كان رسول الله ص قبل أن يعرف بعصمته من الناس و هو قوله وَ الله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ إذا نزل منزلا يقول من يحرسنا الليلة مع كونه يعلم أن الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ و قال ع لما اشتد عليه كرب ما يلاقي من الأضداد إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن فكانت الأنصار اعلم أن الموجودات هي كلمات الله التي لا تنفد قال تعالى في وجود عيسى ع إنه كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ و هو عيسى ع فلهذا قلنا إن الموجودات كلمات الله من حيث الدلالة السمعية إذ كان لا يصدقنا كل أحد فيما ندعي فيه الكشف أو التعريف الإلهي و الكلمات المعلومة في العرف إنما تتشكل عن نظم الحروف من النفس الخارج من المتنفس المتقطع في المخارج فيظهر في ذلك التقاطع أعيان الحروف على نسب مخصوصة فتكون الكلمات و بعد أن نبهتك على هذا لتجعل بالك لما نورده في هذا الباب فاعلم أن الله سبحانه ما استواء على عرشه إلا بالاسم الرحمن أعلاما بذلك أنه ما أراد بالإيجاد إلا رحمة بالموجودين و لم يذكر غيره من الأسماء و ذكر الاستواء على أعظم المخلوقات إحاطة من عالم الأجسام فإن الآلام ليس محلها إلا التركيب و أما البسائط فلا تقبل في ذاتها قيام معنى بها بل هي عين المعنى يدل على شمول الرحمة للعالم و إن طرأت عوارض البلايا فإنها رحمة كما ذكرنا في شرب الدواء الكرية ليس المقصود منه عذاب من شربه و لا إيلامه و إنما المقصود من استعماله ما يؤول إليه من استعمله من الراحة و العافية ثم اعلم بعد هذا أن الحق تسمى بالظاهر و الباطن فالظاهر للصور التي يتحول فيها و الباطن للمعنى الذي يقبل ذلك التحول و الظهور في تلك الصور فهو عالم الغيب من كونه الباطن و الشهادة من كونه الظاهر و قد أعلمتك أن العالم نسخة إلهية على صورة حق و لذلك قلنا علم الله بالأشياء علمه بنفسه فلذلك حكمنا عليه بالصورةو بذا وردت الأسماء الإلهية و ورد في الصحيح أن الله خلق آدم على صورته و هو الإنسان الكامل المختصر الظاهر بحقائق الكون كله حديثه و قديمه و جعل سبحانه النفس بخرج من القلب للأمر الذي قد علم و قررناه فيجد المخارج إذا قصد المتنفس الكلام و إن لم يقصد الكلام كان النفس بالحرف الهاوي خاصة و ما هو عندنا من الحروف و هو يهوى على ثلاث مراتب هويا ذاتيا يعبر عنه بالألف و هو المسمى عند القراء الحرف الهاوي فإذا مر بالأرواح العلوية في هويه حدث له منها واو العلة و هو امتداد الهواء من المتنفس عن ضم الحرف و هو إشباع حركة الضم و إذا مر بالأجسام الطبيعية السفلية في هويه حدث له من ذلك ياء العلة و هو امتداد الهواء من المتنفس عن خفض الحرف و هو إشباع حركة الخفض لأن الخفض من العالم الأسفل و ما لهذا النفس في هويه أكثر من هذه الثلاث المراتب فاعلم ذلك فحدثت رسالة الملك بالواو المضموم ما قبلها و حدثت رسالة البشر بالياء المكسور ما قبلها و كان الألف على الأصل عن الله و هو سبب الأسباب كلها و لما ذكر الله عن نفسه أنه الظاهر و أنه الباطن و أن له كلاما و كلمات ذكر أن له نفسا من الاسم الرحمن الذي به استوى على العرش فاسأل به خبيرا و هو العارف من عباد الله من نبي و غيره ممن شاء الله من عباده لأنه قال يُؤْتِي الْحِكْمَةَ من يَشاءُ فنكر الأمر و لم يعرفه فهو نكرة في معرفة يعلمها هو لا غيره لأن الأمور معينة عنده مفصلة ليس في حقه إجمال و لا يصح و لا مبهم مع علمه بالمجمل في حق من يكون في حقه الأمر مجملا و مبهما و غير ذلك فلما علمنا أن له نفسا و أنه الباطن و أن له كلاما و أن الموجودات كلماته علمنا أن الله ما أعلمنا بذلك إلا لنقف على حقائق الأمور بأنا على الصورة فنقبل جميع ما تنسبه الألوهة إليها على ألسنة رسلها و كتبها المنزلة و جعل النطق في الإنسان على أتم الوجود فجعل له ثمانية و عشرين مقطعا للنفس يظهر في كل مقطع حرفا معينا ما هو عين الآخر ميزه المقطع مع كونه ليس غير النفس فالعين واحدة من حيث إنها نفس و كثيرة من حيث المقاطع و جعلها ثمانية و عشرين لأن العالم على ثمانية و عشرين من المنازل التي تجول السيارة فيها و في بروجها و هي أمكنتها من الفلك المستدير كأمكنة المخارج للنفس لإيجاد العالم و ما يصلح له و لكل عالم أعطت هذه المقاطع التي أظهرت أعيان الحروف ثم قسم هذه المقاطع إلى ثلاثة أقسام قسم أقصى عن الطرف الأقصى الآخر فالأقصى الواحد يسمى حروف الحلق و هو على طبقات و الأقصى الثاني حروف الشفتين و ما بينهما حروف الوسط فإن الحضرة الإلهية على ثلاث مراتب باطن و طاهر و وسط و هو ما يتميز به الظاهر عن الباطن و ينفصل عنه و هو البرزخ فله وجه إلى الباطن و وجه إلى الظاهر بل هو الوجه عينه فإنه لا ينقسم و هو الإنسان الكامل أقامه الحق برزخا بين الحق و العالم فيظهر بالأسماء الإلهية فيكون حقا و يظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقا و جعله على ثلاث مراتب عقل و حس و هما طرفان و خيال و هو البرزخ الوسط بين المعنى و الحس فلما عرفنا الله أنه باطن و ظاهر و له نفس و كلمة و كلمات نظرنا ما ظهر من ذلك و لم ينسب إلى ذاته النفس و ما يحدث عنه فقلنا عين النفس هو العماء فإن نفس المتنفس المقصود بالعبارة عنه ما يتنزل منزلة الريح و إنما يتنزل منزلة البخار فالنفس هذا حقيقته حيث كان فكان عنه العماء كما يحدث العماء عن بخار رطوبات الأركان فيصعد و يعلو فيظهر منه العماء أولا ثم بعد ذلك يكثف و الهواء يحمله و الريح تسوقه فما هو عين الهواء و إنما هو عين البحار و لذلك جاء في صفة العماء الذي كان فيه ربنا قبل خلق الخلق إنه عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء فذكر أن له الفوق و هو كون الحق فيه و التحت و هو كون العالم فيه فلم يكن ثم غير نفس الحق ففيه يكون الهواء و جرت الرياح ما بين زعزع و رخاء و هي الحروف الشديدة و الرخوة و ظهر عن هذا النفس أصوات الرعود كالحروف المجهورة و هبوب النسيم و هي الحروف المهموسة و ظهرت الطباق في الأفلاك كالحروف المطبقة من تنفس الإنسان بالقول إذا قصده و هو في الإلهيات إذا أردناه أن نقول له كن فالحروف المطبقة في النفس الإلهي وجود سبع سماوات طباقا و كل موجود في العالم على جهة الانطباق و أبرز في هذا النفس الإلهي افتتاح الوجود بالكون إذ كان و لا شيء معه و جعلها في المتنفس حقيقة الحروف المنفتحة ثم لما أوجد العالم و فتح صورته في العماء و هو النفس الذي هو الحق المخلوق به مراتب العالم و أعيانه و أبان منازله جعل منه عالم الأجسام كالحروف المنسفلة لأنها من جانب الطبيعة و هو حد الكون الظلم و جعل منه عالم الأرواح و هو الحروف المستعلية في المتنفس بالنفس الإنسانيو كل ذلك كلمات العالم فتسمى في الإنسان حروفا من حيث آحادها و كلمات من حيث تركيبها كذلك أعيان الموجودات حروف من حيث آحادها و كلمات من حيث امتزاجاتها و جعل في النفس الإلهي علة الإيجاد من جانب الرحمة بالخلق ليخرجهم من شر العدم إلى خير الوجود فكان بالحرف الهاوي ثم أبان لهم أيضا بوجود ما يؤدي إلى السعادة ببعثة الرسول الملكي و البشرى إرسال رحمة فكانت حروف اللين في المتنفس الإنساني ثم أوجد في هذا النفس الصوت عند خروجه من الباطن إلى الظاهر بطريق الوحي الذي شبهه رسول الله ص سلسلة على صفوان فكان في تنفس الإنسان حروف الصفير ثم انفش ذلك النفس الإلهي على أعيان العالم الثابتة و لا وجود لها فكان مثل ذلك في الكلام الإنساني حروف التفشي ثم إن النفس الإلهي استطالت عليه الأكوان بالدعوى و التحكم حيث عددت و كثرت ما هو أحدي العين و هو في نفس المتنفس الإنساني الحرف المستطيل و هو الضاد وحده لأنه طال حتى أدرك مخرج اللام ثم إن هذا النفس الإلهي في إيجاد الشرائع قد جعل طريقا مستقيما و خارجا عن هذه الاستقامة المعينة و يسمى ذلك تحريفا و هو قوله يُحَرِّفُونَهُ من بَعْدِ ما عَقَلُوهُ مع كونه إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يقول و إن تعدد فالنفس يجمعه فسمى ذلك التحريف في نفس المتنفس الإنساني الحرف المنحرف فخالط أكثر الحروف و هو اللام و ليس لغيره هذه المرتبة و هو كبعض الأحكام الذي تجتمع فيه الشرائع ثم إنه ظهر في النفس الإلهي في الصور الأمثال فلم يقع التمييز فتخيل فيه التكرار و الحقيقة تعطي أنه لا تكرار فظهر في عالم الحروف البشرية الحرف المكرر و هو الراء فإذا كان النفس يحمل الروائح فيعرف أن خروجه على المشام و هو المسمى في الحروف في النطق الإنساني حروف الغنة لأنها من الخيشوم و تمت مراتب الحروف بكمالها و الحمد لله انتهى الجزء الثامن عشر و مائة
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
و قد رأينا من رجال الروائح جماعة و كان عبد القادر الجيلي منهم يعرف الشخص بالشم أخبرني صاحبي أبو البدر عنه إن ابن قائد الأواني جاء إليه و كان ابن قائد يرى لنفسه حظا في الطريق فأخذ عبد القادر يشمه نحو ثلاث مرات ثم قال له لا أعرفك فكان ذلك تربية في حقه فعلت همة ابن قائد إلى أن التحق بالإفراد و النفس أبدا أكثر ما يظهر حكمه في المحبين العشاق هو مقامهم و مرتبتهم و يضيفون ذلك إلى نفس الرياح لا إلى نفس الأرواح كما قال بعضهم
هذه الأبيات على لطافتها و رقتها من أكثف ما قيل في عشق الأرواح لأن نسيم الأرواح ألطف من نسيم الرياح لأنها بعيدة المناسبة عن عالم الطبيعة و الرياح ليست كذلك فالأرواح إذا تنسمت لا تسوق إلا طيبا فإنها تهب من الحضرة الذاتية من الغيب الأقدس فلا تأتي إلا بكل طيب و طيبة و الرياح ليست كذلك لأنها من عالم الطبيعة فإن مرت على خبيث جاءت بخبيث و إن مرت بطيب جاءت بطيب و نسيم الأرواح إذا مر بخبيث رده طيبا و إذا مر بطيب زاده طيبا فلو كان هذا القائل عاشقا حقيقة لا يتكلم بدعوى زور لم يجعل الطيب من زينب و إن كانت طيبة فلو ذكر أن طيبها زاد به طيب المكان طيبا و جعل محبوبته تنم بأسرارها الرياح فليست بمنيعة الحمى و عالم الطبيعة يخترقها و هو الريح و أخذ يهجو الريح حيث تعجب من أين له هذا النفس الطيب فلو ساق الطيب بطريق المفاضلة بأن يقول من أين هذا النفس الأطيب فإنه لم يكن الريح بأمر زائد على نفس محبوبته إذا حققت لأنها عين الطيب حيث ظهر طيب و سألني بعض أصحابي أن أشرح له هذه الأبيات لو قالها عارف من المحبين الإلهيين فأجبته إلى ذلكفأنا أشرحها إن شاء الله ثم أعود إلى الكلام على تحقيق النفس في هذا الباب فنقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ قوله يخاطب نسيم الصبا ناشدتك الله اعلم أن الصبا هي ريح القبول و الصبا الميل و الميل قبول و سميت الصبا قبولا لأن العرب لما أرادت أن تعرف الرياح حتى تجعل لها أسماء تذكرها بها لتعرف فاستقبلت مطلع الشمس فكل ريح هبت عليها من جهة مطلع الشمس استقبلته إذ كان وجهها إلى تلك الجهة فسمتها قبولا و ما أتى إليها من الريح عن دبر في حال استقبالها ذلك سمته دبورا و هي الريح الغربية و ما أتاها منها في هبوبها عن الجانب الأيمن سمته جنوبا و عن جانب الشمال سمته شمالا و كل ريح بين جهتين من هذه الجهات تهب سمتها نكباء من النكوب و هو العدول أي عدلت عن هذه الأربع الجهات و النسيم أول هبوب الريح و الشيء المستلذ إذا فاجأك ابتداء فهو ألذ من استصحابه مثل قوله أحلى من الأمن عند الخائف الوجل و لهذا نعيم الجنان جديد في كل نفس فلذلك ما ناشد إلا النسيم لالتذاذه به و جعله نسيم الصبا لأنها ريح شرقية قبول فأعطته الريح من إخبارها بما جاءت به من طيبها ما يعطيه قبولها لو أقبلت و رؤيتها لو طلعت عليه كما تطلع الشمس لأن الصبا ريح شرقية و الشروق طلوع الشمس و الإشراق ضوء الشمس و قوله ناشدتك أي طالبتك مقسما بالله و الناشد الطالب فهو كالمستفهم و هذا يدلك على قلة معرفته بمحبوبه حيث جعل له أمثالا لقوله من أين هذا النفس الطيب فإنه ثم من له أنفاس طيبة فلو استفرغ في شغله بمحبوبه و لم ير مشهودا له سواه ما استفهم إذ كل من استفهم فقد أحضر ذلك في ذهنه فهذا شاعر أحضر الاشتراك في ذهنه فشهد على نفسه بنقصان المعرفة إن كان عارفا و نقصان المحبة إن كان محبا عاشقا فإن أراد من المحبوب كثرة وجوهه و تجليه في أعيان متعددة كالاسماء الإلهية لله مع كونه ذاتا واحدة و مع هذا فله تسعة و تسعون اسما فما فوق ذلك فيريد في أي اسم كان لما هبت هذه الريح و هي نسمة قبول إلهي لطيفة الهبوب أورثت في القلب لطفا ورقة بهبوبها فاستفهم الريح لما جاءت به من الطيب المستلذ فقال
هل أودعت برداك عند الضحى مكان ألقت عقدها زينب
اعلم أن هذا البيت من أدل دليل على أنه ليس بمحب و أن هذا القول هو إلى هجاء المحبوب أقرب منه إلى الثناء و المدح و ذلك أنه لما جاءته الريح بهذا النفس الطيب أضاف ذلك الطيب إلى ما حصل للمكان الذي ألقت عقدها زينب فيه فهو ثناء على العقد فإنه يريد أن عقدها كان عنبرية ذا طيب فطاب المكان بذلك العقد و ما ذكر أن العقد إنما اكتسب الطيب من روائح زينب أو عرفها أو أنفاسها فلو سلك في كلامه إن طيب المكان مما تنفست فيه زينب فلو قال مثل ما قلنا
و لنا في هذا المعنى في غير هذا الروي
و أما قوله بعد هذا
أو ناسمت رياك روض الحمى و ذيلها من فوقه تسحب
فهذا مثل الأول جعل الطيب للروض من ذيل زينب لما سحبته على ذلك المكان طاب من طيب ذيلها و طيب ذيلها من طيب طيبت ثيابها به مثل العقد سواء فما ذكر ما يدل على أن طيب هذه الأماكن من طيب أنفاسها و إذا كان هذا فلا يطيب إلا من ليس بطيب أو ليس له ذلك الطيب و لذا قلنا لو قال النفس الأطيب لا الطيب لكان أشعر و أثبت في المدح ثم قوله للنسيم
فهات أتحفني بأخبارها فعهدك اليوم بها أقرب
كلام غير محقق فإن نسيم الريح ما له عهد قريب إلا بالمكان و روض الحمى لا بزينب و الطيب للمكان من العقد و للروض من الذيل فلم ينقل هذا النسيم شيئا من طيبها المختص بذاتها و لو كانت مشهودة للنسيم حين هب على المكان و الروضبقوله و ذيلها فذكر ما يدخله الاحتمال في الحال فإنه يحتمل أن يكون الحال في قوله و ذيلها أي في حال مرورها أكسبت هذا الروض الطيب من ذيلها و يحتمل أن يكون شهود الريح لها في حال مرورها على روض الحمى و هذا بعيد و الأول أقرب فإنه لو مر بها مشاهدا لها في حال انسحاب ذيلها على الروض لنقل طيب ذيلها لا طيب الروض من ذيلها فدل أنه ما شاهدها نسيم الريح و إذا لم يشاهدها فليس عهده بها قريبا و إنما عهده قريب بالمكان الذي مرت عليه ثم فيه من النقص بقوله أقرب وصفها بالأمر العام في كل طيب إذ المكان الذي يبقى فيه الطيب إنما يكون قريب العهد بالطيب في جلوسه فيه أو مروره عليه و هذا ليس بمخصوص بها بل لو قال إن طيبها في المكان لا يزول بعد أن اكتسبه منها و أنه بها بعيد عهد و مع هذا فالطيب باق لقوة سلطانه لكان أشعر و النسيم ما نقل إليه إلا طيب المكان و الروض فكان ينبغي أن يصدق فكان يقول فعهدك اليوم به أقرب يعني بالمكان أو بكل واحد منهما يعني الروض و المكان أو يقول بهم أقرب فكذب بقوله بها أقرب ثم إنه لا يلزم طيب المكان و لا طيب الروض من إلقاء العقد و لا من طيب الذيل قد يكون طيب الروض من الزهر و طيب المكان من أمر آخر مع وجود العقد فيه و انسحاب الذيل على الروض فهو قاصر بكل وجه فهذا شعر لطيف اللفظ مليح و هو بالمعنى ليس بشيء لأن جمال الشعر و الكلام أن يجمع بين اللفظ الرائق و المعنى الفائق فيحار الناظر و السامع فلا يدرى اللفظ أحسن أو المعنى أو هما على السواء فإنه إذا نظر إلى كل واحد منهما أذهله الآخر من حسنه و إذا نظر فيهما معا حيراه فما يستحسن مثل هذا الشعر إلا ذو قلب كثيف فإن اللفظ لطيف و المعنى كثيف و إذا كان المعنى قبيحا عند الصحيح النظر لم يحجبه حسن اللفظ عن قبح المعنى فإن مثاله عندي مثال من بحب صورة في غاية الحسن منقوشة في جدار مزينة بأنواع الأصبغة تامة الخلق لا روح لها فإن المعنى للفظ كالروح للصورة هو جمالها على الحقيقة انظر في إعجاز القرآن تجده كما ذكرنا حسن النظم مع توفير المعنى و حسن مساقه و جمع المعاني بعضها إلى بعض في اللفظ الحسن النظم الوجيز مع وجود تكرار القصة الموجب للملل و لا تجد هذا في القرآن فتجد مع تكرار القصة الواحدة مثل قصص الأمم كآدم و موسى و نوح و غيرهم مما تكرر بزيادة لفظ أو نقصه ما تجد إخلالا في المعنى جملة واحدة و سبب ذلك أنه قول حق ما فيه تزوير و لما أتينا على تنبيه ما في قول هذا الشاعر مع كونه لم يخرج عن حقيقة هذا الباب في ذلك فإنه باب النفس بفتح الفاء و الشعر من الكلام فهو من باب الأنفاس فثم أنفاس يخرج معها تحقيق المعاني على ما هي عليه في تركيب بعضها مع بعض و ثم أنفاس بالعكس فلنرجع إلى النفس الرحماني الذي ظهر عنه حروف الكائنات و كلمات العالم على مراتب مخارج الحروف من نفس المتنفس الإنساني الذي هو أكمل النشآت كلها في العالم و هي ثمانية و عشرون حرفا لكل حرف اسم عينه المقطع مقطع نفسه فأولها الهاء و آخرها الواو و منها حروف مفردة المخرج كالحرف المستطيل و المنحرف و المكرر و منها مشتركة في المخرج كحروف الصفير و إن كان بين المشترك تفاوت فهو قريب بعضها من بعض يجد اللافظ الصحيح اللفظ في حال التلفظ بها الفرق بين الحرفين المشتركين كالطاء و التاء و الدال فهذه الثلاثة و إن كانت من مخرج واحد فهو على التقارب لا على التحقيق و لهذا اختلفت الألقاب عليه لاختلاف أحوالها في المخارج فيكون للحرف الواحد ألقاب متعددة لدرجات له في النفس عند التكوين منه في مقطع الحرف يمتاز به عن الذي يقاربه في المخرج الذي أوجب له أن يقال فيه إنه مشترك كحرف الصاد غير المعجمة مثلا فإنه من الحروف المهموسة و يشارك الكاف في الهمس و هو من حروف الصفير فهو يشارك الزاي في الصفير و هو من الحروف المطبقة فهو يشارك الطاء في الإطباق و هو من الحروف الرخوة فهو يشارك العين في الرخاوة و هو من الحروف المستعلية فهو يشارك القاف في الاستعلاء فهذا حرف واحد اختلف عليه ألقاب كثيرة لظهوره في مراتب متعددة قابل بذاته كل مرتبة صالح لها فاختلفت الاعتبارات فاختلفت الأسماء كذلك نقول في العقل الأول عقلا لمعنى يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلما يخالف المعنى الذي لأجله نسميه روحا يخالف المعنى الذي لأجله نسميه قلبا
و العين واحدة و الحكم مختلف لذا تنوعت الأرواح و الصور
كذلك الحق أصل الوجود الواحد الأحد الذي لا يقبل العدد فهو و إن كان واحد العين فهو المسمى بالحي القيوم العزيز المتكبر الجبار إلى تسعة و تسعين اسما لعين واحدة و أحكام مختلفة فما المفهوم من الاسم الحي هو المفهوم من الاسم المريد و لا القادر و لا المقتدر كما قلنا في حرف الصاد و كذلك سائر الحروف فخرجت الحروف من نفس المتنفس الإنساني الذي هو أكمل النشآت و به ظهرت و بنفسه جميع الحروف فكان على الصورة الإلهية بالنفس الرحماني و ظهور حروف الكائنات و عالم الكلمات سواء و كلها النفس الإنساني ثمانية و عشرين حرفا محققة لما صدر من النفس الرحماني أعيان الكلمات الإلهية ثمانيا و عشرين كلمة لكل كلمة وجوه فصدر عن نفس الرحمن و هو العماء الذي كان فيه ربنا قبل أن يخلق الخلق فكان العماء كالنفس الإنساني و ظهور العالم في امتداده في الخلأ بحسب مراتب الكائنات كالنفس الإنساني من القلب و امتداده إلى الفم و ظهور الحروف في الطريق و الكلمات كظهور العالم من العماء الذي هو نفس الحق الرحماني في المراتب المقدرة في الامتداد المتوهم لا في جسم و هو الخلأ الذي ملأه العالم فكما كان أول حرف ظهر من أعيان العالم من هذا النفس لما طلب الخروج إلى الغاية و هو نهاية الخلأ كما كان غاية امتداد النفس إلى الشفتين فظهرت الهاء أولا و الواو آخرا و ليس وراء ذلك حرف يعقل فكان أجناس العالم منحصرة و أشخاصه لا تتناهى وجودا فإنها تحدث ما دام السبب موجودا و السبب لا ينقضي فإيجاد أشخاص النوع لا ينقضي فأما حصر العالم على عدد الحروف من أجل النفس في ثمانية و عشرين لا تزيد و لا تنقص فأول ذلك العقل و هو القلم و هو قول النبي ص إنه أول ما خلق الله العقل و في خبر آخر أول ما خلق الله القلم الحديث فكان أول خلق خلقه الله من النفس الذي هو العماء القابل لفتح صور العالم فيه العقل و هو القلم ثم النفس و هو اللوح ثم الطبيعة ثم الهباء ثم الجسم ثم الشكل ثم العرش ثم الكرسي ثم الأطلس ثم فلك الكواكب الثابتة ثم السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة ثم كرة النار ثم كرة الهواء ثم كرة الماء ثم التراب ثم المعدن ثم النبات ثم الحيوان ثم الملك ثم الجن ثم البشر ثم المرتبة و المرتبة هي الغاية في كل موجود كما أن الواو غاية حروف النفس و قصدت ذكر أسماء العالم لا ترتيب وجوده كما قصد في أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ حصر الحروف لا ترتيب وجودها في المخارج و لكل موجود مما ذكرنا مرتبة و أحكام و نسب معلومة عند العلماء بالله و كل واحد له مقام معلوم يتميز به لا يكون للآخر كما أن له أمورا يشترك فيها مع غيره خلقا و حكما فأما في الخلق فكأشخاص النوع الواحد و أنواع الجنس الواحد مثل الأفلاك تشترك في الاستدارة الفلكية و في الجسمية من حيث التركيب و ما ذكرنا إلا ما يختص بعالم الدنيا كما أنه ما ذكرنا من الحروف إلا ما يختص بالنفس الإنساني اليوم إذ لا نتكلم إلا في وجود فإنا لا نحيط بالله علما فتكلمنا على قدر ما أعطانا من العلم به و ليس في الإمكان أبدع مما خلق لأنه الصادق و قد قال إنه خلق العالم على صورته و أكمل منه فلا يكون فأكمل من هذا العالم فلا يكون و قد وقعت لنا واقعة في هذا الباب من الحق قد تقدم ذكرها ثم لتعلم أن أقرب شبه بالنفس بل هو عين النفس حروف العلة و هو الألف و الواو المضموم ما قبلها و الياء المكسور ما قبلها و ليست هذه الثلاثة الحروف من الحروف الصحاح المحققة في الحرفية هي أجل من ذلك و إطلاق الحرف عليها بطريق المجاز و ما يدل عليها إلا الحرف إذا انفتح و أشبع الفتحة أو ضم فأشبع الضمة أو كسر فأشبع الكسرة فذلك الدليل على إبراز هذه الحروف كما كان العالم من أجل حدوثه الذي هو بمنزلة إشباع الحركات في الحروف دليلا على وجود الحق سواء فافهم ما ذكرناه و ثم إن الحروف لها خواص هي عليها أعطتها لها المخارج فهي في النفس مجموعة إذ هو يجمعها و في أعيان الحروف و الكلمات مفترقة فإذا جرى النفس من أول الحروف إلى غايتها فإنه يفعل كل حرف يتأخر وجوده لتاخر مخرجه عند انقطاع النفس ما يفعله كل حرف في مخرج تقدمه فهو يحوي على قوة كل حرف تقدمه لأن النفس مر في خروجه على تلك المخارج إلى أن انقطع عند هذا المخرج فنقل معه مرتبة كل حرف فظهرت في قوة الحرف المتأخر و آخر الحروف الواو ففي الواو قوة جميع الحروف كما إن الهاء أقل في العمل من جميع الحروف فإن لها البدو فكلمة هو جمعت جميع قوى الحروف فيعالم الكلمات فلهذا كانت الهوية أعظم الأشياء فعلا و كذلك الإنسان آخر غاية النفس و الكلمات الإلهية في الأجناس ففي الإنسان قوة كل موجود في العالم فله جميع المراتب و لهذا اختص وحده بالصورة فجمع بين الحقائق الإلهية و هي الأسماء و بين حقائق العالم فإنه آخر موجود فما انتهى لوجوده النفس الرحماني حتى جاء معه بقوة مراتب العالم كله فيظهر بالإنسان ما لا يظهر بجزء جزء من العالم و لا بكل اسم اسم من الحقائق الإلهية فإن الاسم الواحد ما يعطي ما يعطي الآخر مما يتميز به فكان الإنسان أكمل الموجودات و الواو أكمل الحروف و كذا هي في العمل عند من يعرف العمل بالحروف فكل ما سوى الإنسان خلق إلا الإنسان فإنه خلق و حق فالإنسان الكامل هو على الحقيقة الحق المخلوق به أي المخلوق بسببه العالم و ذلك لأن الغاية هي المطلوبة بالخلق المتقدم عليها فما خلق ما تقدم عليها إلا لأجلها و ظهور عينها و لو لا ما ظهر ما تقدمها فالغاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدم من أسباب ظهوره و هو الإنسان الكامل و إنما قلنا الكامل لأن اسم الإنسان قد يطلق على المشبه به في الصورة كما تقول في زيد إنه إنسان و في عمرو إنه إنسان و إن كان زيد قد ظهرت فيه الحقائق الإلهية و ما ظهرت في عمرو فعمرو على الحقيقة حيوان في شكل إنسان كما أشبهت الكرة الفلك في الاستدارة و أين كمال الفلك من الكرة فهذا أعني بالكامل فحاز الإنسان جميع المراتب برتبته كما حازت الواو جميع قوى الحروف فدل أن الواو كانت المطلوبة بالكلام لتوجد فوجد بسببها جميع ما وجد في الطريق باستعداد المخارج من الحروف حتى انتهى إلى الواوثم لتعلم أن نفس المتنفس لم يكن غير باطن المتنفس فصار النفس ظاهرا و هو أعيان الحروف و الكلمات فلم يكن الظاهر بأمر زائد على الباطن فهو عينه و استعداد المخارج لتعيين الحروف في النفس استعداد أعيان العالم الثابتة في نفس الرحمن فظهر عين الحكم الاستعدادي الذي في العالم الظاهر في النفس فلهذا قال تعالى لنبيه ص وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى و قال للنفس المطمئنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً كما قال طَوْعاً وَ كَرْهاً أي إن لم ترجعي راضية من ذاتك و إلا أجبرت على الرجوع إلى ربك فتعلم أنك ما أنت أنت و إذا رجعت راضية فهي النفس العالمة المرضية عند الله فدخلت في عباده فلم تنسب و لا انتمت إلى غيره ممن اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و دخلت في جنته أي في كنفه و ستره فاستترت هذه النفس به فكان هو الظاهر و هي غيب فيه فهي باطنة إذ كانت هي عين النفس و النفس باطن فقامت للرحمن بهذا النعت من الدخول في الستر المضاف إليه بقوله جَنَّتِي مقام الروح للجسم الصوري فإنه ستر عليه فالجسم المشهود و الحكم للروح فالظاهر الحق و الحكم للروح و هو استعداد العالم الذي أظهر الاختلاف في الحق الظاهر فهذا معنى قوله وَ ادْخُلِي جَنَّتِي و أضافه إلى نفسه
و القمران يريدون أبا بكر و عمر و الشمس و القمر وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ فأثبت بالضمير و نفى بالفعل الذي هو خلق كما انتفى أبو بكر فلم يظهر له اسم في العمران و أثبته ضمير التثنية و هو قولهم العمران فسبحان من أخفى عنه حكمته فيه فظهر في الوجود العليم الذي لا يعلم كالرامي الذي ما رمى فالحروف ليست غير النفس و لا هي عين النفس و الكلمة ليست غير الحروف و ما هي عين الحروف
و الجمع حال لا وجود لعينه و له التحكم ليس للآحاد
(وصل) و اعلم أن الله لما قال قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فجعل الأسماء الحسنى لله كما هي للرحمن غير أن هنا دقيقة و هي أن الاسم له معنى و له صورة فيدعي الله بمعنى الاسم و يدعي الرحمن بصورته لأن الرحمن هو المنعوت بالنفس و بالنفس ظهرت الكلمات الإلهية في مراتب الخلأ الذي ظهر فيه العالم فلا ندعوه إلا بصورة الاسم و له صورتان صورة عندنا من أنفاسنا و تركيب حروفنا و هي التي ندعوه بها و هي أسماء الأسماء الإلهية و هي كالخلع عليها و نحن بصورة هذه الأسماء التي من أنفاسنا مترجمون عن الأسماء الإلهية و الأسماء الإلهية لها صور من نفس الرحمن من كونه قائلا و منعوتا بالكلام و خلف تلك الصور المعاني التي هي لتلك الصور كالأرواح فصور الأسماء الإلهيةالتي يذكر الحق بها نفسه بكلامه وجودها من نفس الرحمن فله الأسماء الحسنى و أرواح تلك الصور هي التي للاسم الله خارجة عن حكم النفس لا تنعت بالكيفية و هي لصور الأسماء النفسية الرحمانية كالمعاني للحروف و لما علمنا هذا و أمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى و خيرنا بين الله و الرحمن فإن شئنا دعوناه بصورة الأسماء النفسية الرحمانية و هي الهمم الكونية التي في أرواحنا و إن شئنا دعوناه بالأسماء التي من أنفاسنا بحكم الترجمة و هي الأسماء التي يتلفظ بها في عالم الشهادة فإذا تلفظنا بها أحضرنا في نفوسنا أما الله فننظر المعنى و أما الرحمن فننظر صورة الاسم الإلهي النفسي الرحماني كيفما شئنا فعلنا فإن دلالة الصورتين منا و من الرحمن على المعنى واحد سواء علمنا ذلك أو لم نعلمه و لما كان ذكر أسمائه عين الثناء عليه ذكرنا في هذا الباب ما هو فينا مثل كلمة كن منه و ذلك البسملة يقول أهل الله إن بسم الله منا في إيجاد الأفعال بمنزلة كن منه و لما كان القرآن ذكرا و جامعا لأسمائه صور أو معاني جعلنا التلاوة في هذا الباب من جملة الأذكار فلا نذكر من الأذكار إلا ما يختص بالقرآن فنذكره بكلامه من حيث علمه بذلك لا من حيث علمنا فيكون هو الذي يذكر نفسه لا نحن و لما كان دعاؤنا بأسمائه القرآنية و كنا ذاكرين تالين وجب علينا التعوذ و هو من الذكر فيعيذنا و سقنا من الأذكار الحمد لله و سبحان الله و الله أكبر و لا إله إلا الله و لا حول و لا قوة إلا بالله فلنذكر فهرست ما أنا ذاكره في هذا الباب من فصول ما يتكلم عليه مما يختص بالنفس الإلهي و مراتب الذاكرين من العالم في الذكر لأن الذاكرين هم أعلى الطوائف لأنه جليسهم و لهذا ختم الله بذكرهم صفات المقربين من أهل الله ذكرانهم و إناثهم فقال تعالى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ و ما ذكر بعد الذاكرات شيئا و الذكر من نعوت كونه متكلما و هو نفس الرحمن الذي ظهرت فيه حقائق حروف الكائنات و كلمات الحضرة
(ذكر فهرست الفصول و هي خمسون فصلا)
(الفصل الأول) في ذكر الله نفسه بنفس الرحمن و به أوجد العالم من كونه أحب ذلك (الفصل الثاني) في كلام الله و كلماته (الفصل الثالث) في ذكر التعوذ (الفصل الرابع) في الذكر بالبسملة (الفصل الخامس) في كلمة الحضرة و هي كلمة كن (الفصل السادس) في الذكر بالحمد (الفصل السابع) في الذكر بالتسبيح (الفصل الثامن) في الذكر بالتكبير (الفصل التاسع) في الذكر بالتهليل (الفصل العاشر) في الذكر بالحوقلة (الفصل الحادي عشر) في الاسم البديع و توجهه على إيجاد العقل و العقول و هو القلم الأعلى و من الحروف على الهمزة و تفاصيل الهمزة و من المنازل على الشرطين و الإمداد الإلهي النفسي و مراتبه الذاتية و الزائدة (الفصل الثاني عشر) في الاسم الباعث و توجهه على إيجاد اللوح المحفوظ و هو النفس الكلية و هو الروح المنفوخ منه في الصور المسواة بعد كمال تعديلها فيهبها الله بذلك النفخ أي صورة شاء و توجهه على إيجاد الهاء من الحروف و هاء الكنايات و توجهه على إيجاد البطين من المنازل (الفصل الثالث عشر) في الاسم الباطن و توجهه على خلق الطبيعة و ما يعطيه من أنفاس العالم و حصرها في أربع حقائق و افتراقها و اجتماعها و توجهه على إيجاد العين المهملة و إيجاد الثريا من المنازل (الفصل الرابع عشر) في الاسم الآخر و توجهه على خلق الجوهر الهبائي الذي ظهر فيه صور الأجسام و ما يشبه هذا الجوهر في عالم التركيب و إيجاد الحاء المهملة من الحروف و إيجاد الدبران من المنازل المقدرة (الفصل الخامس عشر) في الاسم الظاهر و توجهه على إيجاد الجسم الكل و إيجاد الغين المعجمة من الحروف و إيجاد الميسان و هي الهقعة من المنازل (الفصل السادس عشر) في الاسم الحكيم و توجهه على إيجاد الشكل و حرف الخاء المعجمة و التحية من المنازل (الفصل السابع عشر) في الاسم المحيط و توجهه على إيجاد العرش و العروش المعظمة و المكرمة و الممجدة و حرف القاف من الحروف و الذراع من المنازل (الفصل الثامن عشر) في الاسم الشكور و توجهه على إيجاد الكرسي و القدمين و حرف الكاف و النثرة (الفصل التاسع عشر) في الاسم الغني و توجهه على إيجاد الفلك الأطلس فلك البروج و حدوث الأيام بوجود حركته و استعانته بالاسم الدهر على ذلك و حرف الجيم و الطرف (الفصل العشرون) في الاسم المقدر و توجهه على إيجاد فلك الكواكب الثابتة و الجنات و تقدير صور الكواكب في مقعر هذا الفلك و كونه أرض الجنة و سقف جهنم و حرف الشين المعجمة و الجبهة (الفصل الحادي و العشرون) في الاسم الرب و توجهه على إيجاد السماء الأولى و البيت المعمور و سدرة المنتهى و إبراهيم الخليل و يوم السبت و حرف الياء بالنقطتين من أسفل و الخرثان من المنازل المقدرة و خانس هذه السماء و كوكبها (الفصل الثاني و العشرون) في الاسم العليم و توجهه على إيجاد السماء الثانية و خانسها و يوم الخميس و موسى ع و حرف الضاد المعجمة و الصرفة من المنازل (الفصل الثالث و العشرون) في الاسم القاهر و توجهه على إيجاد السماء الثالثة و خانسها و يوم الثلاثاء و حرف اللام و العوا (الفصل الرابع و العشرون) في الاسم النور و توجهه على إيجاد السماء الرابعة و هي قلب جسم العالم المركب و إيجاد الشمس و حدوث الليل و النهار في عالم الأركان و روح إدريس ع و قطبيته و حرف النون و السماك الأعزل و يوم الأحد و نفخ الروح الجزئي عند كمال تصوير النطف (الفصل الخامس و العشرون) في الاسم المصور و توجهه على إيجاد السماء الخامسة و خانسها و التصوير و الحسن و الجمال و يوسف ع و حرف الراء و الغفر و يوم الجمعة (الفصل السادس و العشرون) في الاسم المحصي و توجهه على إيجاد السماء السادسة و خانسها و عيسى ع و الاعتدال و حرف الطاء المهملة و الزبانا و يوم الأربعاء (الفصل السابع و العشرون) في الاسم المتين و توجهه على إيجاد السماء الدنيا و القمر و آدم ع و المد و الجزر و حرف الدال المهملة و الإكليل و يوم الإثنين (الفصل الثامن و العشرون) في الاسم القابض و توجهه على إيجاد الأثير و ما يظهر فيه من ذوات الأذناب و الاحتراقات و من الحروف حرف التاء المنقوطة باثنتين من فوق و القلب من المنازل (الفصل التاسع و العشرون) في الاسم الحي و توجهه على إيجاد ما ظهر في ركن الهواء و حرف الزاي من الحروف و من المنازل الشولة (الفصل الثلاثون) في الاسم المحيي و توجهه على إيجاد ما ظهر في الماء و حرف السين المهملة و النعائم (الفصل الحادي و الثلاثون) في الاسم المميت و توجهه على إيجاد التراب و حرف الصاد المهملة و البلدة (الفصل الثاني و الثلاثون) في الاسم العزيز و توجهه على إيجاد المعادن و حرف الظاء المعجمة و الذابح (الفصل الثالث و الثلاثون) في الاسم الرزاق و توجهه على إيجاد النبات و حرف الثاء المعجمة بثلاث و من المنازل بلع (الفصل الرابع و الثلاثون) في الاسم المدل و توجهه على إيجاد الحيوان و حرف الذال المعجمة و من المنازل السعود (الفصل الخامس و الثلاثون) في الاسم القوي و توجهه على إيجاد الملائكة و حرف الفاء و الأخبية (الفصل السادس و الثلاثون) في الاسم اللطيف و توجهه على إيجاد الجن حرف الباء المعجمة بواحدة و الفرع المقدم (الفصل السابع و الثلاثون) في الاسم الجامع و توجهه على إيجاد الإنسان و حرف الميم و المؤخر (الفصل الثامن و الثلاثون) في الاسم رفيع الدرجات و توجهه على تعيين الرتب و المقامات و المنازل و حرف الواو و من المنازل الرشاء (الفصل التاسع و الثلاثون) في النقل و أين مقامه في الأنفاس (الفصل الأربعون) في معرفة الجلي و الخفي من الأنفاس و هو بمنزلة الإدغام و الإظهار في الكلام (الفصل الحادي و الأربعون) في الاعتدال و الانحراف في النفس و هو بمنزلة الفتح و الإمالة و بين اللفظين (الفصل الثاني و الأربعون) في الاعتماد على الناقص و الميل إليه و هو في الكلام معرفة الوقف على هاء التأنيث و هو من باب الأنفاس أيضا (الفصل الثالث و الأربعون) في الإعادة و هي التكرار و أين هو في النفس (الفصل الرابع و الأربعون) في اللطيف من النفس يرجع كثيفا و ما سببه و الكثيف يرجع لطيفا من النفس و ما سببه و عليه مبني أصوات الملاحن (الفصل الخامس و الأربعون) في الاعتماد على أصناف المحدثات و هو في باب النفس الإنساني الوقف على أواخر الكلم في اللسان (الفصل السادس و الأربعون) في الاعتماد على العالم من حيث ما هو كتاب مسطور في رق الوجود المنشور في عالم الأجسام الكائن من الاسم الظاهر (الفصل السابع و الأربعون) في الاعتماد على الوعد قبل كونه و هو الاعتماد على المعدوم لصدق الوعد و هو في الأنفاس السكوت على الساكن قبل الهمزة (الفصل الثامن و الأربعون) في الاعتماد على الكائنات و ما يظهر منها من الفتوح و هو الأينية في الطريق و كيف يرجع المعلول صحيحا و الصحيح عليلا (الفصل التاسع و الأربعون) فيما يعدم و يوجد مما يزيد على الأصول التي هي بمنزلة النوافل مع الفرائض (الفصل الخمسون) في الأمر الجامع لما يظهر في النفس من الأحكام في كل متنفس حقا و خلقا و حيوانا و نطقا و به تمام باب النفس على الاقتصاد و الاختصار إن شاء الله ثم اللواحق و هي الأقسام الإلهية التي نفس الله بها عن عباده و هي من نفس الرحمن (الفصل الأول) في ذكر الله نفسه بنفس الرحمن ورد في الحديث الصحيح كشفا الغير الثابت نقلا عن رسول الله ص عن ربه جل و عز أنه قال ما هذا معناه كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق و تعرفت إليهم فعرفوني و لما ذكر المحبة علمنا من حقيقة الحب و لوازمه مما يجده المحب في نفسه و قد بينا أن الحب لا يتعلق إلا بمعدوم يصح وجوده و هو غير موجود في الحال و العالم محدث و الله كان و لا شيء معه و علم العالم من علمه بنفسه فما أظهر في الكون إلا ما هو عليه في نفسه و كأنه كان باطنا فصار بالعالم ظاهرا و أظهر العالم نفس الرحمن لإزالة حكم الحب و تنفس ما يجد المحب فعرف نفسه شهودا بالظاهر و ذكر نفسه بما أظهره ذكر معرفة و علم و هو ذكر العماء المنسوب إلى الرب قبل خلق الخلق و هو ذكر العام المجمل و إن كلمات العالم بجملتها مجملة في هذا النفس الرحماني و تفاصيله غير متناهية و من هنا يتكلم من يرى قسمة الجسم عقلا إلى ما لا يتناهى مع كونه قد دخل في الوجود و كل ما دخل في الوجود فهو متناهو القسمة لم تدخل في الوجود فلا تتصف بالتناهي و هؤلاء هم الذين أنكروا الجوهر الفرد الذي هو الجزء الذي لا ينقسم و كذلك العماء و إن كان موجودا فتفاصيل صور العالم فيه على الترتيب دنيا و آخرة غير متناه التفصيل و ذلك أن النفس الرحماني من الاسم الباطن يكون الإمداد له دائما و الذكر له في الإجمال دائما فهو في العالم كآدم في البشر و لما عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أعلمنا بهذا أن العماء من حيث ما هو نفس رحماني قابل لصور حروف العالم و كلماته هو حامل الأسماء كلها و كلمات الله ما تنفد فذكر الله لا ينقطع و الرحمن يذكر الله بأسمائه و هو أيضا مسمى بها فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و يذكر نفسه من كونه متكلما و مفصلا فذكر الرحمن مجمل و ذكر الله مفصل (الفصل الثاني) في كلام الله و كلماته الكلام و القول نعتان لله فبالقول يسمع المعدوم و هو قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ و بالكلام يسمع الموجود و هو قوله تعالى وَ كَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً و قد يطلق الكلام على الترجمة في لسان المترجم و ينسب الكلام إلى المترجم عنه في ذلك فالقول له أثر في المعدوم و هو الوجود و الكلام له أثر في الموجود و هو العلم و الموصوف بالتبديل في قوله يُحَرِّفُونَهُ من بَعْدِ ما عَقَلُوهُ و قوله يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ الله هو في الترجمة فإنها تقبل التبديل و المعاني تابعة للكلام فلا يفهم من الأمر الذي حرف به و بدل المعنى الذي يفهم من الأصل و لذلك ألحق التبديل و التحريف بالأصل و إن كان لا يقبل التحريف و لا التبديل لأنه كلام إلهي لا يحكى و لا يوصف بالوصف الذاتي فإذا وقع التجلي في أي صورة كانت فلا يخلو أن كانت من الصور المنسوب إليها الكلام في العرف أو لا تكون فإن كانت من الصور المنسوب إليها الكلام فكلامها من جنس الكلام المنسوب إليها لحكم الصورة على التجلي مثل قوله عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ و قالَتْ نَمْلَةٌ و إن كان مما لا ينسب إليه الكلام في العرف فلا يخلو إما أن تكون ممن ينسب إليها القول بالإيمان مثل قوله هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ و قوله قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و قوله يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ و قوله قالُوا أَنْطَقَنَا الله و إما أن لا تكون ممن نسب إليه قول و لا نطق و هو الذي نسب إليه التسبيح الذي لا يفقه و ما قال لا يسمع إذ الكلام أو القول هو الذي من شأنه أن يتعلق به السمع و التسبيح لو كان قولا أو كلاما لنفى عنه سمعنا و إنما نفى عنه فقهنا و هو العلم و العلم قد يكون عن كلام و قول و قد لا يكون فإذا تجلى في مثل هذه الصور فيكون النطق بحسب ما يريده المتجلي مما يناسب تسبيح تلك الصورة لا يتعداه فيفهم من كلام ذلك المتجلي تسبيح تلك الصورة و هو علم عجيب قليل من أهل الله من يقف عليه فيكون الكلام المنسوب إلى الله عز و جل في مثل هذه الصور بحسب ما هي عليه هذا إذا وقع التجلي في المواد النورية و الطبيعية فإن وقع التجلي في غير مادة نورية و لا طبيعية و تجلى في المعاني المجردة فيكون ما يقال في مثل هذا إنه كلام فمن حيث أثره في المتجلي له لا من حيث إنه تكلم بكذا و تلك الآثار كلها من طبقات الكلام الذي تقدم تسمى كلمات الله جمع كلمة و هي أعيان الكائنات قال تعالى وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ و هو عين عيسى لم يلق إليها غير ذلك و لا علمت غير ذلك فلو كانت الكلمة الإلهية قولا من الله و كلاما لها مثل كلامه لموسى ع لسرت و لم تقل يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلا عين عيسى روح الله و كلمته و هو عبده فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية فكان نطقه كلام الله في نفس الرحمن فنفس الله عن أمه بذلك ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه مما طهرها الله عنه و من هنا قالت المعتزلة إن المتكلم من خلق الكلام و فيما ليس من شأنه أن يتكلم فذلك كلام الله مثل الجماد و النبات و حالة عيسى إلا القائلين بالشكل الغريب فيجعلون مثل هذا من الأشكال الحادثة في الكون فقد بينا لك معنى كلام الله و كلماته و كلام الله تعالى علمه و علمه ذاته و لا يصح أن يكون كلامه ليس هو فإنه كان يوصف بأنه محكوم عليه للزائد على ذاته و هو لا يحكم عليه عز و جل و كل ذي كلام موصوف بأنه قادر على أن يتكلم متمكن في نفسه من ذلك و الحق لا يوصف بأنه قادر على أن يتكلم فيكون كلامه مخلوقا و كلامه قديم في مذهب الأشعري و عين ذاته في مذهب غيره من العقلاء فنسبة الكلام إلى الله مجهولة لا تعرف كما أن ذاته لا تعرف و لا يثبت الكلام للاله إلا شرعا ليس في قوة العقل إدراكه من حيث فكره فافهم أن النفس للرحمن و الكلام لله و القول و هوانتهاء النفس إلى عين كلمة من الكلمات فيظهر عينها بعد بطونها و تفصيلها بعد إجمالها فإن قلت فائدة الكلام الإسماع و ما في الوجود إلا الله و هو متكلم فمن أسمع قلنا ليس من شرط السامع أن يكون موجودا فإنه يقول للمعدوم في حال عدمه كن فيكون المعدوم عند ما يتعلق بسمعه الثبوتي كلام الله و أمره بالوجود و كذلك المرئي علة رؤيته جواز رؤيته الوجود بل الاستعداد و التهيؤ سواء كان موجودا أو معدوما و الجواب الآخر كما أنه تكلم من حيث ما هو منعوت بالكلام يسمع كلامه من كونه سميعا و هما نسبتان مختلفتان فإن قلت ففائدة سماع الكلام حصول العلم و هو عالم لذاته قلنا ما كل كلام موضوع لحصول ما لا يعلم فإن المتكلم يثني على نفسه بما هو عالم به إنه عليه فلا يستفيد بل هو للابتهاج بالكمال الذاتي فالحق لم يزل متكلما و إن حدث في الكون فلا يدل على حدوثه في نفس الأمر قال تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ يعني عندهم و إن كان قد تكلم به مع غيره قبل هذا مثل ما في التوراة و غيرها مما هو في القرآن هذا إذا قلنا إنه يريد كلام الله الذي هو صفة له و إن كان الظاهر أن السامع إنما سمع كلام المترجم عن الله كما قال إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده
فلنذكر فصول الأذكار الإلهية ما تيسر منها من المذكورة في القرآن فنبدأ بالتعوذ من أجل أنه من أذكار القرآن (الفصل الثالث في ذكر التعوذ) قال تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ و قال ص و أعوذ بك منك و الحق هنا هو الذاكر بالقرآن نفسه فالتعوذ يكون باسم إلهي من اسم إلهي و هو الذي نبه عليه ص بقوله و أعوذ بك منك فإن كان التالي أعني الذاكر بالقرآن ممن للشيطان عليه سبيل حينئذ يجب عليه أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاستعاذة الحق بما هو عليه من صفات التقديس و التنزيه مما ينسب إليه مما لا يليق به كما قال تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ فوقع العياذ برب العزة عَمَّا يَصِفُونَ يريد مما يطلق عليه مما لا ينبغي لجلاله من الصاحبة و الولد و الأنداد فهذا كله عياذ إلهي لأنه كلامه و أما الاستعاذة به منه فهو ما ورد من تجليه في صورة تنكر فيتعوذ المتجلي له منها بتجل في صورة يعرف و هو عين الصورة الأولى و الثانية و قد بينا لك في هذا الكتاب أنه الظاهر في مظاهر الأعيان فهو المستعيذ به منه و من هذا الباب قوله أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك هو قوله إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و قوله إِنْ يَنْصُرْكُمُ الله فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ فيتعوذ بالناصر من الخاذل و بالنافع من الضار و هو القائل على لسان العبد ما ظهر عنه من التعوذ (الفصل الرابع في ذكر البسملة) البسملة قولك بسم الله و هو للعبد كلمة حضرة الكون للتكوين بمنزلة كلمة الحضرة في قوله كُنْ فينفعل عن العبد بالبسملة إذا تحقق بها ما ينفعل عن كن فكأنه يقول بسم الله يكون ظهور الكون فهو إخبار عن حقيقة اقترن بها صدق محبوب كان الحق سمعه و لسانه فيكون عنه ما يكون عن كن و هو قوله فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فبإذني متعلق بقوله فتنفخ وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي أي بأمري لما كنت لسانك و بصرك تكونت عنك الأشياء التي ليست بمقدورة لمن لا أقول على لسانه فالتكوين في الحالين لي فبسم الله عين كن (الفصل الخامس في كلمة الحضرة الإلهية) و هي كلمة كُنْ لله تجل في صور تقبل القول و الكلام بترتيب الحروف كما له تجل في غير هذا قد ذكرناه في التجلي الإلهي الذي خرجه مسلم في الصحيح قال تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ فقولنا هو كونه متكلما أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فكن عين ما تكلم به فظهر عنه الذي قيل له كن فأضاف التكوين إلى الذي يكون لا إلى الحق و لا إلى القدرة بل أمر فامتثل السامع في حال عدمه شيئية و ثبوته أمر الحق بسمع ثبوتي فأمره قدرته و قبول المأمور بالتكوين استعداده فظهرت الأعيان في النفس الرحماني ظهور الحروف في النفس الإنساني و الشيء الذي يكون إنما هو الصورة الخاصة كظهور الصورة المنقوشة في الخشب أو الصورة في الماء المهين أو الصورة في الضلع أو الصورة في الطين أو الصورة فإن قلت عن وجود صدقت و إن قلت لم أكن صدقت
فكلمة الحضرة كلمات كما قال وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ فلم يكرر فعين الأمر عين التكوين و ما ثم أمر إلهي إلا كن و كن حرف وجودي عند سيبويه من واجب الوجود لا يقبل الحوادث فالأمر في نفسه صعب تصوره من الوجه الذي يطلبه الفكر سهل في غاية السهولة من الوجه الذي قرره الشرع فالفكر يقول ما ثم شيء ثم ظهر شيء لا من شيء و الشرع يقول و هو القول الحق
بل ثم شيء فصار كونا و كان غيبا فصار عينا
انظر إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ يعني السحاب الكائن من الأبخرة هنا الصاعدة للحرارة التي فيها و الأبخرة نفس عنصري و ليس بشيء زائد على السحاب و لم يكن سحابا في المتنفس بل هو شيء فظهر سحابا فتكاثف ثم تحلل ماء فنزل فتكون بخارا فصعد فكان سحابا فانظر إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ من خِلالِهِ و أَنْزَلْنا من الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً فينشئه سَحاباً فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً و هو تعدد الأعيان فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ من خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ به من يَشاءُ من عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فيما في السحاب من الماء يثقل فينزل كما صعد بما فيه من الحرارة فإن الأصغر يطلب الأعظم فإذا ثقل اعتمد على الهواء فانضغط الهواء فأخذ سفلا فحك وجه الأرض فتقوت الحرارة التي في الهواء فطلب الهواء بما فيه من الحرارة القوية الصعود يطلب الركن الأعظم فوجد السحاب متراكما فمنعه من الصعود تكاثفه فأشعل الهواء فخلق الله في تلك الشعلة ملكا سماه برقا فأضاء به الجو ثم انطفأ بقوة الريح كما ينطفئ السراج فزال ضوؤه مع بقاء عينه فزال كونه برقا و بقي العين كونا يسبح الله ثم صدع الوجه الذي يلي الأرض من السحاب فلما مازجه كان كالنكاح فخلق الله من ذلك الالتحام ملكا سماه رعدا فسبح بحمد الله فكان بعد البرق لا بد من ذلك ما لم يكن البرق خلبا فكل برق يكون على ما ذكرناه لا بد أن يكون الرعد يعقبه لأن الهواء يصعد مشتعلا فيخلقه ملكا يسميه برقا و بعد هذا يصدع أسفل السحاب فيخلق الله الرعد مسبحا بحمد ربه لما أوجده وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ و ثم بروق و هي ملائكة يخلقها الله في زمان الصيف من حرارة الجو لارتفاع الشمس فتنزل الأشعة الشمسية فإذا أحرقت ركن الأثير زادت حرارة فاشتعل الجو من أعلى و ما ثم سحاب لأن قوة الحرارة تلطف الأبخرة الصاعدة عن كثافتها فلا يظهر للسحاب عين و هنالك حكم الشين المعجمة من الحروف و لهذا سمي حرف التفشي فخلق الله من ذلك الاشتعال بروقا خلبا لا يكون معها رعد أصلا و هذه كلها حوادث ظهرت أعيانها عن كلمة كن في أنفاس و إنما جئنا بمثل هذا تأنيسا لك لتعلم ما فتح الله من الصور و الأعيان في هذا النفس العنصري المسمى بخار التكون لك عبرة إن كنت ذا بصر فتجوز بالنظر في هذا إلى تكوين العالم من النفس الرحماني الظاهر من محبة الله أن يعرفه خلقه فما في العالم أو ما هو العالم سوى كلمات الله و كلمات الله أمره و أمره واحدة و هو كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ لأنه ما ثم أسرع من لمح البصر فإنه زمان التحاظه هو زمان التحاقه بغاية ما يمكن أن ينتهي إليه في التعلق و كذلك قوة السمع دون ذلك فتدبر يا أخي كلام الله و هذا القرآن العزيز و تفاصيل آياته و سورة و هو أحدي الكلام مع هذا التعداد و هو التوراة و الفرقان و الإنجيل و الزبور و الصحف فما الذي عدد الواحد أو وحد العدد انظر كيف هو الأمر فإنك إذا علمته علمت كلمة الحضرة و إذا علمت كلمة الحضرة علمت اختصاصها من الكلمات بكلمة كن لكل شيء مع اختلاف ما ظهر و من الحروف الظاهرة بالكاف و النون و من الحروف الباطنةبالواو و كيف حكم العارض على الثابت بمساعدته عليه فرده غيبا بعد ما كان شهادة فإن السكون هو الحاكم من النون و هو عرض لأن الأمر الإلهي عرض له فسكنه فوجد سكون الواو فاستعان عليها بها كما يستعين العبد بربه على ربه فلما اجتمع ساكنان و أرادت النون الاتصال بالكاف لسرعة نفوذ الأمر حتى يكون أقرب من لمح بالبصر كما أخبر فزالت الواو من الوسط فباشرت الكاف النون فلو بقيت الواو لكان في الأمر بطء فإن الواو لا بد أن تكون واو علة لأجل ضمة الكاف فلا يصل النفس إلى النون الساكنة بالأمر إلا بعد تحقق ظهور واو العلة فيبطئ الأمر و هي واو علة فيكون الكون عن علتين الواو و الأمر الإلهي و هو لا شريك له و إذا جاز أن يبطىء المأمور عن التكوين زمانا واحدا و هو قدر ظهور الواو لو بقيت و لا تحذف لجاز أن يبقى المأمور أكثر من ذلك فيكون أمر الله قاصرا فلا تنفذ إرادته و هو نافذ الإرادة فحذف الواو من كلمة الحضرة لا بد منه و السرعة لا بد منها فظهور الكون عن كلمة الحضرة بسرعة لا بد منه فظهر الكون فظهرت الواو في الكون لتدل أنها كانت في كن و إنما زالت لأمر عارض فعملت في الغيب فظهرت في الكون لما ظهر الكون بصورة كن قبل حذف الواو ليدل على أن الواو لم تعدم و إنما غابت لحكمة ما ذكرناه فليس الكون بزائد على كن بواوها الغيبية فظهر الكون على صورة كن و كن أمره و أمره كلامه و كلامه علمه و علمه ذاته فظهر العالم على صورته فخلق آدم على صورته فقبل الأسماء الإلهية و قد بينا ما فيه الكفاية للعاقل في كلمة الحضرة و الله يضرب الأمثال لعباده (الفصل السادس في الذكر بالتحميد) الحمد ثناء عام ما لم يقيده الناطق به بأمر و له ثلاث مراتب حمد الحمد و حمد المحمود نفسه و حمد غيره له و ما ثم مرتبة رابعة في الحمد ثم في الحمد بما يحمد الشيء نفسه أو يحمده غيره تقسيمان إما أن يحمده بصفة فعل و إما أن يحمده بصفة تنزيه و ما ثم حمد ثالث هنا و أما حمد الحمد له فهو في الحمدين بذاته إذ لو لم يكن لما صح أن يكون لها حمد
فحمد الحمد يعطي الحمد فيه و لو لا الحمد ما كان الحميد
ثم إن الحمد على المحمود قسمان القسم الواحد أن يحمد بما هو عليه و هو الحمد الأعم و القسم الثاني أن يحمد على ما يكون منه و هو الشكر و هو الأخص فانحصرت أقسام التحميدات و المحامد و تعيين الكلمات التي تدل على ما ذكرناه لا تتناهى فإن النبي ص يقول في المقام المحمود فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن و قال لا أحصي ثناء عليك لأن ما لا يتناهى لا يدخل في الوجود و لما كان كل عين حامدة و محمودة في العالم كلمات الحق الظاهرة من نفس الرحمن و نفس الرحمن ظهور الاسم الباطن و الحكم الغيب و هو الظاهر و الباطن رجعت إليه عواقب الثناء فلا حامد إلا الله و لا محمود إلا الله و حمد الحمد صفته لأن الحمد صفته و صفته عينه إذ لا يتكثر
فمن حمد الله على هذا النحو فقد حمده و من نقصه من ذلك شيئا فهو بقدر ما نقصه فإن كنت حامد الله فلتحمده بهذا الحضور و هذا التصور فيكون الجزاء من الله لمن هذا حمده عينه فافهم الفصل السابع) في الذكر بالتسبيح التسبيح التنزيه فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ هذا أمر سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ خبر التسبيح قسم من أقسام الحمد و لهذا أن الحمد يملأ الميزان على الإطلاق و سبحان الله و غير ذلك من الأذكار تحت حيطة الحمد فإذا ظهر التسبيح فانظر كيف تسبحه فإن الجهل يتخلل هذا المقام تخللا خفيا لا يشعر به فإنه كما قال ص لحسان بن ثابت لما أراد أن يهجو قريشا ينافح بذلك عن رسول الله ص لما هجته قريش و هو منها فنفسها هجت و لم تعلم بذلك و علم بذلك رسول الله ص فإنه العالم الأتم و قد علم رسول الله ص أن الذي انبعث إليه حسان بن ثابت من هجاء قريش إن ذلك مما يرضى الله لحسن قصده في ذلك و ما علم ذلك رسول الله ص إلا لما رأى روح القدس الذي يجيئه قد جاء إلى حسان بن ثابت يؤيده من حيث لا يشعر ما دام ينافح عن عرض رسول الله ص و إنما أقر الله ذلك أعلاما لقريش بأن أعمالهم تعود عليهم إذكان الهجاء مما عملته لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما (كَسَبَتْ) عملت ليعلموا صدق رسول الله ص فقال له رسول الله ص إني منهم فانظر ما تقول و كيف تقول و ائت أبا بكر فإنه أعرف بالأنساب فيخبرك حتى لا تقول كلاما يعود على رسول الله ص فتكون قد وقعت فيما وقعوا فيه فقال له حسان بن ثابت و الله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين لأنه لا يعلق بها شيء من العجين و هكذا باب التسبيح فإنه تنزيه و التنزيه عبارة عن العدم ليس بتنزيه و إنما يكون التنزيه عن كل صفة تدل على الحدوث لاتصافه بالقدم و صفات الحدوث إنما هي للمحدثات و هنا زلت الاقدام في العلم بالمحدثات ما هي المحدثات و ما في الوجود إلا الله فإن الموجودات كلمات الله و بها يثنى على الله فإذا نزه المنزه ربه و لا ينزهه إلا عما هو صفة للمحدث و المحدث ليس له من نفسه شيء و لا عينه له و إنما هي لمن أظهرها فإذا نزه الحق عن شيء لا يثنى عليه إلا به و بأمثاله فقد تركت من الثناء عليه ما كان ينبغي لك أن تثني عليه به فإذا سبحته فتحقق عن أي شيء تنزهه إذ ما ثم إلا هو فإن نفس الرحمن هو جوهر الكائنات و لهذا وصف الحق نفسه بما هو من صفات المحدثات مما تحيله الأدلة النظرية العقلية و احذر أن تسبحه بعقلك و اجعل تسبيحه منك بالقرآن الذي هو كلامه فتكون حاكيا لا مخترعا و لا مبتدعا فإن كان هناك ما يقدح كنت أنت بريء الساحة من ذلك إذ ما سبحه إلا كلامه و هو أعلم بنفسه منك و هو يحمد ذاته بأتم المحامد و أعظم الثناء كما قال ص أنت كما أثنيت على نفسك و قد أثنى على نفسه بما يقول فيه دليل العقل إنه لا يجوز عليه ذلك و ينزهه عنه و هذا غاية الذم و تكذيب الحق فيما نسبه إلى نفسه و علمك بأنك أعرف به منه فاحذر أن تنزهه عن أمر ثبت في الشرع أنه وصف له كان ما كان و لا تسبحه تسبيحة واحدة بعقلك جملة واحدة و قد نصحتك فإن الأدلة العقلية كثيرة التنافر للادلة الشرعية في الإلهيات فسبح ربك بكلام ربك و بتسبيحه لا بعقلك الذي استفاده من فكره و نظره فإنه ما استفاد أكثر ما استفاد إلا الجهل فتحفظ مما ذكر لك فإنه داء عضال قليل فيه الشفاء فذم بذم الله و امدح بمدح الله و ارحم برحمة الله و ألعن بلعنة الله تفز بالعلم و تملأ يديك من الخير و التسبيح ثناء كل موجود في العالم لا غير التسبيح و هذا هو الذي أضل العقلاء و هو من المكر الإلهي الخفي و غابت عقولهم عن قوله تعالى بحمده و هو ما ذكرناه فقال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و ما قال يحمد و لا يكبر و لا يهلل فإنها كلها ثناء بإثبات وجودي و التسبيح ثناء بعدم فدخله المكر الإلهي فأثر في العقول المفكرة فجاء العارفون فوجدوا الله قد قيد تسبيح كل شيء بحمده المضاف إليه فسبحوه بما أثنى على نفسه فما استنبطوا شيئا بخلاف الناظرين بعقولهم في الإلهيات و لهذا قال وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لأنهم نسوا بحمده حجتهم عن ذلك أدلة عقولهم إذ ستر الله عنها ذلك بستر أفكارهم فلم يؤاخذهم على ذلك لقوله إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً مع ما فيه من سوء الأدب من وجه لما كان الشفيع فيهم عند الله قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و فيه غلطوا فقبل الله فيهم سؤال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فعفا عنهم فيما توقفوا فيه أو أحالوه مما أثبته الحق لنفسه من استواء و معية و ظرفية و نزول و غير ذلك مما لا يحصى كثرة مما نطقت به كتبه و رسله فقد أفهمتك كيف تسبح ربك و ألقيت بك على الطريق فاذكرني عند ربك (الفصل الثامن) في الذكر بالتكبير قال تعالى وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ و ذكر الله القرآن فاذكره بالقرآن لا تكبره بتكبيرك إذ قد أمرك أن تكبره فقال وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً عن الولد و الشريك و الولي و لا تغفل في هذا التكبير عن قوله من الذل فقيده فإنه يقول إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ فما نصرناه من ذل فلهذا قال وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ من الذُّلِّ فإنه قد دعاك إلى نصرته ليوفي الصورة التي خلقك عليها حقها لأنه يقول أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فمن إعطائه الصورة التي خلقك عليها خلقها الذي هو عين حقها أن يطلب منها نصرته فإنه الناصر فقال كُونُوا أَنْصارَ الله و الناصر هو الولي فلهذا قيده فإذا كبرته عن الولي فاعلم عن أي ولي تكبره و كذلك أيضا الشريك في الملك و على هذه المسألة تبتني مسألة العبد هل يملك أو لا يملك فمن رأى شركة الأسباب التي لا يمكن وجود المسببات إلا بها لم يثبت الشريك في الملك لأن السبب من الملك و هو كالآلة و الآلة يوجد بها ما هو ملك للموجد كما هي الآلة ملك للموجد و ما تملك الآلة شيئا فلهذا قيد التكبير عن الشريك في الملك لا في الإيجاد لأن الله تعالى أوجد الأشياء علىضربين ضرب أوجده بوجود أسبابه مثل صنائع العالم كالتابوت للنجار و الحائط للبناء و جميع صنائع العالم و الكل صنعته تعالى و الإضافة إلى النجار و إن كان النجار ما استقل في عمل التابوت بيده فقط بل بآلات متعددة من الحديد و غير ذلك فهذه أسباب التجارة و ما أضيف عمل التابوت إلى شيء منها بل أضيف التابوت من كونه صنعة لصانعه و لم يصنع إلا بالآلة ثم ثم إضافة أخرى و هو إن كان النجار صنع في حق نفسه أضيف التابوت إليه لأنه ملكه و هو قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ف لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و إن كان الخشب لغيره فالتابوت من حيث صنعته يضاف إلى النجار و من حيث الملك يضاف للمالك لا إلى النجار فالنجار آلة للمالك و الله ما نفى إلا الشريك في الملك لا الشريك في الصنعة أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ و أما الضرب الثاني فهو ما أوجده لا بسبب و هو إيجاده أعيان الأسباب الأول فإذا كبرت ربك عن الولي و الشريك فقيده في ذلك بما قيده الحق و لا تطلق فيفتك خير كثير و علم كبير و كذلك قوله و كبره أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً فإن الولد للوالد ليس بمتخذ لأنه لا عمل له فيه على الحقيقة و إنما وضع ماء في رحم صاحبته و تولى إيجاد عين الولد سبب آخر و المتخذ الولد إنما هو المتبني كزيد لما تبناه رسول الله ص فقال لنا وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً لأنه لو اتخذ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ فكان يتبنى ما شاء فما فعل فعل من لم يتخذ ولدا و قوله تعالى لَمْ يَلِدْ ذلك ولد الصلب فليس له تعالى ولد و لا تبنى أحدا فنفى عنه الولد من الجهتين لما ادعت طائفة من اليهود و النصارى أنهم أبناء الله و أرادوا التبني فإنهم عالمون بآبائهم و قالوا في المسيح إنه ابن الله إذ لم يعرفوا له أبا و لا تكون عن أب لجهلهم بما قال الله من تمثل الملك لمريم بَشَراً سَوِيًّا و جعله الحق تعالى روحا إذ كان جبريل روحا فما تكون عيسى إلا عن اثنين فجبريل وهب لها عيسى في النفخ فلم يشعروا لذلك كما ينفخ الروح في الصورة عند تسويتها فما عرفوا روح عيسى و لا صورته و إن صورة عيسى مثل تجسد الروح لأنه عن تمثل فلو تفطنت لخلق عيسى لرأيت علما عظيما تقصر عنه أفهام العقلاء فإذا كبرت ربك فكبره كما كبر نفسه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا و هم الذين يكبرونه عما لم يكبر نفسه في قوله يفرح بتوبة عبده و يتبشبش إلى من جاء إلى بيته و يباهي ملائكته بأهل الموقف و يقول جعت فلم تطعمني فأنزل نفسه منزلة عبده فإن كبرته بأن تنزهه عن هذه المواطن فلم تكبره بتكبيرة بل أكذبته فهؤلاء هم الظالمون على الحقيقة فليس تكبيره إلا ما كبر به نفسه فقف عند حدك و لا تحكم على ربك بعقلك (الفصل التاسع في الذكر بالتهليل) هذا هو ذكر التوحيد بنفي ما سواه و ما هو ثم فإن لم يكن ثم و نفيت النفي فقد أثبت فإن الله تعالى يقول وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فما عبد فيما عبد إلا الله و هذا التوحيد على ستة و ثلاثين أعني الواردة في القرآن من حيث ما هو كلام الله فمنه ما هو توحيد الواحد و لهذا يرى بعض العلماء الإلهيين إن الله هو الذي وحد الواحد و لو لا توحيده لم يكن ثم من يقال فيه إنه واحد فوحدانيته أظهرت الواحد و منه ما هو توحيد الله و هو توحيد الألوهية و منه ما هو توحيد الهوية و لنذكر هذا كله في هذا الفصل و ما له تعالى في هذا التهليل من الأسماء الإلهية و لا نزيد على ما ورد في القرآن من ذلك و هو ستة و ثلاثون موضعا و هي عشر درجات الفلك الذي جعل الله إيجاد الكائنات عند حركاته من أصناف الموجودات من عالم الأرواح و الأجسام و النور و الظلمة فهذه الستة و ثلاثون حق الله مما يكون في العالم من الموجودات فإنها مما تكون في عين التلفظ الإنساني بالقرآن فهو كالعشر فيما سقت السماء و هو المسمى الأعلى من قوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فالتهليل عشر الذكر و هو زكاته لأنه حق الله فهو عشر ثلاثمائة و ستين درجة فمن ذلك (التوحيد الأول) و هو قوله تعالى وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فهذا توحيد الواحد بالاسم الرحمن الذي له النفس فبدأ به لأن النفس لولاه ما ظهرت الحروف و لو لا الحروف ما ظهرت الكلمات فنفى الألوهية عن كل أحد وحده الحق تعالى إلا أحديته فأثبت الألوهية لها بالهوية التي أعاد على اسمه الواحد و أول نعت نعته به الرحمن لأنه صاحب النفس و سمي مثل هذا الذكر تهليلا من الإهلال و هو رفع الصوت أي إذا ذكر بلا إله إلا الله ارتفع الصوت الذي هو النفس الخارج به على كل نفس ظهر فيه غير هذه الكلمة و لهذا قال رسول الله ص أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا الله و ما قالها إلا نبيلأنه ما يخبر عن الحق إلا نبي فهو كلام الحق فارفع الكلمات كلمة لا إله إلا الله و هي أربع كلمات نفي و منفي و إيجاب و موجب و الأربعة الإلهية أصل وجود العالم و الأربعة الطبيعية أصل وجود الأجسام و الأربعة العناصر أصل وجود المولدات و الأربعة الأخلاط أصل وجود الحيوان و الأربع الحقائق أصل وجود الإنسان فالأربعة الإلهية الحياة و العلم و الإرادة و القول و هو عين القدرة عقلا و القول شرعا و الأربع الطبيعة الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة و الأربعة العناصر الأثير و الهواء و الماء و التراب و الأربعة الأخلاط المرتان و الدم و البلغم و الأربع الحقائق الجسم و التغذي و الحس و النطق فإذا قال العبد لا إله إلا الله على هذا التربيع كان لسان العالم و نائب الحق في النطق فيذكره العالم و الحق بذكره و هذه الكلمة اثنا عشر حرفا فقد استوعبت من هذا العدد بسائط أسماء الأعداد و هي اثنا عشر ثلاث عقود العشرات و المئين و الآلاف و من الواحد إلى التسعة ثم بعد هذا يقع التركيب بما لا يخرجك عن هذه الآحاد إلى ما لا يتناهى فقد ضم ما يتناهى و هو هذه الاثنا عشر ما لا يتناهى و هو ما يتركب منها فلا إله إلا الله و إن انحصرت في هذا العدد في الوجود فجزاؤها لا يتناهى فبها وقع الحكم بما لا يتناهى فبقاء الوجود الذي لا يلحقه عدم بكلمة التوحيد و هي لا إله إلا الله فهذا عمل نفس الرحمن فبها و لهذا ابتدأ به في القرآن و جعله توحيد الأحد لأن عن الواحد الحق ظهر العالم (التوحيد الثاني) من نفس الرحمن الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فهذا توحيد الهوية و هو توحيد الابتداء لأن الله فيه مبتدأ و نعته في هذه الآية بصفة التنزيه عن حكم السنة و النوم لما يظهر به من الصور التي يأخذها السنة و النوم كما يرى الإنسان ربه في المنام على صورة الإنسان التي من شأنها أن تنام فنزه نفسه و وحدها في هذه الصورة و إن ظهر بها في الرؤيا حيث كانت فما هي ممن تأخذها سنة و لا نوم فهذا هو النعت الأخص بها في هذه الآية و قدم الحي القيوم لأن النوم و السنة لا يأخذ إلا الحي القائم أي المتيقظ إذ كان الموت لا يرد إلا على حي فلهذا قيل في الحق إنه الحي الَّذِي لا يَمُوتُ كذلك النوم و السنة و السنة أول النوم كالنسيم للريح فإن النوم بخار و هو هواء و النسيم أوله و السنة أول النوم فلا يرد إلا على متصف باليقظة فهذا توحيد التنزيه عمن من شأنه أن يقبل ما نزه عنه هذا الإله الحي القيوم و لو لا التطويل لذكرنا تمام الآية بما فيها من الأسماء الإلهية (التوحيد الثالث) من نفس الرحمن و هو الم الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و هذا توحيد حروف النفس و هو الألف و اللام و الميم و قد ذكرنا من حقائق هذه الحروف في الباب الثاني من هذا الكتاب ما فيه غنية و هذا التوحيد أيضا توحيد الابتداء و له من أسماء الأفعال منزل الكتاب بالحق من الله المسمى بالحي القيوم فبين أنه منزل الكتاب بالحق من الله المسمى بالحي القيوم فبين أنه منزل الأربعة الكتب يصدق بعضها بعضا لأن أكثر الشهود أربعة و الكتب الإلهية وثائق الحق على عباده و هي كتب مواصفة و تحقيق بما له عليهم و ما لهم عليه مما أوجبه على نفسه لهم فضلا منه و منة فدخل معهم في العهدة فقال أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فأدخلنا تحت العهد أعلاما بأنا جحدنا عبوديتنا له إذ لو كنا عبيدا لم يكتب علينا عهده فإنا بحكم السيد فلما أيقنا بخروجنا عن حقيقتنا و ادعينا الملك و التصرف و الأخذ و العطاء كتب بيننا و بينه عقودا و أخذ علينا العهد و الميثاق و أدخل نفسه معنا في ذلك أ لا ترى العبد المكاتب لا يكاتب إلا أن ينزل منزلة الأحرار فلو لا توهم رائحة الحرية ما صحت مكاتبة العبد و هو عبد فإن العبد لا يكتب عليه شيء و لا يجب له حق فإنه ما يتصرف إلا عن إذن سيده فإذا كان العبد يوفي حقيقة عبوديته لم يؤخذ عليه عهد و لا ميثاق أ لا ترى العبد الآبق يجعل عليه القيد و هو الوثاق لإباقه فهذا بمنزلة الوثائق التي تتضمن العهود و العقود التي لا تصح بين العبد و السيد فمن أصب آية تمر على العارفين كل آية فيها أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أو العهود فإنها آيات أخرجت العبيد عن عبوديتهم لله (التوحيد الرابع) من نفس الرحمن قوله هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هذا توحيد المشيئة و وصف الهوية بالعزة و هو قوله وَ لَمْ يُولَدْ فهو عزيز الحمى إذ كان هو الذي صورنا في الأرحام من غير مباشرة إذ لو باشر لضمه الرحم كما يضم القابل للصورة و لو لم يكن هو المصورلما صدقت هذه النسبة و هو الصادق فإنه ما أضاف التصوير إلى غيره فقال كَيْفَ يَشاءُ أي كيف أراد فظهر في هذه الكيفية أن مشيئته تقبل الكيفية مع نعته بالعزة ثم بالحكمة و الحكيم هو المرتب للأشياء التي أنزلت منازلها فالتصوير يستدعيه إذ كان هو المصور لا الملك مع العزة التي تليق بجلاله فحير العقول السليمة التي تعرف جلاله و أما أهل التأويل فما حاروا و لا أصابوا أعني في خوضهم في التأويل و إن وافقوا العلم فقد ارتكبوا محرما عليهم يسألون عنه يوم القيامة هم و كل من تكلم في ذاته تعالى و نزهة عما نسبه إلى نفسه و رجح عقله على إيمانه و حكم نظره في علم ربه و لم يكن ينبغي له ذلك و هو قوله تعالى كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له
و ذكر بعض ما كذبه فيه لا كله و أبقى له ضربا من الرجاء حيث أضافه إليه في الحديث الذي يقول فيه عبدي فإن قال ابن آدم و هو الأصح في الرواية فأبعده عن نفسه و أضافه إلى ظاهر آدم ع لأن المعصية بالظاهر وقعت و هو القرب من الشجرة و الأكل و نسي و لم يجد له عزما و هو عمل الباطن فبرأ باطنه منها وَ كانَ عِنْدَ الله وَجِيهاً مجتبى كما قال تعالى (التوحيد الخامس) من نفس الرحمن و هو قوله شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ هذا توحيد الهوية و الشهادة على الاسم المقسط و هو العدل في العالم و هو قوله أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فوصف نفسه بإقامة الوزن في التوحيد أعني توحيد الشهادة بالقيام بالقسط و جعل ذلك للهوية و كان الله الشاهد على ذلك من حيث أسماؤه كلها فإنه عطف بالكثرة و هو قوله وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ فعلمنا حيث ذكر الله و لم يعين اسما خاصا إنه أراد جميع الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بالقسط إذ لا يزن على نفسه فلم يدخل تحت هذا إلا ما يدخل في الوزن فهذا توحيد القسط و قد روينا في ذلك حديثا ثابتا و هو ما حدثناه يونس بن يحيى عن أبي الوقت عبد الأول الهروي عن ابن المظفر الداودي عن أبي محمد الحموي عن الفربري عن البخاري عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ص قال قال الله عز و جل أنفق أنفق عليك و قال يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار و قال أ رأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض فإنه لم يغض ما في يده وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و بيده الميزان يخفض و يرفع خرجه مسلم أيضا عن أبي هريرة و قال يمينه لم يقل يده و قال بيده الأخرى و هو حديث صحيح فإذا قام العبد بالقسط في تهليل ربه صدقه ربه فقال مثل قوله فهذا من تزكية الله عبده حدثنا غير واحد منهم ابن رستم مكين الدين أبو شجاع الأصفهاني إمام المقام بالحرم المكي الشريف و عمر بن عبد المجيد الميانشي عن أبي الفتح الكرخي عن الترياقي أبي نصر عن عبد الجبار بن محمد عن المحبوبي عن أبي عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن إسماعيل بن محمد عن جحادة عن عبد الجبار بن عباس عن الأغر أبي مسلم قال أشهد على أبي سعيد و أبي هريرة أنهما شهدا على النبي ص قال من قال لا إله إلا الله و الله أكبر صدقه ربه و قال لا إله إلا أنا و أنا أكبر و إذا قال لا إله إلا الله وحده قال يقول الله لا إله إلا أنا و أنا وحدي و إذا قال لا إله إلا الله له الملك و له الحمد قال الله لا إله إلا أنا لي الملك و لي الحمد و إذا قال لا إله إلا الله و لا حول و لا قوة إلا بالله قال الله لا إله إلا أنا و لا حول و لا قوة إلا بي و كان يقول من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار فمن أعطى الحق من نفسه لربه و لغيره و لنفسه من نفسه بإقامة الوزن على نفسه في ذلك فلم يترك لنفسه و لا لغيره عليه حقا جملة واحدة قام في هذا المقام بالقسط الذي شهد به لربه فإنها شهادة أداء الحقوق من يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ و ما كان له من حق تعين له عند غيره أسقطه و لم يطالب به إذ كان له ذلك ف وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله ثم يؤيد ما ذكرناه في إعطاء الحق في هذه الشهادة قوله بعد قوله قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فشهد الله لنفسه بتوحيده و شهد لملائكته و أولي العلم أنهم شهدوا له بالتوحيد فهذا من قيامه بالقسط و هو من باب فضل من أتى بالشهادة قبل أن يسألها فإن الله شهد لعباده أنهم شهدوا بتوحيده من قبل أن يسأل منه عباده ذلك و بين في هذه الآية أن الشهادة لا تكون إلا عن علم لا عن غلبة ظن و لا تقليد إلا تقليد معصوم فيما يدعيه فتشهد له بأنك على علم كما نشهد نحن على الأمم أن أنبياءها بلغتها دعوة الحق و نحن ما كنا في زمان التبليغ و لكنا صدقنا الحق فيما أخبرنا به في كتابه عن نوح و عاد و ثمود و قوم لوط و أصحاب الايكة و قوم موسى و شهادة خزيمة و ذلك لا يكون إلا لمن هو في إيمانه على علم بمن آمن به لا على تقليد و حسن ظن فاعلم ذلك (التوحيد السادس) من نفس الرحمن هو قوله الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ هذا أيضا توحيد الابتداء و هو توحيد الهوية المنعوت بالاسم الجامع للقضاء و الفصل فمن رحمة الله أنه قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ فما نجتمع إلا فيما لا نفترق فيه و هو الإقرار بربوبيته سبحانه و إذا جمعنا من حيث إقرارنا له بالربوبية فهي آية بشرى و ذكر خير في حقنا بسعادة الجميع و إن دخلنا النار فإن الجمعية تمنع من تسرمد الانتقام لا إلى نهاية لكن يتسرمد العذاب و تختلف الحالات فيه فإذا انتهت حالة الانتقام و وجدان الآلام أعطى من النعيم و الاستعذاب بالعذاب ما يليق بمن أقر بربوبيته ثم أشرك ثم وحد في غير موطن التكليف و التكليف أمر عرض في الوسط بين الشهادتين لم يثبت فبقي الحكم للأصلين الأول و الآخر و هو السبب الجامع لنا في القيامة فما جمعنا إلا فيما اجتمعنا
فإذا استعذبوا العذاب أريحوا من أليم العذاب و هو الجزاء
قال أبو يزيد الأكبر البسطامي
و كل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
لم يقل بالألم و لنا في هذا الباب نظم كثير (التوحيد السابع) من نفس الرحمن هو قوله ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ هذا توحيد الرب بالاسم الخالق و هو توحيد الهوية فهذا توحيد الوجود لا توحيد التقدير فإنه أمر بالعبادة و لا يأمر بالعبادة إلا من هو موصوف بالوجود و جعل الوجود للرب فجعل ذلك الاسم بين الله و بين التهليل و جعله مضافا إلينا إضافة خاصة إلى الرب فهي إضافة خصوص لنوحده في سيادته و مجده و في وجوب وجوده فلا يقبل العدم كما يقبله الممكن فإنه الثابت وجوده لنفسه و يوحد أيضا في ملكه بإقرارنا بالرق له و لنوحده توحيد المنعم لما أنعم به علينا من تغذيته إيانا في ظلم الأرحام و في الحياة الدنيا و لنوحده أيضا فيما أوجده من المصالح التي بها قوامنا من إقامة النواميس و وضع الموازين و مبايعة الأئمة القائمة بالدين و هذه الفصول كلها أعطاها الاسم الرب فوحدناه و نفينا ربوبية ما سواه قال يوسف لصاحبي السجن أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الْواحِدُ الْقَهَّارُ (التوحيد الثامن) من نفس الرحمن قوله تعالى اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ هذا توحيد الاتباع و هو من توحيد الهوية فهو توحيد تقليد في علم لأنه نصب الأسباب و أزال عنها حكم الأرباب لما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فلو قالوا ما نتخذهم و أبقوا العبودية لجناب الله تعالى لكان لهم في ذلك مندوحة بوضع الأسباب الإلهية المقررة في العالم فأمر ص أن يعرض عن الشرك لا عن السبب فإنه قال في مصالح الحياة الدنيا وَ لَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ فعلل و لام العلة في القرآن كثير و هذا أيضا فيه ما في السابع من توحيد الاسم الرب و عمم إضافة جميعنا إليه و هنا خصص به الداعي فكأنه توحيد في مجلس محاكمة فيدخل فيه توحيد المقسط لإقامة الوزن في الحكم بين الخصماء بين ذلك قوله وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ و خص به الداعي لمجيئه بالتوحيد الإيماني لا التوحيد العقلي و هو توحيد الأنبياء و الرسل لأنها ما وحدت عن نظر و إنما وحدت عن ضرورة علم وجدته في نفسها لم تقدر على دفعه فترك المشركين و آلهتهم و انفرد بغار حرا يتحنث فيه من غير معلم إلا ما يجده في نفسه حتى فجئه الحق و هو قوله اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي أنه لا يقبل الشريك فأعرض عنهم حتى يستحكم الايمان و أقمه بنفس الرحمن فاجعل له أنصارا و آمرك بقتال المشركين لا بالإعراض عنهم (التوحيد التاسع) من نفس الرحمن هو قوله إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ توحيد الهوية في الاسم المرسل و هو توحيد الملك و لهذا نعته بأنه يحيي و يميت إذ الملك هو الذي يحيي و يميت و يعطي و يمنع و يضر و ينفع فمن أعطى أحيا و نفع و من منع أضر و أمات و من منع لا عن بخل كان منعه حماية و عناية و جودا من حيث لا يشعر الممنوع و كان الضرر في حقه حيث لم يبلغ إلى نيل غرضه لجهله بالمصلحة فيما حماه عنه النافع و مات هذا الممنوع لكونه لم تنفذ إرادته كما لا تنفذ إرادة الميت فهذا منع الله و ضرره و إماتته فإنه المنعم المحسان فأرسل الرسل بالتوحيد تنبيها لإقرارهم في الميثاق الأول فقال وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فمن وحده بلسان رسوله لا من لسانه جازاه الله على توحيده جزاء رسوله فإن وحدهلا بلسان رسوله بل بلسان رسالته جازاه مجازاة إلهية لا تعرف يدخل تحت قوله ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر انتهى الجزء التاسع عشر و مائة
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(التوحيد العاشر) من نفس الرحمن قوله وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ هذا توحيد الأمر بالعبادة و هو من أعجب الأمور كيف يكون الأمر فيما هو ذاتي للمأمور فإن العبادة ذاتية للمخلوقين ففيم وقع الأمر بالعبادة فأما في حق المؤمنين فأمرهم إن يعبدوه من حيث أحدية العين لما قال في حق طائفة قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فما هي هذه الطائفة التي أمرت أن تعبد إلها واحدا فلا تنظروا في الأسماء الإلهية من حيث ما تدل على معان مختلفة فتتعبدهم معانيها فتكون عبادتهم معلولة حيث رأوا أن كل حقيقة منهم مرتبطة بحقيقة إلهية يتعلق افتقارها القائم بها إليها و هي متعددة فإن حقيقة الطلب للرزق إنما تعبد الرزاق و حقيقة الطلب للعافية إنما تعبد الشافي فقيل لهم لا تعبدوا إلا إلها واحدا و هو أن كل اسم إلهي و إن كان يدل على معنى يخالف الآخر فهو أيضا يدل على عين واحدة تطلبها هذه النسب المختلفة و أما من حمل العبادة هنا على الأعمال فلا معرفة له باللسان فالعمل صورة و العبادة روح لتلك الصورة العملية التي أنشأها المكلف و أما غير المؤمنين و هم المشركون فهم الذين نسبوا الألوهة إلى غير من يستحقها و وضعوا اسمها على غير مسماها و ادعوا الكثرة فيها كما ادعوا الكثرة في الإنسانية فدعواهم فيها صحيحة و ما عرفوا بطلانها في الإلهية و لذلك تعجبوا من توحيدها فقالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ و ما علموا إن جعل الألوهة في الكثيرين أعجب فقيل لهم و إن كنتم ما عبدتم كل من عبدتموه إلا بتخيلكم إن الألوهة صفته فما عبدتم غيرها ليس الأمر كذلك فإنكم شهدتم على أنفسكم إنكم ما تعبدونها إلا لتقربكم إلى الله زلفى فأقررتم مع شرككم إن ثم إلها كبيرا هذه الآلهة خدمتكم إياها تقربكم من الله فهذه دعوى بغير برهان و هو قوله وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به و هذه أرجى آية للمشرك عن نظر جهد الطاقة و تخيله في شبهه أنها برهان فيقوم له العذر عند الله فإذ و قد اعترفوا أنهم عبدوا الشريك ليقربهم إلى الله زلفى فتح القائل على نفسه باب الاعتراض عليه بأن يقال له و من أين علمتم إن هذه الحجارة أو غيرها لها عند الله من المكانة بحيث أن جعلها معبودة لكم كما قال فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فالذين عبدوا من ينطق و يدعي الألوهة أقرب حالا من عبادة من لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم شيئا و هذا قول إبراهيم لأبيه و هو الذي قال فيه تعالى وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ و أبوه من قومه و هذه و غيرها من الحجة التي أعطاه الله فأمرهم الله أن لا يعبدوا إلا إلها واحدا لا إله إلا هو في نفس الأمر سبحانه أي هو بعيد أن يشرك في ألوهته فهذا توحيد الأمر (التوحيد الحادي عشر) من نفس الرحمن قوله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ هذا توحيد الاستكفاء و هو من توحيد الهوية لما قال الله تعالى وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى فأحالنا علينا بأمره فبادرنا لامتثال أمره فمنا من قال لو لا إن الله قد علم إن لنا مدخلا صحيحا في إقامة ما كلفنا من البر و التقوى ما أحالنا علينا و منا من قال التعاون الذي أمرنا به على البر و التقوى أن يرد كل واحد منا صاحبه إلى ربه في ذلك و يستكفي به فيما كلفه و هو قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ خطاب تحقيق وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ خطاب ابتلاء فإذا سمع القوم اللذين قالوا إن لنا مدخلا محققا في العمل و لهذا أمرنا بالتعاون ما قاله من جعله خطاب ابتلاء أو حمله على الرد إلى الله في ذلك لما علمنا أن نقول وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ و هو قول موسى لقومه مع أنهم ما طلبوا معونة الله إلا و عندهم ضرب من الدعوى و لكن أعلى من أصحاب المقام الأول و أقرب إلى الحق فتولوا عنهم في هذا النظر و لم يقولوا به فكيف حالهم مع من هو مشهده وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ فقال تعالى لهم فَإِنْ تَوَلَّوْا عما دعوتموهم إليه فَقُلْ حَسْبِيَ الله أي في الله الكفاية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فإذا كان رب العرش و العرش محيط بعالم الأجسام و أنت من حيث جسميتك أقل الأجسامفاستكف بالله الذي هو رب مثل هذا العرش و من كان الله حسبه انقلب بِنِعْمَةٍ من الله وَ فَضْلٍ لم يمسسه سوء و جاء في ذلك بما يرضى الله وَ الله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ على من جعله حسبه و الفضل الزيادة أي ما يعطيه على موازنة عمله بل أزيد من ذلك مما يعظم عنده إذا رآه ذوقا و من أعجب ما رأيت من بعض الشيوخ من أهل الله ممن كان مثل أبي يزيد في الحال و ربما أمكن منه فيه فقعدت مع هذا الشخص يوما بجامع دمشق و هو يذكر لي حاله مع الله و ما يجري له معه في وقائعه فقال لي إن الحق ذكر له عظم ملكه قال الشيخ فقلت له يا رب ملكي أعظم من ملكك فقال لي كيف تقول و هو أعلم فقلت له يا رب لأن مثلك في ملكي فإنك لي تجيبني إذا دعوتك و تعطيني إذا سألتك و ما في ملكك مثلك قال فقال لي صدقت و ما رأيت أحدا ذهب إلى ما يقارب هذا المذهب أو هو هو سوى محمد بن علي الترمذي الحكيم فإنه يقول في هذا المقام مقام ملك الملك و قد شرحناه في مسائل الترمذي في هذا الكتاب التي سأل عنها أهل الله في كتاب ختم الأولياء ثم بكى هذا الشيخ أدبا مع الله و يقول يا أخي هو يجزئني عليه و يباسطني فكنت أقول له إذا كان يفرح بتوبة عبده كما قاله عنه رسوله ص فكيف يكون نظره إلى العارفين به (التوحيد الثاني عشر) من نفس الرحمن هو قوله حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ به بَنُوا إِسْرائِيلَ هذا توحيد الاستغاثة و هو توحيد الصلة فإنه جاء بالذي في هذا التوحيد و هو من الأسماء الموصولة و جاء بهذا ليرفع اللبس عن السامعين كما فعلت السحرة لما آمنت برب العالمين فقالت رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ لرفع اللبس من أذهان السامعين و لهذا توعدهم ثم تمم و قال وَ أَنَا من الْمُسْلِمِينَ لما علم إن الإله هو الذي ينقاد إليه و لا ينقاد هو لأحد قال على ابن أبي طالب أهللت بما أهل به رسول الله ص و هو لا يعرف بما أهل به فقيل منه مع كونه أهل على غير علم محقق فأحرى إذا كان على علم محقق فاعلم بذلك فرعون ليعلم قومه برجوعه عما كان ادعاه فيهم من أنه ربهم الأعلى فأمره إلى الله فإنه آمن عند رؤية البأس و ما نفع مثل ذلك الايمان فرفع عنه عذاب الدنيا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ و لم يتعرض للآخرة ثم إن الله صدقه في إيمانه بقوله آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ فدل على إخلاصه في إيمانه و لو لم يكن مخلصا لقال فيه تعالى كما قال في الأعراب الذين قالوا آمنا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ في قُلُوبِكُمْ فقد شهد الله لفرعون بالإيمان و ما كان الله ليشهد لأحد بالصدق في توحيده إلا و يجازيه به و بعد إيمانه فما عصى فقبله الله إن كان قبله طاهرا و الكافر إذا أسلم وجب عليه إن يغتسل فكان غرقه غسلا له و تطهيرا حيث أخذه الله في تلك الحالة نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى و جعل ذلك عبرة لِمَنْ يَخْشى و ما أشبه إيمانه إيمان من غرغر فإن المغرغر موقن بأنه مفارق قاطع بذلك و هذا الغرق هنا لم يكن كذلك لأنه رأى البحر يبسا في حق المؤمنين فعلم أن ذلك لهم بإيمانهم فما أيقن بالموت بل غلب على ظنه الحياة فليس منزلته منزلة من حضره الموت فقال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ و لا هو من الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ وَ أَمْرُهُ إِلَى الله تعالى و لما قال الله له فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً كما كان قوم يونس فهذا إيمان موصول و قدم الهوية لبعيد ضميريه عليه ليلحق بتوحيد الهوية (التوحيد الثالث عشر) من نفس الرحمن هو قوله فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هذا توحيد الاستجابة و هو توحيد الهو و هو توحيد غريب فإن قوله فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا يعني المدعين لَكُمْ يعني الداعين فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله فالضمير في فاعلموا يعود على الداعين و هم عالمون بأنه إنما أنزل بعلم الله و لو أراد المدعين لقال فيعلموا بالياء كما قال يستجيبوا بياء الغيبة ثم قال وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي و اعلموا أنه لا إله إلا هو كما علمتم أنه إنما أنزل بعلم الله ثم قال فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و قد كانوا مسلمين و هذا كله خطاب الداعين إن كانت هل على بابها و إن كانت هنا مثل ما هي في قوله هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ اعتمادا على قرينة الحال فأخرجت عن الاستفهام و إلا فما هذا خطاب الداعين إلا أن يكون مثل قولهم إياك أعني فاسمعي يا جارة فالخطاب لزيد و المراد به عمرو و لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ من قَبْلِكَ و معلوم أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و هو عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في ماله فعلمنا بقرائن الأحوال أنه المخاطب و المراد غيره لا هو و حكمة ذلك مقابلة الإعراض بالإعراض لأنهم أعرضوا عن قبول دعوة الداعين فأعرض الله عنهمبالخطاب و المراد به هم فأسمعهم في غيرهم و أما فائدة العلم في ذلك فهي إن تقول لما علم الله أن قوما لا يؤمنون ارتفعت الفائدة في خطابهم و كان خطابهم عبثا فأخبرهم الله تعالى أن نزول الخطاب بالدعوة لمن ليس يقبله في علم الله أنه إنما أنزل بعلم الله أي سبق في علم الله إنزاله فلا بد من إنزاله لأن تبدل المعلوم محال كما قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ لأنه سبق في علم الله أن تكون خمس صلوات في العمل و خمسون في الأجر فما زال يحط من الخمسين بعلم الله إلى أن انتهى إلى علم الله بإثبات الخمس فنع النقص من ذلك و قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و هكذا يكون الله علمه في الأشياء سابق لا يحدث له علم بل يحدث التعلق لا العلم و لو حدث العلم لم تقع الثقة بوعده لأنا لا ندري ما يحدث له فإن قلت فهذا أيضا يلزم في الوعيد قلنا كذا كنا نقول و لكن علمنا أنه ما أرسل رسولا إلا بلسان قومه و بما تواطئوا عليه من كل ما هو محمود فيعاملهم بذلك في شرعهم كذا سبق علمه وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ و مما يتمدح به أهل هذا اللسان بل هو مدح في كل أمة التجاوز عن إنفاذ الوعيد في حق المسيء و العفو عنه و الوفاء بالوعد الذي هو في الخير و هو الذي يقول فيه شاعر العرب
و إني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي
فكان إنزال الوعيد بعلم الله الذي سبق بإنزاله و لم يكن في حق قوم إنفاذه في علم الله و لو كان في علم الله لنفذ فيهم كما ينفذ الوعد الذي هو في الخير لأن الإيعاد لا يكون إلا في الشر و الوعد يكون في الخير و في الشر معا يقال أوعدته في الشر و وعدته في الشر و الخير و قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فمما بين لهم تعالى التجاوز عن السيئات في حق من أساء من عباده و الأخذ بالسيئة من شاء من عباده و لم يفعل ذلك في الوعد بالخير فأعلمنا ما في علمه فكما هو واحد في ألوهيته هو واحد في أمره فما أنزل إلا بعلم الله سواء نفذ أو لم ينفذ (التوحيد الرابع عشر) ن نفس الرحمن و هو قوله وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ هذا توحيد الرجعة و هو توحيد الهوية أخبر أنهم يكفرون بالرحمن لأنهم جعلوا هذا الاسم إذ لم يكن عندهم و لا سمعوا به قبل هذا فلما قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ ما الرَّحْمنُ ... وَ زادَهُمْ هذا الاسم نُفُوراً فإنهم لا يعرفون إلا الله الذين يعبدون الشركاء ليقربوهم إلى الله زلفى و لما قيل لهم اعبدوا الله لم يقولوا و ما الله و إنما أنكروا توحيده و قد نقل إنهم كانوا يعرفونه مركبا الرحمن الرحيم اسم واحد كبعلبك و رامهرمز فلما أفرده و بغير نسب أنكروه فإنه يقال في النسب بعلي فقال لهم الداعي الرحمن هو ربي و لم يقل هو الله و هم لا ينكرون الرب و لما كان الرحمن له النفس و بالنفس حياتهم فسره بالرب لأنه المغذي و بالغذاء حياتهم فلا يفرقون من الرب و يفرقون من الله و لهذا عبدوا الشركاء ليشفعوا لهم عند الله إذ بيده الاقتدار الإلهي و الأخذ الشديد و هو الكبير عندهم المتعالي فهم معترفون مقرون به فتلطف لهم بالعبارة بالاسم الرب ليرجعوا فهو أقرب مناسبة بالرحمن قال لموسى و هارون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى و الترجي من الله واقع كما قالوا في عسى فإنهما كلمتا ترج و لم يقل لهما لعله يتذكر أو يخشى في ذلك المجلس و لا بد و لا خلصه للاستقبال الأخراوي فإن الكل يخشونه في ذلك الموطن فجاء بفعل الحال الذي يدخله الاحتمال بين حال الدنيا و بين استقبال التأخير للدار الآخرة و ذلك لا يكون مخلصا للمستقبل إلا بالسين أو سوف فالذي ترجى من فرعون وقع لأن ترجيه تعالى واقع فآمن فرعون و تذكر و خشي كما أخبر الله و أثر فيه لين قول موسى و هارون و وقع الترجي الإلهي كما أخبر فهذا يدلك على قبول إيمانه لأنه لم ينص إلا على ترجى التذكر و الخشية لا على الزمان إلا أنه في زمان الدعوة و وقع ذلك في زمان الدعوة و هو الحياة الدنيا و أمر نبيه أن يقول بحيث يسمعون قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في أمركم وَ إِلَيْهِ مَتابِ أي مرجعي في أمركم عسى يهديكم إلى الايمان فما أغلظ لهم بل هذا أيضا من القول اللين لتتوفر الدواعي من المخاطبين للنظر فيما خاطبهم به إذ لو خاطبهم بصفة القهر و هو غيب لا عين له في الوقت إلا مجرد إغلاظ القول لنفرت طباعهم و أخذتهم حمية الجاهلية لمن نصبوهم آلهة فأبقى عليهم و هو قوله تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و لم يقل للمؤمنين و كان سبب نزولها أن دعا على رعل و ذكوان و عصية شهرا كاملا في كل صلاة بأن يأخذهم الله فعتبه الله في ذلك و فيه تنبيه على رحمة الله بعباده لأنهم على كل حال عباده معترفون به معتقدون لكبريائه طالبون القربة إليه لكنهم جهلوا طريق القربة و لم يوفوا النظرحقه و لا قامت لهم شبهة قوية في صورة برهان فكانوا يدخلون بها في مفهوم قوله وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به و يريد بالبرهان هنا في زعم الناظر فإنه من المحال أن يكون ثم دليل في نفس الأمر على إله آخر و لم يبق إلا أن تظهر الشبهة بصورة البرهان فيعتقد أنها برهان و ليس في قوته أكثر من هذا (التوحيد الخامس عشر) من نفس الرحمن هو قوله يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ من أَمْرِهِ عَلى من يَشاءُ من عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ هذا توحيد الإنذار و هو توحيد الإنابة استوى في هذا التنزل في التوحيد رسل البشر و المرسلون إليهم فإن الملائكة هي التي نزلت بالإنذار من أجل أمر الله لهم بذلك و الروح هنا ما نزلوا به من الإنذار ليحيى بقبوله من قبله من عباده كما تحيي الأجسام بالأرواح فحييت بهذا الروح المنزل رسل البشر فأنذروا به فهذا توحيد عظيم نزل من جبار عظيم بتخويف و تهديد مع لطف خفي في قوله فَاتَّقُونِ أي فاجعلوني وقاية تدفعون بي ما أنذرتكم به هذا لطفه ليس معناه فخافوني لأنه ليس لله وعيد و بطش مطلق شديد ليس فيه شيء من الرحمة و اللطف و لهذا قال أبو يزيد و قد سمع قارئا يقرأ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فقال بطشي أشد فإن بطش المخلوق إذا بطش لا يكون في بطشه شيء من الرحمة بل ربما ما يقدر أن يبلغ في المبطوش به ما في نفسه من الانتقام منه لسرعة موت ذلك الشخص و لما كانت الرحمة منزوعة عن بطشه قال بطشي أشد و سبب ذلك ضيق المخلوق فإنه ما له الاتساع الإلهي و بطش الله و إن كان شديدا ففي بطشه رحمة بالمبطوش به و بطش المخلوق ليستريح من الضيق و الحرج الذي يجده في نفسه بما يوقعه بهذا به المبطوش فيطلب في بطشه الرحمة بنفسه في الوقت و قد لا ينالها كلها بخلاف الحق تعالى فإن بطشه لسبق العلم يأخذ هذا المبطوش به للسبب الموجب له لا غير و المنتقم لغيره ما هو كالمنتقم لنفسه (التوحيد السادس عشر) من نفس الرحمن و هو قوله فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى هذا توحيد الأبدال فإنه أبدل الله من الرحمن و هذا في المعنى بدل المعرفة من النكرة لأنهم أنكروا الرحمن و في اللفظ بدل المعرفة من المعرفة و هو من توحيد الهوية القائمة بأحكام الأسماء الحسنى لا إن الأسماء الحسنى تقوم معانيها بها بل هي القائمة بمعاني الأسماء كما هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كذلك هو قائم بكل اسم بما يدل عليه و هذا علم غامض و لهذا قال في هذا التوحيد يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى لما قال وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فالأخفى عن صاحب السر هو ما لا يعلمه مما يكون لا بد أن يعلمه خاصة و ما تسمى إلا بأحكام أفعاله من طريق المعنى فكلها أسماء حسني غير أنه منها ما يتلفظ بها و منها ما يعلم و لا يتلفظ بها لما هو عليه حكمها في العرف من إطلاق الذم عليها فإنه يقول فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و قدم الفجور على التقوى عناية بنا إلى الخاتمة و الغاية للخير فلو أخر الفجور على التقوى لكان من أصعب ما يمر علينا سماعه فالفجور يعرض للبلاء و التقوى محصل للرحمة و قد تأخر التقوى فلا يكون إلا خيرا و قال تعالى الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و لا يشتق له منه اسم لما ذكرناه فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى في العرف و حسن غيرها مبطون مجهول في العرف إلا عند العارفين بالله و يندرج في هذا العلم بسبب الألف و اللام التي هي للشمول جميع ما ينطلق عليه اسم السر و ما هو أخفى من ذلك السر و من السر النكاح قال تعالى وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي نكاحا فإن الله أيضا يعلمه و إن كانت الآية تدل بظاهرها على ما يحدث المرء به نفسه لقوله وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فإنه يعلم ذلك و يعلم ما تحدث به نفسك و هو قوله وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نَفْسُهُ و مع هذا فإن الألف و اللام لها حكم في مطلق اسم السر فيعلم ما ينتجه النكاح و هو قوله تعالى وَ يَعْلَمُ ما في الْأَرْحامِ فإنه الخالق ما فيها أَ لا يَعْلَمُ من خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ لعلمه بالسر الْخَبِيرُ لعلمه بما هو أخفى و من هذه الحضرة نصب الأدلة على معرفته و جعل في نفوس العلماء تركيب المقدمات على الوجه الخاص و الشرط الخاص فأشبهت المقدمات النكاح من الزوجين بالوقاع ليكون منه الإنتاج فالوجه الخاص الرابط بين المقدمتين و هو أن واحدا من المقدمتين يتكرر فيهما ليربط بعضهما ببعض من أجل الإنتاج و الشرط الخاص أن يكون الحكم أعم من العلة أو مساويا لها حتى يدخل هذا المطلوب تحت الحكم و لو كان الحكم أخص لم ينتج و خرج عنه كقولهم كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فالحادث هنا هو الحكم و المقدمة الأخرى و الأجسام لا تخلو عن الحوادث فالحوادث هو الوجه الخاص الجامع بين المقدمتين فانتج إن الجسم حادث و لا بد فالحكم أعم لأن العلة الحوادث القائمة به و الحكم كونه حادثاو ما كل حادث يقال فيه إنه لا يخلو عن الحوادث فهذا حكم أعم من العلة فالنتيجة صحيحة ثم الاستفصال في تصحيح المقدمتين معلوم الطريق في ذلك و إنما قصدنا التمثيل لا معرفة حدوث الأجسام و لا غيرها و إذا علمت أن الإيجاد لا يصح إلا على ما قررناه و هو بمنزلة السر في النكاح ينتقل إلى العلم بما هو أخفى من السر كما تنتقل مما ضربت لك به المثل إلى كون الحق أوجد العالم على هذا المساق و ظهر العالم عن ذات موصوفة بالقدرة و الإرادة فتعلقت الإرادة بإيجاد موجود ما و هو التوجه مثل اجتماع الزوجين فنفذ الاقتدار فأوجد ما أراد فكان أخفى من السر لجهلنا بنسبة هذا التوجه إلى هذه الذات و نسبة الصفات إليها لأنها مجهولة لنا لا تعرف فيعرف التوجه و الصفة من حيث عينه و عين الصفة و يجهل كيفية النسبة لجهلنا بالمنسوب إليه لا بالمنسوب فهذا توحيد الموجد للأشياء مع كثرة النسب فهو واحد في كثير فأوقع الحيرة هذا العلم في هذا المعلوم إلا لمن كشف الله عن عينه غطاء الستر فأبصر الأمر على ما هو عليه فحكم بما شاهد و اختلفوا هل يجوز وقوع مثل هذا أو لا يجوز (التوحيد السابع عشر) من نفس الرحمن هو قوله وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي هذا توحيد الاستماع و هو توحيد الإنابة و قوى بالجمع إذ قد قرئ و أنا اخترناك فكثر ثم أفرد فقال إِنَّنِي و إن كلمة تحقيق فالإنية هي الحقيقة و لما كان حكم الكناية بالياء يؤثر في صورة الحقيقة نظرت من في الوجود على صورتها فوجدت نونا من النونات فقالت لها قني بنفسك من أجل كناية الياء لئلا تؤثر في صورة حقيقتي فيشهد الناظر و السامع التغيير في الحقيقة أن الياء هي عين الحقيقة فجاءت نون الوقاية فحالت بين الياء و نون الحقيقة فأحدثت الياء الكسر في النون المجاورة لها فسميت نون الوقاية لأنها وقت الحقيقة بنفسها فبقيت الحقيقة على ما كانت عليه لم يلحقها تغيير فقال إِنَّنِي أَنَا الله و لو لا نون الوقاية لقال إني أنا الله فغيرها و تغيير الحقيقة بالضمير في الآن هو مقام تجليه في الصور يوم القيامة و ما ثم إلا صورتان خاصة لا ثالثة لهما صورة تنكر و صورة تعرف و لو كان ما لا يتناهى من الصور فإنها محصورة في هذا الحكم إما أن تنكر أو تعرف لا بد من ذلك فإذا قرئ وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ كان أحق بالآية و أنسب و أنفى للتغيير فإنه ما زال التوحيد يصحبها إلى آخر الآية في قوله فَاعْبُدْنِي و إذا قرئ بالجمع ظهر التغير بالانتقال في العين الواحدة من الكثير إلى الواحد فمساق الآية يقوي و أنا اخترناك لأنه عدد أمورا تطلب أسماء مختلفة فلا بد من التغيير و التجلي في كل صورة يدعى إليها و كان جملة ما تحصل من الصور في هذه الواقعة لموسى على ما روى اثنتي عشرة ألف صورة يقول له في كل صورة يا موسى ليتنبه موسى على أنه لو أقيم لصورة واحدة لا تسق الكلام و لم يقل في كل كلمة يا موسى فاعلم ذلك فإن هذا التوحيد في هذه الآية من أصعب ما يكون لقوله و أنا اخترناك فجمع ثم أفرد ثم عدد ما كلم به موسى ع فهذا توحيد الجمع على كل قراءة غير أن قوله و أنا اخترناك قرأ بها حمزة على رب العزة في المنام فقال له ربه و أنا اخترناك فهي قراءة برزخية فلهذا جمع لأنه تجل صوري في منام فلا بد أن تكون القراءة هكذا فإذا أفردتها بعد الجمع فلأحدية الجمع لا غير (التوحيد الثامن عشر) من نفس الرحمن هو قوله إِنَّما إِلهُكُمُ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً هذا توحيد السعة من توحيد الهوية و هو توحيد تنزيه لئلا يتخيل في سعته الظرفية للعالم من أجل الاسم الباطن و الظاهر و نفس الرحمن و الكلمات التي لا تنفد و القول فقال إن سعته علمه بكل شيء لا أنه طرف لشيء و سبب هذا التوحيد لما جاء في قصة السامري و قوله عن العجل لما نبذ فيه ما قبضه من أثر الرسول فكان العجل ظرفا لما نبذ فيه فلما خار العجل قال هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى فقال الله إِنَّما إِلهُكُمُ إله واحد لا تركيب فيه وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي هو عالم بكل شيء أكذب السامري في قوله ثم نصب لهم الدلالة على كذب السامري مع كون العجل خار فقال مثل ما قال إبراهيم في الأصنام أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي إذا سئل لا ينطق و الله يكون متصفا بالقول وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً أي لا ينتفعون به لأنه قال لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في الْيَمِّ نَسْفاً و من لا يدفع الضرر عن نفسه كيف يدفع عن غيره و إذا حرقه و نسفه لم ينتفع به فإنه لو أبقاه دخلت عليهم الشبهة بما يوجد في الحيوان من الضرر و النفع و في إقامة هذه الأدلة أمور كبار قال تعالى عن اليهود إنهم قالوا يَدُ الله مَغْلُولَةٌ و قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ و قال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و أصمنا عن إدراك هذا القولإلا بطريق الايمان و أعمانا عن توجهه على إيجاد الأشياء بما نصب من الأسباب فأنزل المطر فنزل و حرثت الأرض و بذر الحب و انبسطت الشمس و طلع الحب و حصد و طحن و عجن و خبر و مضغ بالأسنان و ابتلع و نضج في المعدة و أخذه الكبد فطبخه دما ثم أرسل في العروق و انقسم على البدن فصعد منه بخار فكان حياة ذلك الجسم من أجل ذلك النفس فهذه أمهات الأسباب مع تحريك الأفلاك و سير الكواكب و إلقاء الشعاعات على مطارح الأنوار مع نظير النفس الكلية بإذن الله مع إمداد العقل لها هذه كلها حجب موضوعة أمهات سوى ما بينها من دقائق الأسباب فيحتاج السمع إلى شق هذه الحجب كلها حتى يسمع قول كُنْ فخلق في المؤمن قوة الايمان فسرت في سمعه فأدرك قول كن و سرت في بصره فشاهد المكون للأسباب و فعل هذا كله من نفس الرحمن ليرحم بها من عبد غير الله إذا استوفى منه حقوق الشركاء الذين يتبرءون منهم يوم القيامة فإذا استوفى حقوقهم بالعقوبة و الانتقام رجع الأمر إليه على الانفراد و انقضت الأيام التي استوجب الشركاء فيها حقوقهم فلما انفرد و رجع الأمر إليه رحمهم فيما هو حق له بهذه الحجب التي ذكرناها لعلمه بما وضع و بأنه أنطق ألسنتهم بما قالوه و خلق في نفوسهم ما تخيلوه فسبحانه من حكم عدل لطيف خبير يفعل ما ينبغي كما ينبغي لما ينبغي لا إله إلا هو فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (التوحيد التاسع عشر) من نفس الرحمن هو قوله وَ ما أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ هذا توحيد الاقتدار و التعريف و هو من توحيد الإنابة و هو توحيد عجيب و مثل هذا يسمى التعريض أي كذا فكن أنت مثل قوله ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ من قَبْلِكَ و جاء بالعبادة و لم يذكر الأعمال المعينة فإنه قال لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً و ذلك تعيين الأعمال و هي التي ينتهي فيها مدة الحكم المعبر عنه بالنسخ في كلام علماء الشريعة و ما ثم من الأعمال العامة السارية في كل نبوة إلا إقامة الدين و الاجتماع عليه و كلمة التوحيد و هو قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ و بوب البخاري على هذا باب ما جاء أن الأنبياء دينهم واحد و ليس إلا التوحيد و إقامة الدين و العبادة ففي هذا اجتمعت الأنبياء ع و اختصاص هذا الوحي بالأناية دل على أنه كلام إلهي بحذف الوسائط فما أوحي إليهم منهم فإنه لا يقول إنا إلا من هو متكلم فإن قيل فقد قال إنه ينزل بمثل هذا الملائكة فهذا لا يبعد أن تأخذه الرسل من وجهين إذا نزلت به الملائكة يكون على الحكاية كما قال
سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا
فرفع السين من الناس على الحكاية فلو كان هذا السامع انتجاعهم لنصب السين فهذا قوله أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ و نزلت به الملائكة و إذا ورد مثل هذا معرى عن القرائن أو النص عليه حمل على ما هو الأصل عليه فما يقول أنا إلا المتكلم أ لا ترى ما ذكرناه في الحديث المتقدم إن الله يصدق عبده في موطن كما يحكي عنه في موطن فقال في التصديق إذا قال العبد لا إله إلا الله و الله أكبر صدقه ربه فقال لا إله إلا أنا و أنا أكبر فهو القائل بالأناية لا غيره و أما حكايته ما قال فهو قوله لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا بهذا اللفظ عينه فإن حكي على المعنى فمثل قوله عن فرعون يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً فإنه قالها بلسان القبط و وقعت الترجمة عنه باللسان العربي و المعنى واحد فهذه الحكاية على المعنى فهكذا فلتعرف الأمور إذا وردت حتى يعلم قول الله من قول ما يحكيه لفظا أو معنى كل إنسان بما هو عليه فقول الله وَ إِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ من كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ به وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا و انتهى كلام الله ثم حكى معنى قولهم مترجما عنهم أَقْرَرْنا و كذلك قوله وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا إلى هنا قول الله آمَنَّا حكاية وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إلى هنا قول الله إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ حكاية فإذا ذكرت فاعلم بلسان من تذكر و إذا تلوت فاعلم بلسان من تتلو و ما تتلو و عمن تترجم (التوحيد العشرون) من نفس الرحمن هو قوله وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ من الظَّالِمِينَ هذا توحيد الغم و هو توحيد المخاطب و هو توحيد التنفيس كما نفس الرحمن عن محمد ص بالأنصار فقال إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن فكانت الأنصار التي تكونت من ذلك النفس الرحماني و هي كلمات الحق كما نفس الله عن يونس بالخروج من بطن الحوت فعامل قومه بما عاملهم به من كونه كشف عنهم العذاب بعد ما رأوه نازلا بهم فآمنوا أرضاه الله في أمته فنفعها إيمانها و لم يفعل ذلك مع أمة قبلها إذ كان غضبه لله و من أجله و ظنه بربه أنه لا يضيق عليه و كذلك فعل ففرج الله عنه بعد الضيق ليعلم قدر ما أنعم الله به عليه ذوقا كما قيل أحلى من الأمن عند الخائف الوجل فدل على أن يونس كان محبوبا لله حيث خص قومه من أجله بما لم يخص به أمة قبلها و عرفنا بذلك فقال فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ فأمد لهم في التمتع في مقابلة ما نالوه من الألم عند رؤية العذاب فإنه معلوم من النفوس الإنسانية أن ليالي الأنس و الوصال قصار و إن كانت في نفس الأمر لها مدة طويلة و ليالي الهجران و العذاب طوال و إن كانت في نفس الأمر قصارى كما ذكروا في تفسير أيام الدجال أنه أول يوم كسنة لشدة فجأة البلاء يطول عليهم ثم كشهر ثم كجمعة فإذا استصحبوه كان كسائر الأيام المعلومة التي لا يطولها حال و لا يقصرها حال و كما قيل في يوم القيامة إن مقداره خمسون ألف سنة لهول المطلع و ما يرى الخلق فيه من الشدة و هو عند الآمنين الذين لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ في الامتداد كركعتي الفجر و أين زمان ركعتي الفجر من زمان خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فلما اشتد البلاء على قوم يونس و كانت اللحظة الزمانية عندهم في وقت رؤية العذاب كالسنة أو أطول ذكر أنه تعالى جعل في مقابلة هذا الطول الذي وجدوه في نفوسهم إن متعهم إلى حين فبقوا في نعيم الحياة الدنيا زمانا طويلا لم يكن يحصل لهم ذلك لو لا هذا البلاء فانظر ما أحسن إقامة الوزن في الأمور و قد قيل إن الحين الذي جعله غاية تمتعهم أنه القيامة و الله أعلم و رأينا من رأى منهم رجلا رأينا أثر رجله في الساحل و كان أمامي بقليل فلم ألحقه فاكتلت طول قدمه في الرمل ثلاثة أشبار و ثلثي شبر و كان من قوم يونس و بعث إلينا بكلام عن حوادث تحدث بالأندلس حيث كنا سنة خمس و ثمانين و سنة ست و ثمانين و خمسمائة فما ذكر شيئا إلا رأيناه وقع كما ذكر فانظر في هذه العناية الإلهية بهذا النبي و ما جاء به من الاعتراف في توحيده
(التوحيد الحادي و العشرون) من نفس الرحمن فَتَعالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ هذا توحيد الحق و هو توحيد الهوية قال تعالى ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ و هو قوله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً فلا إله إلا هو من نعت الحق فالأمر الذي ظهر فيه وجود العالم هو الحق و ما ظهر إلا في نفس الرحمن و هو العماء فهو الحق رب العرش الذي أعطاه الشكل الإحاطي لكونه بكل شيء محيطا فالأصل الذي ظهر فيه صور العالم بكل شيء من عالم الأجسام محيط و ليس إلا الحق المخلوق به فكأنه لهذا القبول كالظرف يبرز منه وجود ما يحوي عليه طبقا عن طبق عينا بعد عين على الترتيب الحكمي فأبرز ما كان فيه غيبا ليشهده فيوحده مع صدوره عنه فيحار إن عدده فما ثم غيره و إن وحده فيرى إن عينه ليس هو فأوجد طرفين و واسطة لتميز الأعيان في العين الواحدة فتعددت الصور و ما تعددت الخشبية و لا العودية فالعودية في كل صورة بحقيقتها من غير تبعيض و هذه الصورة ما هي هذه الصورة و ليس ثم شيء زائد على العودية فقيل ما ثم شيء فقال وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ قيل فأين هو قال في عين التمييز فلا أقدر على إنكار التمييز و لا أقدر أثبت سوى عين واحدة ف لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (التوحيد الثاني و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ هذا توحيد الخبء و هو من توحيد الهوية لما كان الخبء النباتي تخرجه الشمس من الأرض بما أودع الله فيها من الحرارة و مساعدة الماء بما أعطى الله فيه من الرطوبة فجمع بين الحرارة و منفعل البرودة حتى لا تستقل الشمس بالفعل فظهرت الحياة في الحي العنصري و كان الهدهد دون الطير قد خصه الله بإدراك المياه كان يرى للماء السلطنة على بقية العناصر تعظيما لنفسه و حماية لمقامه حيث اختص بعلمه ليشهد له بالعلم بأشرف الأشياء حيث كان العرش المستوي عليه الرحمن على الماء فكان يحامي عن مقامه و وجد قوما يعبدون الشمس و هي على النقيض من طبع الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي و علم أنه لو لا حرارة الشمس ما خرج هذا الخبء و أنها مساعدة للماء فأدركته العيرة في المنافر فوشى إلى سليمان ع بعابديها و زاد للتغليظ بقوله من دون الله ينبهه على موضع الغيرة و الشمس و إن أخرجت خبء الأرض بحرارتها فهي تخبأ الكواكببإشراقها و تظهر المحسوسات الأرضية بشروقها فلها حالة الخبء و الإظهار و بها حد الليل و النهار فزاحمت من يُخْرِجُ الْخَبْءَ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ فابتلى الله الماء فأصبح غورا و ابتلى الشمس فأمست آفلة ففجر العيون فأظهر خبء الماء وَ فارَ التَّنُّورُ فأظهر خبء الشمس فأخرج الخبء في السموات و الأرض فوسع كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فاستوى على العرش العظيم إذ حكم على فلك الشمس بدورته و على الماء باستقراره و جريته فهما في كل درجة في خبء و ظهور فوحده الظهور بظهوره و وحده الخبء بسدل ستوره فعلم سبحانه ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ فهو الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التوحيد الثالث و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله وَ هُوَ الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ في الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا توحيد الاختيار و هو من توحيد الهوية لما كان العالم كلمات الله تعالى كانت نسبة هذه الكلمات إلى النفس الرحماني الطاهرة فيه نسبة واحدة فكان يعطي هذا الدليل أنه لا يكون في العالم تفاضل و لا مختار بفضل عند الله على غيره و رأينا الأمر على غير هذا خرج في الوجود عاما في الموجودات فقال تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ من الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا و قال تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ و قال فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ و قال وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الْأُكُلِ مع كونها يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فما ثم آية أحق بما هو الوجود عليه من التفاضل من هذه الآية حيث قال يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فظهر الاختلاف عن الواحد في الطعم بطريق المفاضلة و الواقع من هذا كثير في القرآن من تفضيل كل جنس بعضه على بعض حتى القرآن و هو كلام الله يفضل على سائر الكتب المنزلة و هي كلام الله و القرآن نفسه يفضل بعضه على بعض مع نسبته إلى الله أنه كلامه بلا شك فآية الكرسي سيدة آي القرآن و هي قرآن و آية الدين قرآن فما أعجب هذا السر فعلمنا من هذا أن الحكمة التي يقتضيها النظر العقلي ليست بصحيحة و أن حكمة الله في الأمور هي الحكمة الصحيحة التي لا تعقل و إن كانت لا تعلم فما تجهل لكن لا تعين بمجرد فكر و لا نظر بل يُؤْتِي الْحِكْمَةَ من يَشاءُ وَ من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و لقد رأيت في حين تقييدي لهذا التوحيد الذي يعطي التفاضل واقعة عجيبة أعطيت رقا منشورا عرضه فيما يعطي البصر ما يزيد على العشرين ذراعا و أما طوله فلا أحققه و هو على هذا الشكل المصور في الهامش و هو جلد واحد جلد كبش تنظره فتراه أبيض عند القراءة و تنظر إليه في غير قراءة فتراه أخضر فإذا قرأته تراه جلدا و إذا لم تقرأه تراه شقة لا أدري حريرا أو كتانا و هو صداق أهلي فيقال لي هذا صداق إلهي لأهلك و لا أسأل عن الزوج و لا أعلم أنها خرجت عن عصمة نكاحي و أنا فارح بهذا الأمر مسرور غاية السرور ثم يؤتى بسرقة حرير خضراء تنبعث من الكتاب كأنها منه تكونت فيها ألف دينار ذهبا عينا كل دينار ثقيل لا أدري ما وزنه فيقال قسمه على أهلها خمسة دنانير لكل شخص فأول ما آخذ أنا منها خمسة دنانير عليها نور ساطع أعظم من ضياء أضوأ كوكب في السماء له شعاع و أرى نفس ذلك الكتاب هو عين أهلي ما كتابها غيرها و أنا بكل جسمي راقد عليها متكئ فكنت أنظر إلى رقم ذلك الكتاب فأجده بخط زين الدين عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن المعروف بابن الأستاذ قاضي مدينة حلب كتبه عن إملاء القاضي الكبير بهاء الدين بن شداد و الصداق من أوله إلى آخره مسجع الألفاظ تسجيعا واحدا على روى الراء المفتوحة و الهاء فضبطت منه بعد البسملة الحمد لله الذي جعل قرآنه و فرقانه و توراته و إنجيله و زبوره رقوم هذا الكتاب المكنون و سطوره و أودعه كل آية في الكتب و سورة و أظهره في الوجود في أحسن صوره و جعل إعلامه في العالم العلوي و السفلي مشهورة و آياته غير متناهية و لا محصورة و كلماته بكل لسان في كل زمان و غير زمان مذكوره هكذا على هذا الروي إلى آخره إن كان له آخر بخط مثل الذر فلما رددت إلى حسي وجدتني أكتبهذا الفصل من فصول التوحيد و إذا به توحيد الاختيار فعلمت أن ذلك عين هذا الفصل و أن لأهلي من هذا الفصل أوفر حظ و أعظم نصيب فلما رأينا التفاضل و الاختيار وقع في العالم حتى في الأذكار الإلهية المشروعة كما ذكرنا علمنا إن ثم أمرا معقولا ما هو عين النفس و لا هو غير النفس الذي تتكون فيه الكلمات و هي أعيان الكائنات فإذا بذلك عين المشيئة فيها ظهر هذا التفضيل في الواحد و التفضيل في المتساوي و الواحد لا يتصف بالتفضيل و المتساوي لا ينعت بالتفضيل فعلمنا أن سر الله مجهول لا يعلمه إلا هو فوجدناه توحيد الاختيار في حضرة السر لا إله إلا هو له الحمد في الأولى و هو حمد الإجمال و الآخرة و هو حمد التفصيل فتميزت المحامد في العين الواحدة فكان حمدها عينها فما أعجب مقام هذا التوحيد لمن شاهده و تعجبت من اسم أهلي في الواقعة و اسمها مريم و معنى هذا الاسم معلوم في اللسان الذي فيه سميت و هي محررة لله حاملة لروح الله محل لكلمة الله مثنى عليها بكلام الله مبرأة بشهادة ما سقط من التمر في هزها جذع النخلة اليابس و نطق ابنها في المهد بأنه عبد الله و هما شاهدان عدلان عند الله فكانت كلها لله و بالله و عن الله و لهذا غبطها زكريا نبي الله فتمنى مثلها على الله فأعطاه يحيى حصورا مثلها لم يجعل له سميا من قبل من أنبياء الله فخصه بالأولية من أسماء الله فانظر في بركة هذا الاسم في وجود الله بين عباد الله فهذا ما كان إلا من اختيار الله وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ بل هي لله و الله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (التوحيد الرابع و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله وَ لا تَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ هذا توحيد الحكم بالتوحيد الذي إليه رجوع الكثرة إذ كان عينها و هو توحيد الهوية فنهى كونه أن يدعو مع الله إلها فنكر المنهي عنه إذ لم يكن ثم إذ لو كان ثم لتعين و لو تعين لم يتنكر فدل على أنه من دعا مع الله إلها آخر فقد نفخ في غير ضرم و استسمن ذا ورم و كان دعاؤه لحما علي و ضم ليس له متعلق يتعين و لا حق يتضح و يتبين فكان مدلول دعائه العدم المحض فلم يبق إلا من له الوجود المحض فكل شيء يتخيل فيه أنه شيء فهو هالك في عين شيئيته عن نسبة الألوهية إليه لا عن شيئيته فوجه الحق باق و هو ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ و الآلاء الجسام فما دعا من دعا إلا إلى معروف فما هو الذي نكر فما هو عين ما ذكر فالحق الخالص من كان في ذاته يعلم فلا يجهل و يجهل فلا يحاط به علما فعلم من حيث إنه لا يحاط به علما و جهل من حيث إنه لا يحاط به علما فعلم من حيث جهل فالعلم به عين الجهل به فما ثم من يقبل الأضداد في وصفه إلا الله (التوحيد الخامس و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله هَلْ من خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ من السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هذا توحيد العلة و هو من توحيد الهوية لو لم يوحد بالعلة كما يوحد بغيرهما لم يكن إلها لأن من شأن الإله أن لا يخرج عنه وجود شيء إذ لو خرج عنه لم يكن له حكم فيه و قد قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فلا بد أن يكون له توحيد العلة و هو أن يعبد بهذا التوحيد لسبب لكون العابد في أصل كونه مفتقرا إلى سبب فلم يخرج عن حقيقته و سببه رزقه الذي به بقاء عينه فتخيله المحجوب في الأسباب الموضوعة و هو تخيل صحيح أنه في الأسباب الموضوعة لكن بحكم الجعل لا بحكم ذاتها فجاعل كونها رزقا هو الله الذي يَرْزُقُكُمْ من السَّماءِ بما ينزل منها من أرزاق الأرواح وَ الْأَرْضِ بما يخرج منها من أرزاق الأجسام فهو الرازق الذي بيده هذا الرزق غير أن الحجب لما أرسلها الله على بعض أبصار عباد الله و لم يدركوا إلا مسمى الرزق لا مسمى الرازق قالوا هذا فقيل لهم ما هو هذا هو في هذا مجعول من الذي خلقكم فكما خلقكم هو رزقكم فلا تعدلوا به ما هو له و منه فأنتم و من اعتمد تم عليه سواء فلا تعتمدوا على أمثالكم فتعتمدوا على الكثرة و الاعتماد على الكثرة يؤدي إلى عدم حصول ما وقع فيه الاعتماد إذ كل واحد من الكثيرين يقول غيري يقوم له بذلك فلا يقوم له شيء فيدعوه الحال الصحيح إلى التفرغ و التجرد إلى واحد على علم من ذلك الواحد أنه تجرد إليه و تفرغ مما سواه فتعين القيام به عليه فادى إلى حصول المطلوب من وراء حجاب في حق قوم و على الشهود و الكشف في حق آخرين و هم أهل الله و خاصته (التوحيد السادس و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ هذا توحيد التعجب و هو توحيد الله لا توحيد الهوية فقوله يَسْتَكْبِرُونَ أي يستعظمون ذلك و يتعجبون منه كيف يصح في الكون لا إله إلا الله و الشيء لا يكون إلا على صورةواحدة و عين واحدة و الصور كثيرة مختلفة بالحد و الحقيقة و بيدها المنع و العطاء و ذلك لله أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي الكثرة في عين الواحد ما سَمِعْنا بِهذا في آبائِنَا الْأَوَّلِينَ فما أنكروه و لا ردوه بل استعظموه و استكبروه و تعجبوا كيف تكون الأشياء شيئا واحدا و استكبروا مثل هذا الكلام من مثل هذا الشخص حيث علموا أنه منهم و ما شاهد إلا ما شاهدوه فمن أين له هذا الذي ادعاه فحجبهم الحس عن معرفة النفس و الاختصاص الإلهي فامتثلوا أمر الله من حيث لا يشعرون لأنه الآمر عباده بالاعتبار و هو التعجب فقال إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ و قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فاعتبروا كما أمروا فهم من أولي الأبصار و قولهم إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ لما جاءهم التعريف بهذا على يدي واحد منهم و لم يعرفوا العناية الإلهية و الاختصاص الرباني و الاختلاق لم يكن فيما تعجبوا منه لأنه لو أحالوه بالكلية ما تعجبوا و إنما نسبوا الاختلاق لمن جاء به إذ كان من جنسهم و مما يجوز عليه ذلك حتى يتبين لهم برؤية الآيات فيعلمون أنه ما اختلق هذا الرسول و أنه جاءه من عند الله الذي عبد هؤلاء هذه المسماة آلهة عندهم على جهة القربة إلى الله الكبير المتعالي فأنزلوهم بمنزلة الحجة للملك و أعطوهم اسمه كما يعطي اسم الولاية لكل وال و إن كان الوالي هو الله فالولاة كثيرون فكأنه أخبرهم عن الله أنه ما ولي هؤلاء الذي يعبدون بل آباؤكم نصبوهم آلهة هذا الإله الذي أدعوكم إليه تعرفونه و أنه اسمه الله لا تنكرونه و أنتم القائلون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فسميتموه فسموا آلهتكم فتعرفوا عند ذلك الأمر الحق بيد من هو هل هو بأيديكم أو بيدي يقول الرسول فلما عرفوا قوله و تحققوه علموا أنهم في فضيحة لأنهم إذا سموهم لم يسموهم الله و لا عقلوا من أسمائهم مسمى الله فإنهم عارفون بأسمائهم فقالوا مثل ما قال قوم إبراهيم لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فتلك الحجة الإلهية عليهم منهم فما حاجهم إلا بهم وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ (التوحيد السابع و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ هذا توحيد الإشارة فما في الكون مشار إليه إلا هو فَأَنَّى تُصْرَفُونَ لأن الإشارة لا تقع من المشير إلا لأمر حادث عنده و إن لم يكن في عينه في نفس الأمر حادثا و لكنه يعلم أنه حدث عنده و ما يحدث أمر عند من يحدث عنده إلا و لا بد أن يجهل أمره عند ما يحدث عنده لشغله بحدوثه عنده و أثره فيه فيشير إليه في ذلك الوقت و في تلك الحالة رفيقه و هو على نوعين إذ ما له رفيق سوى اثنين إما عقله السليم و إما شرعه المعصوم و ما ثم إلا هذا لأنه ما ثم من يقول له في هذه الإشارة ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إلا أحد هذين القرينين إما العقل السليم أو الشرع المعصوم و ما عدا هذين فإنه يقول له خلاف ما قال هذان القرينان فيقول له هذا الدهر و تصرفه و يقول الآخر هذه الطبيعة و أحكامها و يقول الآخر هذا حكم الدور فيصرفه كل قائل إلى ما يراه فهو قول هذين القرينين فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ف فَيُضِلُّ الله من يَشاءُ وَ يَهْدِي من يَشاءُ بالقرآن وَ ما يُضِلُّ به إِلَّا الْفاسِقِينَ الخارجين عن حكم هذين القرينين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (التوحيد الثامن و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ هذا توحيد الصيرورة و هو من توحيد الهوية و هو على الحقيقة مقام الايمان لأن المؤمن من اعتدل في حقه الخوف و الرجاء و استوت فيهما قدماه فلم يحكم فضله في عدله و لا عدله في فضله فكما تجلى في شديد العقاب تجلى في الطول الأعم المؤيد بغافر الذنب و قابل التوب و لم يجعل للشديد العقاب مؤيدا و ذلك للدعوى في الشدة فوكل إلى ما ادعاه فهو غير معان و من لم يدع فهو معان فإنها ولاية في الخلق و لأنه جاء بالشدة في العقاب و لم يجيء في الطول مثل هذه الصفة فلهذا شدد أزره بغافر الذنب و قابل التوب فأشار إلى ذوي الأفهام من عباده بإعانة ذي الطول بغافر الذنب و قابل التوب على الشديد العقاب إلى ترك الدعوى فإن الشديد في زعمه أنه لا يقاوم و لو علم أن ثم من يقاومه ما ادعى ذلك فنبه تعالى عباده على ترك الدعوى فيكون الحق يتولى أمورهم بنفسه و عصمهم في حركاتهم و سكناتهم ليقفوا عند ذلك و يعلموا أنه الحق (التوحيد التاسع و العشرون) من نفس الرحمن هو قوله ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ هذا توحيد الفضل و هو من توحيد الهوية لأنه جاء بعد قوله إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِفيكون هذا التوحيد شكرا لما تفضل به الله على الناس مع قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أراد في المنزلة فإن الجرم يعلمه كل أحد و لكن ما تفطن الناس لقوله تعالى أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ من كونهم ناسا و لم يقل أكبر من آدم و لا من الخلفاء فإنه ما خلق على الصورة من كونه من الناس إذ لو كان كذلك لما فضل الناس بعضهم بعضا و لا فضلت الرسل بعضهم بعضا ففضل الصورة لا يقاومها فضل فقوله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ إذ كان الفاضل ممن له أيضا هذا الاسم و المراد بالفضل العام و الخاص فوحده بلسان العموم و الخصوص فظهر توحيد الفضل من حضرة الكرم و البذل (التوحيد الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا توحيد الحياة و هو توحيد الكل و هو من توحيد الهوية الخالصة و الحياة شرط في كل متنفس فلهذا هذا العالم حي بما فيه من الأبخرة الصاعدة منه فتوحيد الحياة توحيد الكل فإنه ما ثم إلا حي فإنه ما ثم إلا الحق و هو المسبح نفسه بما أعطى الرحمن في نفسه من الكلام الإلهي فقال سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ و ما ثم إلا العالم و ما من شيء من العالم إلا و هو مسبح بحمده و لا ثناء أكمل من الثناء بالأحدية فإن فيها عدم المشاركة فالتوحيد أفضل ثناء و هو لا إله إلا الله فلهذا قلنا إنه توحيد الحياة و توحيد الكل و هو إخلاص التوحيد لله من الله و من العالم (التوحيد الحادي و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ هذا توحيد البركة لأنه في السورة التي ذكر فيها أنه أنزله في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ و هي لَيْلَةُ الْقَدْرِ الموافقة ليلة النصف من شعبان المخصوصة بالآجال و لهذا نعت هذا التوحيد بأنه يُحْيِي وَ يُمِيتُ و هو قوله فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي محكم فتظهر الحكم فيه التي جاءت بها الرسل الإلهيون و نطقت بها الكتب الإلهية رحمة بعباد الله عامة و خاصة فكل موجود يدركها و ما كل موجود يعلم من أين صدرت فهي عامة الحكم خاصة العلم إذ كانت الاستعدادات من القوابل مختلفة فأين نور الشمس من نور السراج في الإضاءة و مع هذا فأخذ الشمس من السراج اسمه و افتقر إليه مع كونه أضوأ منه و جعل نبيه في هذا المقام سراجا منيرا و به ضرب الله المثل في نوره الذي أنار به السموات و الأرض فمثل صفته بصفة المصباح ثم ذكر ما أوقع به التشبيه مما ليس في الشمس من الإمداد و الاعتدال مع وجود الاختلاف بذكر الشجرة من التشاجر الموجود في العالم لاختلاف الألسنة و الألوان التي جعل الله فيها من الآيات في خلقه و ذكر المشكاة و ما هي للشمس فلنور السموات و الأرض الذي هو نور الله مشكاة يعرفها من وحده بهذا التوحيد المبارك الذي هو توحيد البركة و في هذه المشكاة مصباح و هو عين النور الذي تحفظه هذه المشكاة من اختلاف الأهواء و حكمها فيما يقع في السرج من الحركة و الاضطراب و إذا تقوت الأهواء أدى إلى طفئ السرج كذلك يغيب الحق بين المتنازعين و يخفى و يحصل فيه الحيرة لما نزلت ليلة القدر تلاحا رجلان فارتفعت فإنها لا تقبل التنازع و لما كانت الأنبياء لا تأتي إلا بالحق و هو النور المبين لذلك قال ع عند نبي لا ينبغي تنازع فلا ينازع من عنده نور ثم إن لهذا المصباح الذي ضرب به المثل زجاجة فللنور الإلهي زجاجة يعرفك هذا التوحيد ما هي تلك الزجاجة و ليس ذلك للشمس و الزجاجة تشبه الكوكب الدري فإذا كان المحل الذي ظهر فيه المصباح مشبه بالكوكب الدري الذي هو الشمس فكيف يكون قدر السراج في المنزلة و هو صاحب المنزل ثم قال في هذا السراج إنه اسْتَوْقَدَ أي يتوقد و يضيء من شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ فلا بد للنور الإلهي من حقيقة بها يقع التشبيه بالشجرة كما جاء في اختلاف الأسماء الإلهية من الضار النافع و المعز المذل و المحيي المميت و أسماء التقابل ثم إن هذه الشجرة لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ فوصفها بالاعتدال فلهذا كان السراج المذكور الذي وقع به التشبيه هو السراج الذي في المشكاة و الزجاجة فيكون محفوظا عن الحركة و الاضطراب لكون الشجرة لا شرقية و لا غربية فهذا كله لا يوجد في غير السراج و لا بد أن يعتبر هذا كله في النور الإلهي (التوحيد الثاني و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْواكُمْ هذا توحيد الذكرى و هو توحيد الله فاعلم أن الإنسان لما جبله الله على الغفلات رحمة به فيغفلعن توحيد الله بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب التي يظهر التكوين عندها و ليس ثمة إدراك يشهد به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين و هو لاستيلاء الغفلة و هذا الغطاء يتخيل أن التكوين من عين الأسباب فإذا جاءته الذكرى على أي وجه جاءته علم بمجيئها إنها تدل لذاتها على أنه لا إله إلا الله و أن تلك الأسباب لو لا وجه الأمر الإلهي فيها أو هي عين الأمر الإلهي ما تكون عنها شيء أصلا فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى أنتج له أن يسأل ستر الله للمؤمنين و المؤمنات فإن لرفع الستر و وجود الكشف عند الرفع أو العلم بأنه عين الستر لا غيره لذة لا يقدر قدرها فهي من منن الله على عبده (التوحيد الثالث و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هذا توحيد العلم و هو من توحيد الهوية و هو توحيده من حيث التفرقة لأنه ميز بين الغيب و الشهادة و جمع بين العلم و الرحمة و هذا لا يكون إلا في العلم اللدني و هو العلم الذي ينفع صاحبه قال في عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا و هو قوله الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ثم قال وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً من قوله عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فعلم الرحمة يكون معه اللين و العطف و هو الذي من لدنه و الغصن اللدن هو الرطيب وَ يُؤْتِ من لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً فعظمه وَ ما أَرْسَلْناكَ و ما أرسل إلا بالعلم إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فجعل إرساله رحمة فهو علم يعطي السعادة في لين فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ فالعلم و إن كان شريفا فإن له معادن أشرفها ما يكون من لدنه فإن الرحمة مقرونة به و لها النفس الذي ينفس الله به عن عباده ما يكون من الشدة فيهم (التوحيد الرابع و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ هذا توحيد النعوت و هو من توحيد الهوية المحيطة فله النعوت كلها نعوت الجلال فإن صفات التنزيه لا تعطي الثبوت و الأمر وجودي ثابت فلهذا قدم الهوية و أخرها حتى إذا جاءت نعوت السلب و حصلت الحيرة في قلب السامع منعت الهوية بإحاطتها أن يخرج السامع إلى العدم فيقول فما ثم شيء وجودي إذ قد خرج عن وجود العقل و الحس فيلحقه بالعدم فتمنعه الهوية فإن الضمير لا بد أن يعود على أمر مقرر فافهم (التوحيد الخامس و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ هذا توحيد الرزايا و الرجوع فيها إلى الله ليزول عنه ألمها إذ رأى ما أصيب فيه قد حصل بيد من يحفظ عليه وجوده و لهذا أثنى الله على من يقول إذا أصابته مصيبة إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فهم لله في حالهم و هم إليه راجعون عند مفارقة الحال فمن حفظ عليه وجوده و حفظ عليه ما ذهب منه و كان ما حصل عنده أمانة إلى وقتها فما أصيب و لا رزئ فتوحيد الرزايا أنفع دواء يستعمل و لذلك أخبر بما لهم منه تعالى في ذلك فقال أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ من رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ و الرحمة لا يكون معها ألم وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ يقول الذين تبين لهم الأمر على ما هو عليه في نفسه فسمين مصيبة في حقه لنزولها به و في حق من ليس له هذا الذوق لنزول ألمها في قلبه فيتسخط فيحرم خيرها (التوحيد السادس و الثلاثون) من نفس الرحمن هو قوله رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا هذا توحيد الوكالة و هو من توحيد الهوية في هذا التوحيد ملك الله العالم الإنساني جميع ما خلقه له من منافعه و أمره أن يوكل الله في ذلك ليتفرغ الإنسان لما خلق له من عبادة ربه في قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و أين هذا المقام من قوله وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فجعل الإنفاق بأيديهم و الملك لله و في هذا القدر الذي أمرهم به من الإنفاق فيه أمرهم أن يتخذوه وكيلا فلا تنافر بين المقامين فالملك لله و الإنفاق للعبد بحث الأمر و ما أطلق له في ذلك و في الإنفاق أمر الله أن يوكل الله في ذلك لعلمه بمواضع الإنفاق و المصارف التي ترضي رب المال في الإنفاق فنزل الشرائع أبانت له مصارف المال فأنفق على بصيرة بنظر الوكيل فمن أنفق فيما لم يأمره الوكيل بالإنفاق فيه فعلى المنفق قيمة ما استهلك من مال من استخلفه فيه و لا شيء له فإنه مفلس بحكم الأصل فلا حكم عليه فأعطاه هذا التوحيد رفع الحكم عنه فيما أتلف من مال من استخلفه و هذا آخر تهليل ورد في القرن الذي وصل إلينا و هو ستة و ثلاثون مقاما قد ذكرناها بكمالها مبينة إلهية قرآنية ذكر الله بها نفسه و أمرنا أن نذكره بها فامتثلنا فلما ذكرناه بها علمنا من لدنه علما و كان ذكرها رحمةمنه بنا فهذا قد أدينا العشر الواجب علينا مكملا فوقع في يد الحق فيتولى تربيته إلى وقت اللقاء و رد الأمانات إلى أهلها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (الفصل العاشر في الذكر بالحوقلة) و هو قول لا حول و لا قوة إلا بالله و هو ذكر كل حامل بقدر ما حمل فالذاكرون به على طبقات كما أنهم في الصورة على طبقات فمن كان أكثر دخولا كان أكثر دؤبا على هذا الذكر و الذي حاز الكمال فيها كان شرطه أن لا يفتر من هذا الذكر بالقول كما أنه لا يفتر عنه بشاهد الحال و هو كل مكلف في العالم و العالم كله مكلف و ما كلف به من العالم و من العالم ما هو مجبور فيما كلف حمله و هو المعبر عنه بفرائض الأعيان و فرائض الكفاية ما لم يقم واحد به فيسقط الفرض عن الباقي و من العالم ما لم يجير في الحمل و إنما عرض عليه فإن قبله فما قبله إلا لجهله بقدر ما حمل من ذلك كالإنسان لما عرضت عليه الأمانة و حملها كانَ لذلك ظَلُوماً لنفسه جَهُولًا بقدرها و السموات و الأرض و الجبال لما عرضت عليهن أبين أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها لمعرفتهن بقدر ما حملوا فلم يظلموا أنفسهم وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فما وصف أحد من المخلوقات بظلمه لنفسه إلا الإنسان فكان خلق السموات و الأرض أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ في المنزلة فإنهن كن أعلم بقدر الأمانة من الإنسان فبهذا كن أيضا أكبر من خلق الناس في المنزلة من العلم فإنهن ما وصفن بالجهل كما وصف الإنسان و كذلك لما أمرنا بالإتيان أمر وجوب فإن لم يجبن جيء بهن على كره ف قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ لعلمهن بأن الذي أمرهن قادر على الإتيان بهن على كره منهن فقلن أتينا طائعين فالإتيان حاصل و الطوع في معرض الاحتمال أن يكن صدقن في دعواهن فإن كان الحق القائل فما كذبا بل صدقا و إن كان القول بالواسطة فيحتمل ما قلناه فالعالم منا إذا قال لا حول و لا قوة إلا بالله يقولها على امتثال الأمر الإلهي و الاقتداء فالاقتداء قوله و إياك نستعين إذا كان الحق المتكلم و هي الاستعانة بالأسباب التي لا يمكن رفعها و لا وجود المسبب إلا بوجودها و الأمر قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا على حمل هذه المشقات بلا حول و لا قوة إلا بالله انتهى الجزء العشرون و مائة
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(الفصل الحادي عشر في الاسم الإلهي) البديع و توجهه على كل مبدع و على إيجاد العقل الأول و هو القلم و توجهه على إيجاد الهمزة من الحروف و مراتبها و توجهه على إيجاد الشرطين من المنازل و توجهه بالإمداد الإلهي النفسي بفتح الفاء الذاتي منه و الزائد و سبب زيادته قال الله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لكونهما ما خلقا على مثال متقدم و أول ما خلق الله العقل و هو القلم فهو أول مفعول إبداعي ظهر عن الله تعالى و كل خلق على غير مثال فهو مبدع بفتح الدال و خالقه مبدعه بكسر الدال فلو كان العلم تصور المعلوم كما يراه بعضهم في حد العلم لم يكن ذلك المخلوق مبدعا بفتح الدال لأنه على مثال في نفس من أبدعه أوجده عليه مطابقا له و ذلك الذي في نفس الحق منه على قول صاحب هذا الحد للعلم لم يزل واجب الوجود في نفس الحق فلم يبتدعه في نفسه كما يفعله المحدث إذا ابتدع و لا وجد في العين إلا على الصورة التي قامت في نفس المصور لمثلها لا لها إذ ليس محلا لما يخلقه فما هو بديع و هو بديع فليس في نفسه صورة ما أبدع و لا تصورها و هذه مسألة مشكلة فإن من المعلومات ما يقبل التصور و منها ما لا يقبل التصور و هو معلوم فما حد العلم تصور المعلوم و كذلك الذي يعلم قد يكون ممن يتصور لكونه ذا قوة متخيلة و قد يكون ممن يعلم و لا يتصور لكونه لا يجوز عليه التمثل فهو تصور من خارج و لا يقبل الصورة في نفسه لما صوره من خارج لكن يعلمه و اعلم أولا أن الإبداع لا يكون إلا في الصور خاصة لأنها التي تقبل الخلق فتقبل الابتداع و أما المعاني فليس شيء منها مبتدعا لأنها لا تقبل الخلق فلا تقبل الابتداع فهي تعقل ثابتة الأعيان هذه هي حضرة المعاني المحققة و ثم صور تقبل الخلق و الابتداع تدل عليها كلمات هي أسماء لها فيقال تحت هذا الكلام أو لهذه الكلمة معنى تدل عليه و يكون ذلك المعنى الذي تتضمنه تلك الكلمة صورة لها وجود عيني ذو شكل و مقدار كلفظ زيد فهذه كلمة تدل على معنى يفهم منها و هو الذي وضعت له و هو شخص من الأناسي ذو قامةمنتصبة و طول و عرض و جهات فمثل هذا يسمى معنى لهذه الكلمة فهذا المعنى يقبل الخلق و لسنا نريد بالمعاني إلا ما لا يقبل الخلق و كل ما لا يقبل الخلق فإنه لا يقبل المثل فلا يقبل المثل إلا الصورة خاصة المادية و غير المادية و أعني بالمادية المركبة و هي الأجسام على تنوع ضروبها و أعني بغير المادية كالبسائط التي لا جزء لها سوى عينها و لكنها تقبل المجاورة فتقبل التركيب فينشأ لذلك صور مختلفة إلى ما لا يتناهى فالأول منها و إن كان صورة فهو المبدع و الثاني ليس بمبدع فإنه على مثاله و لكنه مخلوق فهو بالخلق الأول بديع و بالخلق الثاني المماثل للخلق الأول خالق فأول ما خلق الله العقل أظهره في نفس الرحمن في العماء في أول درجته التي هي في نفس الإنسان المخلوق على صورة الهمزة فهي أول مبدع من حروف تنفس الإنسان و لها وجوه و أحكام مثل ما للعقل في النفس فمن ذلك الإمداد الإلهي الذي في قوله لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ و الزيادة حيث وقعت من الخير و الشر و لا تعقل الزيادة إلا بعد عقل الأصل فإذا علم مقداره علم الزائد لئلا يتخيل في الزائد أنه أصل فأقل الزيادة مثل الأصل إلى رابع درجة و ليس فوقها زيادة و كل زيادة زائدة على الزيادة مثل الأصل سواء مثاله الأصل وجود عين العقل و الزائد وجود النفس و هو على قدر العقل ثم الطبيعة و هي على قدر العقل ثم الهباء و هو على مقدار العقل ثم الجسم الكل و هو الرابع و ليس وراءه شيء إلا الصور و كذلك المد الطبيعي بمنزلة العقل مثل مد الألف من قال و شبهه فهذا سار في كل موجود فإن له من الحق إمدادا به بقاؤه فما زاد على ما به بقاؤه و ظهور عينه فلسبب آخر و لما كان العقل أول موجود جعل سببا لكل إمداد إلهي في الوجود كذلك الهمزة في النفس الإنساني أوجبت الإمداد في الصوت سواء تأخرت أو تقدمت و تنتهي الزيادة في ذلك على المد الطبيعي إلى أربع مراتب كل زيادة على قدر الأصل التي هي الألف الطبيعية في كل ممدود مثال ذلك أامن في قراءة أبي عمرو و أاامن في قراءة ابن عامر و الكسائي و أااامن في قراءة عاصم و أاااامن في قراءة ورش و حمزة و كذلك جاء و جااء و جاااء و جااااء على ما ذكرناه فهذا الإمداد الإلهي قبل الموجب له و بعده هو بحسب المعرفة بالله فمن لم يعرف الله بدليل العالم عليه كان الإمداد متقدما على العلم بالله من حيث لا يعلم العبد فهو يتقلب في نعمة الله و لا علم له بالمنعم من هو على التعيين و من عرف العالم بالله كان الإمداد متأخرا لأنه علم الله فرآه قبل إمداده و إن كان علمه به من إمداده و لكن ذلك هو المد الطبيعي فالإمداد في النفس الرحماني إيجاد النعم على التضعيف بالزيادة منها وَ الله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ كما هو في النفس الإنساني مد الصوت طلبا للوصول إلى الموجب أو خروجا من عند الموجب بالإمداد الإلهي لعين الحرف المطلوب و هو العين المقصود بذلك النعيم من الكائنات كما يطلب الوصول إلى حرف الميم بالمد من أامن و إلى حرف الدال من آدم فاعلم ذلكو كذلك توجه هذا الاسم على إيجاد الشرطين من المنازل ليبين بذلك عين البروج المقدرة في الفلك الأطلس إذ ليس لها علامة تعرف بها فجعل لها هذه المنازل علامة على تلك المقادير تقطع في هذا الفلك الأطلس الجواري الخنس الكنس فيعرف بالمنازل كم قطعت من ذلك الفلك و لهذه المنازل أيضا و كل كوكب في الفلك المكوكب قطع في هذا الأطلس لكن لا يبلغ عمر الشخص الواحد إلى الشعور به و قد نقل إلينا أن بعض أهرام مصر وجد تاريخ عمله و النسر في الأسد و هو اليوم في الجدي فانظر ما مر عليها من السنين و يقول أصحاب تسيير الكواكب إن هذه الكواكب الثابتة تقطع في كل ستين سنة من الفلك درجة واحدة و نقلت عن بعضهم مائة سنة فمتى يدرك الحس انتقاله كما يدرك انتقال الجواري الخنس الكنس ثم إنا نعود إلى كلامنا في العقل الأول و منزلته في النفس الرحماني منزلة الهمزة من حروف الإنسان فنقول إن الله لما خلق الملائكة و هي العقول المخلوقة من العماء و كان القلم الإلهي أول مخلوق منها اصطفاه الله و قدمه و ولاة على ديوان إيجاد العالم كله و قلده النظر في مصالحه و جعل ذلك عبادة تكليفه التي تقربه من الله فما له نظر إلا في ذلك و جعله بسيطا حتى لا يغفل و لا ينام و لا ينسى فهو أحفظ الموجودات المحدثة و أضبطه لما علمه الله من ضروب العلوم و قد كتبها كلها مسطرة في اللوح المحفوظ عن التبديل و التحريف و مما كتب فيه فأثبته علم التبديل أي علم ما يبدل و ما يحرف في عالم التغيير و إلا حالة فهو على صورة علم الله لا يقبل التبديل فلما ولاة الله ما ولاة أعطاه من أسمائه المدبر و المفصل من غير فكر و لا روية و هو في الإنسانالفكر و التفكر فإذا انفرد بذلك في نفسه كان له حكم و إذا دبر مع غيره كان له حكم يقال له في عالم الإنسان المشاورة يقول تعالى لنبيه ص آمرا وَ شاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله فحكم التدبير الذي يدبر به ولايته على أقسام سواء انفرد بالتدبير أو طلب المشاركة بحكم المشورة و السبب الموجب للمشورة كون الحق له وجه خاص في كل موجود لا يكون لغير ذلك الموجود فقد يلقى إليه الحق سبحانه في أمر ما ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة كعلم الأسماء لآدم مع كون الملإ الأعلى عند الله أشرف منه و مع هذا فكان عند آدم ما لم يكن عندهم و قد ذكرنا في هذا الكتاب دليل تفضيل الملإ الأعلى من الملائكة على أعلى البشر أعطاني ذلك الدليل رسول الله ص في رؤيا رأيتها و قبل تلك الرؤيا ما كنت أذهب في ذلك إلى مذهب جملة واحدة و إذا كان هذا فقد ينفرد في أمور نصبها في العالم بما هو مدبر و مفصل لا عن فكر فإنه ليس من أهل الأفكار و قد يشاركه في تدبيره عقل آخر مثل النفس الكلية التي أذكرها في الفصل الذي يلي هذا إن شاء الله فمثل هذا هو حظ المشورة في عالم الخلق و سبب ذلك توفية الألوهة ما تستحقه لما علم أن لله تعالى في كل موجود وجها خاصا يلقى إليه منه ما يشاء مما لا يكون لغيره من الوجوه و من ذلك الوجه يفتقر كل موجود إليه و إن كان عن سبب فإن قلت فقد أعلمه الله علمه في خلقه حين قال له اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة قلنا الجواب على هذا من وجهين الوجه الواحد و إن علم ما يكون فمن جملة ما أعلمه به من الكون مشورته و مشاركة غيره له في تدبيره كما نعلم أن الله يعلم ما يكون من خلقه و لكنه قال وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و أعلم من الله فلا يكون و قد جاء مثل هذا في حق الله و الوجه الآخر في الجواب و هو إنا قد علمنا إن لله في كل كائن وجها يخصه و ذلك الوجه الإلهي لا يتصف بالخلق و قال للقلم اكتب علمي في خلقي و ما قال له اكتب علمي في الوجه الذي مني لكل مخلوق على انفراده فهو سبحانه يعطي بسبب و هو الذي كتبه القلم من علم الله في خلقه و يعطي بغير سبب و هو ما يعطيه من ذلك الوجه فلا تعرف به الأسباب و لا الخلق فوقعت المشورة ليظهر عنها أمر يمكن أن يكون من علم ذلك الوجه فيلقي إليه من شاوره في تدبيره علما قد حصل له من الله من حيث ذلك الوجه الذي لم يكتب علمه و لا حصل في خلقه و لهذا قال الله لرسوله فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله يعني على إمضاء ما اتفقتم عليه في المشورة أو ما انفردت به دونهم و قوله فَتَوَكَّلْ عَلَى الله في مثل هذا ما لم يقع الفعل فإن العزم يتقدم الفعل فقيل له توكل على الله فإنه ما يدرى ما لم يقع الفعل ما يلقي الله في نفسك من ذلك الوجه الخاص الإلهي الخارج عن الخلق و هو الأمر الإلهي فإن له الخلق و الأمر فما كان من ذلك الوجه فهو الأمر و ما كان من غير ذلك الوجه فهو الخلق و كذلك جرى الأمر في حركات الكواكب فيعطي كل كوكب في الدرجة الفلكية على انفراده من الحكم ما لا يعطيه إذا اجتمع معه في تلك الدرجة كوكب آخر أو أكثر فاجتماعهم بمنزلة المشورة و عدم اجتماعهم بمنزلة ما ينفرد به فيكون عن الاجتماع ما لا يكون عن الانفراد ف أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها مما تنفرد به و مما لا تنفرد به فذلك ما يحدث من الاجتماع فإنه خارج عن الأمر الذي تنفرد به كل سماء ثم في الاجتماعات أحوال مختلفة فيكون ما يحدث بحسب اختلاف الأحوال و الأحوال هنالك في القرانات كالأغراض عندنا فكل يقول بحسب غرضه و نظره قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ثم ينزل الأمر إلى النفس الإنساني فيكون حكم الحرف الواحد خلاف حكمه إذا اجتمع مع غيره فالقاف في ق مفرد يدل على الأمر بالوقاية فإذا اجتمع مع لام جاء منه صورة تسمى قل فحدث للقاف أمر بالقول و أين هو من الأمر بالوقاية و كذلك لو اجتمع بحرف الميم ظهر من هذا الاجتماع صورة قم فحدث للقاف أمر بالقيام و هكذا ما زاد على حرف من حروف متصلة لإبراز كلمة أو منفصلة لإبراز كلمات فتحدث أمور لحدوث هذه
الكلمات فيقول السيد لعبده قل فيحدث في العبد القول فيقول أو قم فيقوم فيظهر من المأمور حركة تسمى قياما عن ظهور صورة ذلك الاجتماع فهكذا تحدث الكائنات في النفس الرحماني فتظهر أعيان الكلمات و هو المعبر عنها بالعالم فالكلمة ظهورها في النفس الرحماني و الكون ظهورها في العماء فبما هو للنفس يسمى كلمة و أمر أو بما هو في العماء يسمى كونا و خلقا و ظهور عين فجاء بلفظة كن لأنها لفظة وجودية فنابت مناب جميع الأوامر الإلهية كما نابت الفاء و العين و اللام الذي هو فعل في الأوزان مناب جميع الأوزانو جميع الموزونات من الأسماء و الأفعال فهي حروف وزن الكلمة و وزن عين الموجود فكن قامت مقام قل و قم و خذ و قص و اخرج و ادخل و اقترب و جميع ما يقع به الأمر فيكون إن كان أمر قيام فقيام و إن كان أمر قعود فقعود إلى جميع الأعيان فتحدث الكلمة في النفس فيحدث الكون في العماء على الميزان صلة في ذلك و هذه الصلة في أنواع ما يحدثه التدبير على الانفراد و بالمشورة في الكون فأما ما يحدث من ذلك على الانفراد و هو إذا حكم على المدبر اسمان الهيان أو خاطران في حق أصحاب الخواطر و هو في الإلهيات التردد و لا يخلو هذا المدبر في هذه الحال و غيرها من الأحوال أن يكون تحت حكم اسم إلهي من الأسماء السبعة المتحكمة في النفس و ما يظهر فيه من الكلمات و هو الاسم الجامع و النافع و العاصم و هو الواقي و السريع و الستار و هذه الخمسة الأسماء هي التي تعطي مقام العبودية في العالم و الاسم البصير و البارئ و هما اللذان يعطيان مقام الحرية في الاسم الجامع فمنه يكون الإمداد لأهل الفضائل و هم الذين يثابرون على مكارم الأخلاق و من هذا الاسم قال رسول الله ص بعثت لأتمم مكارم الأخلاق و يمد أيضا أهل الجمع و الوجود و الحماية و ترك المؤاخذة بالجرائم فيذبون عن أصحابها ما يريد بهم الاسم المنتقم و المعاقب فهو معطي الأمان و هو قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله و فعله أبدا لا يكون إلا فيمن هو في مقام العبودية و أما الاسم الإلهي النافع فمنه يكون الإمداد للعلماء بالله على مراتبهم و أكثر ما يكون إمداده فيهم في علماء الأرواح و هو قوله تعالى أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً أي نور هداية و يمد أيضا أهل الجود من أصناف الكرماء خاصة و هم الذين يجودون بالعطاء قبل السؤال من كل ما يقع به المنفعة للمعطي إياه و هو مختص العطاء و إمداد هذا الاسم بالذين أقامهم الله في مقام العبودية و العبودة فإن رجال الله على إحدى حالتين إما حال عبودية أو حال حرية و قد تقدم لك باب العبودية و باب الحرية في هذا الكتاب و أما الاسم الواقي فهو الاسم العاصم من أمر الله فمنه يكون الإمداد للصديقين و أصحاب الأسرار و أهل النظر و الأفكار في مباحثهم في المناظرات لاستخراج الفوائد في مجالس أهل الله من غير منازعة و لا يمد هذا الاسم إلا لأرباب مقام العبودية و أهل الاستكفاء بالله و هم المتوكلون على الله توكل لعبد على سيده لا توكل الابن على أبيه و لا الميت على غاسله و لا الأجير على من آجره و لا توكل الموكل على وكيله و أما الاسم السريع فإنه مثل الواقي في أنه لا يمد إلا أهل هذا التوكل الخاص و من هو في مقام العبودية و يكون إمداده للمنفقين بالخلف و هو قوله تعالى وَ ما أَنْفَقْتُمْ من شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ و يمد أيضا أهل البقاء لأهل الفناء و عنه يأخذون و إليه يلجئون و أما الاسم الستار و هو الغفار و الغفور و الغافر فهو في الإمداد مثل السريع و الواقي في العبد و المتوكلين و من هذا الاسم يكون الإمداد لأهل الاكتساب و القائلين بالأسباب مع الاعتماد على الله غير أنهم و إن اعتمدوا على الله فما في ظاهرهم الاكتفاء بالله و هكذا كل ذي سبب و إن كان من المتوكلين فما كل متوكل يظهر منه الاكتفاء بالله في ظاهره و هذا الاسم يمد أيضا أصحاب المنازل و المنازلات و لهم أبواب في هذا الكتاب نحوا من مائتي باب ترد فيما بعد إن شاء الله و أما الاسم الباري فمنه يكون الإمداد للاذكياء المهندسين أصحاب الاستنباطات و المخترعين الصنائع و الواضعين الأشكال الغريبة عن هذا الاسم يأخذون و هو الممد للمصورين في حسن الصورة في الميزان و أعجب ما رأيت من ذلك في قونية من بلاد يونان في مصور كان عندنا اختبرناه و أفدناه في صنعته من صحة التخيل ما لم يكن عنده فصور يوما حجلة و أخفى فيها عيبا لا يشعر به و جاء بها إلينا ليختبرنا في ميزان التصوير و كان قد صورها في طبق كبير على مقدار صورة الحجلة في الجرم و كان عندنا بازي فعند ما أبصرها أطلقه من كان في يده عليها فركضها برجله لما تخيل أنها حجلة في صورتها و ألوان ريشها فتعجب الحاضرون من حسن صنعته فقال لي ما تقول في هذه الصورة فقلت له هي على غاية التمام إلا أن فيها عيبا خفيا و كان قد ذكره للحاضرين فيما بينه و بينهم فقال لي و ما هو هذه أوزانها صحيحة قلت له في رجليها من الطول عن موازنة الصورة قدر عرض شعيرة فقام و قبل رأسي و قال بالقصد فعلت ذلك لأجربك فصدقه الحاضرون و قالوا إنه ذكر ذلك لهم قبل أن يوقفني عليها فتعجبت من وقوع البازي عليها و طلبه إياها و يمد أيضا هذا الاسم أرباب الجود في وقت المسغبة خاصة لا المنفقين على الإطلاق من غير تقييد و هذاالاسم لا ينظر من الرجال إلا لمن أقيم في مقام الحرية ما بينه و بين من أقيم في العبودية إمداد و أما الاسم البصير فإنه يمد أهل الحرية و العبودة و إمداد أهل الحرية أكثر و نظره إليهم أعظم و هذا الاسم و الاسم الباري يمدان أهل الفصاحة و العبارات و لهما إعجاز القرآن و حسن نظم الكلام الرائق هذا لهذين الاسمين و يمد هذا الاسم البصير أصحاب المنازل و المنازلات في بصائرهم و هم الذين تعملوا في اكتسابها الذين أكلوا من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ما أنزلوها بطرق العناية من غير عمل لأن أهل هذا المقام على نوعين فطائفة نزلت هذه المنازل عن تعمل و اكتسبتها و طائفة نزلتها بالإنزال الإلهي عناية من غير تعمل و لا تقدم عمل بل باختصاص إلهي و يمد أيضا هذا الاسم أهل التفرقة و هم الذين يميزون ما تعطيه أعيان المظاهر في الظاهر باستعداداتها و هو مقام عجيب لا يعرفه أكثر أهل التفرقة و أكثر علم أهل التفرقة العلم بمعاني الأسماء الإلهية من حيث معانيها لا من وجه دلالتها على الذات فهذا حصر ما تعطيه هذه الأسماء و حصر من تعطيه و منتهى العالم في هذا الباب الذي شاهدناه كشفا ألفا من العالمين لا زائد على ذلك و الذي شاهدناه ذوقا و جاريناهم قدما بقدم و سابقناهم و سبقناهم في حضرتين حضرة النكاح و حضرة الشكوك ستة عشر عالما من ثماني حضرات و باقي العالم كشفا و تعريفا لا ذوقا فدخلنا في كل ما ذكرناه في هذه الإمدادات الإلهية ذوقا مع عامة أهل الله و زدنا عليهم باسم إلهي و هو الآخر أخذنا منه الرئاسة و روح الله الذي يناله المقربون من قوله تعالى فَأَمَّا إِنْ كانَ من الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ و نلت هذه المقامات في دخولي هذه الطريقة سنة ثمانين و خمسمائة في مدة يسيرة في حضرة النكاح مع أهل الصفاء و في حضرة الشكوك مع أهل القهر و الغلبة من أجل الاختلال في الشروط و هي المواثيق التي أخذت على العالم بالله فمنا من غدر و منا من وفى فكنا ممن وفى بحمد الله و هذه علوم غريبة و أذواق عزيزة لقينا من أربابها رجالا بالمغرب و رجالا بالإسكندرية و رجلين أو ثلاثة بدمشق و رجلا بسيواس كان قد نقصه من هذا المقام شيء قليل فعرضه علينا فأتممناه له حتى تحقق به في زمان يسير و كان غريبا لم يكن من أهل البلاد كان من أهل أخلاط و لكل طائفة ممن ذكرنا ممن هم تحت إحاطة هذه الأسماء الإلهية التميز في ثلاث حضرات حضرة عليا و حضرة وسطي و حضرة سفلي و حضرة مشتركة فلا تخلو هذه العقول المدبرة أن تكون في إحدى هذه الحضرات في زمان مرور الخواطر عليها أو الأسماء المتقابلة أو المتقاربة فالمتقابلة كالضار و النافع أو المعز و المذل أو المحيي و المميت و مثل المقاربة كالعليم و الخبير أو القدير و القاهر أو الكبير و العظيم و ما جرى هذا المجرى في عالم الخلق و الأمر و ها أنا إن شاء الله أذكر ما يحدث من حكم ذلك كله في العالم تفصيل أما تفصيل ما ذكرناه فهو أن نقول بعد أن تعلم أن كل من ذكرنا من هؤلاء الطبقات فإنما هم أهل الأنفاس خاصة من أهل الله لا غيرهم إن المدبر من عالم الأنفاس إذا أراد تنفيذ أمر ما برزخي يطلب تنفيذه حكمين و الأمر واحد فإن الاسم الجامع و النافع و البصير و القائلين بالجود على مسغبة ينظرون إلى الحكم الأسهل فيحكمون به على ذلك الأمر و العلماء بالله يجعلون التوحيد بين الحكمين و يحكم بالأسهل من الحكمين و أما الباري و السريع و الواقي و الغفور فإنهم يسلكون طريق التحقيق في ذلك فيعطي كل حكم حقه لا يراعى جانبا دون جانب و لا يحكمون بذلك إلا المكملون من رجال الله فإن كان أحد الحكمين برزخيا و الآخر سفليا فالاسم الجامع و النافع و البصير يحكمون بما فيه رفع الحرج غير أن الاسم البصير و أهل الجود يجعلان التوحيد بين الحكمين حتى يرفعان الاشتراك و بقية الأسماء السبعة و جميع الطبقات الخارجين عن طبقات هؤلاء الأسماء الثلاثة يسلكون مسلك الاعتدال فيوفون الحقوق على ما تعطي المراتب مثال الأول البرزخى أن ترى الحق في صورة يدركها الحس فالمحققون يعطون الألوهية حقها و يعطون الحضرة التي ظهر الحق فيها بهذه الصورة حقها و الطائفة الأخرى تحكم على الحق بالصورة و تقول لو لا أنه على حقيقة تقبلها ما صح أن يظهر بها إذ لم تكن غيره في وقت التجلي و أما الذين جعلوا التوحيد بين الحكمين فقالوا الحق على ما هو عليه في نفسه و هذه الصورة ظهرت بالحق لا إن الحق ظهر بها و جعلوا التوحيد فاصلا بين الحق و الصورة و هكذا في الحالة الثانية و مثال ذلك في الحالة الثانية هو تجلى من يقول في رؤيته جميع الأكوان ما رأيت إلا الله من حيث إن البرزخ لا يتعين فيه الصور إلا من عالم الطبيعة و هو المحسوس و الحكم كما قررناه فإن كانالأمر بين حكم برزخي و صورة عليا كرؤية الحق في صورة ملك فالجامع و البصير و النافع يرفعون الحرج فيما وقع فيه التشبيه و يوفون حق أحد الحكمين و هو الحكم الذي يلي جانب العزة و أصحاب الجود الإلهي يعتبرون التوحيد فيبرزونها مع رفع الحرج فالتوحد مثل قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و رفع الحرج تمام الآية وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ مرتبة أخرى إذا ظهر أمران الهيان في صورتين مختلفتين و الأمران برزخيان فالحكم الإلهي في ذلك و هو أن ترى صورة الحق في البرزخ و صورة الملك في البرزخ على صورة إنسيين كصورة موسى و هارون مثلا أو ترى الحق في صورة شخصين معا في رؤيا واحدة في عالم البرزخ مثل أن ترى الحق في صورة شاب و شيخ في حال واحدة و لا شك إنها الحق ليس غيره فحكم العلم من العلماء بالله و أهل الجود الإلهي في هذه الواقعة أن هذا إمداد إلهي لهذه الصورة التي ظهر فيها الحق و أهل الجود أيضا و الفضلاء أصحاب الزيادات من العلم الإلهي مع الاسم البصير من الأسماء الإلهية يزيلون الحق ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و يتأولون الصورة بما يليق بها و ما بقي من الأسماء الإلهية و الطبقات من أهل الله أرباب المقامات و التحقيق يتركون الحق حقا بما يليق به و الصورة صورة بما يليق بها و هو الأولى عندي مرتبة أخرى نبي من الأنبياء كعيسى روح الله و كلمته يظهر حقا من كونه كلمة الله و ظهر ملكا من كونه روح الله فالحكم في هذه الواقعة عند العلماء بالله و أهل الجود من أهل الله يلحقون الملك بذلك النبي و ينزهون الحق عن تلك الصورة و أما الراسخون في العلم و هم أهل الزيادات و يوافقهم أيضا أهل الجود الإلهي يقولون الجناب الإلهي أقبل للصور من العالم فيلحقون بصورة ذلك النبي و يبقون صورة الملك على ما هي عليه لا يتأولونها و لا سيما في عيسى فإنه تمثل لأمه بشرا سويا حين أعطاها عيسى و أما الاسم الإلهي البصير فإنه يسقط صورة الحق من ذلك تنزيها و يبقى ما بقي على حاله مرتبة أخرى ملك من الملائكة ظهر في صورة محسوسة و ظهر في مقام حق و قال أنا الحق كما سمع موسى الخطاب من الشجرة إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فحكم العلماء العارفون و أهل الجود الإلهي يقولون في الصورة المحسوسة إنها ملك و في مقام الحق أنه حق و أما أهل الزيادات من العلماء بالله و أهل الجود الإلهي يوافقونهم على حكمهم أيضا يحكمون على الحق بالملكية و الاسم البصير الإلهي يسقط بحكمه الحق من أجل ما دخله من التشبيه و يبقى ما بقي على ما هو عليه و جميع أهل الله يقولون لما كان الحق يقبل الصور لم يبعد على الصور أن تدعى فيه و تقول أنا الحق فالذي يعتمد عليه في هذه المسألة أن يعطي الحق من جهة الشرع حقه لا من جهة العقل و يعطي الحس حقه و يعطي الملك حقه و مع هذا فلا بد عند غير المحققين أن يصحبوا التوحيد بين الحكمين مخافة الاشتراك و المحقق لا يبالي فإنه قد عرف ما ثم مرتبة أخرى إذا كانت إحدى الصورتين علوية و الأخرى برزخية فالأسماء الثلاثة الجامع و البصير و النافع يرفعون الحرج في الصورة البرزخية و غيرها و لا يعطون كل ذي حق حقه من الصورتين و اعلم أن جميع ما ذكرناه هو حكم العقل في الأمور فتارة يعطي التشديد فيها و تارة يعطي اليسر فيها و تارة يعطي كل ذي حق حقه فيكون في كل حكم بحسب ما يتجلى له الحق فيه سواء كان ذلك في الإلهيات أو في الطبيعيات أو فيما تركب منهما في الجمع و الفرق و الفناء و البقاء و الصحو و السكر و الغيبة و الحضور و المحو و الإثبات إفصاح بما هو الأمر عليه اعلم أن الأمر حق و خلق و أنه وجود محض لم يزل و لا يزال و إمكان محض لم يزل و لا يزال و عدم محض لم يزل و لا يزال فالوجود المحض لا يقبل العدم أزلا و أبدا و العدم المحض لا يقبل الوجود أزلا و أبدا و الإمكان المحض يقبل الوجود لسبب و يقبل العدم لسبب أزلا و أبدا فالوجود المحض هو الله ليس غيره و العدم المحض هو المحال وجوده ليس غيره و الإمكان المحض هو العالم ليس غيره و مرتبته بين الوجود المحض و العدم المحض فبما ينظر منه إلى العدم يقبل العدم و بما ينظر منه إلى الوجود يقبل الوجود فمنه ظلمة و هي الطبيعة و منه نور و هو النفس الرحماني الذي يعطي الوجود لهذا الممكن فالعالم حامل و محمول فبما هو حامل هو صورة و جسم و فاعل و بما هو محمول هو روح و معنى و منفعل فما من صورة محسوسة أو خيالية أو معنوية إلا و لها تسوية من جانب الحق و تعديل كما يليق بها و بمقامها و حالها و ذلك قبل التركيب أعني اجتماعها مع المحمول الذي تحمله فإذا سواها الرب بما شاءه من قول أو يد أو يدين أو أيد و ما ثم سوى هذه الأربعة لأن الوجود على التربيع قام و عدله و هو التهيؤ و الاستعداد للتركيب و الحمل تسلمه الرحمن فوجه عليه نفسهو هو روح الحق في قوله فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و هو عين هذا النفس قبلته تلك الصورة و اختلف قبول الصور بحسب الاستعداد فإن كانت الصورة عنصرية و اشتعلت فتيلتها بذلك النفس سميت حيوانا عند ذلك الاشتعال و إن لم يظهر لها اشتعال و ظهر لها في العين حركة و هي عنصرية سميت نباتا و إن لم يظهر لها اشتعال و لا حركة أعني في الحس و هي عنصرية سميت معدنا و جمادا فإن كانت الصورة منفعلة عن حركة فلكية سميت ركنا و هي على أربع مراتب ثم انفعلت عن هذه الأركان صورة مسواة معدلة سميت سماء و هي على سبع طبقات فوجه الرحمن عز و جل نفسه على هذه الصور فحييت حياة لا يدركها الحس و لا ينكرها الايمان و لا النفس و لذلك لم يقبل الاشتعال فكل موضع كان في هذه السموات قبل الاشتعال سمي نجما فظهرت النجوم و تحركت أفلاكها بها فكانت كالحيوان فيما اشتعل منها و كالنبات فيما تحرك منها و إن كانت الصورة عن حركة معنوية و قوة عملية و توجه نفسي سميت جسما كلا و عرشا و كرسيا و فلكا فلك برج و فلك منازل و توجه الرحمن بنفسه على هذه الصور فما قبل منها الاشتعال سمي نجوما و هي له كالحدق في وجه الإنسان و ما لم يقبل الاشتعال سمي فلكا فإن كانت الصورة عقلية انبعثت انبعاثا ذاتيا عن عقل مجرد تطلب باستعدادها ما تحمله توجه الرحمن عليها عند تسويتها التي سواها ربها بنفسه فما اشتعل منها سمي نور علم و ما تحرك منها و لم يشتعل سمي عملا و الذات الحاملة لهاتين القوتين نفسا فإن كانت الصورة الإلهية فلا تخلو إما أن تكون جامعة فهي صورة الإنسان أو غير جامعة فهي صورة العقل فإذا سوى الرب الصورة العقلية بأمره و صور الصورة الإنسانية بيديه توجه عليهما الرحمن بنفسه فنفخ فيهما روحا من أمره فأما صورة العقل فحملت في تلك النفخة بجميع علوم الكون إلى يوم القيامة و جعلها أصلا لوجود العالم و أعطاه الأولية في الوجود الإمكانى و أما صورة الإنسان الأول المخلوق باليدين فحمل في تلك النفخة علم الأسماء الإلهية و لم يحملها صورة العقل فخرج على صورة الحق و فيه انتهى حكم النفس إذ لا أكمل من صورة الحق و دار العالم و ظهر الوجود الإمكانى بين نور و ظلمة و طبيعة و روح و غيب و شهادة و ستر و كشف فما ولي من جميع ما ذكرناه الوجود المحض كان نورا و روحا و ما ولي من جميع ما ذكرناه العدم المحض كان ظلمة و جسما و بالمجموع يكون صورة فإن نظرت العالم من نفس الرحمن قلت ليس إلا الله و إن نظرت في العالم من حيث ما هو مسوى و معدل قلت المخلوقات وَ ما رَمَيْتَ من كونك خلقا إِذْ رَمَيْتَ من كونك حقا وَ لكِنَّ الله رَمى لأنه الحق فبالنفس كان العالم كله متنفسا و النفس أظهره و هو للحق باطن و للخلق ظاهر فباطن الحق ظاهر الخلق و باطن الخلق ظاهر الحق و بالمجموع تحقق الكون و بترك المجموع قيل حق و خلق فالحق للوجود المحض و الخلق للإمكان المحض فما ينعدم من العالم و يذهب من صورته فمما يلي جانب العدم و ما يبقى منه و لا يصح فيه عدم فمما يلي جانب الوجود و لا يزال الأمران حاكمين على العالم دائما فالخلق جديد في كل نفس دنيا و آخرة فنفس الرحمن لا يزال متوجها و الطبيعة لا تزال تتكون صورا لهذا النفس حتى لا يتعطل الأمر الإلهي إذ لا يصح التعطيل فصور تحدث و صور تظهر بحسب الاستعدادات لقبول النفس و هذا أبين ما يمكن في إبداع العالم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (الفصل الثاني عشر) من هذا الباب في الاسم الإلهي الباعث و توجهه على إيجاد اللوح المحفوظ و هو النفس الكلية و هو الروح المنفوخ منه في الصور المسواة بعد كمال تعديلها فيهبها الله بذلك النفخ أية صورة شاء من قوله في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ و توجهه على إيجاد الهاء من الحروف و هاء الكنايات و توجهه على إيجاد البطين من المنازل المقدرة