كما إن الآيات و الكرامات واجب على الرسول إظهارها من أجل دعواه كذلك يجب على الولي التابع سترها هذا مذهب الجماعة لأنه غير مدع و لا ينبغي له الدعوى فإنه ليس بمشرع و ميزان الشرع موضوع في العالم قد قام به علماء الرسوم أهل الفتاوى في دين الله فهم أرباب التجريح و التعديل و هذا الولي مهما خرج عن ميزان الشرع الموضوع مع وجود عقل التكليف عنده سلم له حاله للاحتمال الذي في نفس الرحمن في حقه و هو أيضا موجود في الميزان المشروع فإن ظهر بأمر يوجب حدا في ظاهر الشرع ثابت عند الحاكم أقيمت عليه الحدود و لا بد و لا يعصمه ذلك الاحتمال الذي في نفس الأمر من أن يكون من العبيد الذين أبيح لهم فعل ما حرم على غيرهم شرعا فأسقط الله عنهم المؤاخذة و لكن في الدار الآخرة فإنه قال في أهل بدر ما قد ثبت من إباحة الأفعال لهم و كذلك في الخبر الوارد افعل ما شئت فقد غفرت لك و لم يقل أسقطت عنك الحد في الدنيا فالذي يقيم عليه الحد مأجور و هو في نفسه غير مأثوم كالحلاج و من جرى مجراه ثم إن ترك الكرامة قد يكون ابتداء من الله و هو أنه عز و جل لا يمكن هذا الولي في نفسه من شيء من ذلك جملة واحدة مع كونه عنده من أكابر عباده و أعني خرق العوائد الظاهرة لا العلم بالله و قد يكون هذا الولي أعطاه الله تعالى في نفسه التمكن من ذلك فيترك ذلك كله لله فلا يظهر عليه منه شيء أصلا و قد رأينا ممن هو على هذا القدم جماعة كما قال سيدنا أبو السعود بن الشبل عاقل زمانه و قد سأله بعض من لا يكتمه من حاله شيئا هل أعطاك الله التصرف و هو أصل الكرامات فقال نعم منذ خمس عشرة سنة و تركناه تظرفا فالحق بتصرف لنا يريد رضي الله عنه أنه امتثل أمر الله في اتخاذه عز و جل وكيلا فقال له السائل ما ثم فقال الصلوات الخمس و انتظار الموت الرجل مثل ساعي الطير فم مشغول و قدم تسعى و كان يقولما أعجبني فيما قيل إلا قوله
و أثبت في مستنقع الموت رجله و قال لها من دون أخمصك الحشر
هكذا هو الرجل و إلا فلا يدعى أنه رجل و في حين تقييدي هذا الوجه من هذه النسخة خاطبني الحق في سرى من اتخذني وكيلا فقد ولاني و من ولاني فله مطالبتي و على إقامة الحساب فيما ولاني فيه فانعكس الأمر و تبدلت المراتب هذا صنع الله مع عباده الذين ارتضاهم و اصطفاهم و ما فوق هذا الامتنان امتنان ترتقي الهمة إلى طلبه فالعبد المحقق لا تخرجه هذه الرتبة عن علمه بقدره فما يتخذ الله وكيلا إلا من كان الحق قواه و جوارحه إذ يستحيل تبدل الحقائق فالعبد عبد و الرب رب و الحق حق و الخلق خلق فإذا ظهر خرق عادة على مثل هذا فما هي كرامة عندنا لأن الكرامة تعود على من ظهرت عليه و إنما يتفق لمن هذا مقامه مثل ما اتفق لنا في مجلس حضرنا فيه سنة ست و ثمانين و خمسمائة و قد حضر عندنا شخص فيلسوف ينكر النبوة على الحد الذي يثبتها المسلمون و ينكر ما جاءت به الأنبياء من خرق العوائد و أن الحقائق لا تتبدل و كان زمان البرد و الشتاء و بين أيدينا منقل عظيم يشتعل نارا فقال المنكر المكذب إن العامة تقول إن إبراهيم ع ألقى في النار فلم تحرقه و النار محرقة بطبعها الجسوم القابلة للإحراق و إنما كانت النار المذكورة في القرآن في قصة إبراهيم الخليل عبارة عن غضب نمرود عليه و حنقه فهي نار الغضب و كونه ألقى فيها لأن الغضب كان عليه و كونها لم تحرقه أي لم يؤثر فيه غضب الجبار لما ظهر به عليه من الحجة بما أقامه من الأدلة فيما ذكر من أفول الأنوار و أنها لو كانت آلهة ما أفلت فركب له من ذلك دليلا فلما فرغ من قوله قال له بعض الحاضرين ممن كان له هذا المقام و لم تكن فإن أريتك أنا صدق ما قاله الله تعالى في النار أنها لم تحرق إبراهيم و أن الله جعلها عليه كما قال بردا و سلاما و أنا أقوم لك في هذا المقام مقام إبراهيم ع في الذب عنه لا إن ذلك كرامة في حقي فقال المنكر هذا لا يكون فقال له أ ليست هذه هي النار المحرقة قال نعم قال تراها في نفسك ثم ألقى النار التي في المنقل في حجر المنكر و بقيت على ثيابه مدة يقلبها المنكر بيده فلما رآها ما تحرقه تعجب ثم ردها إلى المنقل ثم قال له قرب يدك أيضا منها فقرب يده فأحرقته فقال له هكذا كان الأمر و هي مأمورة تحرق بالأمر و تترك الإحراق كذلك و الله تعالى الفاعل لما يشاء فأسلم ذلك المنكر و اعترف فمثل هذا يظهر على تارك الكرامات فإنه يقيمها في زمانه نيابة عن الرسول ص في المعجزة و الآية على صدقه فجاء بها لإقامة الدليل على صدق الشارع و الدين لا على نفسه إنه ولي لله بخرق هذه العادة فهذا معنى ترك الكرامات و لها رجال و هم الملامية خاصة و أما الصوفية فيظهرون بها و هي عند الأكابر من رعونات النفوس إلا على حد ما ذكرناه