قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الثمانون و مائة في معرفة مقام خرق العادات)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
خرق العوائد أقسام مقسمةأتى بها النظر الفكري محصورة
منها معينة بالحق قائمةكالمعجزات على الإرسال مقصورة
و ما سواها من الأقسام محتملو ليس للعلم في تعيينه صوره‏
و كلها في كتاب الله بينةفقف عليه تجدها فيه مسطورة
بشرى و سحر و مكر أو علامتهو كلها في كتاب الله مذكوره‏
فهذه خمسة أقسامها انحصرتللناظرين و في الأكوان مشهورة

اعلم أن مقام خرق العادات على وجوه كثيرة منها ما يكون عن قوى نفسية فإن أجرام العالم تنفعل للهمم النفسية هكذا جعل الله تعالى الأمر فيها و قد تكون عن حيل طبيعية معلومة كالفلقطيرات و غيرها و بابها معلوم عند العلماء و قد تكون عن نظم حروف بطوالع و ذلك لأهل الرصد و قد تكون بأسماء يتلفظ بها ذاكرها فيظهر عنها ذلك الفعل المسمى خرق عادة في ناظر عين الرائي لا في نفس الأمر و قد تكون في نفس الأمر على قدر قوة ذلك الاسم و هذه كلها تحت قدرة المخلوق بجعل الله و ثم خرق عوائد مختصة بالجناب الإلهي ليس للعبد فيها تعمل و لا قوة و لكن يظهرها الله عليه أو تظهر عنه بأمر الله و إعلامه و هي على مراتب منها ما تسمى معجزة و لها شروط و نعت خاص معلوم و منها ما تسمى آيةلا معجزة و منها ما تكون كرامة و منها ما تكون مؤيدة و منها ما تكون منبهة و باعثة و منها ما يكون جزاء و منها ما يكون مكرا و استدراجا و كلها لها علامات عند أهل الله مع كون هؤلاء لا علم لهم بشي‏ء من ذلك بخلاف الصنف الأول فإنهم على علم ما يصدر منهم و ما من شي‏ء مما ذكرناه في الصنف الثاني المضاف عمله إلى الله تعالى إلا و الاحتمال يدخله هل هو عن عناية أولا عن عناية إلا المعجزة و الآية فإنها عن عناية و لا بد إنها الصدق المخبر و المؤيدة كذلك و ما عدا هذين فيتطرق إليه الاحتمال كما ذكرنا ثم نرجع إلى ما تقضي به طريقنا إن خرق العادة في الأولياء لا يكون إلا لمن خرق العادة في نفسه بإخراجها عن حكم ما تعطيه حقيقتها و هو تصرفها في المباح أو ما يلقي إليها الشيطان بالتزيين من إتيان المحظور أو ترك الواجب فمن خرق في نفسه هذه العادة خرق الله له عادة في الكون بأمر يسمى كلاما على الخاطر أو مشيا في الهواء أو ما كان و قد ذكرنا فصول هذه الكرامات و بينا مراتبها و ما ينتجها في كتاب مواقع النجوم ما سبقنا إليه في علمنا أعني إلى ترتيبه لا إلى علم ما فيه و هو كتاب صحيح الطريق عظيم الفائدة صغير الجرم بنيناه على المناسبة فإن المناسبة أصل وجود العالم و خرق العوائد من العالم و قد جعل الله آياته في العالم معتادة و غير معتادة فالمعتادة لا يعتبرها إلا أهل الفهم عن الله خاصة و ما سواهم فلا علم لهم بإرادة الله فيها و قد ملأ الله القرآن من الآيات المعتادة من اختلاف الليل و النهار و نزول الأمطار و إخراج النبات و جرى الجواري في البحر و اختلاف الألسنة و الألوان و المنام بالليل و النهار لابتغاء الفضل و كل ما ذكر في القرآن أنه آية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و يَسْمَعُونَ و يَفْقَهُونَ و يُؤْمِنُونَ و يَعْلَمُونَ و يُوقِنُونَ و يَتَفَكَّرُونَ و مع هذا كله فلا يرفع بذلك أحد من الناس رأسا إلا أهل الله و هم أهل القرآن خاصة الله و أما الآيات الغير المعتادة و هي خرق العوائد فهي التي تؤثر في نفوس العامة مثل الزلازل و الرجفات و الكسوف و نطق حيوان و مشي على ماء و اختراق هواء و إعلام بكوائن في المستقبل تقع على حد ما أعلم و الكلام على الخواطر و الأكل من الكون و إشباع القليل من الطعام الكثير من الناس هذا تعتبره العامة خاصة و متى لم يكن خرق العادة عن استقامة أو منبها و باعثا على الرجوع إلى الله و يرجع و ليس له فيه تعمل فهو مكر و استدراج من حيث لا يعلم و هذا هو الكيد المتين تحف الله مع المخالفات و فيه سر عجيب للعارفين لو لا ما في إذاعته من الضرر في العموم لذكرناه و ما كل ما يدرى يقال و ليس خرق العوائد إلا أول مرة فإذا عاد ثانية صار عادة و أما في الحقيقة فالأمر جديد أبدا و ما ثم ما يعود فما ثم خرق عادة و إنما هو أمر يظهر زي مثله لا عينه فلم يعد فما هو عادة فلو عاد لكان عادة و انحجب الناس عن هذه الحقيقة و قد نبهتك على ما هو الأمر عليه إن كنت تعقل ما أقول فالألوهة أوسع من أن تعيد و لكن الأمثال حجب على أعين العمي الذين يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ و هو وجود عين المثل الثاني هُمْ غافِلُونَ ف هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ فالممكنات غير متناهية و القدرة نافذة و الحق خلاق فأين التكرار إذ لا يعقل إلا بالإعادة فالإعادة خرق العادة

(انتهى النصف الأول من الجزء الثاني من الفتوحات المكية و يليه النصف الثاني

أوله الباب السابع و الثمانون و مائة في معرفة مقام المعجزة)