكر نعمته فإنه شاكِرٌ عَلِيمٌ فما أحب من العبد إلا ما هو صفة له و نعت و الشكر لا يكون إلا على النعم لا على البلاء كما يزعم بعضهم ممن لا علم له بالحقائق لأنه تعالى أبطن نعمته في نقمته و نقمته في نعمته فالتبس على من لا علم له بالحقائق أي بحقائق الأمور فتخيل أنه يشكر على البلاء و ليس بصحيح كشارب الدواء المكروه و هو من جملة البلاء و لكن هو بلاء على من يهلك به و هو المرض الذي لأجله استعمله فالألم هو عدو هذا الدواء إياه يطلب و لكن لما قام البلاء بهذا المحل الواجد للألم ورد عليه المنازع الذي يريد إزالته من الوجود و هو الدواء فوجد المحل لذلك كراهة و علم أنه في طي ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم فشكر الله تعالى على ما فيه من النعمة و صبر على ما يكره من استعماله لعلمه بأنه طالب ذلك الألم حتى يزيله فما سعى إلا في راحة هذا المحل فتفطن لهذا فلهذا كان شاكرا فلما شكره على ما في هذا المكروه من النعمة الباطنة زاده نعمة أخرى و هي العافية و إزالة المرض و تصبره الدواء الكرة عليه و لذلك قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فزاده العافية و كذلك أيضا لما أوذى الحق و سعينا في إزالة ذلك المؤذي بأن آذيناه أو سسناه حتى رجع عن الأمر الذي كان يؤذي الحق به فإن كنا قد آذينا هذا المؤذي بقتال و أمثاله كان ذلك للحق بمنزلة شرب الدواء الذي يكرهه المريض في الحال و يراه نعمة لما فيه من إزالة ذلك الأمر المؤذي و إنما قلنا ذلك لأن الكل من فعله و قضائه و قدره و قد أوحى الله لنبيه داود أن يبني له بيتا يعني بيت المقدس فكلما بناه تهدم فقال له ربه فيما أوحى إليه أنه لا يقوم على يديك فإنك سفكت الدماء فقال له يا رب ما كان ذلك إلا في سبيلك فقال صدقت ما كان إلا في سبيلي و مع هذا أ ليسوا عبيدي فلا يقوم هذا البيت إلا على يد مطهرة من سفك الدماء فقال يا رب اجعله مني فأوحى الله إليه أنه يقوم على يد ولدك سليمان فبناه سليمان ع‏ فهذا عين ما نبهتك عليه إن تفطنت و من هنا تعرف الأمر على ما هو عليه و أن مبني الأمر الإلهي أبدا على هو لا هو فإن لم تعرفه كذا فما عرفته وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ فهذا عين ما قلناه من أنه هو لا هو و هنا حارت عقول من لم يشاهد الحقائق على ما هي عليه فلما أزال العبد هذا الأذى عن جناب الحق و إن كان فيه ما في استعمال الدواء شكره الله على ذلك و الشكر يطلب المزيد فطلب من عباده سبحانه بشكره أن يزيدوه فزادوه في العمل و هو قوله ع أ فلا أكون عبدا شكورا فزاد في العبادة لشكر الله له شكرا فزاد الحق في الهداية و التوفيق في موطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل و لا ألم على السعداء و أما التنبيه على استعمال الدواء الكرة في إماطة الأذى عن الله فقد أبان عنه الحق في‏ قوله في قبضه نسمة عبده المؤمن فوصف نفسه تعالى بأنه يكره مساءة عبده لكون العبد يكره الموت و لا بد له منه‏ مع أنه‏وصفه نفسه بأنه كاره لذلك فهذا عين كراهة ما يجده المريض في شرب الدواء لأن مرتبة العلم تعطي ذلك فإنه وقوع خلاف المعلوم محال فلا بد من وجوب وجود العالم لما تعطيه الحقائق الإلهية و أين الإمكان من الوجوب فاشحذ فؤادك و اعلم فَإِنَّ الله شاكِرٌ عَلِيمٌ فاردف وصفه نفسه بالشكر وصفه بالعلم فزد في عملك تكن قد جازيت ربك على شكره إياك على ما عملت له و ذلك العمل هو الصوم فإنه له و دفع الأذى عنه و هو قوله هل واليت في وليا أو عاديت في عدوا و هو قوله وجبت محبتي للمتحابين في و المتزاورين في و المتجالسين في و المتباذلين في‏ و الله يجعلنا ممن أنعم عليه فرأى نعمة الله عليه في كل حال فشكر و من ذلك حب المحسنين و هو قوله وَ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ و الإحسان صفته و هو المحسن المجمل فصفته أحب و هي الظاهرة في نفسه و الإحسان الذي به يسمى العبد محسنا هو أن يعبد الله كأنه يراه أي يعبده على المشاهدة و إحسان الله هو مقام رؤيته عباده في حركاتهم و تصرفاتهم و هو قوله أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ و هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فشهوده لكل شي‏ء هو إحسانه فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك فكل حال ينتقل فيه العبد فهو من إحسان الله إذ هو الذي نقله تعالى و لهذا سمي الإنعام إحسانا فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك و من كان علمه عين رؤيته فهو محسن على الدوام فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائما و ليس الإحسان في الشرع إلا هذا و قد قال له فإن لم تكن تراه فإنه يراك أي فإن لم تحسن فهو المحسن و هذا تعليم النبي ص لجبريل بحضور الصحابة من باب قولهم‏ إياك أعني فاسمعي يا جارة فالمخاطب غير مقصود بذلك العلم فإنه عالم به و المقصود به من حضر من السامعين و بهذا فسره رسول الله ص فقال في هذا الحديث هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم و من ذلك حب المقاتلين في سبيل الله بوصف خاص قال تعالى إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ يريد لا يدخله خلل فإن الخلل في الصفوف طرق الشياطين و الطريق واحدة و هي سبيل الله و إذا قطع هذا الخط الظاهر من النقط و لم يتراص لم يظهر وجود للخط و المقصود وجود الحظ و هذا معنى الرص لوجود سبيل الله فمن لم يكن له تعمل في ظهور سبيل الله فليس من أهل الله و كذلك صفوف المصلين لا تكون في سبيل الله حتى تتصل و يتراص الناس فيها و حينئذ يظهر سبيل الله في عينه فمن لم يفعل و أدخل الخلل كان ممن سعى في قطع سبيل الله و إزالته من الوجود فأراد الله من عباده في مثل هذا أن يجعلهم من الخالقين و لذلك قال فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و لا يكون السبيل إلا هكذا كالخط الموجود من النقط المتجاورة التي ليس بين كل نقطتين حيز فارغ لا نقطة فيه و حينئذ تظهر صورة الحظ كذلك الصف لا يظهر فيه سبيل الله حتى يتراص الناس فيه فهو يطلب الكثرة و هو في جناب الله تراص أسمائه تبارك و تعالى فيظهر عن تراصها سبيل الخلق فيكون الحي و إلى جانبه العليم و لا يكون بينهما فراغ لاسم آخر و يكون إلى جانبه المريد و يكون إلى جانبه القائل و يكون إلى جانبه القادر و يكون إلى جانبه الحكم و إلى جانبه المقيت و إلى جانبه المقسط و إلى جانبه المدبر و إلى جانبه المفصل و إلى جانبه الرازق و إلى جانبه المحيي فهكذا يكون صف الأسماء الإلهية لإيجاد سبيل الخلق الذي يكون بهذا التراص وجوده فإذا ظهرت هذه السبيل و ليست بزائدة على تراص هذه الأسماء فاتصف الخلق بهذه الأسماء لأنها بتراصها و هو حالها عن طريق الخلق فلا تزال ظاهرة في الخلق لا تعقل إلا هكذا فالعالم حي عالم مريده قائل قادر حكم مقيت مقسط مدبر مفصل هكذا إلى بقية الأسماء الإلهية و هو المعبر عنه في الطريق بالتخلق بالأسماء فتظهر في العبد كما تظهر في إيجاد الطريق المستقيم بتراصها فإن دخلها في الكون خلل زال سبيل الله و ظهرت سبل الشياطين التي تتخلل خلل الصفوف كما ورد في الخبر فاجعل بالك لما نبهتك عليه‏ فإذا قام العبد بأسماء الحق مقام الأسماء في إيجاد الخلق و قاتل بهذه الصفة الأعداء الذين هم بمنزلة الشياطين التي تتخلل خلل الصف فبالضرورة ينصرون لأنه لم يبق هناك خلل يدخل منه العدو فأحب الله من هذه صفتهم و كذا الإنسان وحده هو صف في كل ما هو فيه متحرك فتكون حركاته كلها لله لا يتخللها شي‏ء لغير الله فلا يقاومه أحد فإن الأعداء أبصارهم إليه محدقة ينظرون في حركاته و أفعاله عسى يجدون خللا يدخلون عليه منه فيقطعون بينه و بين الله بقطع سبيل الله و كل فعل خط فإنه مجموع أسماء إلهية و صفات محمودة و الأفعال كثيرة فيكثف الأمر و يعظم و تظهر صور المركبات في العالم إذ كل خطين فما زاد سطح و كل سطحين جسم‏و كل جسم فمركب من ثمانية و هو صورة كمال ظهرت عن ذات و سبع صفات فغاية التركيب الجسم و ليس وراءه مرتبة و قد قام على ثمانية بلا خلاف بين الجميع و ما زاد على هذا فهو أجسم أي أكثر سطوحا و إذا كان أكثر سطوحا كان أكثر خطوطا و إذا كان أكثر خطوطا كان أكثر نقطا فلم يزد على ما تركب منه الجسم الذي هو أول الأجسام مادة غير ما قبله الأول أو كان به الجسم الأول فمن تراص في صفة كان خلاقا قال تعالى فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فأثبت لهم هذا الوصف و جعل نفسه أحسن لا وليته في ذلك إذ لولاه ما ظهرت أعيان هؤلاء الخالقين فأثبت ما أثبت الله و لا تزله فتحرم فائدة العلم بموافقة الحق فتكون من المخالفين فتكون من الجاهلين فمن كان بهذه الصفة كان محبوبا لله تعالى و من كان محبوبا لم يدر أحد ما يعطيه محبه إذ لنفسه يعطي و قد تعرضت هنا مسألة يحب بيانها و هي أن الله أحب أولياءه و المحب لا يؤلم محبوبه و ليس أحد بأشد ألما في الدنيا و لا بلاء من أولياء الله رسلهم و أنبيائهم و أتباعهم المحفوظين المعانين على أتباعهم فمن أي حقيقة استحقوا هذا البلاء مع كونهم محبوبين فلنقل إن الله قال يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و البلاء أن لا يكون أبدا إلا مع الدعوى فمن لم يدع أمرا ما لا يبتلى بإقامة الدليل على صدق دعواه فلو لا الدعوى ما وقع البلاء غير أن الرسول ما يطالب بالدليل فإنه ما ادعى و لهذا يقال ليس على النافي إقامة دليل و ليس الأمر كذلك بل عليه الدليل إذا ادعى النفي فإن ادعى النفي في أمر ما فذلك ثبوت عين الدعوى فيطالب النافي من حيث دعواه على إقامة لدليل لأنه مثبت و لما أحب الله من أحب من عباده رزقهم محبته من حيث لا يعلمون فوجدوا في نفوسهم حبا لله فادعوا أنهم من محبي الله فابتلاهم الله من كونهم محبين و أنعم عليهم من كونهم محبوبين فإنعامه دليل على محبته فيهم فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و ابتلاؤه إياهم لما ادعوه من حبهم إياه فلهذا ابتلى الله أحبابه من المخلوقين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ و من ذلك حب الجمال هو نعت إلهي‏ ثبت في الصحيح أن رسول الله ص قال إن الله جميل يحب الجمال‏ فنبهنا بقوله جميل أن نحبه فانقسمنا في ذلك على قسمين فمنا من نظر إلى جمال الكمال و هو جمال الحكمة فأحبه في كل شي‏ء لأن كل شي‏ء محكم و هو صنعة حكيم و منا من لم تبلغ مرتبته هذا و ما عنده علم بالجمال إلا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض و هو في الشرع موضع‏ قوله اعبد الله كأنك تراه‏ فجاء بكاف الصفة فتخيل هذا الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد فقيده به كما قيده بالقبلة فأحبه لجماله و لا حرج عليه في ذلك فإنه أتى بأمر مشروع له على قدر وسعه و لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و بقي علينا حبه تعالى للجمال‏ فاعلم إن العالم خلقه الله في غاية الإحكام و الإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من أنه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته و الإنسان مجموع العالم و لم يكن علمه بالعالم تعالى إلا علمه بنفسه إذ لم يكن في الوجود إلا هو فلا بد أن يكون على صورته فلما أظهره في عينه كان مجلاه فما رأى فيه إلا جماله فأحب الجمال فالعالم جمال الله فهو الجميل المحب للجمال فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبه بحب الله و ما أحب إلا جمال الله فإن جمال الصنعة لا يضاف إليها و إنما يضاف إلى صانعه فجمال العالم جمال الله و صورة جماله دقيق أعني جمال الأشياء و ذلك أن الصورتين في العالم و هما مثلا شخصان ممن يحبهما الطبع و هما جاريتان أو غلامان قد اشتركا في حقيقة الإنسانية فهما مثلان و كمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء و الجوارح و سلامة المجموع و الآحاد من العاهات و الآفات و يتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه و يتصف الآخر بالقبح فيكرهه كل من رآه فما هو الجمال الذي انطلق عليه اسم الجمال حتى أحبه كل من رآه فقد وكلناك في علم ذلك إلى نفسك و نظرك فهذا إذا وقع حب الشخص من مجرد الرؤية خاصة لا بعد الصحبة و المعاشرة فدبروا نظر تعثر إن شاء الله على عين الأمر في وصف الحق نفسه بأنه جميل و بحبه للجمال مع خلقه المكروه و المضار و ما لا يلائم الطباع و لا يوافق الأغراض فهذا قد ذكرنا طرفا من الصفات التي يحب الله من اتصف بها و هي كثيرة جدا فقد نبهناك بما ذكرناه على مأخذها و كيف يتصرف الإنسان فيها فلنذكر طرفا من نعوت الحب الذي ينبغي أن يكون المحب عليها إن شاء الله‏ و بها يسمى محبا فهي كالحدود للحب فمن ذلك أنه موصوف بأنه مقتول تألف سائر إليه بأسمائه طيار دائم السهر كامن الغم راغب في الخروج من الدنيا لي لقاء محبوبه متبرم بصحبة ما يحول بينه و بين لقاء محبوبه كثير التأوه يستريح إلى‏كلام محبوبه و ذكره بتلاوة ذكره موافق لمحاب محبوبه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة يستقل الكثير من نفسه في حق ربه و يستكثر القليل من حبيبه يعانق طاعة محبوبه و يجانب مخالفته خارج عن نفسه بالكلية لا يطلب الدية في قتله يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره هائم القلب مؤثر محبوبه على كل مصحوب محو في إثبات قد وطأ نفسه لما يريده به محبوبه متداخل الصفات ما له نفس معه كله له يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه ملتذ في دهش جاوز الحدود بعد حفظها غيور على محبوبه منه يحكم حبه فيه على قدر عقله جرحه جبار لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب و لا النقص بجفائه ناس حظه و حظ محبوبه غير مطلوب بالآداب مخلوع النعوت مجهول الأسماء كأنه سأل و ليس بسال لا يفرق بين الوصل و الهجر هيمان متيم في إدلال ذو تشويش خارج عن الوزن يقول عن نفسه إنه عين محبوبه مصطلم مجهود لا يقول لمحبوبه لم فعلت كذا أو قلت كذا مهتوك الستر سره علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان لا يعلم أنه محب كثير الشوق و لا يدري إلى من عظيم الوجد و لا يدري فيمن لا يتميز له محبوبه مسرور محزون موصوف بالضدين مقامه الخرس حاله يترجم عنه لا يحب العوض سكران لا يصحو مراقب متحر لمراضيه مؤثر في المحبوب الرحمة به و الشفقة لما يعطيه شاهد حاله ذو أشجان كلما فرغ نصب لا يعرف التعب روحه عطية و بدنه مطية لا يعلم شيئا سوى ما في نفس محبوبه قرير العين لا يتكلم إلا بكلامه هم المسمون بحملة القرآن لما كان المحبون جامعين جميع الصفات كانوا عين القرآن كما قالت عائشة و قد سألت عن خلق رسول الله ص فقالت كان خلقه القرآن‏ لم تجب بغير هذا و سئل ذو النون عن حملة القرآن من هم فقال هم الذين أمطرت عليهم سحاب الأشجان و أنصبوا الركب و الأبدان و تسربلوا الخوف و الأحزان و شربوا بكأس اليقين و راضوا أنفسهم رياضة الموقنين فكان قرة أعينهم فيما قل و زجا و بلغ و كفا و ستر و وارى كحلوا أبصارهم بالسهر و غضوها عن النظر و ألزموها العبر و أشعروها الفكر فقاموا ليلهم أرقا و استهلت آماقهم نسقا صحبوا القرآن بأبدان ناحلة و شفاه ذابلة و دموع زائلة و زفرات قاتلة فحال بينهم و بين نعيم المتنعمين و غاية آمال الراغبين فاضت عبراتهم من وعيده و شابت ذوائبهم من تحذيره فكان زفير النار تحت أقدامهم و كان وعيده نصب قلوبهم و من ألطف ما روينا في حال المحب عن شخص من المحبين دخل على بعض الشيوخ فتكلم الشيخ له على المحبة فما زال ذلك الشخص ينحل و يذوب و يسيل عرقا حتى تحلل جسمه كله و صار على الحصير بين يدي الشيخ بركة ماء ذاب كله فدخل عليه صاحبه فلم ير عند الشيخ أحدا فقال له أين فلان فقال الشيخ هو ذا و أشار إلى الماء و وصف حاله فهذا تحليل غريب و استحالة عجيبة حيث لم يزل ينحف عن كثافته حتى عاد ماء فكان أولا حيا بماء فعاد الآن يحيي كل شي‏ء لأن الله قال وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ فالمحب على هذا من يحيا به كل شي‏ء (و أخبرني) والدي رحمه الله أو عمي لا أدري أيهما أخبرني أنه رأى صائدا قد صاد قمرية حمامة أيكة فجاء ساق حر و هو ذكرها فلما نظر إليها و قد ذبحها الصائد طار في الجو محلقا إلى أن علا و نحن ننظر إليه حتى كاد يخفى عن أبصارنا ثم إنه ضم جناحيه و تكفن بهما و جعل رأسه مما يلي الأرض و نزل نزولا له دوي إلى أن وقع عليها فمات من حينه و نحن ننظر إليه هذا فعل طائر فيا أيها المحب أين دعواك في محبة مولاك (و حدثنا) محمد بن محمد عن هبة الرحمن عن أبي القسم بن هوازن قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن علي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت سمنونا و هو جالس يتكلم في المسجد في المحبة و جاء طير صغير قريبا منه ثم قرب فلم يزل يدنو حتى جلس على يده ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سأل منه الدم و مات هذا فعل الحب في الطائر قد أفهمه الله قول هذا الشيخ فغلب عليه الحال و حكم عليه سلطان الحب موعظة للحاضرين و حجة على المدعين لقد أعطانا الله منها الحظ الوافر إلا أنه قوانا عليه و الله إني لأجد من الحب ما لو وضع في ظني على السماء لانفطرت و على النجوم لانكدرت و على الجبال لسيرت هذا ذوقي لها لكن قواني الحق فيها قوة من ورثته و هو رأس المحبين إني رأيت فيها في نفسي من العجائب ما لا يبلغه وصف واصف و الحب على قدر التجلي و التجلي على قدر المعرفة و كل من ذاب فيها و ظهرت عليه أحكامها فتلك المحبة الطبيعية و محبة العارفين لا أثر لها في الشاهد فإن المعرفة تمحو آثارها لسر تعطيه لا يعرفه إلا العارفون فالمحب العارف حي لا يموت روح مجرد لا خبر للطبيعةبما يحمله من المحبة حبه إلهي و شوقه رباني مؤيد باسمه القدوس عن تأثير الكلام المحسوس برهان ذلك هذا الذي ذاب حتى صار ماء لو لم يكن ذا حب ما كان هذا حاله فقد كان محبا و لم يذب حتى سمع كلام الشيخ فثار كامن حبه فكان منه ما كان فحب لا حكم له في المحب حتى يثيره كلام متكلم حب طبيعي لأن الطبيعة هي التي تقبل الاستحالة و الإثارة إذ قد كان موصوفا بالحب قبل كلام الشيخ و لم يذب هذا الذوبان الذي صيره ماء بعد ما كان عظما و لحما و عصبا فلو كان إلهي الحب ما أثرت فيه كلمات الحروف و لا هزت روحانيته هذه الظروف فاستحى من دعواه في الحب و قام في قلبه نار الحياء فما زال يحلله إلى أن صار كما حكي فلا يلحق التغيير في الأعيان و التنقل في أطوار الأكوان إلا صاحب الحب الطبيعي و هذا هو الفرقان بين الحب الروحاني الإلهي و بين الحب الطبيعي و الحب الروحاني وسط بين الحب الإلهي و الطبيعي فيما هو إلهي يبقى عينه و بما هو طبيعي يتغير الحال عليه و لا يفنيه فالفناء أبد من جهة الحب الطبيعي و بقاء العين من جانب الحب الإلهي جبريل لما كان حبه روحانيا و هو روح و له وجه إلى الطبيعة من حيث جسميته لأن الأجسام الطبيعية الخارجة عن العناصر لا تستحيل بخلاف الأجسام العنصرية فإنها تستحيل لأنها عن أصول مستحيلة و الطبيعة لا تستحيل في نفسها لأن الحقائق لا تنقلب أعيانها فغشي على جبريل و لم يذب عين جوهر جسمه كما ذاب صاحب الحكاية فغشي عليه من حيث ما فيه من حب الطبيعة و بقي العين منه من حيث حبه الإلهي فالمحب الإلهي روح بلا جسم و المحب الطبيعي جسم بلا روح و المحب الروحاني ذو جسم و روح فليس للمحب الطبيعي العنصري روح يحفظه من الاستحالة فلهذا يؤثر الكلام في المحبة في المحب الطبيعي و لا يؤثر في المحب بالحب الإلهي و يؤثر بعض تأثير في المحب بالحب الروحاني حدثنا محمد بن إسماعيل اليمني بمكة قال حدثنا عبد الرحمن بن علي قال أنا أبو بكر بن حبيب العامري قال أنا علي بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال أخبرنا بكران بن أحمد قال سمعت يوسف بن الحسين قال كنت قاعدا بين يدي ذي النون و حوله ناس و هو يتكلم عليهم و الناس يبكون و شاب يضحك فقال له ذو النون ما لك أيها الشاب الناس يبكون و أنت تضحك فأنشأ يقول‏

كلهم يعبدون من خوف نار و يرون النجاة حظا جزيلا
ليس لي في الجنان و النار رأى أنا لا أبتغي بحبي بديلا

فقيل له فإن طردك فما ذا تفعل فقال‏

فإذا لم أجد من الحب وصلا رمت في النار منزلا و مقيلا
ثم أزعجت أهلها ببكائي بكرة في ضريعها و أصيلا
معشر المشركين نوحوا علىأنا عبد أجبت مولا جليلا
إن لم أكن في الذي ادعيت صدوقافجزاني منه العذاب الوبيلا

و خدمت أنا بنفسي امرأة من المحبات العارفات بإشبيلية يقال لها فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي خدمتها سنين و هي تزيد في وقت خدمتي إياها على خمس و تسعين سنة و كنت أستحي أن أنظر إلى وجهها و هي في هذا السن من حمرة خديها و حسن نعمتها و جمالها تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعمتها و لطافتها و كان لها حال مع الله و كانت تؤثرني على كل من يخدمها من أمثالي و تقول ما رأيت مثل فلان إذا دخل علي دخل بكله لا يترك منه خارجا عني شيئا و إذا خرج من عندي خرج بكله لا يترك عندي منه شيئا و سمعتها تقول عجبت لمن يقول إنه يحب الله و لا يفرح به و هو مشهوده عينه إليه ناظرة في كل عين لا يغيب عنه طرفة عين فهؤلاء البكاءون كيف يدعون محبته و يبكون أ ما يستحيون إذا كان قربه مضاعفا من قرب المتقربين إليه و المحب أعظم الناس قربة إليه فهو مشهوده فعلى من يبكي إن هذه لأعجوبة ثم تقول لي يا ولدي ما تقول فيما أقول فأقول لها يا أمي القول قولك قالت إني و الله متعجبة لقد أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب تخدمني فو الله ما شغلتني عنه فذلك اليوم عرفت مقام هذه المرأة لما قالت إن فاتحة الكتاب تخدمها فبينا نحن قعود إذ دخلت امرأة فقالت لي يا أخي إن زوجي في شريش شذونة أخبرت أنه يتزوج بها فما ذا ترى قلت لها و تريدين أن يصل قالت نعم‏فرددت وجهي إلى العجوز و قلت لها يا أم أ لا تسمعين ما تقول هذه المرأة قالت و ما تريد يا ولدي قلت قضاء حاجتها في هذا الوقت و حاجتي أن يأتي زوجها فقالت السمع و الطاعة إني أبعث إليه بفاتحة الكتاب و أوصيها أن تجي‏ء بزوج هذه المرأة و أنشأت فاتحة الكتاب فقرأتها و قرأت معها فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة و ذلك إنها تنشيها بقراءتها صورة مجسدة هوائية فتبعثها عند ذلك فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها يا فاتحة الكتاب تروحي إلى شريش و تجيئني بزوج هذه المرأة و لا تتركيه حتى تجي‏ء به فلم يلبث إلا قدر مسافة الطريق من مجيئه فوصل إلى أهله و كانت تضرب بالدف و تفرح فكنت أقول لها في ذلك فتقول لي إني أفرح به حيث اعتنى بي و جعلني من أوليائه و اصطنعني لنفسه و من أنا حتى يختارني هذا السيد على أبناء جنسي و عزة صاحبي لقد يغار على غيرة ما أصفها ما ألتفت إلى شي‏ء باعتماد عليه عن غفلة إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه ثم أرتني عجائب من ذلك فما زلت أخدمها بنفسي و بنيت لها بيتا من قصب بيدي على قدر قامتها فما زالت فيه حتى درجت و كانت تقول لي أنا أمك الإلهية و نور أمك الترابية و إذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها يا نور هذا ولدي و هو أبوك فبريه و لا تعقيه أخبرنا يونس بن يحيى بمكة سنة تسع و تسعين و خمسمائة قال أخبرنا أبو بكر بن الغزال قال أخبرنا أبو الفضل بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال حدثنا محمد ابن إبراهيم المذكر حدثنا محمد بن يزيد قال سمعت ذا النون يقول خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا أطوف إذ أنا بشخص متعلق بأستار الكعبة و إذا هو يبكي و يقول في بكائه كتمت بلائي من غيرك و بحت بسري إليك و اشتغلت بك عمن سواك عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك و لمن ذاق حبك كيف يصبر عنك ثم أنشأ يقول‏

ذوقتني طعم الوصال فزدتني شوقا إليك مخامر الأحشاء

ثم أقبل يخاطب نفسه فقال أمهلك فما ارعويت و ستر عليك فما استحييت و سلبك حلاوة المناجاة فما باليت ثم قال عزيزي مالي إذا قمت بين يديك ألقيت على النعاس و منعتني حلاوة مناجاتك لم قرة عيني لمة ثم أنشأ يقول‏

روعت قلبي بالفراق فلم أجدشيئا أمر من الفراق و أوجعا
حسب الفراق بأن يفرق بينناو لطالما ما قد كنت منه مروعا

قال ذو النون فأتيت إليه فإذا به امرأة (حكاية) محب أذاع سر محبوبه أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف حدثنا عبد الرحمن بن علي أخبرنا المحمدان بن ناصر و ابن عبد الباقي و حدثني أيضا عنهما يونس بن يحيى قالا أخبرنا حمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا أحمد بن محمد المتوكلي حدثنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا علي بن القاسم الشاهد قال سمعت أحمد بن محمد بن عيسى الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول كان شاب يحضر مجلس ذي النون المصري مدة ثم انقطع عنه زمانا ثم حضر عنده و قد اصفر لونه و نحل جسمه و ظهرت آثار العبادة عليه و الاجتهاد فقال له ذو النون يا فتى ما الذي أكسبك خدمة مولاك و اجتهادك من المواهب التي منحك بها و وهبها لك و اختصك بها فقال الفتى يا أستاذ و هل رأيت عبدا اصطنعه مولاه من بين عبيده و اصطفاه و أعطاه مفاتيح الخزائن ثم أسر إليه سرا أ يحسن أن يفشي ذلك السر ثم أنشأ يقول‏

من سارروه فأبدى السر مجتهدالم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
و باعدوه فلم يسعد بقربهمو أبدلوه من الإيناس إيحاشا
لا يصطفون مذيعا بعض سرهمحاشى ودادهم من ذلكم حاشا

يقول لا يصح لاجتهاد في سر المحبوب المحب بل ينتظر أمر محبوبه فإن أمره بإذاعته أذاعه و إن لم فالأصل الكتمان و لقد منحني الله سرا من أسراره بمدينة فاس سنة أربع و تسعين و خمسمائة فاذعته فإني ما علمت أنه من الأسرار التي لا تذاع فعوتبت فيه من المحبوب فلم يكن لي جواب إلا السكوت إلا أني قلت له تول أنت أمر ذلك فيمن أودعته إياه إن كانت لك غيرة عليه فإنك تقدر و لا أقدر و كنت قد أودعته نحوا من ثمانية عشر رجلا فقال لي أنا أتولي ذلك ثم أخبرني أنه سله من صدورهم و سلبهم إياه و أنا بسبتة فقلت لصاحبي عبد الله الخادم‏ إن الله أخبرني أنه فعل كذا و كذا فقم بنا نسافر إلى مدينة فاس حتى نرى ما ذكر لي في ذلك فسافرت فلما جاءتني تلك الجماعة وجدت الله قد سلبهم ذلك و انتزعه من صدورهم فسألوني عنه فسكت عنهم و هذا من أعجب ما جرى لي في هذا الباب فلله الحمد حيث لم يعاقبني بالوحشة التي قالها هذا الشاب لذي النون و لما كان طريق الله ذوقا تخيل هذا الشاب أن الذي عامله به الحق هكذا يعامل به جميع الخلق فذوقه صحيح و حكمه في ذلك على الله ليس بصحيح و هذا يقع في الطريق كثيرا إلا من المحققين فإنه لا يقع لهم مثل هذا لمعرفتهم بمراتب الأمور و حقائقها و هو علم عزيز المنال (و روينا) عن ذي النون من حديث محمد بن يزيد عن ذي النون قال قلت لامرأة متى يحوي الهموم قلب المحب قالت إذا كان للتذكار مجاورا و للشوق محاضرا يا ذا النون أ ما علمت إن الشوق يورث السقام و تجديد التذكار يورث الحزن ثم قالت‏

لم أذق طيب طعم وصلك حتى زال عني محبتي للأنام‏

قال فأجبتها

نعم المحب إذا تزايد وصله و علت محبته بعقب وصال‏

فقالت أوجعتني أوجعتني أ ما علمت أنه لا يوصل إليه إلا بترك من دونه قلت لو قالت لي مثل هذا قلت لها إذا كان ثم (و حدثنا) غير واحد منهم ابن أبي الصيف عن عبد الرحمن بن علي قال أخبرنا إبراهيم بن دينار قال حدثنا إسماعيل بن محمد إنا عبد العزيز بن أحمد أخبرني أبو الشيخ عبد الله بن محمد قال سمعت أبا سعيد الثقفي يحكي عن ذي النون قال كنت في الطواف فسمعت صوتا حزينا و إذا بجارية متعلقة بأستار الكعبة و هي تقول‏

أنت تدري يا حبيبييا حبيبي أنت تدري‏
و نحول الجسم و الروحيبوحان بسري‏
يا عزيزي قد كتمت الحبحتى ضاق صدري‏

قال ذو النون فشجاني ما سمعت حتى انتحبت و بكيت و قالت إلهي و سيدي و مولاي بحبك لي إلا غفرت لي قال فتعاظمني ذلك و قلت يا جارية أ ما يكفيك أن تقولي بحبي لك حتى تقولي بحبك لي فقالت إليك يا ذا النون أ ما علمت إن لله قوما يحبهم قبل أن يحبوه أ ما سمعت الله يقول فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ فسبقت محبته لهم قبل محبتهم له فقلت من أين علمت أني ذو النون فقالت يا بطال جالت القلوب في ميدان الأسرار فعرفتك ثم قالت انظر من خلفك فأدرت وجهي فلا أدري السماء اقتلعتها أم الأرض ابتلعتها قلت يقرب حديث هذه الجارية من حال موسى ع مع ربه انظر إلى الجبل لله تعالى ميادين تسمى ميادين المحبة كلها ثم يختص كل ميدان منها باسم من نعوت المحبة مثل ميدان الوجد و ميدان الشوق و كل حال يكون فيه جولان و حركة فله ميدان هذا أمر كلي و كذلك أيضا للمعارف حضرات و مجالس ما هي ميادين إلا إذا أشهدك سبحانه في معرفته تفرقة في أعيان الأكوان فإن شاهدت أنه العين الظاهرة فيها بأسمائها فتلك ميادين الأسرار و إن شاهدت معيته للأكوان بأسمائه فتلك ميادين الأنوار و إن اختلط عليك الأمر فترى أمرا فتقول هو هو ثم ترى أمرا فتقول ما هو هو ثم ترى أمرا فتقول لا أدري أ هو هو أم لا هو هو فتلك ميادين الحضرة و لكل عين كون علامة يعرفها من جال في هذه الميادين فيعرف بتلك العلامة من قامت به في عالم الشهادة في هذه الهياكل المظلمة بالطبع المنورة بالمعرفة فمن هناك يسمونهم بأسمائهم مثل حال هذه الجارية و روينا من حديث موسى بن علي الإخميمي عن ذي النون أنه لقي رجلا باليمن كان قد رحل إليه في حكاية طويلة و فيها ثم قال له ذو النون رحمك الله ما علامة المحب لله فقال له حبيبي إن درجة الحب درجة رفيعة قال فإنا أحب أن تصفها لي قال إن المحبين لله شق لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب عز جلال الله فصارت أبدانهم دنياوية و أرواحهم حجبية و عقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة و تشاهد تلك الأمور باليقين فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حبا له لا طمعا في جنة و لا خوفا من نار فشهق الفتى شهقة كانت فيها نفسه قلنا كان هذا القائل من العارفين فإنه ذكر ما يدل على ذلك و هي ثلاثة ألقاب ليس في الكون إلا هي فقال أبدانهم دنياوية لأنه قال وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ فلا بد أن يترك له من حقائقه من يكون معه في الدنيا إذ كان الإنسان مجموع العالم و ليس إلا بدنه لأنه أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِو هو عرق بدني فلو مشى بكله لكان ناقص الحال و الثاني عقولهم سماوية لأن العقول صفات تقييد فإن العقل يقيد إذ كان من العقال و السموات محال الملائكة المقيدة بمقاماتها فقالت وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فلا تتعداه قد حبسه فيه من أوجده له و لهذا فسره بأن قال تسرح بين صفوف الملائكة فهم بعقولهم في السموات و ما في الكون المركب الا سماء و أرض و الثالث أرواحهم حجبية لأنه لما سوى سبحانه الصورة البدنية احتجب بل حجبها عن ظهوره في عينها و نفخت فيه من روحي فظهرت أرواحهم عن هذا الروح الحجابي فهم مشاهدون أصلهم عالمون بأنه حجاب ليعلموا من هو الظاهر في أعيانهم و من المسمى فلانا و لم سمي و هنا أسرار دقيقة و حكايات المحبين العارفين كثيرة انتهى الجزء الرابع عشر و مائة

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل) نختم به هذا الباب يسمى عندنا مجالي الحق للعارفين المحبين‏ في منصات الأعراس لإعطاء نعوت المحبين في المحبة فمن ذلك‏ منصة و مجلى نعت المحب بأنه مقتول‏ و ذلك لأنه مركب من طبيعة و روح‏

و الروح نور و الطبيعة ظلمة و كلاهما في عينه ضدان‏

و الضدان متنافران و المتنافران متنازعان كل واحد يطلب الحكم له و أن يرجع الملك إليه و المحب لا يخلو إما أن تغلب الطبيعة عليه فيكون مظلم الهيكل فيحب الحق في الخلق فيدرج النور في الظلمة اعتمادا على الأصل في قوله وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ و النهار نور فعلم أنهما متجاوران و إن كانا ضدين و أن أحدهما يجوز أن يكون مبطونا في الآخر فما يضرني أن أحب الحق في الخلق لا جمع بين الأمرين و إما إن غلب عليه الروح فيكون منور الهيكل فيحب الخلق في الحق‏ لقوله حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه‏ فأحبته في النعم عن أمره فمشهوده الحق و مهما وقعت الغيرة بين الضدين و رأى كل ضدان مطلوبه ربما يتخلص لضده يقول أقتله حتى لا يظهر به ضدي دوني فإن قتلته الطبيعة مات و هو محب للاكوان و إن قتله الروح كان شهيدا حيا عند ربه يرزق فهو مقتول بكل حال كل محب في العالم و إن كان لا يشعر بذلك‏ منصة و مجلى نعت المحب بأنه تألف‏ و ذلك أنه خلقه الله من اسمه الظاهر و الباطن فجعله عالم غيب و شهادة و خلق له عقلا يفرق به بين حكم الاسمين لإقامة الوزن بين العالمين في ذاته ثم تجلى له في اسمه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فحيره فلم يعطه هذا التجلي إقامة الوزن و لا سيما و قد قال له وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فتلف من حيث لم ير حالا توجب العدل و إقامة الوزن فخرج عن حد التكليف إذ لا يكلف إلا عاقل لما تقيد بعقله فهذا نعت المحب بأنه تألف‏ منصة و مجلى نعته بأنه سائر إليه بأسمائه‏ و ذلك أنه تجلى له في أسماء الكون و تجلى له في أسمائه الحسنى فتخيل في تجليه بأسماء الكون أنه نزول من الحق في حقه و لم يك ذلك من أفقه فلما نخلق بأسمائه الحسنى غلبه ما جرت عليه طريقة أهل الله من التخلق و هو يتخيل أن أسماء الكون خلقت له لا لله و أن منزلة الحق فيها بمنزلة العبد في أسمائه الحسنى فقال لا أدخل عليه إلا بأسمائي و إذا خرجت إلى خلقه أخرج إليهم بأسمائه الحسنى تخلقا فلما دخل عليه بما يظن أنها أسماؤه و هي أسماء الكون عنده رأى ما رأته الأنبياء من الآيات في إسرائها و معارجها في الآفاق و في أنفسهم فرأى إن الكل أسماؤه تعالى و أن العبد لا اسم له حتى إن اسم العبد ليس له و إنه متخلق به كسائر الأسماء الحسنى فعلم إن السير إليه و الدخول عليه و الحضور عنده ليس إلا بأسمائه و أن أسماء الكون أسماؤه فاستدرك الغلط بعد ما فرط ما فرط فجبر له هذا الشهود ما فاته حين فرق بين العابد و المعبود و هذا مجلى عزيز في منصة عظمى كانت غاية أبي يزيد البسطامي دونها فإن غايته ما قاله عن نفسه تقرب إلي بما ليس لي فهذا كان حظه من ربه و رآه غاية و كذلك هو فإنه غايته لا الغاية و هذه طريقة أخرى ما رأيتها لأحد من الأولياء ذوقا إلا للأنبياء و الرسل خاصة من هذا المجلى وصفوه سبحانه بما يسمى في علم الرسوم صفات التشبيه فيتخيلون إن الحق وصف نفسه بصفات الخلق فتأولوا ذلك و هذا المشهد يعطي أن كل اسم للكون فأصله للحق حقيقة و هو للخلق لفظا دون معنى و هو به متخلق فافهم‏منصة و مجلى‏

نعت المحب بأنه طيار علم صحيح ما عليه غبار

هذا بيت غير مقصود هو ما ذكرناه من أسماء الكون كان يتخيل أن تلك الأسماء و كره فلما تبين له أنه في غير وكره ظهر فطار عن كونه و كره و حلق في جو كونه اسما حقه فهو في كل نفس يطير منه إلى نفس آخر لأن عين الأسماء كلها لمن هو كل يوم في شأن فما من يوم و إلا و المحب يطير فيه من شأن إلى شأن هذا يعطيه شهوده‏ منصة و مجلى نعت المحب بأنه دائم السهر لما رأى أن المحبوب لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ علم إن ذلك من مقام حبه لحفظ العالم و دعاه إلى هذا النظر كون الحق يتجلى في الصور و للصور أحكام و من أحكام بعض الصور النوم و رآه في مثل هذه الصورة لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ من حيث هذه الصورة فعلم إن ذلك من مقام حبه لحفظ العالم و إذا كان المحب جليس محبوبه و محبوبه بهذه الصفة فالنوم عليه حرام فالمحب يقول مع الفراق إن النوم عليه حرام فكيف مع الشهود و المجالسة قال بعضهم في سهر الفراق‏

النوم بعدكم علي حرام من فارق الأحباب كيف ينام‏

فالنوم مع المشاهدة أبعد و أبعد منصة و مجلى نعت المحب بأنه كامن الغم‏ أي غمه مستور لا ظهور له فسبب ذلك قوله تعالى وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ ثم يرى في شهوده أنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه إذ هو محركها بما تتحرك فيه و يرى في شهوده ما يقابل الكون به خالقه من سوء الأدب و ما لا ينبغي أن يوصف به مما مدلوله العدم فيريد أن يتكلم و يبدي ما في نفسه من الغيرة التي تقتضيها المحبة ثم يرى أن ذلك بإذنه لأنه ممن يرى الله قبل الأشياء مقام أبي بكر فيسكن و لا يتمكن له أن يظهر غمه لأن الحب حكم عليه بأن ذلك الذي يعامل به المحبوب لا يليق به و يرى أنه سلط خلقه عليه بما أنطقهم به و ما عذرهم و أرسل الحجاب دونهم فكمن غم هذا المحب في الدنيا فإنه في الآخرة لا غم له و لهذا يطلب الخروج من الدنيا منصة و مجلى نعت المحب بأنه راغب في الخروج من الدنيا إلى لقاء محبوبه‏ هو لما ذكرناه في هذا الفصل قبله لأن النفس من حقيقتها طلب الاستراحة و الغم تعب و كمونه أتعب و الدنيا محل الغموم و الذي تختص به هذه المنصة رغبته في لقاء محبوبه و هو لقاء خاص عينه الحق إذ هو المشهود في كل حال و لكن لما عين ما شاء من المواطن و جعله محلا للقاء مخصوص رغبنا فيه و لا نناله إلا بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء و هي الدار الدنيا خير النبي ص بين البقاء في الدنيا و الانتقال إلى الأخرى فقال الرفيق الأعلى‏ فإنه في حال الدنيا في مرافقة أدنى و ورد في الخبر أنه من أحب لقاء الله يعني بالموت أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه‏ فلقيه في الموت بما يكرهه و هو أن حجبه عنه و تجلى لمن أحب لقاه من عباده و لقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه بالحياة الدنيا فنسبة لقائنا له بالموت نسبة قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و الموت فينا فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامها فأرادوا حب هذا المحب أن يحصل ذلك ذوقا و لا يكون ذلك إلا بالخروج من دار الدنيا بالموت لا بالحال و هو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد و ظهر به بل كان السبب في ظهوره ففرق الحق بينه و بين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما و هو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم فلا يريد أن يكون بينهم و بين غيره علاقة فخلق الموت و ابتلاهم به تمحيصا لدعواهم في محبته فإذا انقضى حكمه ذبحه يحيى ع بين الجنة و النار فلا يموت أحد من أهل الدارين فهذا سبب رغبتهم في الخروج من الدنيا إلى لقاء المحبوب لأن الغيرة نصب و يحيي الموت بالذبح حياة خاصة كما حكمنا بعد الموت‏ فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا منصة و مجلى نعت المحب بأنه متبرم بصحبة ما يحول بينه و بين لقاء محبوبه‏ هذا النعت أعم من الأول في المحب فإن العارف ما يحول بينه و بين لقاء محبوبه إلا العدم و ما هو ثم و ليس الوجود سواه فهو شاهده في كل عين تراه فليس بين المحب و المحبوب إلا حجاب الخلق فيعلم أن ثم خالقا و مخلوقا فلم يقدر على رفع صحبة هذه الحقيقة فإنها عينه و الشي‏ء لا يرتفع عن نفسه و نفسه تحول بينه و بين لقاء محبوبه فهو متبرم بنفسه لكونه مخلوقا و صحبته لنفسه ذاتية لا ترتفع أبدا فلا يزال متبرما أبدا فلهذا يتبرم لأنه يتخيل أنه إذا فارق هذا الهيكل فارق التركيب فيرجع بسيطا لا ثاني له فينفرد بأحديته فيضربها في أحدية الحق و هو اللقاء فيكون الحق الخارج بعد الضرب لا هو فهذا يجعله يتبرم و العارف المحب لا يتبرم من هذا لمعرفته بالأمر على ما هو عليه كما ذكرناه في رسالة الاتحادمنصة و مجلى نعت المحب بأنه كثير التأوه‏ و هو قوله إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وصف الحق من كونه اسمه الرحمن أن له نفسا ينفس به عن عباده و في ذلك النفس ظهر العالم و لذلك جعل تكوين العالم بقول كُنْ و الحرف مقطع الهواء فالهواء يولده ما هو هو لأنه لا يظهر الحرف إلا عند انقطاع الهواء و الهواء نفس و لهذا الهواء في العناصر هو نفس الطبيعة و لهذا يقبل الحروف و هو ما يظهر فيه من الأصوات عند الهبوب و الظاهر من تلك الأصوات حرف الهاء و الهمزة و هما أقصى المخارج مخارج الحروف فإنهما مما يلي القلب و هما أول حروف الحلق بل حروف الصدر فهما أول حرف يصوره المتنفس و ذلك هو التأوه لقربه من القلب الذي هو محل خروج النفس و انبعاثه فيظهر عنه جميع الحروف كما يظهر العالم بالتكوين عن قول كُنْ و هو سر عجيب سأذكره في باب النفس بفتح الفاء إن شاء الله فإذا تجلى الحق من قلب المحب و نظرت إليه عين البصيرة لأن القلب وسع الحق و رأى ما يقع من الذم على هذه النشأة الطبيعية و هي تحتوي على هذه الأسرار الإلهية و إنها من نفس الرحمن ظهرت في الكون فذمت و جهل قدرها فكثر منه التأوه لهذه القادحة لما يرى في ذلك من الوضوح و الجلاء و الناس في عماية عن ذلك لا يبصرون فيتأوه غيرة على الله و شفقة على المحجوبين‏ لكون النبي ص جعل كمال الايمان في المؤمن أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه‏ فلهذا يتأسف على من حرمه الله هذا الشهود و يتأوه لحبه في محبوبه من أجل ما يراه من عمى الخلق عنه و من شأن المحب الشفقة على المحبوب لأن الحب يعطي ذلك‏ منصة و مجلى نعت المحب بأنه يستريح إلى كلام محبوبه و ذكره بتلاوة ذكره‏ قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ فسمى كلامه ذكرا فاعلم إن أصل وجود الكون لم يكن عن صفة إلهية إلا عن صفة الكلام خاصة فإن الكون لم يعلم منه إلا كلامه و هو الذي سمع فالتذ في سماعه فلم يتمكن له إلا أن يكون و لهذا السماع مجبول على الحركة و الاضطراب و النقلة في السامعين لأن السامع عند ما سمع قول كن انتقل و تحرك من حال العدم إلى حال الوجود فتكون فمن هنا أصل حركة أهل السماع و هم أصحاب وجد و لا يلزم فيمن فإن الوجد لذاته يقتضي ما يقتضي و إنما المحبوب يختلف فالحب و الوجد و الشوق و جميع نعوت الحب وصف للحب كان المحبوب ما كان إلا أني اختصصت في هذا الكتاب الحب المتعلق بالله الذي هو المحبوب على الحقيقة و إن كان غير مشعور به في مواطن عند قوم و مشعورا به عند قوم و هم العارفون فما أحبوا إلا الله مع كونهم يحبون أرواحهم و أهليهم و أصحابهم فاعلم ذلك حتى إن بعض الصالحين حكى لنا عنه أنه قال إن قيسا المجنون كان من المحبين لله و جعل حجابه ليلى و كان من المولهين و أخذت صدق هذا القول من حكايته التي قال فيها لليلى إليك عني فإن حبك شغلني عنك و ما قربها و لا أدناها و من شأن الحب أن يطلب المحب الاتصال بالمحبوب و هذا الفعل نقيض المحبة و من شأن المحب أن يغشى عليه عند فجأة ورود المحبوب عليه و يدهش و هذا يقول لها إليك عني و ما دهش و لا فنى فتحقق عندي بهذا الفعل صدق ما قاله هذا العارف في حق قيس المجنون و ليس ببعيد فلله ضنائن من عباده فمن هناك استراح المحبون إلى كلام المحبوب و ذكره و القرآن كلامه و هو ذكر فلا يؤثرون شيئا على تلاوته لأنهم ينوبون فيه عنه فكأنه المتكلم كما قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و التالي إنما هو محمد ص فأهل القرآن هم أهل الله و خاصته فهم الأحباب المحبون‏ منصة و مجلى نعت المحب بأنه موافق لمحاب محبوبه‏ هذا ما يكون إلا من نعوت المحبين لله خاصة لكونه تعالى لا يحد و لا يتقيد و هو المتجلي في الاسم القريب كما يتجلى في الاسم البعيد فهو البعيد القريب قال المحب‏ و كل ما يفعل المحبوب محبوب‏ فإذا فعل البعد كان محبوبه البعد عن المحبوب لأنه محبوب المحبوب فإنه أحبه لحب المحبوب لا بنفسه و لا يحبه بحب المحبوب لا بنفسه حتى يكون المحبوب صفة له و إذا كان المحبوب من صفات المحب قام به و إذا قام به فهو في غاية الوصلة في عين البعد أوصل منه به في القرب لأنه في القرب بصفة نفسه لا بصفة محبوبه لأنه لا يقوم بالمحل علتان لمعلول واحد هذا لا يصح فما يحب القرب إلا لنفسه كما لا يحب البعد إلا بمحبوبه فهو في حب البعد أتم منه محبة في حب القرب و لنا في هذا المعنى‏

هوى بين الملاحة و الجماليقاسيه القوي من الرجال‏
و يضعف عنه كل ضعيف قلبتقلب في النعيم و في الدلال‏
و تقليبي مع الهجران عنديألذ من العناق مع الوصال‏
فإني في الوصال عبيد نفسيو في الهجران عبد للموالي‏
و شغلي بالحبيب بكل وجهأحب إلي من شغلي بحالي‏

ففي هذا الشعر ايثار مآثره المحبوبة و يتضمن ما أشرنا إليه في كلامنا قبله و أما قولنا إن المحبوب صفة المحب فيما ذكرناه فهو قوله تعالى فإذا أحببته كنت سمعه و بصره‏ فجعل عينه سمع العبد و بصره فأثبت أنه صفته فما أحب المحب البعد إلا بمحبوبه و هذا غاية الوصلة في عين البعد (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة و ذلك أنه لا يخاف من هذا إلا عارف متوسط لم يبلغ التحقيق في المعرفة إلا أنه يشعر به من غير ذوق سوى ذوق الشعور و هو محب و المحب مطيع لمحبوبه في جميع أوامره و تحقيق الأمر يعطي أن الآمر عين المأمور و المحب عين المحبوب إلا إن الظاهر يظهر بحسب ما تعطيه حقيقة المظهر و بالمظاهر تظهر التنوعات في الظاهر و تختلف الأحكام و الأسامي و بها يظهر الطائع و العاصي فالذي هو في مقام الشعور و لم يحصل في حد أن ينزل الأشياء منازلها في الظاهر يخاف أن يصدر منه ما يناقض الحرمة في خدمته إذ يقول ليس إلا هو كما يذهب إلى ذلك من يرى الأعيان عينا واحدة و لكن لا يعرف كيف فلا يزال يسي‏ء الأدب لأنه أخذ ذلك عن غير ذوق و هذا مذهب من يرى أن المدبر أجسام الناس روح واحدة و أن عين روح زيد هو عين روح عمرو و فيه من الغلط ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع و هو أنه يلزم ما يعلمه زيد لا يجهله عمرو لأن العالم من كل واحد عين روحه و هو واحد و الشي‏ء الواحد لا يكون عالما بالشي‏ء جاهلا به فيخاف المحب إن صدرت منه قلة حرمة بهفوة و غلط أن يستند فيها بعد وقوعها إلى ما ذكرناه فيحصل في قلة المبالاة بما يظهر عليه من ذلك و المحبة تأبى إلا حرمة المحبوب و إن كان المحب مدلا بحبه لغلبة الحب عليه و أنه يرى نفسه عين محبوبه فيقول‏ أنا من أهوى و من أهوى أنا فهذا سبب خوفه لا غير (منصة و مجلى) نعت المحب أن يستقل الكثير من نفسه في حق ربه‏ و يستكثر القليل من حبيبه و ذلك أنه يفرق بين كونه محبا لما يرى في نفسه من الانكسار و الذلة و الدهش و الحيرة التي هي أثر الحب في المحبين و يرى نخوة المحبوب و تيهه و رياسته و إعجابه عليه فيرى أنه إذا أعطاه جميع ما يملكه فهو قليل لما أعطاه من نفسه و أن حق محبوبه أعظم عنده من حق نفسه بل لا يرى لنفسه حقا و إن كان في الحقيقة ما يسعى إلا في حق نفسه هكذا تعطيه المحبة كان لبعض الملوك مملوك يحبه اسمه إياس فدخل على الملك بعض جلسائه و رأى قدمي المملوك في حجر الملك و الملك يكبسهما فتعجب فقال إياس يا هذا ما هذه أقدام إياس هذه قلب الملك في حجره يكبسه هذا معنى قولنا إن المحب في حق نفسه يسعى فإنه له في ذلك الفعل لذة عظيمة لا ينالها إلا بذلك الفعل فالمحبوب ممتن عليه إذ أمكنه مما تقع للمحب به لذة من المحبوب فيرى المحب أي شي‏ء جاء من المحبوب فهو كثير فهو إنعام سيد على عبد و أي شي‏ء كان من المحب في حق المحبوب و لو كان تلف الروح و المهجة في رضاه لكان قليلا لأنه طاعة عبد لسيد محسان و ما قدروا الله حق قدره فالمحبوب غني فقليله كثير و المحب فقير فكثيره قليل و لكن و إن كان هذا نعت المحب عندهم فهو نعت محب ناقص المعرفة كثير الحب على عماية لأن المحب إذا كان المخلوق ليس له حتى يستقل أو يستكثر و أما إذا كان المحب الله فإنه يستكثر القليل من عبده و هو قوله فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و أما استقلاله الكثير في حق أحبابه من عباده فإن ما عند الله ما له نهاية و دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فكل ما دخل في الوجود فهو متناه فإذا أضيف ما تناهي إلى ما لا يتناهى ظهر كأنه قليل أو كأنه لا شي‏ء و إن كان كثيرا و هنا نظر يطول فاقتصرنا (منصة و مجلى) نعت المحب يعانق طاعة محبوبه و يجانب مخالفته‏ قال شاعرهم‏

تعصى الإله و أنت تظهر حبههذا محال في القياس بديع‏
لو كان حبك صادقا لأطعتهإن المحب لمن يحب مطيع‏

المحب عبد و العبد من وقف عند أوامر سيده و تجنب مخالفة أوامره و نواهيه فلا يراه حيث نهاه و لا يفقده حيث أمرلا يزال ماثلا بين يديه فإذا أمره رأى هذا المحب أنه قد امتن عليه حيث استعمله و أمره و إن هذا من عنايته به و إن فقد رؤيته و مشاهدته فيما شغله به فهو في نعيم و لذة بكونه يتصرف في مراسيم سيده و عن إذنه فإن كان المحب الله فأمر المحبوب له دعاؤه و رغبته فيما يعن له و يحبه ثم إنه يكره أشياء فيدعوه بصفة النهي مثل قوله لا تُزِغْ قُلُوبَنا و لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً و لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به فهذا سؤال بصفة نهي فقد وقع منه الأمر و النهي لسيده و إجابة الحق هذا العبد من حيث هو محب لهذا العبد كالطاعة من العبد لأوامر سيده و مجانبة مخالفته‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه خارج عن نفسه بالكلية اعلم أن نفس الشخص الذي يتميز به عن كثير من المخلوقات إنما هو إرادته فإذا ترك إرادته لما يريد به محبوبه فقد خرج عن نفسه بالكلية فلا تصرف له فإذا أراد به محبوبه أمرا ما و علم هذا المحب ما يريده محبوبه منه أو به سارع أو تهيأ لقبول ذلك و رأى أن ذلك التهيؤ و المسارعة من سلطنة الحب الذي تحكم فيه فلم ير المحبوب في محبه من ينازعه فيما يريده به أو منه لأنه خرج له عن نفسه بالكلية فلا إرادة له معه و لكن مع وجود نفسه و طلبه الاتصال به و إن لم يكن كذلك فهو في مرتبة الجماد الذي لا إرادة له فما له لذة إلا اللذة التي متعلقها التذاذ محبوبه بما يراه منه في قبوله المحب الله أوحى الله إلى موسى يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك يعني الدنيا و الآخرة لأنه العين المقصودة و هو رأس الأحباء محمد ص فالكل في تسخير هذه النشأة الإنسانية الأفلاك و ما تحتوي عليه و الكواكب و ما في سيرها هذا في الدنيا و أما في الآخرة فما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر حتى نهاية الأمر و هو التجلي الإلهي يوم الزور الأعظم فهذا معنى خروج المحب عن نفسه بالكلية في كل ما يمكن أن يحتاج إليه المحبوب و ما لا حاجة للمحبوب به و لا يعود عليه منه لذة و ابتهاج فلا يدخل تحت هذا الباب‏ (منصة و مجلى) نعت المحب لا يطلب الدية في قتله‏ لأنا قد وصفناه أولا بأنه مقتول قتل المحب شهادة فقتله حياته و الحي لا دية فيه إنما يؤدي القتيل الذي يموت فله شرعت الدية المحب الله كون العبد محبوبا إرادته نافذة لا إرادة للمحب تنازع إرادته المقتول لا إرادة له و من كان بإرادة محبوبه فلا إرادة له و إن كان مريدا و لا دية له لأن الحي لا دية فيه و الحياة الذاتية له و هو حب الفرائض إذا أداها أحبه الله ففي النوافل يكون سمع العبد و بصره و في الفرائض يكون العبد سمع الحق و بصره و لهذا ثبت العالم فإن الله لا ينظر إلى العالم إلا ببصر هذا العبد فلا يذهب العالم للمناسبة فلو نظر إلى العالم ببصره لاحترق العالم بسبحات وجهه فنظر الحق العالم ببصر الكامل المخلوق على الصورة هو عين الحجاب الذي بين العالم و بين السبحات المحرقة (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره الإنسان مجموع الطبع و النور فالطبع يطلبه و النور يطلبه و كلف النور أن يغتبن و يترك كثيرا مما ينبغي له و تطلبه حقيقته لما يطلبه الطبع من المصالح و أمر النور الذي هو الروح أن يوفيه حقه و هو قوله ص لمن قال له من أبر قال أمك ثلاث مرات ثم قال له في الرابعة ثم أباك‏ فرجح بر الأم على بر الأب و الطبيعة الأم و هو قوله ص إن لنفسك عليك حقا و هي النفس الحيوانية و لعينك عليك حقا فهذا كله من حقوق الأم التي هي طبيعة الإنسان و أبوه هو الروح الإلهي و هو النور فإذا ترك أمورا كثيرة من محابه من حيث نوريته فإنه يتصف بأنه مضرور و هو مأمور بالصبر فهذا معنى يصبر على الضراء و إن كانت حقيقته تنفر من ذلك و لكن أمر الله أوجب ثم قال له في صبره وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ فإن الله تسمى بالاسم الصبور فكأنه قال له أنا على عزة جلالي قد وصفت نفسي بأني أؤذى و إني أحلم و أصبر و تسميت بالصبور و أنا غير مأمور و لا محجور علي فأدخلت نفسي تحت محاب خلقي و تركت ما ينبغي لي لما ينبغي لخلقي إيثار الهم و رحمة مني بهم فأنت أحق بأن تصبر على الضراء بي أي بسبب أمري و بسبب كوني صبورا على أذى خلقي حين وصفوني بما لا يقتضيه جلالي و هذا من كون الله محبا في هذا المجلى و أما كونه كذلك لما كلفه محبوبه من تدبير نشأته الطبيعية فإذا كان المحبوب الخلق و المحب الحق فصورة التكليف ما يطلبه العبد من سيده إذا عرف أنه محبوب لسيده من تدبير مصالحه بشرط الموافقة لأغراضه و محابه فيفعل الحق معه ذلك فهذا ذلك المعنى الذي نعت به المحب‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه هائم القلب‏ لما كان القلب سمي بذلك لكثرة تصرفاته و تقليبه كثرت وجوهه و توجهاته و هذه صفةالهائم و لا سيما إذا كان الحق يظهر له في كل وجه يتوجه إليه و في كل مصرف يتصرف فيه فإنه ناظر إلى عين محبوبه في كل وجه المحب الله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ‏ ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله‏ كثرة الوجوه في الأمر الواحد تؤدي إلى التردد أيها يفعل و كلها رضي المحبوب فنحن لا نعرف الأرضى و هو يعرف الأرضى في حقنا غير أنا نعرف الأرضي ما بين النوافل و الفرائض فنقول الفرائض أرضى و لكن إذا اجتمعت بحكم التخيير كالكفارة التي فيها التخيير لا يعرف الأرضي إلا بتعريف مجدد و كذلك الأرضي في النوافل لا يعرف إلا بتوقيف و النوافل كثيرة و ما منها إلا مرضي من وجه و أرضى من وجه فلا بد من تعريف جديد ففي مثل هذا يكون المحب هائم القلب أي حائرا في الوجوه التي يريد أن يتقلب فيها (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مؤثر محبوبه على كل مصحوب‏ لما كان العالم كله كل جزء منه عنده أمانة للإنسان و قد كلف بأداء الأمانة و أماناته كثيرة و لأدائها أوقات مخصوصة له في كل وقت أمانة منها ما نبه عليه أبو طالب من أن الفلك يجري بأنفاس الإنسان بل بنفس كل متنفس و المقصود الإنسان بالذكر خاصة لأنه بانتقاله ينتقل الملك و يتبعه حيث كان فلا يزال العالم يصحبه الإنسان لهذه العلة ثم إن الإنسان مفتقر لهذه الأمانات التي عند العالم و مع افتقاره إليها فإن المحبين من رجال الله العارفين شغلوا نفوسهم بما أمرهم به محبوبهم فهم ناظرون إليه حبا و هيما ناقد تيمهم بحبه و هيمهم بين بعده و قربه فمن هنا نعتوا بأنهم آثروه على كل مصحوب لأنه صاحبهم لقوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و كل من في العالم يصحبه أيضا لأجل الأمانة التي بيده فيؤثر الإنسان لمحبته لله جناب الله على كل مصحوب قيل لسهل ما القوت قال الله قيل له ما نريد إلا ما تقع به الحياة قال الله فلم ير إلا الله فلما ألحوا عليه و قالوا له إنما نريد ما به عمارة هذا الجسم فلما رآهم ما فهموا عنه عدل إلى جواب آخر فقال دع الديار إلى بانيها إن شاء عمرها و إن شاء خربها يقول ليس من شأن اللطيفة الإنسانية صحبة هذا الهيكل الخاص و لا بد تشتغل هي بما كلفها المحبوب الذي هو عين حياتها و وجودها و أي بيت أسكنها فيه سكنته هذا إن كان يقول بعدم التجريد عن النشأة الطبيعية كما نقول و كما أعطاه الكشف و إن كان يقول بالتجريد عن الطبيعة و ارتفاع العلاقة فهو على كل حال ممن يؤثر الله على كل مصحوب المحب الله آثر الإنسان من كونه محبوبه على جميع العالم فأعطاه الصورة الكاملة و لم يعطها لأحد من أصناف العالم و إن كان موصوفا بالطاعة و التسبيح لله فقد آثره على كل مصحوب قال تعالى وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً أعطاه جميع الأسماء كلها الإلهية فسبحه بكل اسم إلهي له بالكون تعلق و مجده و عظمه لا اسم القصعة و القصيعة الذي ذهب إليه من لا علم له بشرف الأمور و لذلك قالت الملائكة نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ و لا يقدس و لا يسبح إلا بأسمائه فأعلمهم بأن لله أسماء في العالم ما سبحته الملائكة و لا قدسته بها و قد علمها آدم فلما أحضر ما أحضره من خلقه مما لا علم للملائكة به ف فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ التي تسبحونى بها و تقدسوني قالُوا لا عِلْمَ لَنا فقال لآدم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ علموا إن لله أسماء لم يكن لهم بها علم يسبحه بها هؤلاء الذين خلقهم و علمها آدم فسبح الله بها كما قال للملائكة لما طافت به بالبيت ما كنتم تقولون قالت الملائكة كنا نقول في طوافنا به قبلك سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فقال لهم آدم و أنا أزيدكم لا حول و لا قوة إلا بالله أعطاها الله إياه من كنز من تحت العرش لم تكن الملائكة تعلم ذلك فلو أراد المفسر بقوله حتى القصعة و القصيعة الاسم الإلهي المتوجه على الصغير و الكبير فسبحه الصغير في تصغيره بما لا يسبحه به الكبير في تكبيره أصاب و إنما قصد لفظة القصعة و القصيعة و لا شرف في مثل هذا فإنه راجع لما يصطلح عليه إذ لها في كل لسان اسم مركب من حروف لا يشبه الاسم الآخر فليس المراد إلا ما تقع به الفائدة التي يماثل بها قول الملائكة في فخرها على الإنسان إنها مسبحة و مقدسة فاراها الله تعالى شرف آدم من حيث دعواها و هو ما ذكرناه ليس غيره و ما ثم في المخلوقات أشرف من الملك و مع هذا فقد فضل عليه الإنسان الكامل بعلم الأسماء فهو في هذه الحضرة و هذا المقام أفضل فهذا حد إيثار الحق له‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه محو في إثبات‏ أما إثباته فظهر في تكليفه و من العبادات الفعلية في صلاته فقسمها بينه و بين عبده فأثبته و أما محوه في هذا الإثبات فقوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و قوله لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ و قوله إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ و قوله‏وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و قوله مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فهذا في غاية البيان من كتاب الله محو في إثبات فالمحب ما له تصرف إلا فيما يصرف فيه قد حبره حبه الآن يريد سوى ما يريده به و الحقيقة في نفس الأمر تأبى إلا ذلك و كل ما يجري منه فهو خلق لله و هو مفعول به لا فاعل فهو محل جريان الأمور عليه فهو محو في إثبات المحب الله محو في إثبات لا تقع العين إلا على فعل العبد فهذا محو الحق و لا يعطي الدليل العقلي و الكشف إلا وجود الحق لا وجود العبد و لا الكون فهذا إثبات الحق فهو محو في عالم الشهادة إثبات في حضرة الشهود (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه قد وطأ نفسه لما يريده به محبوبه‏ و ذلك أن الحب لما حال بينه و بين رؤية الأسباب و لم يبق له نظر إلا إلى جناب محبوبه تعالى جهل ما يحتاج العالم إليه فيه و لا بد له في نفس الأمر أن يؤدي إليه ما يطلبه به من حقوقه كما قال ص و لزورك عليك حق‏ فأتى بما يدخل فيه جميع العالم و هو الزيارة و هذا من جوامع كلمه فوطأ هذا المحب نفسه لما يريده به محبوبه فعلم ما للعالم من الحقوق عليه من جهة ما أراده به محبوبه من تصريفه فيما صرفه و الحق حكيم فلا يحركه إلا في العمل الخاص و أداء الحق الخاص فيما يطلبه به من كان من العالم في ذلك الوقت فيعرف العالم من الله فيربح شهود الحق و هو قول الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فشاهد عين العالم في شهود الله المحب الله لما كان في نفس الأمر أن الحق سبحانه لا تقبل ذاته التصريف فيها و جعل في نفوس العالم الافتقار إليه فيما فيه بقاؤهم و مصالحهم و تمشية أغراضهم فكأنه قد وطأ نفسه لجميع ما يريدونه منه و ما يريدونه به و لهذا إذا سألوه فيما لم يجي‏ء وقته قال لهم سَنَفْرُغُ لَكُمْ فهو الفاعل في كل حال و ليست ذاته بمحل لظهور الآثار فقد وقعت التوطئة أنه مهيأ لما يحتاج إليه الكون لا لنفسه و له في كل ما أوجده تسبيح هو غذاء ذلك الموجود فلهذا أخبر سبحانه أنه ما من شي‏ء إلا و هو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قد ذكرناه في مقام الفتوة (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه متداخل الصفات‏ و ذلك أن المحب يطلب الاتصال بالمحبوب و يطلب اتباع إرادة المحبوب و قد يريد المحبوب ما يناقض الاتصال فقد تداخلت صفات المحب في مثل هذا المحب الله هو الأول من عين ما هو آخر فدخلت آخريته على أوليته و دخلت أوليته على آخريته و ما ثم إلا عينه فأوليته عينه و آخريته عبده و هو محبوبه فقد تداخلت صفاته في صفات محبوبه فإن قلت عبد لم تخلص و إن قلت سيد لم تخلص و أنت صادق في الأمرين فهذا حكم التداخل‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه ما له نفس مع محبوبه‏ يقول ما هو مستريح مع محبوبه لأنه مراقب محبوبه في كل نفس يرى أين محابه فيتصرف فيها فلا يبرح ذا عناء ببذل المجهود في رضي المحبوب و رضاه مجهول فلا راحة للمحب فهذا معنى قولهم ما له نفس أي لا يستريح من التنفيس و هو إزالة الكرب و الشدة و هذا نعت المحب الصادق في حبه المحب الله قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و لا يتصرف إلا في حق عباده و لا يقصد من عباده إلا أحبابه و ينتفع الباقي بحكم التبعية يأكلون فضلات موائدهم فشغله بمصالحهم دنيا و آخرة غير أنه موصوف بأنه لا يمسه لغوب يقول تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا من لُغُوبٍ و هو قوله أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني في كل نفس هو تعالى في خلق جديد في عباده و هو قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و قال في أهل السعادة لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ مع كونهم في كل حال يتصرفون في حق الله لا في حق نفوسهم ثم إن ذلك يعود عليهم لا يقصدونه من أجل عوده عليهم بل الحقائق تعطي ذلك فلهذا وصف المحب بأنه لا نفس له مع محبوبه‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه كله لمحبوبه‏ و ذلك أنه مجموع و بحكم جمعيته ظهر عينه فآحاده لله إذ الأحدية لله و ليس المجموع سوى هذه الآحاد فكله لله فإن كل واحد من المجموع إذا ضربته في الواحد الحق كان الخارج من ذلك واحد الحق فهذا معنى كله لمحبوبه و هو واحد المجموع لأن المجموع له أحدية و على هذا يخرج إذا كان المحب الله فالكل في حق الله مع أحديته إنما ذلك الأسماء الإلهية و هي التسعة و التسعون فظهرت الكثرة في الأسماء فصح اسم الكل و آحاد هذا الكل عين كل اسم على حدة يطلب من العبد ذلك الاسم حقيقة واحدة يظهر سلطانه فيها و لا تكون إلا واحدة فتضرب الواحد في الواحد فيظهر في الشاهد واحد العبد و هو المحبوب فكله لله لأن الأسماء كلها تظهر أحكامها في العبد و الأسماء لله‏فالكل للعبد المحبوب عند الله فما في الحضرة الإلهية شي‏ء إلا للعبد المحبوب فَإِنَّ الله بذاته غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فهو غني عن الكثرة و عن الدلالة عليه‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه‏ و ذلك أن المحب يرى أنه يعجز عما لمحبوبه عليه من الحقوق التي أوجبها حبه عليه و لا علم له بطريق الإحاطة بمحاب محبوبه فيجهد في أنه يعمل بقدر ما علم من ذلك ثم يقول لنفسه لو صدقت في حبك لكشف لك عن جميع محابه فإنك في دار التكليف و هي دار محصورة و محاب الحبيب فيها معينة بخلاف الآخرة فإنك مسرح العين فيها لأنها كلها محابه فلا عتاب هناك فلهذا عتب المحب هنا نفسه بنفسه في حق محبوبه المحب الله وصف نفسه بالتردد في حق حبه للعبد المؤمن إذ من حق المحبوب أن لا يعمل له المحب ما يكرهه و المحبوب يكره الموت و الحق يكره مساءته من حيث ما هو محبوب له فهذا معنى العتب و لا بد له من الموت لما سبق من العلم و لكن لجهل العبد بما له في اللقاء من الخير بخلاف المحبين فإنهم يحبون الموت لا للراحة بل للالتقاء مع المحبوب و من المحبين من يغلب عليه رضي المحبوب و يرى أنه لا يحصل ذلك على حالة يعرف بها قدر حب المحب إلا بوجود التحجير و تميز ما يرضى مما يسخط و لا يكون له ذلك إلا في دار التكليف و أما في الآخرة فلا تحجير فيقع التساوي فيرتفع تميز قدر المحب في تصرفه من غير المحب فيكره بعض المحبين الموت لهذا المعنى و هذا لصدقهم في المحبة و المحب الله أيضا في هذه الحقيقة و قد قضى بالموت على الجميع و كان غرض هذه الطائفة المخصوصة التي تريد التمييز أن لا يرتفع عنها التحجير لتعلم قدر محبتها لسيدها على غيرها من الطوائف و يأبى سبق العلم بالكائن إلا أن يكون فهذا القدر يسمى عتبا في حق الحق يميزه قوله تعالى فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا بل يميزه و يختار خاصة و الذي يفهم أيضا من قوله وَ لَوْ شاءَ فهذا و أمثاله موجب العتب لا الإرادة و لا العلم فإن الحكم لهما فتفطن لما ذكرناه فكل ذلك أسرار إلهية غاروا عليها أصحابنا لما رأوا من عظيم قدرها و هو كما قالوه غير إن هذا الذي أبرزنا منها بالنظر إلى ما عندنا من العلم بالله قشر فهذا سبب أقدامنا على إبرازه و لما فيه من المنفعة في حق العباد (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه ملتذ في دهش الدهش سببه فجأة المحبوب‏ و هو المعبر عنه بالهجوم و سيأتي له باب في هذا الكتاب و لما كان الحق دعا قلوب العباد إليه و شرع لهم الطريق الموصلة المشروعة و تعرف إليهم بالدلالات فعرفوه و تحبب إليهم بالنعم فأحبوه فلما تجلى لهم على غير موعد عند ما دخلوا عليه و هم غير عارفين بأنهم في حال دخول عليه فجئهم تجليه فعرفوه بالعلامة فدهشوا لفجأة التجلي و التذوا لعلمهم بالعلامة في نفوسهم أنه حبيبهم و مطلوبهم فهذا التذاذهم في دهش المحب الله وصف نفسه بالاختيار و أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و إنه لو شاء فعل و إنه لا مكره له و هو الصادق في قوله و ما حكم به على نفسه و هو أيضا المقيت فقد ترتبت الأمور ترتيب الحكمة ف لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فهو في كل حال يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي فعل حكيم عالم بالمراتب فتأتيه أسئلة السائلين و ما يوافق توقيت الإجابة في عين ما سألوه فيه و قد تقرر أنه لا مكره له و لا بد من التوقف عند هذا السؤال لمناقضته إذا أجابه ترتيب الحكمة فهذا المقدار يسمى دهشا و أما التذاذه فإن السائل في ذلك محبوب فهو يحب سؤاله و دعاءه كما قد ورد في الخبر أن شخصين محبوب لله و بغيض سألا الله في حاجة فأوحى الله للملك أن يقضي حاجة البغيض مسرعا حتى يشتغل عن سؤاله لكونه يبغضه و يبغض صوته و يقول للملك توقف عن حاجة فلان فإني أحب أن أسمع صوته و سؤاله فإني أحبه‏ فهذا مقضي الحاجة على بغض و هذا غير مقضي الحاجة مع حب و عناية فلو كشف لهذا المحبوب هذا السر في وقت تأخر الإجابة ما وسعه شي‏ء من الفرح بذلك فالتوقف عن الإجابة كتوقف الداهش لصدق قوله في أنه لا مكره له و الالتذاذ علمه بأنه لا بد من وصوله إلى ما طلب و فرحه به فسبحان العزيز الحكيم‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه جاوز الحدود بعد حفظهاهذا معين في أحباء أهل بدر فإنهم ممن جاوزوا الحدود بعد حفظها فقال لهم افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم و أما في غير المعينين في العموم و هم معينون في الخصوص و قد عين الحق صفتهم فهو ما ذكر الله سبحانه في‏ قوله أذنب عبد ذنبا فعلم إن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب فقال في الرابعة أو في الثالثة اعمل ما شئت فقد غفرت لك‏ فأباح له و أخرجه من التحجير في الدنيا إذ كان الله لا يأمر بالفحشاء فما عصى الله صاحب هذه‏الصفة بل تصرف فيما أباحه الله له و قد كان قبل هذه الصفة من أهل الحدود فجاوزها بعد حفظها فهذا أعطاه شرف العلم مع وجود عقل التكليف بخلاف صاحب الحال فإن حكم صاحب الحال حكم المجنون الذي ارتفع عنه القلم فلا يكتب لا له و لا عليه و هذا يكتب له و لا عليه فهذا قدر ما بين العلم و الحال فما أشرف العلم فالمحب إذا كان صاحب علم هو أتم من كونه صاحب حال فالحال في هذه الدار الدنيا نقص و في الآخرة تمام و العلم هنا تمام و في الآخرة تمام و أتم المحب الله لما علم من عباده المحبين له أنهم غير مطالبين لله ما أوجبه لهم على نفسه جاوزوا الحدود بعد حفظها فأعطاهم ما أوجبه على نفسه و هو حفظها ثم أعطاهم بغير حساب و هو مجاوزته الحدود فإن الحد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف و مجاوزة الحدود الزيادة في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ و هو حفظ الحد وَ زِيادَةٌ و هي ما جاوز الحد هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه غيور على محبوبه منه‏و هذا أحق ما يوجد في حق من يحب الله و هذا مقام الشبلي أداه إلى ذلك تعظيم محبوبه في نفسه و حقارة قدره فرأى أنه لا يليق بذلك الجناب العزيز إدلال المحبين فإن المحبين لهم إدلال في الحضرة الإلهية إلا المحبين الموصوفين بالغيرة فإنهم لا إدلال لهم لما غلب عليهم من التعظيم فهم الموصوفون بالكتمان و سببه الغيرة و الغيرة من نعوت المحبة فهم لا يظهرون عند العالم بأنهم من المحبين و هذا مقام رسول الله ص فإنه وصف نفسه بأنه أغير من سعد بعد ما وصف سعدا بأنه غيور فإني ببنية المبالغة في غيرة سعد ثم‏ ذكر أنه ص أغير من سعدفستر محبته و ما لها من الوجد فيه بالمزاح و ملاعبة الصغير و إظهار حبه فيمن أحبه من أزواجه و أولاده و أصحابه هذا كله من باب الغيرة و قوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ فلم يجعل عند نفسه أنه من المحبين فجهلته طبيعته و تخيلت أنه معها لما رأته يمشي في حقها أو يؤثرها و لم تعلم بأن ذلك عن أمر محبوبه إياه بذلك‏ فقيل إن محمدا ص يحب عائشة و الحسن و الحسين و ترك الخطبة يوم الجمعة و نزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما و صعد بهما و أتم خطبته‏ هذا كله من باب الغيرة على المحبوب إن تنتهك حرمته و إن هذا ينبغي أن يكون الأمر عليه تعظيما للجناب الأقدس أن يعين ثم لا يظهر ذلك الاحترام من الكون فسدل ستر الغيرة في قلوب عباده المحبين المحب الله‏ قال ص في هذا الحديث و الله أغير مني و من غيرته حرم الفواحش‏ ليفتضح المحبون في دعواهم محبته فغار أن يدعي فيه الكاذب دعوى الصادق و لا يكون ثم ميزان يفصل بين الدعوتين فحرم الفواحش فمن ادعى محبته وقف عند حدوده فتبين الصادق من الكاذب و الكل بالله قائم فغار على محبوبه منه فأضاف الأفعال إليه لا إلى العبد حتى لا ينسب نقص للعبد (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه يحكم حبه فيه على قدر عقله‏ لأن عقله قيده فعقله قيده و ما خاطب تعالى إلا العقلاء و هم الذين تقيدوا بصفاتهم و ميزوها عن صفات خالقهم فلما وقع التباين حصل التقييد فكان العقل و لهذا أدلة العقول تميز بين الحق و العبد و الخالق و المخلوق فمن وقف مع عقله في حال حبه لم يتمكن أن يقبل من سلطان الحب إلا ما يقتضيه دليله النظري و من وقف مع قبول عقله لا مع نظر عقله فقبل من الحق ما وصف به نفسه تحكم فيه سلطان الحب بحسب ما قبله عقله من ذلك فالعقل بين النظر و القبول فحكم الحب في العقل الناظر و القابل ليس على السواء فافهم فإن هنا أسرارا المحب الله نسبة العقل إلينا نسبة العلم إليه فلا يكون إلا ما سبق به علمه كما لا يكون منا إلا قدر ما اقتضاه عقلنا فحكم حبه في خلقه لا يجاو ز علمه و حكم حبنا فيه لا يجاوز عقلنا نظرا أو قبولا فافهم‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مثل الدابة جرحه جبار (حكي) أن خطافا راود خطافة كان يحبها في قبة لسليمان ع و كان سليمان ع في القبة فسمعه و هو يقول لها لقد بلغ مني حبك أن لو قلت لي أهدم هذه القبة على سليمان لفعلت فاستدعاه سليمان ع و قال له ما هذا الذي سمعته منك فقال يا سليمان لا تعجل على إن للمحب لسانا لا يتكلم به إلا المجنون و أنا أحب هذه الأنثى فقلت ما سمعت و العشاق ما عليهم من سبيل فإنهم يتكلمون بلسان المحبة لا بلسان العلم و العقل فضحك سليمان و رحمه و لم يعاقبه‏ فهذا جرح قد جعله جبارا و أهدره و لم يؤاخذه به كذلك المحب لله كل ما أعطاه إدلال الحب و صدق المودة من الخلل في ظاهر الأمر لا يؤاخذ به المحب فإن ذلك حكم الحب و الحب مزيل للعقل و ما يؤاخذ الله إلا العقلاءلا المحبين فإنهم في أسره و تحت حكم سلطان أحب المحب الله جرحه جبار و هو الصادق و توعد على الخطيئة بما توعد به ثم عفا و لم يؤاخذ من غير توبة من العاصي بل امتنانا منه و فضلا فأهدر ما كان له أن يأخذ به كان ما اجترحه المسي‏ء جبارا و ما توعده به الحق من وقوع الانتقام به جبار لأنه عفا عنه من غير سبب البهيمة لا تقصد ضرر العباد و لا تعقل فجرحها جبار المحب محكوم عليه فغيره هو القاتل فجرحه جبار فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب و لا النقص بجفائه‏ هذا الحكم لا يكون إلا في محب أحبه لذاته عن تجل تجلى له فيه من اسمه الجميل فلا يزيد بالبر و لا ينقص بالإعراض بخلاف حب الإحسان و النعم فإنه يقبل الزيادة و النقص و هو الحب المعلول قالت المحبة لو قطعتني إربا إربا لم أزدد فيك إلا حبا يعني أنه لا ينقص حبنا لذلك و هو قول المرأة المحبة يقال إن هذا قول رابعة العدوية المشهورة التي أربت على الرجال حالا و مقاما و قد فصلت و قسمت رضي الله عنها و هو أعجب الطرق في الترجمة عن الحب‏

أحبك حبين حب الهوىو حبا لأنك أهل لذاك‏
فأما الذي هو حب الهوىفشغلي بذكرك عمن سواك‏
و أما الذي أنت أهل لهفكشفك للحجب حتى أراك‏
فلا الحمد في ذا و لا ذاك ليو لكن لك الحمد في ذا و ذاك‏

(و قالت الأخرى جارية عتاب الكاتب)

يا حبيب القلوب من لي سواكاارحم اليوم زائرا قد أتاكا
أنت سؤلي و بغيتي و سروريقد أبي القلب أن يحب سواكا
يا منايا و سيدي و اعتماديطال شوقي متى يكون لقاكا
ليس سؤلي من الجنان نعيماغير أني أريدها لأراكا

(و لنا في هذا النعت)

نعيمك أو عذابك لي سواءفحبك لا يحول و لا يزيد
فحبي في الذي تختار منيو حبك مثل خلقك لي جديد

هذا ميزان الاعتدال و هو الميزان الإلهي لا تؤثر فيه العوارض و لا يتأثر بالأحوال المحب الله لا ينتفع بالطاعة و لا يتضرر بالمخالفة من أحبه من عباده لم تضره الذنوب و لا قدحت في منزله بل بشره فقال عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فقدم العفو على السؤال عندنا و على العتاب عند غيرنا لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فقدم المغفرة على الذنب و ليس يذنب عنده و إنما ذكره لتعرف العناية الإلهية بإحبابه لا ذنب لمحبوب و لا حسنة لمحب عند نفسه و مع هذا كله فإنه مقام خفي غير جلي سريع التفلت في المحب يتصور فيه المطالبة مع الأنفاس مدعية حافظ لميزانه إن أخل به قامت الحجة عليه من الجانبين فلا يحفظه إلا ذو معرفة تامة و ذو حب صادق قوي السلطان ثابت الحكم‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه غير مطلوب بالآداب‏ إنما يطلب بالأدب من كان له عقل و صاحب الحب ولهان مدله العقل لا تدبير له فهو غير مؤاخذ في كل ما يصدر عنه إذا كان المحب الله فهو الكبير المالك مشرع الآداب في العقلاء مؤدب أوليائه كما قال ص إن الله أدبني فأحسن أدبي‏ و السيد لا يقال يتأدب مع غلامه و إنما يقال السيد يعطي ما يستحقه العبد المحبوب عنده المكرم لديه منة منه و فضلا فالسيد غير مطالب بالأدب مع عبده و إن كان محبوبا له‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه ناس حظه و حظ محبوبه استفرغه الحب فأنساه المحبوب و أنساه نفسه‏و هذا هو حب الحب و الحقيقة الإلهية التي صدرت منها هذه الحقيقة لا تنقال نعم تنقال إلا أنها من الأسرار التي لا تذاع فمن كشفها عرفها و لا يجوز له أن يعرف بها و آيتها من كتاب الله نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ و من نسي صورته نسي نفسه‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مخلوع النعوت‏ المحب لا نعت له يقيد به و لا صفة فإنه بحيث يريد محبوبه أن يقيمه فيه فنعته ما يراد به‏و ما يراد به لا يعرفه فهو مخلوع النعوت المحب الله هو كامل لذاته لا يكمل بالزائد فلا نعت له و لا صفة لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ف سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مجهول الأسماء قال الشاعر

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي‏

فهذا مثل قولهم فيه إنه مخلوع النعوت فالعبودية له ذاتية فما له اسم معين سوى ما يسميه به محبوبه فبأي اسم سماه و دعاه به أجابه و لباه فإذا قيل للمحب ما اسمك يقول سل المحبوب فما سماني به فهو اسمي لا اسم لي أنا المجهول الذي لا يعرف و النكرة التي لا تتعرف المحب الله لا اسم له يدل على ذاته و إنما المألوه الذي هو محبوبه نظر إلى ما له فيه من أثر فسماه بآثاره فقبل الحق ما سماه به فقال المألوه يا الله قال الله له لبيك قال المربوب يا رب قال له الرب لبيك قال المخلوق له يا خالق قال الخالق لبيك قال المرزوق يا رزاق قال الرزاق لبيك قال الضعيف يا قوي قال القوي أجبتك فأحوالنا تدعوه دعاء تحقيق فيتخذها أسماء و لهذا تختلف ألفاظها و تركيب حروفها بحسب اللسان و المعنى الموجب للاسم معقول عند المخلوقين فيقول العربي يا الله للذي يقول له الفارسي أي خداي و يقول له الرومي أيشا و يقول له الأرمني أي اصفاج و يناديه التركي أي تنكري و يناديه الإفرنجي أي كريطور و يقول له الحبشي واق فهذه ألفاظ مختلفة لمعنى واحد مقصود من كل مخلوق فلهذا قلنا إنه مجهول الأسماء إذ الأسماء دلائل فالمحبوب بأي اسم دعا محبه أجابه‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه كأنه سأل و ليس يسأل‏ و هذا النعت يسمى البهت و السبات و لا يكون له هذا إلا في حال الاستغراق فيما عنده من حب محبوبه حتى إن محبوبه ربما يكون بإزائه و لا يعرفه به و يناديه و لا يعرف صوته مع نظره إليه فهو كالسالي في حاله و هو في غاية الهيمان فيه المحب الله يقول فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و يطالبهم بأنفاسهم أن يكون تنفسهم بذكره و إنه سَمِيعُ الدُّعاءِ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه لا يفرق بين الوصل و الهجر لشغله بما عنده من محبوبه‏ فهو مشهوده دائما أو يكون كما قال القائل‏

فالليل إن وصلت كالليل إن هجرت أشكو من الطول ما أشكو من القصر

فهو في الحالتين صاحب شكوى فما تغير عليه الحال في عذاب دائم و أما نحن فعلى المذهب الأول ما لنا شغل إلا به فهو مشهودنا لا نعرف غيره و لا نشهد سواه و لنا في ذلك‏

شغلي بها وصلت ليلا و إن هجرت فما أبالي أطال الليل أم قصرا

المحب الله الكلمة الإلهية واحدة قال تعالى وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ لا تفريق عنده فبعده عين قربه و قربه عين بعده فهو البعيد القريب ما عنده وصل بنا فيقبل الفصل و لا هجر فيقبل الوصل‏

فعين الوصل عين الهجر فيه و ما يدريه إلا من رآه‏

(منصة و مجلى) نعت المحب بأنه متيم في إدلال المتيم الذي تعبده الحب‏و أذله مع إدلال يجده عنده و لا يعرف سببه سوى ما تعطي الحقائق من أن المحب يعطي المحبوب سيادته عليه فكأنه ولاة و من حالته هذه فلا بد أن تشم منه رائحة إدلال في إذلال و خضوع و هذا يعطيه مقام الحب المحب الله‏ عبدي جعت فلم تطعمني ظمئت فلم تسقني مرضت فلم تعدني من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا فضاعف التقريب من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ فتضاعف الأجر إدلال و السؤال سؤال‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه ذو تشويش‏ و سبب ذلك جهله بما في نفس المحبوب فلا يدري بأي حالة يكون معه أما إذا كان الحق محبوبه فإنه قد عرف ذلك بما شرع له فلا يبقى عليه تشويش في قلبه إلا فيما منحه من الأسرار و ما حاباه به من اللطائف و هو يحب أن يحببه إلى خلقه حتى تجتمع الهمم و القلوب كلها عليه و لا يتمكن له ذلك إلا بإذاعة أسراره لأن النفوس مجبولة على حب المنح و الهبات و العطايا ثم إنه لا يعلم هل يرضى إذاعة تلك الأسرار به أم لا فهذا سبب تشويش قلوب المحبين لله المحب الله نفذ الأمر الإلهي بأن يؤمن من سبق علمه فيه إنه لا يؤمن و قوله و علمه واحد فمن أي حقيقة قال آمرا من علم أنه لا يمتثل أمره فقد عرضه للمعصية وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ فمن هنا صدر التشويش في العالم و اختلاف الأغراض و المنازعات‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه خارج عن الوزن التصرفات على الوزن المعتبر في الحكمة يطلب الفكر الصحيح و المحب لا فكرة له في تدبير الكون و إنما همه و شغله بذكر محبوبه قد أفرط فيه الخيال فلا يعرف المقادير فإن كان محبوبه الله لما وسعه قلبه فذلك الخارج عن الوزن فلا يزنه شي‏ء أ لا ترى إلى التلفظ بذكره و هي لفظة لا إله إلا الله لا تدخل الميزان و لما دخلت بطاقتها من حيث ما هي مكتوبة في الميزان لصاحب السجلات طاشت السجلات و ما وزنها شي‏ء و لو وضعت أصناف العالم ما وزنتها و هي لفظة من قائل لم يتصف بالمحبة فما ظنك بقول محب فما ظنك بحاله فما ظنك بقلبه الذي هو أوسع من رحمة الله وسعته إنما كانت من رحمة الله فهذا من أعجب ما ظهر في الوجود إن اتساع القلب من رحمة الله و هو أوسع من رحمة الله يقول أبو يزيد لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها فكيف حال المحب المحب الله تعالى عن الموازنة محبوب الحق عند الحق لأن المحب لا يفارق محبوبه و ما عند الله باق فالمحبوب باق و ما يبقى ما يوازنه ما يفنى‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بكونه يقول عن نفسه إنه عين محبوبه لاستهلاكه فيه‏ فلا يراه غير إله قال قائلهم في ذلك‏ أنا من أهوى و من أهوى أنا و هذه حالة أبي يزيد المحب الله أحب بعض عباده فكان سمعه و بصره و لسانه و جميع قواه‏ (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مصطلم مجهود لا يقول لمحبوبه لم فعلت كذا لم قلت كذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله ص عشر سنين فما قال لي لشي‏ء فعلته لم فعلته و لا لشي‏ء لم أفعله لم لم تفعله لأنه كان يرى تصريف محبوبه فيه و تصريف المحبوب في المحب لا يعلل بل يسلم لا بل يستلذ لأن المحب مصطلم بنار تحرق كل شي‏ء تجده في قلبه ما سوى محبوبه غيرة فهو يبذل المجهود و لا يرى أنه و في و لا يخطر له أنه تحرك فيما يرضي محبوبه المحب الله في هذا الموطن لا تتحرك ذرة إلا بإذنه فكيف يقول لم و ما فعل إلا هو يقول الحق لمحبوبه أنا يدك اللازم له لكل محبوب تجل لا يكون لغيره فما يجتمع عنده اثنان و لا يصح فهذا الاصطلام و نعته بالمجهود ما نسب إليه من التردد (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه مهتوك الستر سره علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان‏ قال المحب الصادق‏

من كان يزعم أن سيكتم حبهحتى يشكك فيه فهو كذوب‏
الحب أغلب للفؤاد بقهرهمن أن يرى للستر فيه نصيب‏
و إذا بدا سر اللبيب فإنهلم يبد إلا و الفتى مغلوب‏
إني لأحسد ذا هوى متحفظالم تتهمه أعين و قلوب‏

الحب غلاب لا يبقي سترا إلا هتكه و لا سرا إلا أعلنه زفراته متصاعدة و عبراته متتابعة تشهد عليه جوارحه بما تحمله من الأسقام و السهر و تنم به أحواله إن تكلم تكلم بما لا يعقل ما له صبر و لا جلد همومه مترادفة و غمومه متضاعفة المحب الله‏ إذا أحب الله العبد أوحى إلى الملك أن ينادي به في السموات إن الله أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فتقبله البواطن و إن أنكرته الظواهر من بعض الناس‏ فلأغراض قامت بهم فإنهم في هذا الشأن مثل سجودهم لله كل من في العالم ساجد لله وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ ما قال كلهم و هكذا حب هذا العبد في قلوبهم و إن وضع له القبول في الأرض فتحبه بقاع الأرض كلها و جميع ما فيها و كثير من الناس على أصلهم في السجود لله سواء (منصة و مجلى) نعت المحب بأنه لا يعلم أنه محب كثير الشوق لا يدري لمن عظيم الوجد لا يدري فيمن لا يتميز له محبوبه القرب المفرط حجاب فيجد آثار الحب و قد لبسته صورة محبوبه مما يحكم في خياله فيطلبه من خارج فلا يجد ما عانق من صورته في نفسه لكثافة الظاهر عن لطف الباطن المحب مع المعنى الذي يأخذه من المحبوب و يرفعه في نفسه و ذلك المعنى المرفوع عند المحب منه هو الذي يقلقه و يزعجه فهو فيه و لا يدرى أنه هو فيه فلا يطلبه إلا به اللطيف يغيب عن الحواس يقول و لا يعقل ما يقول و لا بقوله قلبي عند محبوبي‏

ضاع قلبي أين أطلبه ما أرى جسمي له وطنا

و لا بقوله محبوبي في قلبي لا أدري في أي الحالتين هو أصدق بجمع بين الضدين هو عندي ما هو عندي المحب الله‏ تجلى الله لآدم و يداه مقبوضتان فقال يا آدم اختر أيتهما شئت قال اخترت يمين ربي و كلتا يدي ربي يمين مباركة فبسطها فإذا فيهاآدم و ذريته‏ الحديث فآدم في القبضة و آدم خارج القبضة هكذا صورة المحبوب مع المحب هو فيه ما هو فيه فنعوته كثيرة لا تحصى و ليس لها حد فيبلغ بالبحث و الاستقصاء غير أن مشارب الحب متنوعة باختلاف المحبوب فإن عقلت عني فقد رميت بك على الطريق فإياك و التشبيه فالحب و الجد و الشوق و الكمد حقيقة واحدة لها نسب مختلفة لاختلاف المتعلق فهي نعوت تحكم سلطانها فيمن قامت به لا يرجع منها إلى المحبوب نعت و لا له فيها حكم إلا أن يكون محبا فافهم و هذا القدر كاف على الإيجاز في نعت المحبين في الجانبين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس عشر و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))