قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و الثمانون و مائة في معرفة مقام الكرامات)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
بعض الرجال يرى كون الكراماتدليل حق على نيل المقامات‏
و أنها عين بشرى قد أتتك بهارسل المهيمن من فوق السموات‏
و عندنا فيه تفصيل إذا علمتبه الجماعة لم تفرح بآيات‏
كيف السرور الاستدراج يصحبهافي حق قوم ذوي جهل و آفات‏
و ليس يدرون حقا أنهم جهلواو ذا إذا كان من أقوى الجهالات‏
و ما الكرامة إلا عصمة وجدتفي حال قول و أفعال و نيات‏
تلك الكرامة لا تبغي بها بدلاو احذر من المكر في طي الكرامات‏

اعلم أيدك الله أن الكرامة من الحق من اسمه البر و لا تكون إلا للأبرار من عباده جَزاءً وِفاقاً فإن المناسبة تطلبها و إن لم يقم طلب ممن ظهرت عليه و هي على قسمين حسية و معنوية فالعامة ما تعرف الكرامة إلا الحسية مثل الكلام على الخاطر و الأخبار بالمغيبات الماضية و الكائنة و الآتية و الأخذ من الكون و المشي على الماء و اختراق الهواء و طي الأرض و الاحتجاب عن الأبصار و إجابة الدعاء في الحال فالعامة لا تعرف الكرامات إلا مثل هذاو أما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إلا الخواص من عباد الله و العامة لا تعرف ذلك و هي أن تحفظ عليه آداب الشريعة و أن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق و اجتناب سفسافها و المحافظة على أداء الواجبات مطلقا في أوقاتها و المسارعة إلى الخيرات و إزالة الغل و الحقد من صدره للناس و الحسد و سوء الظن و طهارة القلب من كل صفة مذمومة و تحليته بالمراقبة مع الأنفاس و مراعاة حقوق الله في نفسه و في الأشياء و تفقد آثار ربه في قلبه و مراعاة أنفاسه في خروجها و دخولها فيتلقاها بالأدب إذا وردت عليه و يخرجها و عليها خلعة الحضور فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر و لا استدراج بل هي دليل على الوفاء بالعهود و صحة القصد و الرضي بالقضاء في عدم المطلوب و وجود المكروه و لا يشاركك في هذه الكرامات إلا الملائكة المقربون و أهل الله المصطفون الأخيار و أما الكرامات التي ذكرنا أن العامة تعرفها فكلها يمكن أن يدخلها المكر الخفي‏ ثم إنا إذا فرضناها كرامة فلا بد أن تكون نتيجة عن استقامة أو تنتج استقامة لا بد من ذلك و إلا فليست بكرامة و إذا كانت الكرامة نتيجة استقامة فقد يمكن أن يجعلها الله حظ عملك و جزاء فعلك فإذا قدمت عليه يمكن أن يحاسبك بها و ما ذكرناه من الكرامات المعنوية فلا يدخلها شي‏ء مما ذكرناه فإن العلم يصحبها و قوة العلم و شرفه تعطيك أن المكر لا يدخلها فإن الحدود الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهي فإنها عين الطريق الواضحة إلى نيل السعادة و العلم يعصمك من العجب بعملك فإن العلم من شرفه أنه يستعملك و إذا استعملك جردك منه و أضاف ذلك إلى الله و أعلمك أن بتوفيقه و هدايته ظهر منك ما ظهر من طاعته و الحفظ لحدوده فإذا ظهر عليه شي‏ء من كرامات العامة ضج إلى الله منها و سأل الله ستره بالعوائد و أن لا يتميز عن العامة بأمر يشار إليه فيه ما عدا العلم لأن العلم هو المطلوب و به تقع المنفعة و لو لم يعمل به فإنه لا يستوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فالعلماء هم الآمنون من التلبيس فالكرامة من الله تعالى بعباده إنما تكون للوافدين عليه من الأكوان و من نفوسهم لكونهم لم يروا وجه الحق فيهما فأسنى ما أكرمهم به من الكرامات العلم خاصة لأن الدنيا موطنه و أما غير ذلك من خرق العادات فليست الدنيا بموطن لها و لا يصح كون ذلك كرامة إلا بتعريف إلهي لا بمجرد خرق العادة و إذا لم تصح إلا بتعريف إلهي فذلك هو العلم فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به عز و جل سئل أبو يزيد عن طي الأرض فقال ليس بشي‏ء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة و ما هو عند الله بمكان و سئل عن اختراق الهواء فقال إن الطير يخترق‏الهواء و المؤمن عند الله أفضل من الطير فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر و هكذا علل جميع ما ذكرناه ثم قال إلهي إن قوما طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به و أهلتهم له اللهم مهما أهلتني لشي‏ء فأهلني لشي‏ء من أشيائك يقول من أسرارك فما طلب إلا العلم لأنه أسنى تحفة و أعظم كرامة و لو قامت عليك به الحجة فإنه يجعلك تعترف و لا تحاج فإنك تعلم ما لك و ما عليك و ما له و ما أمر الله تعالى نبيه ص أن يطلب منه الزيادة من شي‏ء إلا من العلم لأن الخير كله فيه و هو الكرامة العظمى و البطالة مع العلم أحسن من الجهل مع العمل و أسباب حصول العلم كثيرة و لا أعني بالعلم إلا العلم بالله و الدار الآخرة و ما تستحقه الدار الدنيا و ما خلقت له و لأي شي‏ء وضعت حتى يكون الإنسان من أمره على بصيرة حيث كان فلا يجهل من نفسه و لا من حركاته شيئا و العلم صفة إحاطية إلهية فهي أفضل ما في فضل الله كما قال وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً بِرَحْمَةٍ مِنَّا فاعلم أن العلم من معدن الرحمة فقد أعلمتك ما هي الكرامة و إنها التعريف الإلهي بأن هذا الذي أتحفك به كرامة منه لا ينقص لك حظا من آخرتك و لا هو جزاء لشي‏ء من عملك إلا لمجرد قدومك و إن قدومك عليه لم يكن إلا لجهلك به حيث لم تره في أول قدم كما اتفق لأبي يزيد لما خرج في طلب الحق من بسطام في أول أمره فلقيه بعض الرجال فقال له ما تطلب يا أبا يزيد قال الله قال له الذي تطلبه تركته ببسطام فتنبه أبو يزيد كيف يطلبه و هو تعالى يقول وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فلا علم و لا إيمان فإذا حرمك الله تحصيل علم مشاهدته فلا أقل من الايمان به فلهذا قلنا ما قدم عليه إلا من جهله فلما لم يكن لهذه الطائفة هم إلا به و يطلبه كانوا وافدين عليه فأتحفهم بما أتحفهم به و عرفهم إن ذلك جائزة الوفود خاصة و مهما لم يعلموا ذلك منه بإعلامه إياهم و إلا فيخاف من المكر الإلهي في ذلك أو نقص حظ أخروي يتمنون في الآخرة أنهم لم يعطوا شيئا من ذلك في الدنيا