الخلة نعت إلهي يقول قائلهم
و تخللت مسلك الروح مني و بذا سمي الخليل خليلا
يعضده حال الحلاج و زليخا انكتب بدم زليخا يوسف حيث وقع و بدم الحلاج الله الله حيث وقع فأنشد
ما قد لي عضو و لا مفصل إلا و فيه لكم ذكر
إذا تخللت المعرفة بالله أجزاء العارف من حيث ما هو مركب فلا يبقى فيه جوهر فرد إلا و قد حلت فيه معرفة ربه فهو عارف به بكل جزء فيه و لو لا ذلك ما انتظمت أجزاؤه و لا ظهر تركيبه و لا نظرت روحانيته طبيعته فبه تعالى انتظمت الأمور معنى و حسا و خيالا و كذلك أشكال خيال الإنسان لا تتناهى و ما ينتظم منها شكل إلا بالله و يكون حكمها في تلك الحضرة في المعرفة بالله حكم ما ذكرناه في الصورة الحسية و الروحانية هكذا في كل موجود فإذا أحس الإنسان بما ذكرناه و تحقق به وجودا و شهودا كان خليلا من حصل في هذا المقام كان حاله في العالم نعت الحق فبه يرزق مع كفر النعم و يملي ليزداد ذلك الشخص إثما فيظهر عظم المغفرة و سلطان العفو و التجاوز (حكاية) نزل ضيف من غير ملة إبراهيم ع بإبراهيم ع فقال له إبراهيم ع وحد الله حتى أكرمك و أضيفك فقال يا إبراهيم من أجل لقمة أترك ديني و دين آبائي فانصرف عنه فأوحى الله إليه يا إبراهيم صدقك لي سبعون سنة أرزقه و هو يشرك بي فتريد أنت منه أن يترك دينه و دين آبائه لأجل لقمة فلحقه إبراهيم ع و سأله الرجوع إليه ليقربه و اعتذر إليه فقال له المشرك يا إبراهيم ما بدا لك فقال إن ربي عتبني فيك و قال لي أنا أرزقه منذ سبعين سنة على كفره بي و أنت تريد منه أن يترك دينه و دين آبائه لأجل لقمة فقال المشرك أ و قد وقع هذا مثل هذا ينبغي أن يعبد فأسلم و رجع مع إبراهيم ع إلى منزله ثم عمت كرامته خلق الله من كل وارد ورد عليه فقيل له في ذلك فقال تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيع أعداءه فلا أضيعهم فأوحى الله إليه أنت خليلي حقا قال رسول الله ص المرء على دين خليل فلينظر أحدكم من يخالل قال الشاعر
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه و كل خليل بالمقارن مقتد
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم و لا تصحب الأردى فتردى مع الردي
قيل لبعضهم من أحب الناس إليك قال أخي إذا كان خليلي علامة الخليل أن يسد خلة صاحبه بما أمكنه فإذا لم يستطع قاسمه في همه كما قيل
خليلي من يقاسمني همومي و يرمي بالعداوة من رمانى
(و قال الآخر)
ما أنا إلا لمن بغاني أرى خليلي كما يراني
قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ و قد قلنا بأن الخليل على دين خليله و هؤلاء الموصوفون بأنهم أعداء الله مع كون الله يحسن إليهم فذلك لجهلهم به و حجب الأسباب دونه في أعينهم فلا يعلمون إلا ما شاهدوه فمن أراد تحصيل هذا المقام و أن يكون خليلا للرحمن يجمع بين الآية في قوله لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مع جهل الأعداء به إن الإحسان منه تعالى و هو محسن إليهم مع عداوتهم و لم يجعل في قلوبهم الشعور بذلك فينبغي للإنسان الطالب مقام الخلة أن يحسن عامة لجميع خلق الله كافرهم و مؤمنهم طائعهم و عاصيهم و أن يقوم في العالم مع قوته مقام الحق فيهم من شمول الرحمة و عموم لطائفه من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه و يوصل الإحسان إليهم من حيث لا يعلمون فمن عامل الخلق بهذه الطريقة و هي طريقة سهلة فإني دخلتها و ذقتها فما رأيت أسهل منها و لا ألطف و ما فوق لذتها لذة فإذا كان العبد بهذه المثابة صحت له الخلة و إذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فدعا الله لهم في نفسه بينه و بين ربه هكذا تكون حالة الخليل فهو رحمة كله و لو لا الرحمة الإلهية ما كان الله يقول وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها و ما كان الله يقول حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أ ليس هذا كله إبقاء عليهم و لو لا ما سبقت الكلمة و كان وقوع خلاف المعلوم محالا ما تألمت ذرة في العالم فلا بد من نفوذ الكلمة ثم يكون المال للرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فهو في الدنيا يرزق مع الكفر و يعافي و يرحم فكيف مع الايمان و الاعتراف في الدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية فعقابهم و عذابهم تطهير و تنظيف كأمراض المؤمنين و ما ابتلوا به في الدنيا من مقاساة البلايا و حلول الرزايا مع إيمانهم ثم دخول بعض أهل الكبائر النار مع إيمانهم و توحيدهم إلى أن يخرجوا بالشفاعة ثم إخراج الحق من النار من لم يعمل خيرا قط حتى الساكنين في جهنم لهم فيها حال يستعذبونها و بهذا سمي العذاب عذابا فالخليل على عادة خليله و هو قوله ص المرء على دين خليله أي على عادة خليله قال إمرؤ القيس
كدينك من أم الحويرث قبلها و جارتها أم الرباب بمأسل
يقول كعادتك فمن كانت عادته في خلق الله ما عودهم الله من لطائف مننه و أسبغ عليهم من جزيل نعمه و أعطف بعضهم على بعض فلم يظهر في العالم غضب لا تشوبه رحمة و لا عداوة لا تتخللها مودة فذلك يستحق اسم الخلة لقيامه بحقها و استيفائه شروطها لو لم يكن من عظيم الرجاء في شمول الرحمة إلا قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فإذا استقرت الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الأسماء و الصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء لأن الحكم للمستولي و هو الرحمن ف إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فابحث على صفات إبراهيم ع و قم بها عسى الله أن يرزقك بركته فإنه بالخلة قام بها ما هي أوجبت له الخلة فلهذا دللناك على التخلق بأخلاق الله و قد قال ص بعثت لأتمم مكارم الأخلاق و معنى هذا أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم و إلى سفساف و ظهرت مكارم الأخلاق كلها في الشرائع على الأنبياء و الرسل و تبين سفسافها من مكارمها عند الجميع و ما في العالم على ما يقوم عليه الدليل و يعطيه الكشف و المعرفة إلا أخلاق الله فكلها مكارم فما ثم سفساف أخلاق فبعث رسول الله ص بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة و أوتي جوامع الكلم و كل نبي تقدمه على شرع خاص فأخبر ص أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق لأنها أخلاق الله فالحق ما قيل فيه إنه سفساف أخلاق بمكارم الأخلاق فصار الكل مكارم أخلاق فما ترك ص في العالم سفساف أخلاق جملة واحدة لمن عرف مقصد الشرع فأبان لنا مصارف لهذا المسمى سفساف أخلاق من حرص و حسد و شره و بخل و فزع و كل صفة مذمومة فأعطانا لها مصارف إذا أجريناها على تلك المصارف عادت مكارم أخلاق و زال عنها اسم الذم و كانت محمودة فتمم الله به مكارم الأخلاق فلا ضد له كما أنه لا ضد للحق و كل ما في الكون أخلاقه فكلها مكارم و لكن لا تعرف و ما أمر الله باجتناب ما يجتنب منها إلا لاعتقادهم فيها إنها سفساف أخلاق و أوحى إلى نبيه أن يبين مصارفها ليتنبهوا فمنا من علم و منا من جهل فهذا معنى قوله إنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق و به كان خاتما
(الباب الثمانون و مائة في معرفة مقام الشوق و الاشتياق و هو من نعوت المحبين العشاق)
يقول بعض العشاق
فأبكى إن نأوا شوقا إليهم و أبكي إن دنوا خوف الفراق
الشوق يسكن باللقاء فإنه هبوب القلب إلى غائب فإذا ورد سكن و الاشتياق حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه فلو بلغ سكن لأنه لا يشبع منه فإن الحس لا يفي بما يقوم في النفس من تعلقها بالمحبوب فهو كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا قال ع منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا من حيث ما هو محب في تحصيل كل واحد منهما و ما للعلم غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبع و كذلك الدنيا فإنها مشتهي النفوس و الشهوة تطلبها و قد تجلى ذلك المشتهي في صورة قريبة تسمى دنيا فتعلقت الشهوة بها ثم تنتقل إلى الآخرة في الجنة فتتبعها الشهوة فلا تشبع أبدا لأنها صورة لا يتناهى أمدها و لو لا الشهوة ما طابت الجنة فالشوق ما سكن و الاشتياق ما بقي و لنا في هذا الباب
لما كان الحب لا يتعلق إلا بمعدوم كما قدمناه في باب المحبة كذلك الشوق لا يصح أن يتعلق بحاضر و إنما متعلقة غائب غير مشهود له في الحال و لذا كان الشوق من أوصاف المحبة و لهذا يطرد و ينعكس فيقال كل محب مشتاق و كل مشتاق محب و من ليس بمشتاق فليس بمحب و من ليس بمحب فليس بمشتاق و قد ورد خبر لا علم لي بصحته إن الله تعالى ذكر لمشتاقين إليه و قال عن نفسه إنه أشد شوقا إليهمكما يليق بجلاله فشوقه إليهم أن ينيلهم الراحة بلقاء من اشتاقوا إليه و الوقت المقدر الذي لا يتبدل لم يصل فلا بد من تأخر وجود ما وقع الشوق الإلهي إليه هذا إن صح الخبر و لا علم لي به لا من الكشف و لا من رواية صحيحة إلا أنه مذكور مشهور و قد اتصفت الجنة بالاشتياق إلى علي و سلمان و عمار و بلال و تكلم الناس في ذلك من حيث اشتقاق أسماء هؤلاء من العلو و السلامة و العمران و الاستبلال و لكن ما هو محقق فإن الشوق أمر ذوقي و لو خطر لي هذا الخبر حين رأيت الجنة لسألتها عن شوقها لهؤلاء دون غيرهم فإنها أعرف بالسبب الذي أداها إلى الشوق لهؤلاء الأربعة و كذلك النبي ص قد رأيته مرارا و سألته عن أشياء و ما خطر لي أن أسأله عن شوق الجنة لهؤلاء بل غلني ما كان أهم علي منه و الشوق علم ذوق يعرفه كل مشتاق من نفسه