قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الثمانون و مائة في معرفة مقام السماع)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
خذها إليك نصيحة من مشفق ليس السماع سوى السماع المطلق‏
و احذر من التقييد فيه فإنهقول يفند كل عند محقق‏
أن السماع من الكتاب هو الذييدريه كل معلم و مطرق‏
إن التغني بالقرآن سماعناو الحق ينطق عند كل منطق‏
و الله يسمع ما يقول عبيدهمن قوله فسماعه بتحقق‏
أصل الوجود سماعنا من قول كُنْ فبه نكون و نحن عين المنطق‏
انظر إلى تقديمه في آيةتعثر على العلم الشريف المرهق‏
فالسمع أشرف ما تحقق عارفبتعلق و تحقق و تخلق‏

قال تعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ و قال سَمِيعٌ بَصِيرٌ فقدمه على العلم و البصر أول شي‏ء علمناه من الحق و تعلق به منا القول منه و السماع منا فكان عنه الوجود و كذلك نقول في هذا الطريق كل سماع لا يكون عنه وجد و عن ذلك الوجد وجود فليس بسماع فهذه رتبة السماع التي يرجع إليها أهل الله و يسمعون فقوله تعالى للشي‏ء قبل كونه كن هو الذي يراه أهل السماع في قول القائل و تهيؤ السامع المقول له كن للتكوين بمنزلة الوجد في السماع ثم وجوده في عينه عن قوله كن كما قال تعالى كُنْ فَيَكُونُ بمنزلة الوجود الذي يجده أهل السماع في قلوبهم من العلم بالله الذي أعطاهم السماع في حال الوجد فمن لم يسمع سماع وجود فما سمع و لهذا جعل القوم الوجود بعد الوجد و لما لم يصح الوجود أعني وجود العالم إلا بالقول من الله و السماع من العالم لم يظهر وجود طرق السعادة و علم الفرق بينها و بين طرق الشقاء إلا بالقول الإلهي و السماع الكوني فجاءت الرسل بالقول جميعهم من قرآن و توراة و إنجيل و زبور و صحف فما ثم إلا قول و سماع غير هذين لم يكن فلو لا القول ما علم مراد المريد ما يريده منا و لو لا السمع ما وصلنا إلى تحصيل ما قبل لنا فبالقول نتصرف و عن القول‏نتصرف مع السماع فهما مرتبطان لا يصح استقلال واحد منهما دون الآخر و هما نسبتان فبالقول و السماع نعلم ما في نفس الحق إذ لا علم لنا إلا بإعلامه و إعلامه بقوله و لا يشترط في القول الآلة و لا في السماع بل قد يكون بآلة و بغير آلة و أعني بآلة القول اللسان و آلة السماع الأذن فإذا علمت مرتبة السماع في الوجود و تميزه عن غيره من النسب فاعلم أن السماع عند أهل الله مطلق و مقيد فالمطلق هو الذي عليه أهل الله و لكن يحتاجون فيه إلى علم عظيم بالموازين حتى يفرقوا بين قول الامتثال و بين قول الابتلاء و ليس يدرك ذلك كل أحد و من أرسله من غير ميزان ضل و أضل و المقيد هو السماع المقيد بالنغمات المستحسنات التي يتحرك لها الطبع بحسب قبوله و هو الذي يريدونه غالبا بالسماع لا السماع المطلق فالسماع على هذا الحد ينقسم على ثلاثة أقسام سماع إلهي و سماع روحاني و سماع طبيعي فالسماع الإلهي بالأسرار و هو السماع من كل شي‏ء و في كل شي‏ء و بكل شي‏ء و الوجود عندهم كله كلمات الله و كلماته لا تنفد و لهم في مقابلة هذه الكلمات إسماع لا تنفد تحدث لهم هذه الأسماع في سرائرهم بحدوث الكلمات و هو قوله ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ فمنهم من أعرض بعد السماع و منهم من وقف عند ما سمع و هذا مقام لا يعلمه كل أحد و ما في الوجود إلا هو و لكن يجهل و لا يعلم و هو يتعلق بأسماء الله تعالى على كثرتها فلكل اسم لسان و لكل لسان قول و لكل قول منا سمع و العين واحد من القائل و السامع فإن كان نداء أجبنا و امتثلنا و كان من قوله إن قال لنا ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فكما قال و سمعنا أمرنا عند ما جعل فينا قوة القول أن نقول فيسمع هو تعالى فمنا من يقول به كما قال إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فكلام صاحب هذا المقام كله نيابة و منا من يقول بنفسه في زعمه و ما هو كذلك في نفس الأمر فإن الله عند لسان كل قائل فكما أنه ليس في الوجود إلا الله كذلك ما ثم قائل و لا سامع إلا الله و كما قسمنا قولنا بين من يقول بالله و يقوله بنفسه كذلك سماعنا منا من يسمع بربه و هو قوله كنت سمعه الذي يسمع به‏ و منا من يسمع بنفسه في زعمه و الأمر على خلافه فهذا هو السماع الإلهي و هو سار في جميع المسموعات و أما السماع الروحاني فمتعلقه صريف الأقلام الإلهية في لوح الوجود المحفوظ من التغيير و التبديل فالوجود كله رق منشور و العالم فيه كتاب مسطور فالأقلام تنطق و آذان العقول تسمع و الكلمات ترتقم فتشهد و عين شهودها عين الفهم فيها بغير زيادة و لا ينال هذا السماع إلا العقول التي ظهرت لمستوي و لما كان السماع أصله على التربيع و كان أصله عن ذات و نسبة و توجه و قول فظهر الوجود بالسماع الإلهي كذلك السماع الروحاني عن ذات و يد و قلم و صريف قلم فيكون الوجود للنفس الناطقة في سماع صريف هذه الأقلام في ألواح القلوب بالتقليب و التصريف و كذلك السماع الطبيعي مبناه على أربعة أمور محققة فإن الطبيعة مربعة معقولة من فاعلين و منفعلين فأظهرت الأركان الأربعة أيضا فظهرت النشأة الطبيعية على أربعة أخلاط و أربع قوى قامت عليها هذه النشأة و كل خلط منها يطلب بذاته من يحركه لبقائه و بقاء حكه فإن السكون عدم فأوجد في نفوس العلماء حين سمعوا صريف الأقلام ما ينبغي أن يحرك به هذه النشأة الطبيعية فأقاموا لها أربع نغمات لكل خلط من هذه الأخلاط نغمة في آلة مخصوصة و هي المسماة في الموسيقى و هو علم الألحان و الأوزان بالبم و الزير و المثنى و المثلث كل واحد من هذه يحرك خلطا من هذه الأخلاط ما بين حركة فرح و حركة بكاء و أنواع الحركات و هذا لها بما هي نشأة طبيعية لا بما هي روحانية فإن الحركة في النشأة الطبيعية و السماع الطبيعي لا يكون معه علم أصلا و إنما صاحبه يجد طربا في نفسه أو حزنا عند سماع هذه النغمات من هذه الآلات و من أصوات القوالين و لا يجد معها علما أصلا فإنه ليس هذا حظ السماع الطبيعي مع الحال الصحيح و الوجد الصحيح الذي يطلبه الطبع و هو سماع الناس اليوم و السماع الروحاني يكون معه علم و معرفة في غير مواد جملة واحدة و السماع الإلهي يكون معه علم و معرفة في مواد و في غير مواد عام التعلق يجده في السماع الطبيعي و الروحاني لكن بالسمع الإلهي الذي يخص الطبع و العقل خاصة و منهم من يعلم ذلك و منهم من لا يعلمه مع كونه يجده و لا يقدر على إنكار ما يجد فسماع الحق مطلق كما أن وجوده مطلق و تمييزه عسير و للنغمات في الكلام الإلهي و القول أصل تستند إليه و هو أقوى الأصول و لهذا لها القوة و التأثير في الطباع فلا يستطيع أحد أن يدفع عن نفسه عند ورود النغمة و تعلق السمع بهاإذا صادفت محلها ذلك الطرب أو الأثر الذي يجده السامع في نفسه فسلطانها قوي و ذلك لقوة أصلها الذي تستند إليه فإن الأسماء الإلهية و إن كانت لعين واحدة فمعلوم عند أهل الله ما بينها من التفاوت و لما كان التفاوت معقولا فيها و علم ذلك بآثارها علمنا أن الحقائق الإلهية التي استندت إليها هذه النغمات أقوى من الذي استند إليه الكلام فإنا نسمع قارئا يقرأ أو منشدا ينشد شعرا فلا نجد في نفوسنا حركة لذلك بل ربما نتبرم من ذلك في أوقات لأنه جاء على غير الوزن الطبيعي فإذا سمعنا تلك الآية أو الشعر من صاحب نغمة و في حقها في الميزان أصابنا وجد و حركنا و وجدنا ما لم نكن نجد فلهذا فرقنا بين ما استندت إليه النغمات الطبيعية و بين ما استند إليه القول هذا ميزان المحسوس و أما ميزان العقل فينظر حكمة الترتيب الإلهي في العالم فإن كان من أهل السماع الإلهي فينظر ترتيب الأسماء الإلهية فيكون سماعه من هناك و إن كان من أهل السماع الروحاني فينظر ترتيب آثارها في العالم الأعلى و الأسفل فيجد في كل مسموع فإن المسموعات كلها نغم عنده فمنهم من تكون له حركة محسوسة و منهم من لا تكون له و أما الحركة الروحانية فلا بد منها و لله طائفة خرجت عن الحركات الروحانية إلى الحركات الإلهية و هو قول الجنيد وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ و لكن في الحال التي تحسبها جامدة فتنسب الحركة إلى هذا الشخص نسبتها إلى الجناب الأقدس في فرحه بتوبة عبده و تبشبشه لمن أتى بيته فهذه أحوال إلهية يجب الايمان بها و لا يعقل لها كيفية إلا من خصه الله بها و كانت حركته في سماعه إلهية و هي من العلوم التي تنال و لا تنقال و ليس الخير بالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة يشبه هذا الفرح و لا التبشبش لأن هذا الفرح عن سبب كوني ظهر وجوده سمع الحق عليه و النزول إلى السماء الدنيا عن أمر يتوقع لا عن أمر واقع فالأول يلحق بباب السماع و الثاني لا يلحق به فاعلم ذلك و قد ربطنا السماع بما يجب له و حققناه و لم نترك منه فصلا و لا قسما إلا ذكرناه بأوجز عبارة ليوقف عنده و حكاياته كثيرة لا يحتاج إلى إيرادها فإن كتابنا هذا مبناه على تحقيق أصول الأمور لا على الحكايات فإن الكتب بها مشحونة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏