قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و التسعون و مائة في معرفة النفس بفتح الفاء) (بخش ۲)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اعلم أن هذه النفس هي اللوح المحفوظ و هو أول موجود انبعاثي و أول موجود و جد عند سبب و هو العقل الأول و هو موجود عن الأمر الإلهي و السبب فله وجه إلى الله خاص عن ذلك الوجه قبل الوجود و هو و كل موجود في العالم له ذلك الوجه سواء كان لوجوده سبب مخلوق أو لم يكن‏ و اعلم أن الأسباب منها خلقية و منها معنوية نسبية فالأسباب الخلقية كوجود مخلوق ما على تقدم وجود مخلوق قبله له إلى وجوده نسبة ما بأي وجه كان إما بنسبة فعلية أو بنسبة بخاصية لا بد من ذلك و حينئذ يكون سببا و إلا فليس بسبب و قد يكون ذلك الأثر في غير مخلوق كقوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ فالسؤال سبب في وجود الإجابة كان المجيب ما كان و من هذه الحقيقة نزل قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ‏أي أحدثت بعض هذه الأمور السؤالات و أما السبب المعنوي فهو من جهة المسبب بفتح الباء اسم مفعول و من المسبب اسم فاعل فمن جهة المسبب اسم المفعول استعداده لقبول الأثر فيه إذ لو لم يكن فيه استعداد لما وقع فيه الأثر فذلك الاستعداد أمنع من المحال فما يكون و مع هذا فله استعداد في قبول الفرض فيه فلهذا نفرض المحال في بعض المسائل و إن كان لا يقبل الوجود لنستخرج من ذلك الفرض علما لم يكن عندنا فلو لا استعداده لقبول الفرض ما تمكن للعقل أن يفرضه فالممكن أقبل لعين الوجود و السبب الذي من جهة المسبب اسم فاعل فما ذكر الله تعالى إِنَّما قَوْلُنا فأثبت عينه و قوله إِذا أَرَدْناهُ فأثبت الإرادة و التعلق بالمراد فلا بد من هذا شأنه أن يكون عالما حيا له اقتدار على ما يريد تكوينه فهذه كلها استعدادات نسبية معنوية إلا العين الذي هو المسبب فإنه سبب وجودي لا يكون علة لكن هو شرط و لا بد و لما خلق الله هذا العقل الأول قلما طلب بحقيقته موضع أثر لكتابته فيه لكونه قلما فانبعث من هذا الطلب اللوح المحفوظ و هو النفس فلهذا كانت أول موجود انبعاثي لما انبعثت من الطلب القائم بالقلم و لم يكن في القوة العقلية الاستقلال بوجود هذا اللوح فتأيد بالاسم الباعث و بالوجه الخاص الذي انبعثت عنه هذي النفس فالقى العقل إليها جميع ما عنده إلى يوم القيامة مسطرا منظوما و هو موجود ثالث بين اللوح و القلم مرتبته و بعد اللوح وجوده و جعل الله في القلم الإلقاء لما خلق فيه و جعل في اللوح القبول لما يلقى إليه فكان ما ألقى إليه و ما ضمه اللوح من الكلمات المخلوقة في ذات القلم و اللوح بعد فراغه من الكتابة مائتي ألف آية و تسعا و ستين ألف آية و مائتي آية و هو ما يكون في الخلق إلى يوم القيامة من جهة ما تلقيه النفس في العالم عند الأسباب و أما ما يكون من الوجوه الخاصة الإلهية في الموجودات فذلك يحدث وقت وجوده لا علم لغير الله به و لا وجود له إلا في علم الله و هذا جميع ما حصله العقل من النفس الرحماني من حيث ما كلمه به ربه تعالى كما كلم موسى ربه باثنتي عشرة ألف كلمة في كل كلمة يقول له يا موسى و صورة التلقي الإلهي للعقل تجل رحماني عن محبة من المتجلي و المتجلي له‏ و من هذا المقام جعل الله بين الزوجين المودة و الرحمة ليسكن إليها و جعل الزوجة مخلوقة من عين الزوج و نفسه كما قال وَ من آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ أي علامة و دليلا لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعلمون أنه الحق و فائدة هذا التفكر أن الإنسان إذا تزوج بالمرأة و وجد السكون إليها و جعل الله بينهما المودة و الرحمة علم أن الله يريد التحامهما فإذا ارتفع السكون من أحدهما إلى صاحبه أو منهما و زالت المودة و هي ثبوت هذا السكون و بهذا سمي الحب ودا لثبوته و تسمى بالودود لثبوت حبه من أحب من عباده و زالت الرحمة من بينهما أو من أحدهما بصاحبه فأعرض عنه فيعلم أن الله قد أراد طلاقهما فيبادر لذلك فيفوز عند الله بهذا المقام فإن لج و عاند يحرم القرب الإلهي فإن الحضرة الإلهية لا تقبل اللجاج و المعاندة و قد ثبت في الشرع ما ثبت و ما يعرف ما قلناه إلا أهل التفكر من عباد الله فإن الله ما جعله آية إلا لهم فجعل سبحانه سبب حصول هذه العلوم في ذات العقل التجلي‏ و منه تلقى ذلك و كان سبب التجلي الحب فإنه أصل سبب وجود العالم و السماع سبب كونه و قد بينا هذا في باب السماع و المحبة و أما صورة تلقي النفس ما عندها من العلوم فهو على وجهين هي و كل موجود عن سبب و يختلف باختلاف تنوع الأسباب الوجه الواحد إذا كان التلقي لكل موجود عند سبب من وجهه الخاص به فلا يكون إلا عن تجل إلهي سواء علمه المتجلي له أو لم يعلمه فإن علمه كان من العلماء بالله و إن لم يعلمه كان من أهل العناية و هو لا يشعر إنه معتنى به فإن أكثر الناس لا يعلمون حديث هذا الوجه الخاص و لا يعرفونه فإنه علم خاص لا يعطيه الله إلا لمن اختصه و اصطنعه لنفسه من عباده‏ و أما الوجه الآخر من التلقي فهو ما يستفيده من السبب و لا تحصى طرقه فإن الأسباب مختلفة فأين سببية العقل فيما يظهر على النفس من توجهه و تلقيها من سببية السماء فيما يظهر على الأرض من النبات من توجهها عليها بما تلقيه من الغيث فيها و تلقيها لذلك و لكل حركة فلكية و نظر كوكب في العالم العلوي و إمداد الطبيعة كل ذلك أسباب لوجود زهرة تظهر على وجه الأرض أين هذا من توجه سببية العقل فلهذا قلنا ما تنحصر أسبابه مع كونها منحصرة في نفس الأمر فمن النفس إلى آخر ركن في العالم و بعض المولدات ما بين النفس و آخر ركن‏من الأفلاك و الكواكب و الحركات في وجود عين تلك الزهرة و الورقة أثر و حكم عن أمر إلهي قد يعلمه السبب الحادث و قد لا يعلمه و هي أسباب ذاتية كلها و منها عرضية كإلقاء المدرس الدرس على الجماعة فهذا من الأسباب العرضية و هو كل ما كان للسبب فيه إرادة و ما عدا ذلك فهو ذاتي فالعلاقة التي بين الأسباب و المسببات لا تنقطع فإنها الحافظة لكون هذا سببا و هذا مسببا عنه و لما أوجد الله هذه النفس الكلية من نفس الرحمن بعد العقل كوجود الهاء بعد الهمزة أو الهمزة بعد الهاء في النفس الإنساني المخلوق على الصورة فهو في النفس الرحماني نفس كلية و في النفس الإنساني هاء و ضمير و كناية فهي تعود من حيث ما هي ضمير على من أوجدها فإنها عين الدلالة عليه فافهم فإن الدلالة لا تكون إلا في الثاني فإنه يطلب الأول و ليس الأول يطلب الثاني بحكم الدلالة و لهذا قال رسول الله ص من عرف نفسه عرف ربه‏ و هو الثاني فإنه موضع الدلالة و قال في الأول فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فنزهه عن الدلالة و لهذا لا يصح أن يكون علة و إليه الدلالة بقوله ص كان الله و لا شي‏ء معه‏ فهو غني عن الدلالة و في هذه الرتبة أوجد الله البطين من المنازل التي تنزلها الجواري و الكواكب البطيئة الحركة و أعطى الله هذه النفس قوتين قوة علمية و قوة عملية فبالقوة العلمية تظهر أعيان الصور و بالقوة العلمية تعلم المقادير و الأوزان و من الوجه الخاص يكون القضاء و القدر لهذا و لا يعرف ذلك إلا بعد وقوعه إلا من عرفه الله بذلك فحكم القضاء و القدر لا بعرف إلا مما ذكرناه بخلاف المقادير و الأوزان فإن ذلك في علم النفس و نسبة هذه النفس إلى كل صورة في العالم نسبة واحدة من غير تفاضل إلا أن الصور تقبل من ذلك بحسب استعداداتها التي هي عليا في ذاتها فيظهر التفاضل و أما هناك فلا تفاضل إلا بينها و بين العقل و لما بينت لك حصر الآيات في الكلام الإلهي الظاهرة في النفس الرحماني كالآيات في القرآن العزيز و في الكتب المنزلة و الصحف المرسلة فإن لها سورا تجمع تلك الآيات و تفصل بعضها من بعض كما جاءت سور القرآن و هي منازله المعلومة الجامعة للآيات كما الآيات جامعات للكلمات كما الكلمات جامعة للحروف كما هي الحروف ظروف المعاني فسور هذه الآيات عشر سور من غير زيادة و لا نقصان فمنها سورة الأصل و هي السورة التي تتضمن كل آية تدل على عين قائمة بنفسها في العالم الحاملة غيرها السورة الثانية سورة المحمول و هي تتضمن كل آية تدل على عين لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى محل و عين يظهر وجودها بذلك المحل و قد تكون تلك العين لازمة و قد تكون عرضية على قدر ما تعطيه حقيقتها و السورة الثالثة سورة الدهر و الرابعة سورة الاستواء و له أصلان الأصل الأول ظرفية العماء و الأصل الثاني ظرفية العرش فالأول ظرفية المعاني و الثاني ظرفية السور و السورة الخامسة سورة الأحوال و السورة السادسة سورة المقدار و السورة السابعة سورة النسب و السورة الثامنة سورة التوصيل و الأحكام و العبارات و الإشارات و الإيماء و ما يقع به الإفهام بين المخاطبين و هو نطق العالم و قول كل قائل و هي الأسماء الإلهية التي علم الله آدم فمنها ما كانت الملائكة تعلمه و ما اختص آدم إلا بالكل و ما عرض من المسميات إلا ما كانت الملائكة تجهله و السورة التاسعة سورة الآثار الوجودية و السورة العاشرة سورة الكائنات و هي الانفعالات الإلهية و الكونية فهذه عشر تتضمن هذه الآيات فمن علمها كشفا علم الحق و الخلق و من علمها دلالة لم يكمل في علمها كمال أصحاب الكشف و لا تقل هذا رمز بل هذا كله تصريح و إيضاح يعرفه كل عاقل إذا حقق النظر فيه أن الآيات كلها محصورة في هذه السور قديما و حديثا و النفس الكلية هي التي ظهرت عنها معرفة هذه السور لأنها كانت محل إلقاء القلم الإلهي إليها فهي أول منكوح لناكح كوني و كل ما دونها فهو من عالم التولد العقل أبوه و النفس أمه فافهم و لا تلحق بمن قال الله فيهم إنهم لفي لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ و هم الذين أعرضوا عن كل ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و قد قلنا في مرتبتنا في هذا

أنا في خلق جديدكل يوم في مزيد
و أنا من حيث حبيبين وجد و وجود
شاكرا شكر محبقائل هل من مزيد
فأنا واحد وقتيفي وجودي و شهودي‏
يا رفيع الدرجاتفي منازل السعود
ارفع اللهم عنيفي معارج الصعود
كل ستر في طريقيفي هبوطي و صعودي‏
و اجعل اللهم حظيفي اسمك الله الودود

(الفصل الثالث عشر) في الاسم الإلهي الباطن و توجهه على خلق الطبيعة و ما تعطيه من أنفاس العالم و حصرها في أربع حقائق و افتراقها و اجتماعها و توجهها على إيجاد العين المهملة من الحروف و إيجاد الثريا من المنازل المقدرة اعلم أن الطبيعة في المرتبة الثالثة عندنا من وجود العقل الأول و هي معقولة الوجود غير موجودة العين فمعنى قولنا مخلوقة أي مقدرة لأن الخلق التقدير و ما يلزم من تقدير الشي‏ء وجوده قال الشاعر

و لأنت تفري ما خلقت و بعض الناس يخلق ثم لا يفري‏

و هو من الثلاثي لأنه قصد المدح و ليس من الرباعي فإن الرباعي لا يقال إلا في معرض الذم و الهجاء فما كل من قدر أمرا أوجده و من هذه الحقيقة الإلهية ظهر في الوجود النظري عند العلماء فرض المحال في العلوم فهو يقدر ما لا يصح وجوده و قد يقدر ما يصح وجوده و لا يوجد و كذلك قال هذا العربي و بعض الناس يعد بالخير و لا يفعله و أنت أيها الملك ما ترى مصلحة إلا و تفعلها فالخالق له معنيان المقدر و الموجد فمن خلق فقد قدر أو أوجد فقدر سبحانه مرتبة الطبيعة أنه لو كان لها وجود لكان دون النفس فهي و إن لم تكن موجودة العين فهي مشهودة للحق و لهذا ميزها و عين مرتبتها و هي للكائنات الطبيعية كالاسماء الإلهية تعلم و تعقل و تظهر آثارها و لا تجهل و لا عين لها جملة واحدة من خارج كذلك الطبيعة تعطي ما في قوتها من الصور الحسية المضافة إليها الوجودية و لا وجود لها من خارج فما أعجب مرتبتها و ما أعلى أثرها فهي ذات معقولة مجموع أربع حقائق يسمى أثر هذه الأربع في الأجسام المخلوقة الطبيعية حرارة و يبوسة و برودة و رطوبة و هذه آثار الطبيعة في الأجسام لا عينها كالحياة و العلم و الإرادة و القول في النسب الإلهية و ما في الوجود العيني سوى ذات واحدة فالحياة تنظر إلى الحرارة و العلم ينظر إلى البرودة و الإرادة تنظر إلى اليبوسة و القول ينظر إلى الرطوبة و لهذا وصفه باللين فقال فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فهو يقبل اللين و الخشونة و الإرادة يبوسة فإنه يقول فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ و قال وجدت برد أنامله‏

فعلمت فلهذا جعلنا العلم للبرودة في الطبيعة و كذلك الحياة للحرارة فإن الحي الطبيعي لا بد من وجود الحرارة فيه‏ و أما الذي تعطيه من أنفاس العالم فهو ما تقع به الحياة في الأجسام الطبيعية من نمو و حس لا غير ذلك و كل نفس غير هذا فما هو من الطبيعة بل علته أمر آخر و هي الحياة العقلية حياة العلم و هي عين النور الإلهي و النفس الرحماني ثم لتعلم أن مسمى النفس من هذه الحقيقة الوجودية لا يكون إلا إذا كانت للرحمن و ما يماثله من الأسماء الإلهية و قد تكون حقيقة لأسماء أخر تقتضي النقيض فلا تكون عند ذلك نفسا من التنفيس في حق ذلك الكائن منه فهو و إن كان حقيقة فكونه نفسا باعتبار خاص يقع به التنفيس إما في حق من ينفس الله عنه من الكائنات ما يجده من الضيق و الحرج و إما في حق من هو صفته من حيث نفوذ إرادته و أما إذا لم ينظر من هذه الجهة فهو عبارة عن حياة من وصف به من حيث حقيقته لا غير أ لا ترى النفس الحيواني يرفع وجوده فيه اسم الموت به سمي نفسا فإن الموت صفة مكروهة من حيث الألفة المعهودة إذ كان الموت مفرقا فيكون مكروها عنده فإذا نظر من يلقاه في ذلك الموت و هو الله فيكون تحفة عند ذلك و يكون اسم النفس به أحق في هذا الشهود و لما كان لها وجود أعيان الصور لهذا كان لها من الحروف العين المهملة لأن الصورة الطبيعية لا روح لها من حيث الطبيعة و إنها روح للصور الطبيعية من الروح الإلهي و كان لها وجود الثريا و هي سبع كواكب لأن الطبيعة في المرتبة الثالثة و هي أربع حقائق كما تقدم فكان من المجموع سبعة و ظهرت عنها الثريا و هي سبعة أنجم كما كان للعقل ثلاث نسب و وجوه فوجدت عنه الكثرة التي ذكرها بعض أهل النظر في سبب صدور الكثرة عن العقل الأول مع كونه واحدا فكان الشرطين ثلاثة أنجم و النفس مثل العقل في ذلك فكان البطين ثلاثة أنجم و من كون النفس ثانية كان البطين في المرتبة الثانية من الشرطين و عن هذه السبعة التي ظهرت في الطبيعة ظهرت المسبعات في العالم و هي أيضا السبعة الأيام أيام الجمعة اعتبر ذلك محمد بن سيرين رحمه الله جاءته امرأة فقالت له أريت البارحة القمر في الثريا فقال أنا قمر هذا الزمان في هذه البلدة و الثريا سبعة أنجم و بعد سبعة أقبر فإن الثريا من الثرى و هو اسم للأرض فمات إلى سبعة أيام فانظر ما أعجب هذا و بينا أنا أقيد هذه المسألة من الكلام في الطبيعة إذ غفوت فرأيت أمي و عليها ثياب بيض حسنةفحسرت عنها ذيلها إلى أن بد إلى فرجها فنظرت إليه ثم قلت لا يحل لي أن أنظر إلى فرج أمي فسترته و هي تضحك فوجدت نفسي قد كشفت في هذه المسألة وجها ينبغي أن يستر فسترته بألفاظ حسنة بعد كشفه قبل إن أرى هذه الواقعة فكانت أمي الطبيعة و الفرج ذلك الوجه الذي ينبغي ستره و الكشف إظهاره في هذا الفصل و التغطية بذلك الثوب الأبيض الحسن ستره بألفاظ و عبارات حسنة ثم إني أيضا كما أنا في كلامي على الطبيعة في هذا الفصل أخذتني سنة فرأيت كأني على فرس عظيم و قد جئت إلى ضحضاح من الماء أرضه حجارة صغار فأردت عبوره فرأيت أمامي رجلا على فرس شهباء يعبر و إذا فيه مثل الساقية عميقة مردومة بتلك الحجارة لا يشعر بها حتى يغرق فيها و إذا بذلك الفارس قد غرق فيها فرسه و قد نشب إلى أن وصل الماء إلى كفل فرسه ثم خلص إلى الجانب الآخر فنظرت من أين أعبر فوجدت مبنيا عليه مجازا ذا أدراج من الجهتين للرجالة لا يمكن للفرس أن يصعد عليه فيصعد فيه بإدراج متقاربة جدا و أعلاه عرض شبر و ينزل من الجانب الآخر بإدراج فركضت جنب فرسي و الناس يتعجبون و يقولون ما يقدر فرس على عبوره و أنا لا أكلمهم ففهم الفرس عني ما أريده منه فصعد برفق فلما وصل إلى أعلاه و أراد الانحدار توقف و خفت عليه و على نفسي من الوقوع فنزلت من عليه و عبرت و أخذت بعنانه و ما زال من يدي فعبر الفرس و تخلصنا إلى الجانب الآخر و الناس يتعجبون‏ فسمعت بعض الناس يقولون لو كان الايمان بالثريا لنالته رجال من فارس‏ فقلت و لو كان العلم بالثريا لنالته العرب و الايمان تقليد فكم بين عالم و بين من يقلد عالما فقالوا صدق فالعربي له العلم و الايمان و العجم مشهود لهم بالإيمان خاصة في دين الله و رددت إلى نفسي فوجدتني في مسألة في الطبيعة تطابق هذه الرؤيا فتعجبت من هاتين الواقعتين في هذا الفصل و نظرت في كواكب المنازل من كوكب واحد كالصرفة إلى اثنين كالذراع إلى ثلاثة كالبطين إلى أربعة كالجبهة إلى خمسة كالعوا إلى ستة كالدبران إلى سبعة كالثريا إلى تسعة كالنعائم و لم أر للثمانية وجودا في نجوم المنازل فعلمت أنه لما لم تكن للثمانية صورة في نجوم المنازل لهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت و لا يعيش أو يكون معلولا لا ينتفع بنفسه فإنه شهر يغلب على الجنين فيه برد و يبس و هو طبع الموت و له من الجواري كيوان و هو بارد يابس فلذلك لم أر للثمانية وجودا في المنازل ثم علمت أن السيارة لا نزول لها و لا سكون بل هي قاطعة أبدا و قد يكون مرورها على عين كواكب المنزلة و قد يكون فوقها و تحتها على الخلاف الذي في حد المنزلة ما هو فسميت منزلة مجازا فإن الذي يحل فيها لا استقرار له و إنه سابح كما كان قبل وصوله إليها في سباحته فراعى المسمى ما يراه البصر من ذلك فإنه لا يدرك الحركة ببصره إلا بعد المفارقة فبذلك القدر يسميها منزلة لأنه حظ البصر فغلبه‏ و اعلم أن الطبيعة هذا حكمها في الصور لا يمكن أن تثبت على حالة واحدة فلا سكون عندها و لهذا الاعتدال في الأجسام الطبيعية العنصرية لا يوجد فهو معقول لا موجود و لو كانت الطبيعة تقبل الميزان على السواء لما صح عنها وجود شي‏ء و لا ظهرت عنها صورة ثم نشأة الصور الطبيعية دون العنصرية إذا ظهرت أيضا لا تظهر و الطبيعة معتدلة أبدا بل لا بد من ظهور بعض حقائقها على بعض لأجل الإيجاد و لو لا ذلك ما تحرك فلك و لا سبح ملك و لا وصفت الجنة بأكل و شرب و ظهور في صور مختلفة و لا تغيرت الأنفاس في العالم جملة واحدة و أصل ذلك في العلم الإلهي كونه تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و اليوم الزمن الفرد و الشأن ما يحدث الله فيه فمن أين يصح أن تكون الطبيعة معتدلة الحكم في الأشياء و ليس لها مستند في الإلهيات فهذا قد أبنت لك وجود الطبيعة انتهى الجزء الحادي و العشرون و مائة (الفصل الرابع عشر في الاسم الإلهي) الآخر و توجهه على خلق الجوهر الهبائي الذي ظهرت فيه صور الأجسام و ما يشبه هذا الجوهر في عالم المركبات و توجهه على إيجاد حرف الحاء المهملة من الحروف و إيجاد الدبران من المنازل‏ اعلم أن هذا الجوهر مثل الطبيعة لا عين له في الوجود و إنما تظهره الصورة فهو معقول غير موجود الوجود العيني و هو في‏المرتبة الرابعة من مراتب الوجود كما هو الحاء المهملة في المرتبة الرابعة من مخارج الحروف في النفس الإنساني غير أن الحرف له صورة لفظية في القول محسوسة للسمع و ليس لهذا الجوهر الهبائي مثل هذا الوجود و هذا الاسم الذي اختص به منقول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه و أما نحن فنسميه العنقاء فإنه يسمع بذكره و يعقل و لا وجود له في العين و لا يعرف على الحقيقة إلا بالأمثلة المضروبة كما أن كون الحق نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لم يعرف بحقيقته و إنما عرفنا الحق به بضرب المثل فقال مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ الآية فذكر الأمور التي تنبغي للمصباح المشبه به نور السموات و الأرض و هو الذي أنارت به العقول العلوية و هو قوله السموات و الصور الطبيعية و هو قوله و الأرض كذلك هذا المعقول الهبائي لا يعرف إلا بالمثل المضروب و هو كل أمر يقبل بذاته الصور المختلفة التي تليق به و هو في كل صورة بحقيقته و تسميه الحكماء الهيولى و هي مسألة مختلف فيها عندهم و لسنا ممن يحكى أقوالهم في أمر و لا أقوال غيرهم و إنما نورد في كتابنا و جميع كتبنا ما يعطيه الكشف و يمليه الحق هذا طريقة القوم كما سئل الجنيد عن التوحيد فأجاب بكلام لم يفهم عنه فقيل له أعد الجواب فإنا ما فهمنا فقال جوابا آخر فقيل له و هذا أغمض علينا من الأول فأمله علينا حتى ننظر فيه و نعلمه فقال إن كنت أجريه فأنا أمليه أشار إلى أنه لا تعمل له فيه و إنما هو بحسب ما يلقى إليه مما يقتضيه وقته و يختلف الإلقاء باختلاف الأوقات‏ و من علم الاتساع الإلهي علم أنه لا يتكرر شي‏ء في الوجود و إنما وجود الأمثال في الصور يتخيل أنها أعيان ما مضى و هي أمثالها لا أعيانها و مثل الشي‏ء ما هو عينه و اعلم أن هذا المعقول الرابع من وجود العقل فيه تظهر العين التي تقبل حكم الطبيعة و هو الجسم الكل الذي يقبل اللطيف و الكثيف و الكدر و الشفاف و هو الذي يأتي ذكره في الفصل الثاني بعد هذا و هذا المعقول إنما قيدنا مرتبته بأنها الرابعة من حيث نظرنا إلى قبوله صورة الجسم خاصة و إنما بالنظر إلى حقيقته فليست هذه مرتبته و لا ذلك الاسم اسمه و إنما اسمه الذي يليق به الحقيقة الكلية التي هي روح كل حق و متى خلى عنها حق فليس حقا و لهذا قال ع لكل حق حقيقة فجاء باللفظ الذي يقتضي الإحاطة إذا تعرى عن القرائن المقيدة و هو لفظة كل كمفهوم العلم و الحياة و الإرادة فهي معقولة واحدة في الحقيقة فإذا نسب إليها أمر خاص لنسبة خاصة حدث لها اسم ثم إنه إذا نسب ذلك الأمر الخاص إلى ذات معلومة الوجود و إن لم يعلم حقيقتها فنسب إليها ذلك الأمر الخاص بحسب ما تقتضيه تلك الذات المعينة فإن اتصفت تلك الذات بالقدم اتصف هذا الأمر بالقدم و إن اتصفت بالحدوث اتصف هذا الأمر بالحدوث و الأمر في نفسه لا يتصف بالوجود إذ لا عين له و لا بالعدم لأنه معقول و لا بالحدوث لأن القديم لا يقبل الاتصاف به و القديم لا يصح أن يكون محلا للحوادث و لا يوصف بالقدم لأن الحادث يقبل الاتصاف به و الحادث لا يوصف بالقديم و لا يصح أن يكون القديم حالا في المحدث فهو لا قديم و لا حادث فإذا اتصف به الحادث سمي حادثا و إذا اتصف به القديم سمي قديما و هو قديم في القديم حقيقة و حادث في المحدث حقيقة لأنه بذاته يقابل كل متصف به كالعلم يتصف به الحق و الخلق فيقال في علم الحق إنه قديم فإن الموصوف به قديم فعلمه بالمعلومات قديم لا أول له و يقال في علم الخلق إنه محدث فإن الموصوف به لم يكن ثم كان فصفته مثله إذ ما ظهر حكمها فيه إلا بعد وجود عينه فهو حادث مثله و العلم في نفسه لا يتغير عن حقيقته بالنسبة إلى نفسه و هو في كل ذات بحقيقته و عينه و ما له عين وجودية سوى عين الموصوف فهو على أصله معقول لا موجود و مثاله في الحس البياض في كل أبيض و السواد في كل أسود هذا في الألوان و كذلك في الأشكال التربيع في كل مربع و الاستدارة في كل مستدير و التثمين في كل مثمن و الشكل بذاته في كل متشكل و هو على حقيقته من المعقولية و الذي وقع عليه الحس إنما هو المتشكل لا الشكل و الشكل معقول إذ لو كان المتشكل عين الشكل لم يظهر في متشكل مثله و معلوم أن هذا المتشكل ليس هو المتشكل الآخر فهذا مثل مضروب للحقائق الكلية التي اتصف الحق و الخلق بها فهي للحق أسماء و هي للخلق أكوان فكذلك هذا المعقول الرابع لصور الطبيعة يقبل الصور بجوهره و هو على أصله في المعقولية و المدرك الصورة لا غيرها و لا تقوم الصورة إلا في هذا المعقول فما من موجود إلا و هو معقول بالنظر إلى ما ظهرت فيه صورته موجود بالنظر إلى صورته أ لا ترى الحق تعالى ما تسمى باسم و لا وصف نفسه بصفة ثبوتية إلا و الخلق يتصف بها و ينسب إلى كل موصوف بحسب‏ما تعطيه حقيقة الموصوف و إنما تقدمت في الحق لتقدم الحق بالوجود و تأخرت في الخلق لتاخر الخلق في الوجود فيقال في الحق إنه ذات يوصف بأنه حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير و يقال في الإنسان المخلوق إنه حي عالم قادر متكلم سميع بصير بلا خلاف من أحد و العلم في الحقيقة و الكلام و جميع الصفات على حقيقة واحدة في العقل ثم لا ينكر الخلاف بينهم في الحكم فإن أثر القدرة يخالف أثر غيرها من الصفات و هكذا كل صفة و العين واحدة ثم حقيقة الصفة الواحدة واحدة من حيث ذاتها ثم يختلف حدها بالنسبة إلى اختصاص الحق بها و إلى اتصاف الخلق بها و هذه الحقيقة لا تزال معقولة أبدا لا يقدر العقل على إنكارها و لا يزال حكمها موجودا ظاهرا في كل موجود

فكل موجود لها صورة فيه و لا صورة في ذاتها
فحكمها ليس سوى ذاتهاو ذلك الحكم من آياتها
تجتمع الأضداد في وصفهافنفيها في عين إثباتها

فالمعنى القابل لصورة الجسم هو المذكور المطلوب في هذا الفصل و هو المهيا له و الجسم القابل للشكل هو هباء لأنه الذي يقبل الأشكال لذاته فيظهر فيه كل شكل و ليس في الشكل منه شي‏ء و ما هو عين الشكل و الأركان هباء للمولدات و هذا هو الهباء الطبيعي و الحديد و أمثاله هباء لكل ما تصور منه من سكين و سيف و سنان و قدوم و مفتاح و كلها صور أشكال و مثل هذا يسمى الهباء الصناعي فهذه أربعة عند العقلاء و الأصل هو الكل و هو الذي وضعنا له هذا الفضل و زدنا نحن حقيقة الحقائق و هي التي ذكرناها في هذا الفصل التي تعم الخلق و الحق و ما ذكرها أحد من أرباب النظر إلا أهل الله غير أن المعتزلة تنبهت على قريب من ذلك فقالت إن الله قائل بالقائلية و عالم بالعالمية و قادر بالقادرية لما هربت من إثبات صفة زائدة على ذات الحق تنزيها للحق فنزعت هذا المنزع فقاربت الأمر و هذا كله أعني ما يختص بهذا الفصل من حكم الاسم الآخر الظاهر التي هي كلمة النفس الرحماني و هو الذي توجه على الدبران من المنازل و كواكبه ستة و هو أول عدد كامل فهو أصل كل عدد كامل فكل مسدس في العالم فله نصيب من هذه الكمالية و عليه أقامت النحل بيتها حتى لا يدخله خلاء و من أهل الله من يراه أفضل الأشكال فإنه قارب الاستدارة مع ظهور الزوايا و جعله أفضل لأن الشكل المسدس كبيوت النحل لا يقبل الخلل مع الكثرة فيظهر الخلو و المستدير ليس كذلك و إن أشبهه غيره في عدم قبول الخلل كالمربع فإنه يبعد عن المستدير و الاستدارة أول الأشكال التي قبل الجسم و جعل بعضها في جوف بعض لأن الخلأ مستدير و لو لم يكن كذلك ما استدار الجسم لأنه ما ملأ إلا الخلأ فلا يقبل استدارة أخرى من خارج فإنه ما ثم خلاء غير ما عمره الجسم فلو عمر بعض الخلأ لم يقبل سوى الشكل المسدس و إنما وصف بالكمال لأنه يظهر عن نصفه و ثلثه و سدسه فيقوم من عين أجزائه‏ (الفصل الخامس عشر) من النفس الرحماني في الاسم الإلهي الظاهر و توجهه على إيجاد الجسم الكل و من الحروف على حرف الغين المعجمة و من المنازل على رأس الجوزاء و هي الهقعة و تسمى الميسان‏ اعلم أن الله تعالى لما جعل في النفس القوة العملية أظهر الله بها صورة الجسم الكل في جوهر الهباء فعمر به الخلأ و الخلأ امتداد متوهم في غير جسم و لما رأينا هذا الجسم الكل لم يقبل من الأشكال إلا الاستدارة علمنا أن الخلأ مستدير إذ كان هذا الجسم عمر الخلأ فالخارج عن الجسم لا يتصف بخلاء و لا ملا ثم إن الله فتح في هذا الجسم صور العالم و جعل هذا الجسم لما أوجده مستديرا لما عمر به جميع الخلأ كانت حركته في خلائه فما هي حركة انتقال عنه و إنما حركته فيه بكله كحركة الرحى تنظر في حركتها بجميعها فتجدها لم تنتقل عن موضعها و تنظر إلى حركة كل جزء منها فتجده منتقلا عن حيزه إلى حيز آخر بحركة الكل و هكذا كل حركة مستديرة فهي متحركة ساكنة لأنها ما أخلت حيزها بالانتقال من حيث جملتها و لا سكنت فتتصف بالسكون و هذا لا يكون إلا في المستدير و أما غير المستدير فلا يسمى لشكله فلكا أي مستديرا و هذا هو أول الصور الطبيعية فأظهرت الطبيعة فيه حكمها فقبل الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة بحكم التجاوز في النقيضين خاصة فتحرك بغلبة الحرارة عليه فإن الاعتدال لا يظهر عنه شي‏ءأصلا و لهذا وصف الحق نفسه بالرضا و الغضب و الرحمة و الانتقام و الحلم و القهر فالاعتدال لا يصح معه وجود و لا تكوين أ لا ترى أنه لو لا التوجه الإلهي على إيجاد كون ما ما وجد و لو لا ما قال له كن ما تكون فلما كانت كمية الحرارة أكثر من غيرها في الجسم أعطته الحركة و ما ثم خلاء إلا ما عمره هذا الجسم و لا بد له من الحركة فتحرك في مكانه و هي حركة الوسط لأنه ليس خارجه خلاء فيتحرك إليه و الحركة تطلبها الحرارة و هي حركة في الجميع من انتقال و أظهر الله صور العالم كله في هذا الجسم على استعدادات مختلفة في كل صورة و إن جمعها جسم واحد و حاكم واحد فقبلت الصور الأرواح من النفس الرحماني كما قبلت الحروف المعاني عند خروجها لتدل على المعنى الذي خرجت له و ظهر حكم الزمان بالحركة فظهرت الصور بالترتيب فقبلت التقدم و التأخر الزماني و ظهر حكم الأسماء الإلهية بوجود هذه الصور و ما تحمله و قد ذكرنا في عقلة المستوفز ترتيب وجود العالم كيف كان و لله كما ذكرنا فيه وجه خاص و في كل ما وجد فيه و عن ذلك الوجه الخاص وجد و لا يعرف السبب قط ذلك الوجه الخاص الذي لمسببه المنفعل عنه و لا عقل و لا نفس إلا الله خاصة و هو رقيقة الجود فتحرك بالوجود الإلهي لا بفعل النفس و هي حركة النفس الرحماني لإيجاد الكلمات فسوى العرش و وحد فيه الكلمة الرحمانية ثم أوجد صورة الكرسي و انقسمت فيه الكلمة و تدلت إليه القدمان و لهذا التدلي انقسمت الكلمة فله الخلق و الأمر و كان انقسامها إلى حكم و خبر ثم أدار الفلك الأطلس بتوجه خاص لحكمة أخفاها عمن شاء و أظهرها و قسمه على اثني عشر مقدارا فعمت المقادير و جعلها بروجا لأرواح ملكية على طبائع مختلفة سمي كل برج باسم ذلك الملك الذي جعل ذلك المقدار برجاله يسكنه كالأبراج الدائرة بسور البلد و كمراتب الولاة في الملك و هي البروج المعلومة عند أهل التعاليم و لكل برج ثلاث وجوه فإن العقل الأول له ثلاث وجوه و إن كان واحدا و ما من حقيقة تكون في الأول إلا و لا بد أن يتضمنها الثاني و يزيد بحكم لا يكون للأول إذا كان المتقدم غير الله و أما الله فهو مع كل شي‏ء فلا يتقدمه شي‏ء و لا يتأخر عنه شي‏ء و ليس هذا الحكم لغير الله و لهذا له إلى كل موجود وجه خاص لأنه سبب كل موجود و كل موجود واحد لا يصح أن يكون اثنين و هو واحد فما صدر عنه إلا واحد فإنه في أحدية كل واحد و إن وجدت الكثرة فبالنظر إلى أحدية الزمان الذي هو الظرف فإن وجود الحق في هذه الكثرة في أحدية كل واحد فما ظهر منه إلا واحد فهذا معنى لا يصدر عن الواحد إلا واحد و لو صدر عنه جميع العالم لم يصدر عنه إلا واحد فهو مع كل واحد من حيث أحديته و هذا لا يدركه إلا أهل الله و تقوله الحكماء على غير هذا الوجه و هو مما أخطأت فيه و جعل الله لكل وال ساكن في هذا البرج أحكاما معلومة عن‏دورات محصورة ليس هذا الفصل موضع حصرها و لا تعيينها ثم فتح الله صورة الفلك المكوكب و بعده الأرض و الماء و الهواء و النار عن حركة فلك البروج و شعاعات كواكب الفلك المكوكب ثم علا الدخان من نار الأركان لما كانت نارا مركبة فأظهر في ذلك الدخان صور السموات أفلاكا مستدبرة و جعل في كل فلك كوكبا كما سيأتي ذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى و عن هذا الاسم الإلهي أوجد في النفس الإنساني الغين المعجمة و منزلة الهقعة (الفصل السادس عشر) في الاسم الإلهي الحكيم‏ و توجهه على إيجاد الشكل و حرف الخاء المعجمة و منزله النحية من المنازل و تسمى الهنعة الشكل القيد و به سمي ما تقيد به الدابة في رجلها شكالا و المتشكل هو المقيد بالشكل الذي ظهر به يقول الله كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ أي ما يعمل إلا ما يشاكله و إلى هذا يرجع معناه يقول ذلك الذي ظهر منه يدل على أنه في نفسه عليه و العالم كله عمل الله فعمله على شاكلته فما في العالم شي‏ء لا يكون في الله و العالم محصور في عشر لكمال صورته إذ كان موجودا على صورة موجدة فجوهر العالم لذات الموجد و عرض العالم لصفاته و زمانه لأزله و مكانه لاستوائه و كمه لأسمائه و كيفه لرضاه و غضبه و وضعه لكلامه و إضافته لربوبيته و أن يفعل لإيجاده و أن ينفعل لإجابته من سأله فعمل العالم على شاكلته فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا و إنه عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فالعالم على صراط مستقيم اعوجاج القوس استقامته فلا تحجب أ لا ترى الخلأ حكم على الجسم بالاستدارة فأظهره فلكا مستديرا فتلك شاكلته فحكمت عليه شاكلة الموطن جبريل ظهر في صورة دحية فجهل فقيل فيه إنسان و هو ملك و علم من علمه ملكا و الصورة إنسان فلم يؤثر علم الملكية منه في صورة إنسانيته و لم يؤثر الجهل بها فيها فالأشكال مقيدة أبدا هذا ما أعطاه الاسم الحكيم مرتب الأمور مراتبها و منزل الأشياء مقاديرها و ظهر من النفس الإنساني في المخارج حرف الخاء المعجمة و من المنازل النحية و ما من شي‏ء ظهر في تفاصيل العالم إلا و في الحضرة الإلهية صورة تشاكل ما ظهر أي يتقيد بها و لو لا هي ما ظهر أ لا ترى الفلك الأطلس كيف ظهر من الحيرة في الحق لأن المقادير فيه لا تتعين للتماثل في الأجزاء كالاسماء و الصفات للحق لا تتعدد فالحيرة ما ظهرت إلا في الفلك الأطلس حيث قيل إن فيه بروجا و لا تتعين فوضع على شكل الحيرة و وضع الفلك المكوكب بالمنازل على شكل الدلالات على ما وقعت فيه الحيرة فاستدل بالمنازل على ما في الأطلس من البروج فهو على شكل الدلالة و جعل تنوع الأحكام بنزول السيارة في المنازل و البروج بمنزلة الصور الإلهية التي يظهر فيها الحق فبما للاطلس فيها من الحكم تجهل و يقال ليس لله صورة بالدلالة العقلية و بما للمنازل فيها من الدلالات تعلم و يقال هذا هو الحق فانظر حكم الإشكال ما فعل و منه الإشكال في المسائل فإنه يعطي الحيرة في المعلوم و شكل الشي‏ء شبهه و الشكل يألف شكله الشكل يألف شكله و الضد يجهل ضده و الدنيا للامتزاج و الآخرة للتخليص فهي على شكل القبضتين‏ (الفصل السابع عشر) في الاسم المحيط و توجهه على إيجاد العرش و العرش الممجدة و المعظمة و المكرمة و حرف القاف و من المنازل الذراع‏ اعلم أن العرش أحاط بالعالم لاستدارته بما أحاط به من العالم و كل ما أحاط به فيه الاستدارة ظاهرة حتى في المولدات و انظر في تشبيه‏ النبي ص في الكرسي أنه في جوف العرش كحلقة في فلاة من الأرض‏ فشبهه بشكل مستدير و هو الحلقة و الأرض و كذلك شبه السموات في الكرسي كحلقة و الأركان الكرية في جوف الفلك الأدنى كذلك ثم ما تولد عنها لا يكون أبدا في صورته إلا مستديرا أو مائلا إلى الاستدارة معدنا كان أو نباتا أو حيوانا و ذلك لأن الحركة دورية فلا تعطي إلا ما يشاكلها فالعرش أعظم الأجسام من حيث الإحاطة فهو العرش العظيم جرما و قدرا و بحركته أعطى ما في قوته لمن هو تحت إحاطته و قبضته فهو العرش الكريم لذلك و بنزاهته أن يحيط به غيره من الأجسام كان له الشرف فهو العرش المجيد ثم إنه ما استوى عليه الاسم الرحمن إلا من أجل النفس الرحماني و ذلك أن المحاط به في ضيق من علمه بأنه محاط به من حيث صورته فأعطاه النفس الرحماني روحا من أمره فكان مجموع كل موجود في العالم صورته و روحه المدبر له و جعل روحه لا داخلا في الصورة و لا خارجا عنها لأنه غير متحيز فانتفى المشروط و الشرط فإن النفس الذي صدرت عنه الأرواح لا داخل في العالم و لا خارج عنه فإذا نظر الموجود في كونه محاطا به ضاق صدره من حيث صورته و إذا نظر في نفسه من حيث روحانيته نفس الله عنه ذلك الضيق بروحه لما علم أنه لا توصف ذاته بأنه محاط به إحاطة العرش بالصور فزال عنه و أورثه ذلك الابتهاج و السرور و الفرح بذاته من حيث روحه فلهذا كان الاستواء بالاسم الرحمن و إحاطة هذا العرش من الإحاطة الإلهية بالعلم في قوله أحاط بكل شي‏ء علما فهو من ورائهم محيط و ليس وراء الله مرمى لرام و وراء العالم الله فهو المنتهى و ما له انتهاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم فالكلمة في العرش من النفس الرحماني واحدة و هو الأمر الإلهي لإيجاد الكائنات فالنفس سار إلى منتهى الخلأ فبه حيي كل شي‏ء فإن العرش على الماء فقبل الحياة بذاته فخلق الله تعالى منه كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ بما يرونه من حياة الأرض بالمطر و حياة الأشجار بالسقي حتى الهواء إن لم يكن فيه مائية و إلا أحرق‏ و اعلم أن هذا العرش قد جعل الله له قوائم نورانية لا أدري كم هي لكني أشهدتها و نورها يشبه نور البرق و مع هذا فرأيت له ظلا فيه من الراحة ما لا يقدر قدرها و ذلك الظل ظل مقعر هذا العرش يحجب نور المستوي الذي هو الرحمن و رأيت الكنز الذي تحت العرش الذي خرجت منه لفظة لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم فإذا الكنز آدم صلوات الله عليه و رأيت تحته كنوزا كثيرة أعرفها و رأيت طيورا حسنة تطير في زواياه فرأيت فيها طائرا من أحسن الطيور فسلم علي فالقى لي فيه أن آخذه صحبتي إلى بلاد الشرق و كنت بمدينة مراكش حين كشف لي عن هذا كله فقلت و من هو قيل لي محمد الحصار بمدينة فاس سأل الله الرحلة إلى بلاد الشرق فخذه معك فقلت السمع و الطاعة فقلت له و هو عين ذلك الطائر تكون صحبتي إن شاء الله فلما جئت إلى مدينة فاس سألت عنه فجاءني فقلت له هل سألت الله في حاجة فقال نعم سألته أن يحملني إلى بلاد الشرق فقيل لي إن فلانا يحملك و أنا أنتظرك من ذلك الزمان فأخذته صحبتي سنة سبع و تسعين و خمسمائة و أوصلته إلى الديار المصرية و مات بها رحمه الله فإن قلت و الملائكة الحافون من حول العرش ما بقي لهم خلاء يتصرفون فيه و العرش قد عمر الخلأ قلنا لا فرق بين كونهم حافين من حول العرش و بين الاستواء على العرش فإنه من لا يقبل التحيز لا يقبل الاتصال و الانفصال ثم إن الملائكة الحافين من حول العرش فما هو هذا الجسم الذي عمر الخلأ و إنما هو ذلك العرش الذي يأتي الله به للفصل و القضاء يوم القيامة و هذا العرش الذي استوى عليه هو عرش الاسم الرحمن أ ما سمعته يقول وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ من حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ عند الفراغ من القضاء فذلك يوم القيامة تحمله الثمانية الأملاك و ذلك بأرض الحشر و نسبة العرش إلى تلك الأرض نسبة الجنة إلى عرض الحائط في قبلة رسول الله ص و هو في صلاة الكسوف و هذا من مسائل ذي النون المصري في إيراد الواسع على الضيق من غير أن يوسع الضيق أو يضيق الواسع و من عرف المواطن هان عليه سماع مثل هذا (الفصل الثامن عشر) في الاسم إلهي الشكور و توجهه على إيجاد الكرسي و القدمين و من الحروف حرف الكاف و من المنازل النثرة قال تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ قال بعض أهل المعاني يريد العلم و نقلوه لغة إلا أنه في هذه الآية ليس إلا جسم محسوس هو في العرش كحلقة ملقاة في فلاة إلا أنه كالعرش لا حركة فيه و من هذا الكرسي تنقسم الكلمة الإلهية إلى حكم و خبر و هو للقدمين الواردين في الخبر كالعرش لاستواء الرحمن و له ملائكة قائمون به لا يعرفون إلا الرب تعالى فإن ظرفية العماء للرب و العرش للرحمن و الكرسي لضمير الكناية عن الله تعالى و هذه الثلاثة الأسماء هي أمهات الأسماء و إذا تتبعت القرآن العزيز وجدت هذه الأسماء الثلاثة الله و الرب و الرحمن دائرة فيه و له ما بين سماء و سماء كرسي سوى هذا الكرسي الأعظم و سمي منسوبا أي لا يعقل إلا هكذا بخلاف غيره من الموجودات و من هنا كان للرب الذي لا يعقل إلا مضافا و غيره الذي هو الاسم الله و الرحمن قد ورد غير مضاف إلا الرب فلا يرد حيث ورد إلا مضافا فإنه يطلب المربوب بذاته ربنا رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ رَبُّ السَّماواتِ رَبُّ الْمَشْرِقِ فأثرت هذه الحقيقة في المرتبة المكانية الذي هو الكرسي فورد منسوبا و النسبة إضافة و جاء في الدرجة الثالثة و هي أول الأفراد و لما كان الرب الثابت فكذلك الكرسي حكم عليه الاسم الإلهي بالثبوت فالثبوت أيضا الموصوف به العرش يؤذن بأن الاسم الرحمن ثابت الحكم في كل ما يحوي عليه و هو قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فمال الكل إلى الرحمة و إن تخلل الأمر آلام و عذاب و علل و أمراض مع حكم الاسم الرحمن فإنما هي أعراض عرضت في الأكوان دنيا و آخرة من أجل أن الرحمن له الأسماء الحسنى و من الأسماء الضار و المذل و المميت فلهذا ظهر في العالم ما لا تقتضيه الرحمة و لكن لعوارض و في طي تلك العوارض رحمة و لو لم يكن إلا تضاعف النعيم و الراحة عقيب زوال حكمه و لهذا قيل أحلى من الأمن عند الخائف الوجل فما تعرف لذات النعم إلا بأضدادها فوضعت لاقتناء العلوم التي فيها شرف الإنسان فكانت كالطريق الموصلة أو الدليل الموصل إلى مدلوله ذوقا و حصول العلم بالأذواق أتم منه بطريق الخبر أ لا ترى الحق وصف نفسه على ألسنة رسله بالغضب و الرضاء و من هاتين الحقيقتين ظهر في العالم اكتساب العلوم من الأذواق الظاهرة كالطعوم و أشباهها و الباطنة كالآلام من الهموم و الغموم مع سلامة الأعضاء الظاهرة من كل سبب يؤدي إلى ألم فانظر ما أعجب هذا فثبت العرش لثبوت الرحمة السارية التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فلها الإحاطة و هي عين النفس الرحماني فبه ينفس الله كل كرب في خلقه فإن الضيق الذي يطرأ أو يجده العالم كونه أصلهم في القبضة و كل مقبوض عليه محصور و كل محصور محجور عليه و الإنسان لما وجد على الصورة لم يحتمل التحجير فنفس الله عنه بهذا النفس الرحماني ما يجده من ذلك كما كان تنفسه من حكم الحب الذي وصف به نفسه في‏ قوله أحببت أن أعرف‏ فأظهره في النفس الرحماني فكان ذلك التنفس الإلهي عين وجود العالم فعرفه العالم كما أراد فعين العالم عين الرحمة لا غيرها فاشحذ فؤادك فما يكون العالم رحمة للحق و يكون الحق يسرمد عليه الألم أ لله أكرم و أجل من ذلك فانظر ما أعجب ما أعطاه مقام الكرسي من انقسام الكلمة الإلهية فظهر الحق و الخلق و لم يكن يتميز لو لا الكرسي الذي هو موضع القدمين الواردتين في الخبر و عن هذا الاسم وجد في النفس الإنساني حرف الكاف و في فلك المنازل منزلة النثرة لما وجد فلكها (الفصل التاسع عشر) في الاسم الغني‏ و توجهه على إيجاد الفلك الأطلس و هو فلك البروج و استعانته بالاسم الدهر و إيجاد حرف الجيم من الحروف و الطرف من المنازل‏ اعلم أن هذا الاسم جعل هذا الفلك أطلس لا كوكب فيه متماثل الأجزاء مستدير الشكل لا تعرف لحركته بداية و لا نهاية و ما له طرف بوجوده حدثت الأيام السبعة و الشهور و السنون و لكن ما تعينت هذه الأزمنة فيه إلا بعد ما خلق الله في جوفه من العلامات التي ميزت هذه الأزمنة و ما عين منها هذا الفلك سوى يوم واحد و هي دورة واحدة عينها مكان القدم من الكرسي فتعينت من أعلى فذلك القدر يسمى يوما و ما عرف هذا اليوم إلا الله تعالى لتماثل أجزاء هذا الفلك و أول ابتداء حركته و كان ابتداء حركته و أول درجة من برج الجوزاء يقابل هذا القدم و هو من البروج الهوائية فأول يوم في العالم ظهر كان بأول درجة من الجوزاء و يسمى ذلك اليوم الأحد فلما انتهى ذلك الجزء المعين عند الله من هذا الفلك إلى مقارنة ذلك القدم من الكرسي‏انقضت دورة واحدة هي المجموع قابلت أجزاء هذا الفلك كلها من الكرسي موضع القدم منه فعمت تلك الحركة كل درجة و دقيقة و ثانية و ما فوق ذلك في هذا الفلك فظهرت الأحياز و ثبت وجود الجوهر الفرد المتحيز الذي لا يقبل القسمة من حركة هذا الفلك ثم ابتدأ عند هذه النهاية بانتقال آخر في الوسط أيضا إلى أن بلغ الغاية مثل الحركة الأولى بجميع ما فيه من الأجزاء الأفراد التي تألف منها لأنه ذو كميات و تسمى هذه الحركة الثانية يوم الإثنين إلى أن كمل سبع حركات دورية كل حركة عينتها صفة إلهية و الصفات سبع لا تزيد على ذلك فلم يتمكن أن يزيد الدهر على سبعة أيام يوما فإنه ما ثم ما يوجبه فعاد الحكم إلى الصفة الأولى فأدارته و مشى عليه اسم الأحد و كان الأولى بالنظر إلى الدورات أن تكون ثامنة لكن لما كان وجودها عن الصفة الأولى عينها لم يتغير عليها اسمها و هكذا الدورة التي تليها إلى سبع دورات ثم يبتدئ الحكم كما كان أول مرة عن تلك الصفة و يتبعها ذلك الاسم أبد الآبدين دنيا و آخرة بحكم العزيز العليم فيوم الأحد عن صفة السمع فلهذا ما في العالم إلا من يسمع الأمر الإلهي في حال عدمه بقوله كُنْ و يوم الإثنين وجدت حركته عن صفة الحياة و به كانت الحياة في العالم فما في العالم جزء إلا و هو حي و يوم الثلاثاء وجدت حركته عن صفة البصر فما في العالم جزء إلا و هو يشاهد خالقه من حيث عينه لا من حيث عين خالقه و يوم الأربعاء وجدت حركته عن صفة الإرادة فما في العالم جزء إلا و هو يقصد تعظيم موجدة و يوم الخميس وجدت حركته عن صفة القدرة فما في الوجود جزء إلا و هو متمكن من الثناء على موجدة و يوم الجمعة وجدت حركته عن صفة العلم فما في العالم جزء إلا و هو يعلم موجدة من حيث ذاته لا من حيث ذات موجدة و قيل إنما وجد عن صفة العلم يوم الأربعاء و هو صحيح فإنه أراد علم العين و هو علم المشاهدة و الذي أردناه نحن إنما هو العلم الإلهي مطلقا لا العلم المستفاد و هذا القول الذي حكيناه أنه قيل ما قاله لي أحد من البشر بل قاله لي روح من الأرواح فأجبته بهذا الجواب فتوقف فالقى عليه أن الأمر كما ذكرناه و يوم السبت وجدت حركته عن صفة الكلام فما في الوجود جزء إلا و هو يسبح بحمد خالقه و لكن لا نفقة تسبيحه إن الله كانَ حَلِيماً غَفُوراً فما في العالم جزء إلا و هو ناطق بتسبيح خالقه عالم بما يسبح به مما ينبغي لجلاله قادر على ذلك قاصد له على التعيين لا لسبب آخر فمن وجد عن سبب مشاهدة عظمة موجدة حي القلب سميع لأمره فتعينت الأيام أن تكون سبعة لهذه الصفات و أحكامها فظهر العالم حيا سميعا بصيرا عالما مريدا قادرا متكلما فعمله على شاكلته كما قال تعالى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ و العالم عمله فظهر بصفات الحق فإن قلت فيه إنه حق صدقت فإن الله قال وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و إن قلت فيه إنه خلق صدقت فإنه قال إِذْ رَمَيْتَ فعرى و كسى و أثبت و نفى فهو لا هو و هو المجهول المعلوم وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ و للعالم الظهور بها في التخلق فلا يزاد في الأيام السبعة و لا ينقص منها و ليس يعرف هذه الأيام كما بيناها إلا العالم الذي فوق الفلك الأطلس لأنهم شاهدوا التوجهات الإلهيات من هناك على إيجاد هذه الأدوار و ميزوا بين التوجهات فانحصرت لهم في سبعة ثم عاد الحكم فعلموا النهاية في ذلك و أما من تحت هذا الفلك فما علموا ذلك إلا بالجواري السبعة و لا علموا تعيين اليوم إلا بفلك الشمس حيث قسمته الشمس إلى ليل و نهار فعين الليل و النهار اليوم ثم إن الله تعالى جعل في هذا الفلك الأطلس حكم التقسيم الذي ظهر في الكرسي لما انقسمت الكلمة فيه بتدلي القدمين إليه و هما خبر و حكم و الحكم خمسة أقسام وجوب و حظر و إباحة و ندب و كراهة و الخبر قسم واحد و هو ما لم يدخل تحت حكم واحد من هذه الأحكام فإذا ضربت اثنين في ستة كان المجموع اثني عشر ستة إلهية و ستة كونية لأنها على الصورة فانقسم هذا الفلك الأطلس على اثني عشر قسما عينها ما ذكرناه من انقسام الكلمة في الكرسي و أعطى لكل قسم حكما في العالم متناهيا إلى غاية ثم تدور كما دارت الأيام سواء إلى‏ غير نهاية فأعطى قسما منها اثنتي عشر ألف سنة و هو قسم الحمل كل سنة ثلاثمائة و ستون دورة مضروبة في اثني عشر ألفا فما اجتمع من ذلك فهو حكم هذا القسم في العالم بتقدير العزيز العليم الذي أوحى الله فيه من الأمر الإلهي الكائن في العالم ثم تمشي على كل قسم بإسقاط ألف حتى تنتهي إلى آخر قسم و هو الحوت و هو الذي يلي الحمل و العمل في كل قسم بالحساب كالعمل الذي ذكرناه في الحمل فما اجتمع من ذلك فهو الغاية ثم يعود الدور كما بدأ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فالمتحرك ثابت العين و المتجدد إنما هي الحركة فالحركة لا تعود عينها أبدا لكن مثلهاو العين لا تنعدم أبدا فإن الله قد حكم بإبقائها فإنه أحب أن يعرف فلا بد من إبقاء أعين العارفين و هم أجزاء العالم و هذا الفلك هو سقف الجنة و عن حركته يتكون في الجنة ما يتكون و هو لا ينخزم نظمه فالجنة لا تفني لذاتها أبدا و لا يتخلل نعيمها ألم و لا تنغيص و إن كانت طبائع أقسام هذا الفلك مختلفة فما اختلفت إلا لكون الطبيعة فوقه فحكمت عليه بما تعطيه من حرارة و برودة و يبوسة و رطوبة إلا أنه لما كان مركبا و لم يكن بسيطا لم يظهر فيه حكم الطبيعة إلا بالتركيب فتركب الناري من هذه الأقسام من حرارة و يبوسة و تركب الترابي منها من برودة و يبوسة و تركب الهوائي منها من حرارة و رطوبة و تركب المائي منها من برودة و رطوبة فظهرت على أربع مراتب لأن الطبيعة لا تقبل منها إلا أربعة تركيبات لكونها متضادة و غير متضادة على السواء فلذلك لم تقبل إلا أربع تركيبات كما هي في عينها على أربع لا غير و إن كانت الطبيعة في الحقيقة اثنين لأنها عن النفس‏ و النفس ذات قوتين علمية و عملية فالطبيعة ذات حقيقتين فاعلتين من غير علم فهي تفعل بعلم النفس لا بعلمها إذ لا علم لها و لها العلم فهي فاعلة بالطبع غير موصوفة بالعلم فهي من حيث الحرارة و البرودة فاعلة ثم انفعلت اليبوسة عن الحرارة و الرطوبة عن البرودة فكما كانت الحرارة تضاد البرودة كان منفعل الحرارة يضاد منفعل البرودة فلهذا ما تركب من المجموع سوى أربع فظهر حكمها في أقسام هذا الفلك بتقدير العزيز العليم ثم جعلها على التثليث كل ثلث أربع فإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان المجموع اثني عشر فلكل برج ثلاثة أوجه مضروبة في أربعة أبراج كان المجموع اثني عشر وجها و الأربعة الأبراج قد عمت تركيب الطبائع لأنها منحصرة في ناري و ترابي و هوائي و مائي فإذا ضربت ثلاث مراتب في اثني عشر وجها كان المجموع ستة و ثلاثين وجها و هو عشر الدرج أي جزء من عشرة و العشرة آخر نهاية الأحقاب و الحقبة السنة فأرجو أن يكون المال إلى رحمة الله في أي دار شاء فإن المراد أن تعم الرحمة الجميع حيث كانوا فيحيي الجميع بعد ما كان منه من لا يموت و لا يحيا و ذلك حال البرزخ‏ و اعلم أن هذا الفلك يقطع بحركته في الكرسي كما يقطعه من دونه من الأفلاك و لما كان الكرسي موضع القدمين لم يعط في الآخرة إلا دارين نارا و جنة فإنه أعطى بالقومين فلكين فلك البروج و فلك المنازل الذي هو أرض الجنة و هما باقيان و ما دون فلك المنازل يخرب نظامه و تبدل صورته و يزول ضوء كواكبه كما قال يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ و قال فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ فما ذكر من السموات إلا المعروفة بالسموات و هي السبع السموات خاصة و أما مقعر فلك المنازل فهو سقف النار و من فعل هاتين القدمين في هذا الفلك ظهر في العالم من كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بتقدير العزيز لوجود حكم الفاعلين من الطبيعة و القوتين من النفس و الوجهين من العقل و الحرفين من الكلمة الإلهية كن من الصفتين الإلهية في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و هي الصفة الواحدة وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و هي الصفة الأخرى فمن نزه فمن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و من شبه فمن وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فغيب و شهادة غيب تنزيه و شهادة تشبيه فافهم إن كنت تفهم و اعلم ما الحقيقة التي حكمت على الثنوية حتى أشركوا و هم المانية مع استيفائهم النظر و بذل الاستطاعة فيه فلم يقدروا على الخروج من هذه الاثنينية إلى العين الواحدة و ما ثم إلا الله وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به فلم يعذر لأنه نزل عن هذه الدرجة فقلد فنجا صاحب النظر و هلك المقلد فإنه استند إلى أمر محقق في الصفة و الكلمة وَ أَضَلَّهُ الله عَلى‏ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى‏ سَمْعِهِ فلم يسمع وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و ختم على قلبه فلم يعلم أنه إله واحد لأنه لم يشاهد تقليب قلبه وَ جَعَلَ عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً فلم يدرك فردية الكلمة بالواو التي بين الكاف و النون فمنعته الغشاوة من إدراكها فلم يشاهد إلا اثنين الكاف و النون لفظا و خطا و الكاف كافان كاف كن و هي كاف الإثبات و كاف لم يكن و هي كاف النفي و في هذه الكاف طلعت لنا الشمس سنة تسعين و خمسمائة فأثبتنا نفي التشبيه بطلوع الشمس في لم يكن و من لم تطلع له فيه شمس قال بالتعطيل و الشمس طالعة و لا بد في لم يكن نصف القرص منها ظاهر و النصف فيها مستتر و الغشاوة منعت هذا الرائي أن يدرك طلوعها فقال بالتعطيل و هو النفي المطلق فما من ناظر إلا و له عذر و الله أجل من أن يكلف نفسا ما ليس في وسعها

فكلهم في رحمة الله خالد موحده أو ذو الشريك و جاحد

و من هذا الاسم وجد حرف الجيم و الطرف من المنازل و سيأتي الكلام على كل واحد من هذه الحروف و المنازل في بابها (الفصل العشرون في الاسم المقدر) و توجهه على إيجاد فلك المنازل و الجنات و تقدير صور الكواكب في مقعر هذا الفلك و كونه أرض الجنة و سقف جهنم و له حرف الشين المعجمة من الحروف و منزلة جبهة الأسد قال تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ... ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فالمنازل مقادير التقاسيم التي في فلك البروج عينها الحق تعالى لنا إذ لم يميزه البصر بهذه المنازل و جعلها ثماني و عشرين منزلة من أجل حروف النفس الرحماني و إنما قلنا ذلك لأن الناس يتحيلون أن الحروف الثمانية و العشرين من المنازل حكم هذا العدد لها و عندنا بالعكس بل عن هذه الحروف كان حكم عدد المنازل و جعلت ثماني و عشرين مقسمة على اثني عشر برجا ليكون لكل برج في العدد الصحيح قدم و في العدد المكسور قدم إذ لو كان لبرج من هذه البروج عدد صحيح دون كسر أو مكسور دون صحيح لم يعم حكم ذلك البرج في العالم بحكم الزيادة و النقص و الكمال و عدم الكمال و لا بد من الزيادة و النقص لأن الاعتدال لا سبيل إليه لأن العالم مبناه على التكوين و التكوين بالاعتدال لا يصح فلا بد من عدد مكسور و صحيح في كل برج فكان لكل برج منزلتان و ثلث فثم برج يكون له منزلتان صحيحتان و ثلث منزلة كسر و ثم برج يكون له منزلة صحيحة في الوسط و يكون في آخره كسر و في أوله كسر فيلفق من الكسرين منزلة صحيحة مختلفة المزاج و ثلث منزلة و إنما قلنا مختلفة المزاج فإن كل منزلة على مزاج خاص فإذا جمع جزء منزلة إلى جزأي منزلة أخرى ليكمل بذلك عين منزلة لأن المنزلة مثلثة كالبرج له ثلاثة وجوه و من وجوه منازله سبعة وجوه فكل برج ذو سبعة أوجه و له من نفسه ثلاثة أوجه فكان المجموع عشرة أوجه فالمنزلة الصحيحة ذات مزاج واحد و المنزلة الكائنة من منزلتين بمنزلة المولد من اثنين يحدث له مزاج آخر ليس هو في كل واحد من الأبوين و فيه سر عجيب و هو أحدية المجموع فإن لها من الأثر ما ليس لاحدية الواحد أ لا ترى أن العالم ما وجد إلا بأحدية المجموع و أن الغني لله ما ثبت إلا بأحدية الواحد فهذا الحكم يخالف هذا الحكم بلا شك فالثريا لها مزاج خاص و قد أخذ الحمل منها ثلثها و جاء الثور يحتاج إلى منزلتين و ثلث فأخذ منزلة الدبران صحيحة بمزاج واحد أحدي و بقي له منزلة و ثلث لم يجد منزلة صحيحة ما يأخذ فأخذ ثلثي الثريا و أضاف إلى ذلك ثلثي الهقعة فكملت له منزلة واحدة بأحدية المجموع فتعطيه هذه المنزلة عين حكم الثريا و عين حكم الهقعة ثم يأخذ الثلث الثاني من الهقعة فلا يعمل من الهقعة إلا بالثلث الوسط و أما الثلث الأول المضاف إلى ثلثي الثريا لكمال المنزلة فإنه يحدث لهذا الثلث و يحدث لثلث الثريا بكمال و صورة منزلة ما هي عين واحدة منهما حكم ليس هو لثلثي أحدهما و لا لثلث الآخر فهذا هو السبب الذي يكون لأجله للبرج ثلاثة أوجه فمنه برج خالص و برج ممتزج و هل كل برج يكون من ثلثين و ثلثين و هي بروج معلومة يعينها لك تقسيم المنازل عليها و قد تكون المنزلة المركبة قامت من منزلة سعيدة و نحسة فتعطي بالمجموع سعدا و لا يظهر لنحس الأخرى أثر و قد تعطي نحسا و لا يظهر لسعد الأخرى أثر بخلاف المنزلة الصحيحة فإنها تجري على ما خلقت له فإن الله أعطاها خلقها كما أعطى للمركبة خلقها فكل علامة و دليل على برج لا بد فيه من التركيب و يكون بالتثليث فإن الدليل أبدا مثلث النشأة لا بد من ذلك مفردان و جامع بينهما و هو الوجه الثالث لا بد من ذلك في كل مقدمتين من أجل الإنتاج كل أ ب و كل ب ج فتكررت الباء فقام الدليل من ألف با جيم فالوجه الجامع الباء لأنه تكرر في المقدمتين فانتج كل ألف جيم و هو كان المطلوب الذي ادعاه صاحب الدعوى فإنه ادعى أن كل ألف جيم فنوزع فساق الدليل بما اعترف به المنازع فإنه سلم إن كل أ ب و سلم أن كل ب ج فثبت عنده صحة قول المدعي أن كل أ ج فمن هنا ظهرت البراهين في عالم الإنسان و عن هذه التقاسيم التي أعطت المنازل في البروج و بعد أن علمت هذا فاعلم أن هذا الفلك الأطلس لما قام له الكرسي مقام العرش و فوق الأطلس الكرسي و العرش أعطت هذه الثلاثة وجود فلك المنازل كما أعطت المقدمات المركبة من ثلاث النتيجة و كما حملت النتيجة قوى الثلاث اللاتي في المقدمتين حمل فلك الكواكب قوة الأطلس و الكرسي و العرش و الكرسي هو الوجه الجامع بين المقدمتين لأنه الوسط بين العرش و الأطلس فله وجه إلى كل واحد منهما فمن قوة العرش اتحدت أو توحدت فيه الكلمة الإلهية فكان أهل الجنة و هم أهل هذا الفلك المكوكب يقولون للشي‏ء كن فيكون و من قوة الكرسي كان لكل إنسان فيه زوجتان لأنه موضع القدمين و من قوة الفلك الأطلس‏غابت إنسانيته في ربه فتكونت عنه الأشياء و لا تتكون إلا عن الله و غابت الربوبية في إنسانيته فالتذ بالأشياء و تنعم و أكل و شرب و نكح فهو خلق حق فجهل كما أن الفلك الأطلس مجهول فلهذا قلنا إن هذا الفلك قد حصل قوة ما فوقه لأنه مواد عنه و هكذا كل ما تحته أبدا المولد يجمع حقائق ما فوقه حتى ينتهي إلى الإنسان و هو آخر مولد فتجمع فيه قوى جميع العالم و الأسماء الإلهية بكمالها فلا موجود أكمل من الإنسان الكامل و من لم يكمل في هذه الدنيا من الأناسي فهو حيوان ناطق جزء من الصورة لا غير لا يلحق بدرجة الإنسان بل نسبته إلى الإنسان نسبة جسد الميت إلى الإنسان فهو إنسان بالشكل لا بالحقيقة لأن جسد الميت فاقد في نظر العين جميع القوي و كذلك هذا الذي لم يكمل و كماله بالخلافة فلا يكون خليفة إلا من له الأسماء الإلهية بطريق الاستحقاق أي هو على تركيب خاص يقبلها إذ ما كل تركيب يقبلها و هذا من الأسرار الإلهية التي تجوزها العقول و هي محال كونها و لما خلق الله هذا الفلك كون في سطحه الجنة فسطحه مسك و هو أرض الجنة و قسم الجنات على ثلاثة أقسام للثلاثة الوجوه التي لكل برج جنات الاختصاص و هي الأولى و جنات الميراث و هي الثانية و جنات الأعمال و هي الثالثة ثم جعل في كل قسم أربعة أنهار مضروبة في ثلاثة يكون منها اثنا عشر نهرا و منها ظهر في حجر موسى اثنتا عشرة عينا لاثنتي عشرة سبطا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ النهر الواحد نهر الماء الذي هو غير آسن يقول غير متغير و هو علم الحياة و نهر الخمر و هو علم الأحوال و نهر العسل و هو علم الوحي على ضروبه و لهذا تصعق الملائكة عند ما تسمع الوحي كما يسكر شارب الخمر و نهر اللبن و هو علم الأسرار و اللب الذي تنتجه الرياضات و التقوى فهذه أربعة علوم و الإنسان مثلث النشأة نشأة باطنة معنوية روحانية و نشأة ظاهرة حسية طبيعية و نشأة متوسطة جسدية برزخية مثالية و لكل نشأة من هذه الأنهار نصيب كل نصيب نهر لها مستقل يختلف مطعمه باختلاف النشأة فيدرك منه بالحس ما لا يدركه بالخيال و يدرك منه بالخيال ما لا يدركه بالمعنى و هكذا كل نشأة فللإنسان اثنا عشر نهرا في جنة الاختصاص أربعة و في جنة الميراث مثلها و في جنة الأعمال مثلها لمن له جنة عمل إما من نفسه و إما ممن أهدى له من الأعمال شيئا فيحصل للإنسان من العلوم في كل جنة بحسب حقيقة تلك الجنة و بحسب مأخذ النشآت منه فإنها تختلف مأخذها و تختلف العلوم و تختلف الجنات فتختلف الأذواق و نفس الرحمن فيها دائم لا ينقطع تسوقه ريح تسمى المثيرة و في الجنة شجرة ما يبقى بيت في الجنة إلا دخل فيه منها تسمى المؤنسة يجتمع إلى أصلها أهل الجنة في ظلها يتحدثون بما ينبغي لجلال الله بحسب مقاماتهم في ذلك بطريق الإفادة فيحصل بينهم لكل واحد علم لم يكن يعرفه فتعلو منزلته بعلو ذلك العلم فإذا قاموا من تحت تلك الشجرة وجدوا لهم درجات و منازل لم يكونوا يعرفونها في جناتهم فيجدون من اللذة بها ما لا يقدر قدره فيتعجبون و لا يعرفون من أين ذلك فتهب عليهم الريح المثيرة من نفس الرحمن تخبرهم أن هذه الدرجات التي حصلتموها هي منازلكم في منازل العلم الذي اكتسبتموه تحت الشجرة المؤنسة في ناديكم هذه منازله فيحصل لكل واحد منزل يعلمه فلا يمر لهم نفس إلا و لهم فيه نعيم مقيم جديد فهذا ما يحوي عليه سطح هذا الفلك و أمثال هذا و وجدت هذه الجنان بطالع الأسد و هو برج ثابت فلها الدوام و له القهر فلهذا يقول أهله للشي‏ء كن فلا يأبى إلا أن يكون لأنه ليس في البروج من له السطوة مثله فله القهر على إبراز الأمور من العدم إلى الوجود و أما مقعر هذا الفلك فجعله الله محلا للكواكب الثابتة القاطعة في فلك البروج و لها من الصور فيه ألف صورة واحدي و عشرون صورة و صور السبعة الجواري في السموات السبع فمبلغ الجميع ألف و ثمان و عشرون صورة كلها تقطع في فلك البروج بين سريع و بطي‏ء و يوم كل كوكب منها بقدر قطعه فلك البروج فأسرعها قطعا القمر فإن يومه ثمانية و عشرون يوما من أيام الدورة الكبرى التي تقدر بها هذه الأيام و هي الأيام المعهودة عند الناس كما أشار إلى ذلك تعالى في قوله وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ يعني‏ هذه الأيام المعروفة فأقصر أيام هذه الكواكب يوم القمر و مقداره ثمانية و عشرون يوما مما تعدون و أطول يوم لكوكب منه مقداره ست و ثلاثون ألف سنة مما تعدون و يوم ذي المعارج من الأسماء الإلهية خمسون ألف سنة و يوم الاسم الرب كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ و لكل اسم إلهي يوم فإذا أردت أن تعرف جميع أيام صور الكواكب أعني مقدارها من الأيام المعروفة فاضرب ألفا و أحدا و عشرين‏ في ستة و ثلاثين ألف سنة فما خرج فذلك حصر أيام الكواكب من الأيام المعروفة فإن يوم كل واحد منها ست و ثلاثون ألف سنة ثم تضيف إلى المجموع أيام الجواري السبعة فما اجتمع فهو ذلك ثم تأخذ هذا المجموع و تضربه فيما اجتمع من سنى البروج و سنى ما اجتمع من ضرب ثلاثمائة و ستين في مثلها فما خرج لك من المجموع فهو عدد الكوائن في الدنيا من أول ما خلقها الله إلى انقضائها فاعلم ذلك و المجموع من ضرب ثلاثمائة و ستين في مثلها مع سنى البروج مائتا ألف و سبعة آلاف و ستمائة و في هذا المجموع تضرب ما اجتمع من عدد أيام الكواكب كلها فهذا تقدير الكواكب التي وقتها و قدرها العزيز العليم فيبقى في الآخرة في دار جهنم حكم أيام الكواكب التي في مقعر هذا الفلك و الجواري السبعة مع انكدارها و طمسها و انتثارها فتحدث عنها في جهنم حوادث غير حوادث إنارتها و ثبوتها و سير أفلاكها بها و هي ألف و ثمانية و عشرون فلكا كلها تذهب و تبقي السباحة للكواكب بذاتها مطموسة الأنوار و يبقى في الآخرة في الجنة حكم البروج و حكم مقادير العقل عنها يحدث في الجنان ما يحدث و يثبت و أما كثيب المسك الأبيض الذي في جنة عدن الذي تجتمع فيه الناس للرؤية يوم الزور الأعظم و هو يوم الجمعة فأيامه من أيام أسماء الله و لا علم لي و لا لأحد بها فإن لله أسماء استأثر بها في علم غيبه فلا تعلم فلا تعلم أيامها فعدن بين الجنات كالكعبة بيت الله بين بيوت الناس و الزور الأعظم فيه كصلاة الجمعة و الزور الخاص كالصلوات الخمس في الأيام و الزور الأخلص الأخص كمساجد البيوت لصلاة النوافل فتزور الحق على قدر صلاتك و تراه على قدر حضورك فأدناه الحضور في النية عند التكبير و عند الخروج من الصلاة و أعظمه استصحاب الحضور إلى الخروج من الصلاة و ما بينهما في كل صلاة فهنا مناجاة و هناك مشاهدة و هنا حركات و هناك سكون و لهذا الاسم من الحروف الشين المعجمة و من المنازل الجبهة انتهى الجزء الثاني و العشرون و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(الفصل الحادي و العشرون) في الاسم الرب‏ و توجهه على إيجاد السماء الأولى و البيت المعمور و السدرة و الخليل و يوم السبت و حرف الياء بالنقطتين من أسفل و الخرتان و كيوان قال الله تعالى وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فما طلب الزيادة من العلم إلا من الرب و لهذا جاء مضافا لاحتياج العالم إليه أكثر من غيره من الأسماء لأنه اسم لجميع المصالح و هو من الأسماء الثلاثة الأمهات فجاء رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ و رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و رَبُّ الْمَشارِقِ و الْمَشْرِقَيْنِ و الْمَشْرِقِ و رب المغارب و المغرب و المغربين و هو المتخذ وكيلا و هذا الاسم أعطى السدرة نبقها و خضرتها و نورها منه و من الاسم الله و أعطى الاسم الرحمن من نفسه عرفها كما قال في الجنة عَرَّفَها لَهُمْ يعني بالنفس من العرف و هي الرائحة و من الاسم الله أصولها و زقومها لأهل جهنم و قد جلل الله هذه السدرة بنور الهوية فلا تصل عين إلى مشاهدتها فتحدها أو تصفها و النور الذي كساها نور أعمال العباد و نبقها على عدد نسم السعداء لا بل على عدد أعمال السعداء لا بل هي أعيان أعمال السعداء و ما في جنة الأعمال قصر و لا طاق إلا و غصن من أغصان هذه السدرة داخل فيه و في ذلك الغصن من النبق على قدر ما في العمل الذي هذا الغصن صورته من الحركات و ما من ورقة في ذلك الغصن إلا و فيها من الحسن بقدر ما حضر هذا العبد مع الله في ذلك العمل و أوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل و شوك هذه السدرة كله لأهل الشقاء و أصولها فيهم و الشجرة واحدة و لكن تعطي أصولها النقيض مما تعطيه فروعها من كل نوع فكل ما وصفنا به الفروع حد النقيض في الأصول و هذا كثير الوقوع في علم النبات كما حكي أن أبا العلا بن زهر و كان من أعلم الناس بالطب و لا سيما بعلم الحشائش و أبا بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة و كان دون ابن زهر في معرفة الحشائش إلا أنه كان أفضل منه في العلم الطبيعي و كان يتخيل في زعمه أنه أعلم من ابن زهر في علم الحشائش فركبا يوما فمرا بحشيشة فقال ابن زهر لغلامه اقطع لنا من هذه الحشيشة و أشار إلى حشيشة معينة فأخذ شيئا منها و فتلها في يده و قربها من أنفه كأنه يستنشقها ثم قال لأبي بكر انظر ما أطيب ريح هذه الحشيشة فاستنشقها أبو بكر فرعف من حينه فما ترك شيئا يمكن في علمه أن يقطع به الرعاف مما هو حاضر إلا و عمله و ما نفع حتى كاد يهلك و أبو العلا يتبسم‏و يقول يا أبا بكر عجزت قال نعم فقال أبو العلا لغلامه استخرج لي أصول تلك الحشيشة فجاء بها فقال له يا أبا بكر استنشقها فاستنشقها أبو بكر فانقطع الدم عنه فعلم فضله عليه في علم الحشائش و أسعد الناس بهذه السدرة أهل بيت المقدس كما أن أسعد الناس بالمهدي أهل الكوفة كما أنه أسعد الناس برسول الله ص أهل الحرم المكي كما أنه أسعد الناس بالحق أهل القرآن و إذ أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغل من صدورهم و مكتوب على ورقها سبوح قدوس رب الملائكة و الروح و إلى هذه السدرة تنتهي أعمال بنى آدم و لهذا سميت سدرة المنتهى و للحق فيها تجل خاص عظيم يقيد الناظر و يحير الخاطر و إلى جانبها منصة و تلك المنصة مقعد جبريل عليه السلام و فيها من الآيات ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر كما قال رسول الله ص‏ فيها إنها غشيها من نور الله ما غشى فلا يستطيع أحد أن ينعتها إنما ينظر الناظر إليها فيدركه البهت و أوجد الله في هذه السماء البيت المعمور المسمى بالضراح و هو على سمت الكعبة كما ورد في الخبر لو سقطت منه حصاة لوقعت على الكعبة و هذا البيت في هذه السماء و السماء ساكنة لا حركة فيها و لهذا لا ينتقل البيت من سمت الكعبة لأن الله جعل هذه السموات ثابتة مستقرة هي لنا كالسقف للبيت و لهذا سماها السقف المرفوع إلا أنه في كل سماء فلك و هو الذي تحدثه سباحة كوكب ذلك السماء فالكواكب تسبح في أفلاكها لكل كوكب فلك فعدد الأفلاك بعدد الكواكب يقول تعالى كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ و أجرام السموات أجرام شفافة و هي مسكن الملائكة و الأفلاك لو لا سباحة الكواكب ما ظهر لها عين في السموات فهي فيها كالطرق في الأرض تحدث كونها طريقا بالماشي فيها فهي أرض من حيث عينها طريق من حيث المشي فيها و هذا البيت له بابان يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون على الباب الذي يقابله و لا يعودون إليه أبدا يدخلون فيه من الباب الشرقي لأنه باب ظهور الأنوار و يخرجون من الباب الغربي لأنه باب ستر الأنوار المذهبة فيحصلون في الغيب فلا يدري أحد حيث يستقرون و هؤلاء الملائكة يخلقهم الله في كل يوم من نهر الحياة من القطرات التي تقطر من انتفاض جبريل لأن الله قد جعل له في كل يوم غمسة في نهر الحياة و بعدد هؤلاء الملائكة في كل يوم تكون خواطر بنى آدم فما من شخص مؤمن و لا غيره إلا و يخطر له سبعون ألف خاطر في كل يوم لا يشعر بها إلا أهل الله و هؤلاء الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور يجتمعون عند خروجهم منه مع الملائكة الذين خلقهم الله من خواطر القلوب فإذا اجتمعوا بهم كان ذكرهم الاستغفار إلى يوم القيامة فمن كان قلبه معمورا بذكر الله مستصحبا كانت الملائكة المخلوقة من خواطره تمتاز عن الملائكة التي خلقت من خواطر قلب ليس له هذا المقام و سواء كان الخاطر فيما ينبغي أو فيما لا ينبغي فالقلوب كلها من هذا البيت خلقت فلا تزال معمورة دائما و كل ملك يتكون من الخاطر يكون على صورة ما خطر سواء و خلق الله في هذه السماء كوكبا و أوحى فيها أمرها و أسكنها إبراهيم الخليل و جعل لهذا الكوكب حركة في فلكه على قدر معلوم و من أعجب المسائل مسألة هذه الحركات فإنها من خفي العلم فإنه يعطي أنه لا يستحيل مؤثر فيه بين مؤثرين لأن مثل هذه الحركة لهذا الكوكب يكون عن حكمين مختلفين حكم قسري و حكم إرادي أو طبيعي و ذلك له مثال ظاهر و هو أنه إذا كان حيوان على جسم قاصدا جهة بحركته من هذا إلا لجسم و تحرك الجسم إلى غير تلك الجهة فتحرك الحيوان إلى جهة حركة هذا الجسم مع حركته إلى النقيض فيجمع بين حركتين متقابلتين معا في زمان واحد فهو يقطع في ذلك الجسم الذي هو عليه و الجسم يقطع به في جسم آخر فيقطع الحيوان فيه بحكم التبعية كنملة على ثوب مطروح في الأرض تمشي فيه مشرقة و يجذب جاذب ذلك الثوب إلى جهة الغرب فتكون متحركة إلى جهة الشرق في الآن الذي تتحرك فيه بتحرك الثوب إلى جهة الغرب فهي حركة قهرية لها غالبة عليها و هاتان حركتان متقابلتان في آن واحد فانظر هل لاجتماع الضدين وجود في هذه المسألة أم لا فإن الكواكب تقطع في الفلك في رأى العين من الغرب إلى الشرق و الفلك الأكبر المحيط يقطع بها من الشرق إلى الغرب فالكوكب متحرك من الشرق إلى الغرب في الآن الذي هو فيه متحرك من الغرب إلى الشرق ففلكه الذي تحدثه حركته شرقا عين فلكه الذي تحدثه حركته غربا فهذه مثل مسألة الجبر في عين‏الاختيار فالعبد مجبور في اختياره و من هذه المسألة تعرف أفعال العباد لمن هي منسوبة بحكم الخلق هل ينفرد بها أحد القادرين أو هل هي لقادرين لكل قادر فيها نسبة خاصة بها وقع التكليف و من أجلها كان العقاب و الثواب و قد ذكرنا ما لهذا الفلك من الأثر في قلوب العارفين و ذكر غيرنا و ذكرنا ما له من الأثر في عالم الخلق من الكون و الفساد و هو عالم الأركان و المولدات كل ذلك من هذا النفس الرحماني لأنه يعطي الحركات و الحركة سبب الوجود أ لا ترى الأصل لو لا توجه الإرادة و هي حركة معنوية و القول و هو حركة معنوية و بها سميت اللفظة لفظة لهذه الحركة ما ظهر وجود و من هذا الفلك أعطى الله وجود يوم السبت و هو يوم الأبد فليله في الآخرة لا انقضاء له و نهاره أيضا في المحل الثاني لا انقضاء له و فيه تحدث الأيام السبعة و منها السبت و هذا من أعجب الأمور أيضا أن الأيام التي منها السبت تحدث في يوم السبت فهو من جملة الأيام و فيه يظهر الأيام و لهذا مستند في الحقيقة الإلهية و ذلك‏ أن الترمذي خرج في غريب الحسان عن أبي هريرة عن رسول الله ص قال لما خلق الله آدم و نفخ فيه الروح عطس فقال له الحق قل الحمد لله فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال له يرحمك ربك يا آدم لهذا خلقتك هذه الزيادة ليست من الترمذي ثم رجعنا إلى حديث الترمذي يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم قالوا و عليك السلام و رحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك و تحية بينك و بينهم فقال الله له و يداه مقبوضتان اختر أيهما شئت قال اخترت يدي ربي و كلتا يمين ربي يمين مباركة و بسطها و إذا فيها آدم و ذريته‏ الحديث فهذا آدم في تلك القبضة في حال كونه خارجا عنها و هكذا عين هذه المسألة و إذا نظرت وجدت العالم مع الحق بهذه المثابة موضع حيرة هو لا هو ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ فختم بما به بدأ فيا ليت شعري من الوسط فإنه وسط بين نفي و هو قوله وَ ما رَمَيْتَ و بين إثبات و هو قوله وَ لكِنَّ الله رَمى‏ و هو قوله ما أنت إذ أنت لكن الله أنت فهذا معنى قولنا في كلامنا في الظاهر و المظاهر و إنه عينه مع اختلاف صور المظاهر فنقول في زيد إنه واحد مع اختلاف أعضائه فرجله ما هي يده و هي زيد في قولنا زيد و كذلك أعضاؤه كلها و باطنه و ظاهره و غيبه و شهادته مختلف الصور و هو عين زيد ما هو غير زيد ثم تضاف كل صورة إليه و يؤكد بالعين و النفس و الكل و الجمع و في هذا الفلك عين الموت و معدن الراحة و سرعة الحركة في ثبات و طرح الزينة و الأذى و له حصل هذا الكوكب في برج الأسد و هو نقيضه في الطبع و نظيره في الثبوت و من هنا يعرف قول من قال إن المثلين ضدان هل أخطأ أو أصاب و إذا نزل الكوكب في البرج هل يمتزج الحكم فيكون للمجموع حكم ما هو لكل واحد منهما على انفراد أو يغلب حكم المنزلة و البرج على الكوكب النازل فيه أو يغلب حكم الكوكب على البرج أو يتصف أحدهما بالأكثر في الحكم و الآخر بالأقل مع وجود الحكمين فعندنا لا يحكم واحد في آخر و إن حكم جمعيتهما يظهر في المحكوم فيه و لكل واحد منهما قوة في ذلك المحكوم فيه بذلك الحكم لأنه عنهما صدر ذلك الحكم من حالة تسمى الاجتماع كما يكون ذلك في الاقترانات بين الكواكب و هذا نوع من الاقتران و ليس باقتران و لكنه نزول في منزل‏ (الفصل الثاني و العشرون في الاسم العليم) و توجهه على إيجاد السماء الثانية و خانسها و يوم الخميس و موسى عليه السلام و حرف الضاد المعجمة و الصرفة من المنازل قال الله تعالى آمرا لنبيه صلى الله عليه و سلم وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً الكلام في كون هذه السماء و باقي السموات و الأفلاك كما تقدم غير أني أشير إلى ما يختص به كل سماء خاصة من الحكم فأما هذه السماء فأوحى الله فيها أمرها و تفصيل أمر كل سماء يطول و قد ذكرنا من ذلك طرفا جيدا في التنزلات الموصلية فمن أمرها حياة قلوب العلماء بالعلم و اللين و الرفق و جميع مكارم الأخلاق و لذلك لم ينبه أحد من سكان السموات من أرواح الأنبياء عليهم السلام رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة فرض الله على أمته صلى الله عليه و سلم خمسين صلاة غير موسى عليه السلام فإنه قال له راجع ربك فإنه كان أعلم منه بهذه الأمور لذوقه مثله في بنى إسرائيل و ما ابتلي به منهم فتكلم عن ذوق و خبرة فكل شيخ لا يتكلم في العلوم عن ذوق و مجلى إلهي لا عن كتب و نقل فليس بعالم و لا أستاذ فلولاه لكان الفرض علينا في الصلاة خمسين صلاة مع كونه أرسله الله رحمة للعالمين و من كثر تكليفه قلت رحمته فقيض الله له في مدرجة إسرائه موسى عليه السلام فخفف الله عن هذه الأمة به صلى الله عليه و سلم فهذا ما كان إلا من حكم أمر هذه‏السماء الذي أوحى الله فيها أمرها و لها من الأيام يوم الخميس فكل سر يكون للعارفين و علم و تجل فمن حقيقة موسى من هذه السماء و كل أثر يظهر في الأركان و المولدات يوم الخميس فمن كوكب هذه السماء و حركة فلكها مجملا من غير تفصيل و لها الضاد المعجمة و من المنازل الصرفة فأما وجود الحروف المذكورة في كل سماء فلتلك السماء أثر في وجودها و أما قولنا إن لها من المنازل الصرفة أو كذا لكل سماء فلسنا نريد أن لها أثرا في وجود المنزلة كما أردنا بالحرف و إنما أريد بذلك أن هذا الكوكب الخاص بهذا الفلك أول ما أوجده الله و تحرك أوجده في المنزلة التي نذكرها له بعينها فهي منزلة سعده حيث ظهر فيها وجوده فهذا معنى قولي له من المنازل كذا و لكل سماء و فلك أثر في معدن من المعادن السبعة يختص به و ينظر إلى ذلك المعدن بقوته‏ (الفصل الثالث و العشرون) في الاسم القاهر توجه هذا الاسم الإلهي على إيجاد السماء الثالثة فأظهر عينها و كوكبها و فلكه و جعلها مسكن هارون عليه السلام و بهذا الاسم الإلهي أوحى فيها أمرها و كان وجود كوكبها حركة فلكه في منزلة العوا يوم الثلاثاء فمن الأمر الموحى فيها إهراق الدماء و الحميات و عن حركة هذا الفلك ظهر حرف اللام من الحروف اللفظية فكل علم و سر من الأسرار الإلهية يظهر على العارفين يوم الثلاثاء فهو من هذه السماء من روح هارون و كل أثر في الأركان و المولدات فمن أمر هذا الفلك و حركة كوكبه فإن الله لما أوحى في كل سماء أمرها أوحى بالاسم الإلهي الخاص بذلك فذلك الاسم هو الممد لها (الفصل الرابع و العشرون) في الاسم النور و توجه هذا الاسم الإلهي على إيجاد السماء الرابعة و هي قلب العالم و قلب السموات فأظهر عينها يوم الأحد و أسكن فيها قطب الأرواح الإنسانية و هو إدريس عليه السلام و سمى الله هذه السماء مكانا عليا لكونها قلبا فإن التي فوقها أعلى منها فأراد علو مكانة المكان فلهذا المكان من المكانة رتبة العلو و أوجدها في منزلة السماك و أظهر كوكبها و فلكه و كون حرف النون عنها و أظهر بحركة كوكبها الليل و النهار فقسم اليوم فتقسم فيه الحكم الإلهي في العالم فجعل كل واحد منهما أنثى و الآخر ذكر الإنتاج ما يظهر في الأركان من المولدات فكل ما ولد و ظهر من الآثار عموما في الأيام كلها بالنهار فأمه النهار و أبوه الليل و ما ظهر من ذلك بالليل فأمه الليل و أبوه النهار ف يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ إذا كان النهار أنثى وَ يُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ إذا كان الليل أنثى و قد بينا ذلك في كتاب الشأن فكل ما ظهر من العلم و الآثار في المولدات يوم الأحد فمن هذه السماء و ساكنها لا بل في كل يوم و في كل العالم الذي تحت حيطته و لا يخنس كوكبها (الفصل الخامس و العشرون) في الاسم المصور توجه هذا الاسم الإلهي على إيجاد السماء الخامسة و فلكها و كوكبها و كان ظهور ذلك في منزلة الغفر و أوحى فيها إظهار صور الأرواح و الأجسام و العلوم في العالم العنصري و اختصت بالأثر الكامل بطريق التولية بيوم الجمعة و أسكن فيها يوسف عليه السلام و عنها ظهر حرف الراء (الفصل السادس و العشرون) في الاسم المحصي‏ قال تعالى وَ أَحْصى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً يريد موجودا و توجه هذا الاسم الإلهي على إيجاد السماء السادسة و كوكبها و فلكها يوم الأربعاء في منزلة الزبانا و أسكن فيها عيسى عليه السلام فكل ما ظهر في يوم الأربعاء في العالم العنصري من الآثار الحسية و المعنوية و ما يحصل للعارفين في قلوبهم من ذلك فمن وحي هذه السماء و منها ظهر حرف الطاء المهملة

(الفصل السابع و العشرون) في الاسم المبين‏ توجه هذا الاسم على إيجاد السماء الدنيا و كوكبها و فلكه يوم الإثنين في منزلة الإكليل و عن حركة هذا الفلك حرف الدال المهملة و له كل حكم يظهر في العالم يوم الإثنين روحا و جسما و هذا كله بنهار ذلك اليوم لا بليله فإن ليلة كل يوم ما هي الليلة التي يكون ذلك اليوم في صبيحتها و لا الليلة التي تكون بغروب شمسه في ذلك اليوم و قد ذكرنا ذلك في كتاب الشأن و إنما ليلته التي لذلك اليوم هي في أول ساعة من الليل الذي هو حاكم في أول ساعة من النهار فذلك يوم تلك الليلة و تلك الليلة ليلة ذلك اليوم فهذا أريد اعلم أن هذه السماء الدنيا أوحى الله فيها أمرها و أسكنها آدم و هو الإنسان الفرد أصل هذا النوع و هو قوله تعالى خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ إلا أنه جعله الله‏أعني الإنسان سريع التغيير في باطنه كثير الخواطر يتقلب في باطنه في كل لحظة تقلبات مختلفة لأنه على الصورة الإلهية و هو سبحانه كل يوم في شأن فمن المحال ثبوت العالم زمانين على حالة واحدة بل يتغير عليه الأحوال و الأعراض في كل زمان فرد و هو الشئون التي هو الحق فيها لمن علم ما قال الله و لا يظهر سلطان ذلك إلا في باطن الإنسان فلا يزال يتقلب في كل نفس في صور تسمى الخواطر لو ظهرت إلى الأبصار لرأيت عجبا و أسرع الحركات الفلكية حركة هذا الفلك بكوكبه الذي هو القمر فهو أسرع سير في قطع فلك المنازل من غيره من السيارة و له في كل يوم منزلة فيقطع الفلك في ثمانية و عشرين يوما فكان ظهور الأثر في الكون سريعا لسرعة الحركة فناسب آدم في سرعة خواطره فأسكنه هذه السماء و جعل نسم بنيه عن يمينه و يساره أسودة يرى شخوصها أهل الكشف و عن يمينه عليون و عن يساره السفل فلا يخفى عنه من أحوال بنيه شي‏ء و اعلم أن هذه الحقيقة التي جعلته يسمى إنسانا مفردا هي في كل إنسان و لكن كانت في آدم أتم لأنه كان و لا مثل له ثم بعد ذلك انتشأت منه الأمثال فخرجت على صورته كما انتشا هو من العالم و من الأسماء الإلهية فخرج على صورة العالم و صورة الحق فوقع الاشتراك بين الأناسي في أشياء و انفرد كل شخص بأمر يمتاز به عن غيره كما هو العالم فبما ينفرد به الإنسان يسمى الإنسان المفرد و بما يشترك به يسمى الإنسان الكبير و لما كان آدم أبا البشر كانت منه رقيقة إلى كل إنسان و نسبة و لما كان هو من العالم و من الحق بمنزلة بنيه منه كانت فيه رقيقة من كل صورة في العالم تمتد إليه لتحفظ عليه صورته و رقيقة من كل اسم إلهي تمتد إليه لتحفظ عليه مرتبته و خلافته فهو يتنوع في حالاته تنوع الأسماء الإلهية و يتقلب في أكوانه تقلب العالم كله و هو صغير الحجم لطيف الجرم سريع الحركة فإذا تحرك حرك جميع العالم و استدعى بتلك الحركة توجه الأسماء الإلهية عليه لترى ما أراد بتلك الحركة فتفضي في ذلك بحسب حقائقها و لم يكن في الأفلاك أصغر من فلك سماء الدنيا فأسكنه الله فيها للمناسبة و لصغر هذا الفلك كان أسرع دورة فناسب سرعة الخواطر التي في الإنسان فأسكنه فيه من حيث إنه إنسان مفرد خاصة لا من حيث اشتراكه ثم إنه جعل الله له من بنيه في كل سماء شخصا و هو عيسى و يوسف و إدريس و هارون و يحيى و موسى و إبراهيم عليهم السلام فهو ناظر إليهم في كل يوم بما هو أب لهم و هم ناظرون إليه من حيث ما هم في منازل معينة لا من حيث هم أبناء له و هذا الإنسان المفرد يقابل بذاته الحضرة الإلهية و قد خلقه الله من حيث شكله و أعضاؤه على جهات ستة ظهرت فيه فهو في العالم كالنقطة من المحيط و هو من الحق كالباطن و من العالم كالظاهر و من القصد كالأول و من النش‏ء كالآخر فهو أول بالقصد آخر بالنش‏ء و ظاهر بالصورة و باطن بالروح كما أنه خلقه الله من حيث طبيعته و صورة جسمه من أربع فله التربيع من طبيعته إذ كان مجموع الأربعة الأركان و أنشأ جسده ذا أبعاد ثلاثة من طول و عرض و عمق فأشبه الحضرة الإلهية ذاتا و صفات و أفعالا فهذه ثلاث مراتب مرتبة شكله و هو عين جهاته و مرتبة طبيعته و مرتبة جسمه ثم إن الله جعل له مثلا و ضدا و ما ثم سوى هذه الخمسة و اختص بالخمسة لأنه ليس في الأعداد من له الاسم الحفيظ إلا هي و هي تحفظ نفسها و غيرها بذاتها و هو قوله تعالى وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما فثنى و هو قولنا تحفظ نفسها و غيرها فأما كونه ضدا فبما هو عاجز جاهل قاصر ميت أعمى أخرس ذو صمم فقير ذليل عدم و بما هو مثل ظهوره بجميع الأسماء الإلهية و الكونية فهو مثل للعالم و مثل للحضرة فجمع بين المثليتين و ليس ذلك لغيره من المخلوقين فهو حي عالم مريد قادر سميع بصير متكلم عزيز غني إلى جميع الأسماء الإلهية كلها و الأسماء الكونية فله التخلق بالأسماء فله حالات خمس يقابل بها كل ما سواه بحسب ما ينظرون إليه إذ هو الكلمة الجامعة و أعطاه الله من القوة بحيث إنه ينظر في النظرة الواحدة إلى الحضرتين فيتلقى من الحق و يلقي إلى الخلق فمنهم الناظر إليه من حيث شكله فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالشكل و منهم الناظر إليه من حيث طبيعته فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالطبع كما يمده الحق في شكله من اسمه المحيط و في طبيعته من حياته و علمه و إرادته و قدرته و منهم من ينظر إليه من حيث جسمه فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالجسم كما يمده الحق من حضرته بما يظهر في ذاته و صفاته و أفعاله و منهم الناظر إليه كفا حالا منازعة فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالمكافحة كما يمده الحق من اسمه البعيد و المعز إن كان ذليلا و المذل إن كان‏عزيزا و منهم الناظر إليه من حيث إنه مثل له في المرتبة فإنه بالمرتبة كان خليفة و قد شورك فيها فقال هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الْأَرْضِ و قال يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فهم نواب الحق في عباده فيمدهم من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بتلك المثلية كما يمده الحق من صورته بجميع أسمائه و ليس إلا هذه‏ و قد قسم الله خلقه إلى شقي و سعيد و جعل مقر عباده في دارين دار جهنم و هي دار كل شقي و دار جنان و هي دار كل سعيد و سموا هؤلاء أشقياء لأنهم أقيموا فيما يشق عليهم و هو المخالفة و سموا هؤلاء سعداء لأنهم أقيموا فيما يسهل عليهم و هو المساعدة و الموافقة فمن كان مع الله على مراد الله فيه و في خلقه لم يشق عليه شي‏ء مما يحدث في العالم (حكي) عن رابعة رضي الله عنها أنه ضرب رأسها ركن جدار فأدماها فما التفتت فقيل لها في ذلك فقالت شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد الحال فما شق عليها ما جرى فلو شق عليها لتعذبت في نفسها منها فالأشقياء ليس لهم عذاب إلا منهم لأنهم أقيموا في مقام الاعتراض و التعليل لأفعال الله في عباده و لأي شي‏ء كان كذا و لو كان كذا كان أحسن و أليق و نازعوا الربوبية و شاقوا الله و رسوله فشقاؤهم شقاقهم فهي دار الأشقياء بدخولها في هذه الحال فإذا طال عليهم الأمد تغير الحال لأن طول الأمد له حكم بقوله تعالى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ فإذا طال الأمد على الأشقياء و علموا أن ذلك ليس بنافع قالوا فالموافقة أولى فتبدلت صورهم فأثر ذلك التبديل هذا الحكم فزالت المشاققة فارتفع العذاب عن بواطنهم فاستراحوا في دارهم و وجدوا في ذلك من اللذة ما لا يعلمه إلا الله لأنهم اختاروا ما اختار الله لهم و علموا عند ذلك أن عذابهم لم يكن إلا منهم فحمدوا الله على كل حال فأعقبهم ذلك أن يحمدوا الله المنعم المتفضل‏ ثم إن لهذا الإنسان المفرد الذي هو آدم و لكل إنسان أقيم فيما هو منفرد به نظر آخر إلى منازل السعداء و هي التي عينها الفلك المكوكب و هي منازل الجنان و منازل النار فان الجنة مائة درجة و النار مائة درك على عدد الأسماء الإلهية فهي بحكم الاشتراك تسعة و تسعون اسما ينالها كل إنسان بما هو مشارك غيره و الاسم الموفي مائة و هو وتر الغيب كما كانت التسعة و التسعون و نر الشهادة لأن الله وتر يحب الوتر فالاسم الموفي مائة مفرد منه يتجلى الحق للإنسان المفرد إذا كان مع الأمر الذي يسمى به إنسانا مفردا و إذا كان مع هذا الاسم الفرد كانت منازله ثمانيا و عشرين منزلة لأن حروف نفسه ثمانية و عشرون حرفا ظهر منها في مقام الجمع و الوجود علامات تدل على الحق و هي خمس آلاف علامة و ثمانمائة علامة و ثمان و ثلاثون علامة و هذه كلها منازل في هذه المنازل‏ و لهذا يقال يوم القيامة لقارئ القرآن اقرأ و ارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ و لهذا تمدح أبو يزيد بأنه ما مات حتى استظهر القرآن و ينبغي لقارئ القرآن إذا لم يكن من أهل الكشف و لا من أهل التعليم الإلهي أن يبحث و يسأل علماء الرسوم أي شي‏ء يثبت عندهم أو رأوه أنه كان قرآنا و نسخ لفظه من هذا المصحف العثماني و لا يبالي إذا قالوا له كذا و كذا صحيحا كان الطريق إلى ذلك أو غير صحيح فينبغي إن يحفظه فإنه يزيد بذلك درجات و قد اختلفت المصاحف فهذا ينفعه و لا يضره فإن هذا الذي بأيدينا هو قرآن بلا شك و نعلم أنه قد سقط منه كثير فلو كان رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي جمعه لوقفنا عنده و قلنا هذا وحده هو الذي نتلوه يوم القيامة إذا قيل لقارئ القرآن اقرأ و ارق و الاحتياط فيما قلناه و لكن لا أريد بذلك أنه يصلي به و إنما يحفظه خاصة فإنه ليس بمتواتر مثل هذا و ما نازع أحد من الصحابة في مصحف عثمان إنه قرآن فإذا حصل الإنسان بما انفرد به في منزلة من هذه المنازل فإنها تعطيه حقيقة ما هي عليه مما وضعها الله له من الأمور الظاهرة في أفعال العباد في حركاتهم و سكونهم و تصرفاتهم و ما منعني من تعيينها إلا ما يسبق إلى القلوب الضعيفة من ذلك و وضع الحكمة في غير موضعها فإن الحافظين أسرار الله قليلون و إذا وفى الإنسان المفرد علم هذه الأمور و دخل الجنات الثمانية و رأى الكثيب الأبيض و عاين درجات الناس في الرؤية و تميز مراتبهم و منازلهم في ذلك و نظر إلى التكوينات الجنانية و الرقائق الممتدة إليها من فلك البروج علم إن لله أسرارا في خلقه فأراد أن يعرفه آثار ذلك فارتقى بنفسه إلى هذا الفلك و دار معه دورة واحدة لكل برج حتى أكمل اثنتي عشرة دورة و نظر بحلوله في كل دورة ما يعطي من الأثر في جنات النعيم و في جهنم و في عالم الدنيا و في البرزخ و في يوم القيامة و في أحوال الكائنات العرضيات في العالم و الخاصة بجسد الإنسان و روحه‏و المولدات و ربما نشير إلى شي‏ء من هذه الأسرار متفرقا في هذا الكتاب في المنازل منه إن شاء الله تعالى‏ و جميع الأسماء الإلهية المختصة بهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفة التي ينزل بها هذه المنازل معلومة محصاة و هي الرفيع الدرجات الجامع اللطيف القوي المذل رزاق عزيز مميت محي حي قابض مبين محص مصور نور قاهر عليم رب مقدر غني شكور محيط حكيم ظاهر باطن باعث بديع و لكل اسم من هذه الأسماء روحانية ملك تحفظه و تقوم به و تحفظها لها صور في النفس الإنساني تسمى حروفا في المخارج عند النطق و في الخط عند الرقم فتختلف صورها في الكتابة و لا تختلف في الرقم و تسمى هذه الملائكة الروحانيات في عالم الأرواح بأسماء هذه الحروف فلنذكرها على ترتيب المخارج حتى تعرف رتبتها فأولهم ملك الهاء ثم الهمزة و ملك العين المهملة و ملك الحاء المهملة و ملك العين المعجمة و ملك الخاء المعجمة و ملك القاف و هو ملك عظيم رأيت من اجتمع به و ملك الكاف و ملك الجيم و ملك الشين المعجمة و ملك الياء و ملك الضاد المعجمة و ملك اللام و ملك النون و ملك الراء و ملك الطاء المهملة و ملك الدال المهملة و ملك التاء المعجمة باثنتين من فوقها و ملك الزاي و ملك السين المهملة و ملك الصاد المهملة و ملك الظاء المعجمة و ملك الثاء المعجمة بالثلاث و ملك الذال المعجمة و ملك الفاء و ملك الباء و ملك الميم و ملك الواو و هذه الملائكة أرواح هذه الحروف و هذه الحروف أجساد تلك الملائكة لفظا و خطا بأي قلم كانت فبهذه الأرواح تعمل الحروف لا بذواتها أعني صورها المحسوسة للسمع و البصر المتصورة في الخيال فلا يتخيل أن الحروف تعمل بصورها و إنما تعمل بأرواحها و لكل حرف تسبيح و تمجيد و تهليل و تكبير و تحميد يعظم بذلك كله خالقه و مظهره و روحانيته لا تفارقه و بهذه الأسماء يسمون هؤلاء الملائكة في السموات و ما منهم ملك إلا و قد أفادني و كذلك هذه الكواكب التي ترونها إنما هي صور لها أرواح ملكية تدبرها مثل ما لصورة الإنسان فبروحه يفعل الإنسان و كذلك الكوكب و الحرف لو لا الروح ما ظهر منه فعل فإن الله سبحانه ما يسوي صورة محسوسة في الوجود على يد من كان من إنسان أو ريح إذا هبت فتحدث أشكالا في كل ما تؤثر فيه حتى الحية و الدودة تمشي في الرمل فيظهر طريق فذلك الطريق صورة أحدثها الله يمشي هذه الدودة أو غيرها فينفخ الله فيها روحا من أمره لا يزال يسبحه ذلك الشكل بصورته و روحه إلى أن يزول فتنتقل روحه إلى البرزخ و ذلك قوله كُلُّ من عَلَيْها فانٍ و كذلك الأشكال الهوائية و المائية لو لا أرواحها ما ظهر منها في انفرادها و لا في تركيبها أثر و كل من أحدث صورة و انعدمت و زالت و انتقل روحها إلى البرزخ فإن روحها الذي هو ذلك الملك يسبح الله و يحمده و يعود ذلك الفضل على من أوجد تلك الصورة الذي كان هذا الملك روحها فما يعرف حقائق الأمور إلا أهل الكشف و الوجود من أهل الله و لهذا نبه الله قلوب الغافلين ليتنبهوا على الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها صور ملائكة و أسماؤهم فإذا نطق بها القارئ كان مثل النداء بهم فأجابوه فيقول القارئ ألف لام ميم فيقول هؤلاء الثلاثة من الملائكة مجيبين ما تقول فيقول القارئ ما بعد هذه الحروف تاليا فيقولون صدقت إن كان خيرا و يقولون هذا مؤمن حقا نطق حقا و أخبر بحق فيستغفرون له و هم أربعة عشر ملكا ألف لام ميم صاد راء كاف هاء ياء عين طاء سين حاء قاف نون ظهروا في منازل من القرآن مختلفة فمنازل ظهر فيها واحد مثل ق ن ص و منازل ظهر فيها اثنان مثل طس يس حم و هي سبعة أعني الحواميم طه و منازل ظهر فيها ثلاثة و هم الم البقرة و الم آل عمران و الر يونس و هود و يوسف و إبراهيم و الحجر و طسم الشعراء و القصص و العنكبوت و لقمان و الروم و السجدة و منها منازل ظهر فيها أربعة هم المص الأعراف و المر الرعد و منازل ظهر فيها خمسة و هي مريم و الشورى و جميعها ثمان و عشرون سورة على عدد منازل السماء سواء فمنها ما يتكرر في المنازل و منها ما لا يتكرر فصورها مع التكرار تسعة و سبعون ملكا بيد كل ملك شعبة من الايمان و إن الايمان بضع و سبعون شعبة أرفعها لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق‏ و البضع من واحد إلى تسعة فقد استوفى غاية البضع فمن نظر في هذه الحرف بهذا الباب الذي فتحت له يرى عجائب و تكون هذه الأرواح الملكية التي هذه الحروف أجسامها تحت تسخيره و بما بيدها من شعب الايمان تمده و تحفظ عليه إيمانه و هذا كله من النفس الرحماني الذي‏نفس الله به عن خلقه و اعلم أن هذه الحروف الأربعة عشر التي في أوائل السور كل حرف منها له ظاهر و هو صورته و له باطن و هو روحه و لكل حرف ليلة من الشهر أعني الشهر الذي يعرف بالقمر فإذا مشى القمر و قطع في سيره أربع عشرة منزلة أعطى في كل حرف من هذه الحروف من حيث صورها قوتين من حيث ذاته و من حيث نوره و أعطاه قوتين أخريين من حيث المنزلة التي نزل بها و من حيث البرج الذي لتلك المنزلة و لكن بقدر ما لتلك المنزلة من البرج فيصير في ذلك الحرف أربع قوى فيكون عمله أقوى من عمل كل واحد من أصحاب هذه القوي و يكون عمله في ظهور أعيان المطلوب فإذا أخذ القمر في النقص فقد أخذ في روحانية هذه الحروف إلى أن يكملها بكمال المنازل فتلك ثمان و عشرون و القوي مثل القوي إلا أنه يكون العمل غير العمل فالعمل الظاهر في المنافع و العمل الثاني في دفع المضار و في قوة النور الذي للقمر لهذا الحرف مراتب بحسب المنزلة و البرج الذي تكون فيه الشمس و اتصالات القمر بالمنزلة في تسديسها و تربيعها و تثليثها و مقابلتها و مقارنتها فتختلف الأحكام باختلاف ذلك هذا للحرف من قوة النور القمري فالعمل بالحروف يحتاج إلى علم دقيق فهذه القوي تحصل للحرف من سير القمر و قد ذكرنا حرف كل منزلة و أما لام ألف فمرتبته مرتبة الجوزهر و هو من الحروف المركبة أنزلوه منزلة الحرف الواحد لكمال نشأة الحروف و لهذا الحرف ليلة السرار الذي يكون للقمر فإن كسف القمر الشمس فذلك أسعد الحالات و أقواها في العمل بلام ألف و إن لم يكسفها ضعف عمله بقدر ما نزل عنها و كذلك اتصالات القمر بالخمسة لها أثر في الحرف على ما وقع عليه اتصاله بذلك الكوكب من الأحكام الخمسة كما كان حاله مع الشمس و يعتبر العامل أيضا شرف القمر و هبوطه و كونه خالي السير و بعيد النور و كونه مع الرأس و كونه مع الذنب لأن الله ما قدر هذا القمر مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ و اختصه بالذكر سدى بل ذلك لحكمة إلهية يعلمها من أوتي الحكمة التي هي الخير الكثير الإلهي فإن الستة الباقية قدرها أيضا منازل في نفس الأمر و ما حصها بالذكر فلما دخل القمر في الذكر كان له من القوة الإلهية و الشرف في الولاية و الحكم الإلهي ما ليس لغيره فإنه ما ذكر إلا بالحروف و بها نزل إلينا الذكر فكان نسبته إلى الحروف أتم من نسبة غيره فصار إمداده للحروف إمدادين إمداد جزاء و شكر لأن بها حصل له الذكر و إمدادا طبيعيا كإمداد سائر الستة لهذه الحروف و إنما ذكرنا ما يختص بالقمر دون سائر الستة لأنا في سماء الدنيا و هو موضع القمر و هو في ليلة السرار بارد رطب و في ليلة الإبدار حار رطب لما فيه من النور فهو مائي هوائي و فيما بينهما بحسب ما فيه من النور فإن النور له الشرف و لما اجتمع النار مع النور في الإحراق و قوة الفعل في بقية العناصر لهذا افتخر إبليس على آدم و تكبر عليه فإن النار لا يقبل التبريد بخلاف بقية الأركان فإن الهواء يسخن و كذلك الماء و كذلك التراب فللنار في نفس الأركان أثر ليس لواحد منها في النار أثر و كذلك الماء له أثر في الهواء و التراب فيبرد الهواء و يزيد في رطوبته و يرطب التراب و يزيد في برودتها و ليس للهواء و التراب في هذين العنصرين أثر فأقوى الأركان النار و بعده الماء فالحرارة للنار و البرودة للماء و لهذا جعلهما فاعلين و الاثنين الآخرين منفعلين رطوبة الهواء و يبوسة التراب سبحان الخبير العليم الخلاق مرتب الأمور و مقدرها لا إله إلا هو العزيز الحكيم و في ليلة تقييدي لهذا الفصل و هي الليلة الرابعة من شهر ربيع الآخر سنة سبع و عشرين و ستمائة الموافقة ليلة الأربعاء الذي هو الموفي عشرين من شباط رأيت في الواقعة ظاهر الهوية الإلهية و باطنها شهودا محققا ما رأيتها قبل ذلك في مشهد من مشاهدنا فحصل لي من مشاهدة ذلك من العلم و اللذة و الابتهاج ما لا يعرفه إلا من ذاقه فما كان أحسنها من واقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ و صورتها مثالا في الهامش كما هو فمن صوره لا يبدله و الشكل نور أبيض في بساط أحمر له نور أيضا في طبقات أربع صورة و أيضا روحها في ذلك البساط في الطرف الآخر في طبقات أربع فمجموع الهوية ثمانية في طرفين مختلفين‏ من بساط واحد فأطراف البساط ما هي البساط و لا غير البساط فما رأيت و لا علمت و لا تخيلت و لا خطر على قلبي صورة ما رأيت في هذه الهوية ثم إنها لها حركة خفية في ذاتها أراها و أعلمها من غير نقلة و لا تغير حال و لا صفة (الفصل الثامن و العشرون) في الاسم الإلهي القابض‏ و توجهه على إيجاد ما يظهر في الأثير من ذوات الأذناب‏و الاحتراقات و وجود حرف التاء المعجمة باثنتين من فوقها من الحروف و له من المنازل منزلة القلب الأثير ركن النار و هذه الأركان وجودها قبل وجود هذه الأفلاك من حيث ما تقول سماوات لا من حيث ما هي أفلاك و هو متصل بالهواء و الهواء حار رطب فبما في الهواء من الرطوبة إذا اتصل بهذا الأثير أثر فيه لتحركه اشتعالا في بعض أجزاء الهواء الرطبة فبدت الكواكب ذوات الأذناب و ذلك لسرعة اندفاعها تظهر في رأى العين تلك الأذناب‏ و إذا أردت تحقيق هذا فانظر إلى شرر النار إذا ضرب الهواء النار بالمروحة و غيرها يتطاير منها شرر أمثال الخيوط في رأى العين ثم تنطفئ كذلك هذه الكواكب و جعلها الله من زمان بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رُجُوماً لِلشَّياطِينِ فإن الشياطين و هم كفار الجن لهم عروج إلى السماء الدنيا يسترقون السمع أي ما تقوله الملائكة في السماء و تتحدث به مما أوحى الله به فيها فإذا سلك الشيطان أرسل الله عليه شِهاباً رَصَداً ثاقبا و لهذا يعطي ذلك الضوء العظيم الذي تراه و يبقى ذلك الضوء في أثره طريقا و رأيت مرة طريقه قد بقي ضوؤه ساعة و أزيد من ساعة و أنا بالطواف رأيته أنا و جماعة الطائفين بالكعبة و تعجب الناس من ذلك و ما رأينا قط ليلة أكثر منها ذوات أذناب الليل كله إلى أن أصبح حتى كانت تلك الكواكب لكثرتها و تداخل بعضها على بعض كما يتداخل شرر النار تحول بين أبصارنا و بين رؤية الكواكب فقلنا ما هذا إلا لأمر عظيم فبعد قليل وصل إلينا أن اليمن ظهر فيه حادث في ذلك الوقت الذي رأينا هذا و جاءتهم الريح بتراب شبيه التوتياء كثير إلى أن عم أرضهم و علا على الأرض إلى حد الركب و خاف الناس و أظلم عليهم الجو بحيث إن كانوا يمشون في الطرق في النهار بالسرج و حال تراكم الغمام بينهم و بين نور الشمس و كانوا يسمعون في البحر بزبيد دويا عظيما و ذلك في سنة ستمائة أو تسع و تسعين و خمسمائة الشك مني فإني ما قيدته حين رأيت ذلك و ما قيدته في هذا المكان إلا في سنة سبع و عشرين و ستمائة و لذلك أصابني الشك لبعد الوقت لكنه معروف عند الخاص و العام من أهل الحجاز و اليمن و رأينا في تلك السنة عجائب كثيرة و في تلك السنة حل الوباء بالطائف حتى ما بقي فيها ساكن حل بهم من أول رجب إلى أول رمضان سنة تسع و تسعين و خمسمائة عن تحقيق و كان الطاعون الذي نزل بهم إذا كانت علامته في أبدانهم ما يتجاوزون خمسة أيام حتى يهلك فمن جاز خمسة أيام لم يهلك و امتلأت مكة بأهل الطائف و بقيت ديارهم مفتحة أبوابها و أقمشتهم و دوابهم في مراعيها فكان الغريب في تلك المدة إذا مر بأرضهم فتناول شيئا من طعامهم أو قماشهم أو دوابهم إذ لم يكن هناك حافظ يحفظه أصابه الطاعون من ساعته و إذا مر و لم يتناول شيئا سلم فحمى الله أموالهم في تلك المدة لمن بقي منهم و لمن ورثهم و تابوا و ورثوا البنات في تلك السنة و سكنت الفتن التي كانت بينهم فلما نجاهم الله من ذلك و رفعه عنهم و استمر لهم الأمان عادوا إلى ما كانوا عليه من الإدبار و هذه الكواكب ذوات الأذناب ما تحدث في الأثير و إنما يحدث منه في الهواء تشعله فهو على الحقيقة هواء محترق لا مشتعل هذا هو الأثير فهو كالصواعق فإنها أهوية محترقة لا شعلة فيها فما تمر بشي‏ء إلا أثرت فيه و لا يحدث في هذا الركن شي‏ء سوى ما ذكرناه إلا أنه في نفس الأمر ملك كريم له تسبيح خاص و سلطان قوي و السماء الدنيا في غاية من البرودة لو لا أن الله حال بيننا و بين برد هذه السماء بهذه النار التي بين الهواء و بين السماء ما كان حيوان و لا نبات و لا معدن في الأرض لشدة البرد فسخن الله عالم الأرض و الماء و الهواء بما ترميه الكواكب من الشعاعات إلى الأرض بوساطة هذا الأثير فسخن العالم فتسري فيه الحياة و ذلك بتقدير العزيز العليم لا إله إلا هو رب كل شي‏ء و مليكه‏ (الفصل التاسع و العشرون) في الاسم الإلهي الحي‏ و توجهه على إيجاد ما يظهر في ركن الهواء و له من الحروف حرف الزاي و من المنازل منزلة الشولة قال الله تعالى فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ فجعلها مأمورة يعلمنا أنها تعقل و لا يسمى الهواء ريحا إلا إذا تحرك و تموج فإن اشتدت حركته كان زعزعا و إن لم تشتد كان رخاء أي ريحا لينة و الريح ذو روح يعقل كسائر أجسام العالم و هبوبه تسبيحه تسري به الجواري و يطفئ السرج و يشعل النيران و يحرك المياه و الأشجار و يموج البحار و يزلزل الأرض و يلعب بالأغصان و يزجي السحاب و هو ركن أقوى من الماء و الماء أقوى من النار و النار أقوى من الحديد و الحديد أقوى من الجبال و الجبال أقوى من‏الأرض و ما ثم شي‏ء أقوى من الهواء إلا الإنسان حيث يقدر على قمع هواه بعقله الذي أوجده الله فيه فيظهر عقله في حكمه على هواه فإنه لقوة الصورة التي خلق عليها الرئاسة له ذاتية و لكونه ممكنا الفقر و الذلة له ذاتية فإذا غلب فقره على رياسته فظهر بعبوديته و لم يظهر لربوبية الصورة فيه أثر لم يكن مخلوق أشد منه و هكذا أخبر صلى الله عليه و سلم على ما حدثناه محمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الفاسى قال حدثنا عمر بن عبد المجيد الميانشي حدثنا عبد الملك ابن قاسم الهروي حدثنا محمود بن القاسم الأزدي حدثنا عبد الجبار بن محمد الجراحي حدثنا محمد بن أحمد المحبوبي حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شي‏ء أشد من الجبال قال نعم الحديد فقالوا يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من الريح قال ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله‏ هذا حديث غريب ففي هذا الحديث علم جوارح الإنسان بالأشياء و لهذا وصفها الله تعالى يوم القيامة بأنها تشهد فقال يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فالهواء موجود عظيم و هو أقرب الأركان نسبة إلى نفس الرحمن فهو أحق بهذا الباب و الهواء هو نفس العالم الكبير و هو حياته و له القوة و الاقتدار و هو السبب الموجب لوجود النغمات بتحريك الآلات من حركات الأفلاك و أغصان الأشجار و تقاطع الأصوات فيؤثر السماع الطبيعي في الأرواح فيحدث فيها هيمان و سكر و طرب فالهواء إذا تحرك أقوى المؤثرات الطبيعية في الأجسام و الأرواح و قد جعل الله هذا الركن أصل حياة العالم الطبيعي كما جعل الماء أصل الصور الطبيعية فصورة الهواء من الماء و روح الماء من الهواء و لو سكن الهواء لهلك كل متنفس و كل شي‏ء في العالم متنفس فإن الأصل نفس الرحمن و جعله الله لطيفا ليقبل سرعة الحركة فإن العالم المتنفس يحتاج في وقت إلى نفس كثير و في وقت إلى نفس قليل أ لا ترى الإنسان في زمان الصيف إذا حمي بدنه حرك الهواء بالمروحة ليبرد عنه ما يجده من الحرارة لما في الهواء من برودة الماء من حيث صورته و إن كانت له حركة خفية و لكن لا تكفي المحرور كما أنه إذا كثر بحيث أن يتأذى منه الإنسان طلب التستر عنه لأنه ليس في قوة الحيوان تقليله الهواء إلا إذا كان الإنسان هو الذي يثير حركة الهواء فإنه يقدر على تقليله بضعف حركة السبب الذي به أثاره و أما إذا كان السبب خارجا عن حكم الإنسان فإنه لا يقدر على تقليله و الهواء هو الذي يسوق الأرواح إلى المشام من طيب و خبيث و فيه تظهر صور الحروف و الكلمات فلو لا الهواء ما نطق ناطق و لا صوت مصوت‏ و لما كان البارئ متكلما و وصف نفسه بالكلام وصف نفسه بأن له نفسا و إن كان ليس كمثله شي‏ء و لكن نبه عباده العارفين أن علمه بالعالم علمه بنفسه و وصف نفسه سبحانه بأنه ينفخ الأرواح فيعطي الحياة في الصور المسواة فجاء بالنفخ الذي يدل على النفس فحياة العالم بالنفخ الإلهي من حيث إن له نفسا فلم يكن في صور العالم أحق بهذه الحياة من الهواء فهو الذي خرج على صورة النفس الرحماني الذي ينفس الله به عن عباده ما يجدونه من الكرب و الغم الذي تعطيه الطبيعة و بعد أن عرفتك بمنزلة الهواء من العالم فلنذكر ما يحدث فيه فمما يحدث فيه صور الجنين في النكاح و الثمر في اللقاح قال تعالى وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ و هذا معروف بالمشاهدة في تلقيح الثمار فالهواء ينكح بما يحمله من روائح الذكورية و العقيم منه ما عدا اللواقح و اللواقح من الرياح ليست مخصوصة بالثمر و إنما هي كل ريح تعطي الصور و العقيم كل ريح تذهب بالصور فالهواء الذي يشعل النار من الرياح اللواقح و الذي يطفئ السرج من الريح العقيم و إن كانت واحدة في العين فما هي واحدة عند من يرى تجديد العالم في كل نفس فإنهم في لبس من خلق جديد و أصل هذا في العلم الإلهي أن اللواقح ما تعطيه الربوبية من وجود أعيان المربوبين و العقيم سبحات الوجه المذهبة أعيان الكائنات من خلقه و مما وجد من العالم في الهواء البرد و الثلج و الجليد إذا غلب عليه برد الماء فتشكل البرد من استدارته و جليده من اليبوسة التي تعطيه برد التراب و الثلج دون الجليد في‏اليبوسة و المطر من رطوبته و ما يزيده الماء من رطوبته فإنه يزيد في كميتها و يتكون في هذا الهواء في الجبال التي ذكر الله أمرها في قوله وَ يُنَزِّلُ من السَّماءِ من جِبالٍ فِيها من بَرَدٍ و قد بيناها فيما قبل من هذا الكتاب تغلب الرطوبة في الهواء بما يزيده في رطوبته الماء و تعطيه النار من الحرارة ما يزيد في كمية حرارة الهواء فيحدث في الجو في هذه الجبال تعفين لأن هذه الأركان مركبة من الأربع الحقائق الطبيعية كل ركن منها و هذا سبب قبولها صور الكائنات فيها و لو لم يكن كذلك ما قبلت المولدات فإذا تعفن ما تعفن من ذلك كون الله في ذلك التعفين حيوانات هوائية جوية على صور حيات بيض و حيوانات للاستدارة أما هذه المستديرة فرأيناها و أما الحيات البيض فرأينا من رآها و قد وقفنا على ذكرها في بعض كتب الأنواء و إن البزاة البلنسية إذا علت في الجو في أوقات و وقعت بشي‏ء منها نزلت بها على مرأى من أصحابها و ممن رآها والدي و قد نزل بها البازي من الجو في أيام السلطان محمد بن سعد صاحب شرق الأندلس و هذا الصنف المستدير الذي عايناه من ذلك التكوين يسمى بالأندلس بالشلمندار و أكثر ما ينزل في الكوانين مع المطر و فيه خواص إذا لعق باللسان لكن خرجت عني معرفة تلك الخواص في هذا الوقت و هو مجرب عندنا و مما يحدث في هذا الركن مما يلي ركن النار منه الصواعق و هي هواء محترق و البروق و هو هواء مشتعل تحدثه الحركة الشديدة و الرعود و هو هبوب الهواء تصدع أسفل السحاب إذا تراكم و هو تسبيح إذ كل صوت في العالم تسبيح لله تعالى حتى الصوت بالكلمة القبيحة هي قبيحة و هي تسبيحة بوجه يعلمه أهل الله في أذواقهم لمن عقل عن الله و هذا الملك المسمى بالرعد هو مخلوق من الهواء كما خلقنا نحن من الماء و ذلك الصوت المسمى عندنا بالرعد تسبيح ذلك الملك و في ذلك الوقت يوجده الله فعينه نفس صوته و يذهب كما يذهب البرق و ذوات الأذناب فهذه حوادث هذا الركن في العالم العنصري و له حرف الزاي و هو من حروف الصفير فهو مناسب له لأن الصفير هواء بشدة و ضيق و له الشولة و هي حارة فافهم‏ (الفصل الثلاثون) في الاسم الإلهي المحيي‏ و توجهه على إيجاد ما يظهر في ركن الماء و له حرف السين المهملة من الحروف و له من المنازل المقدرة منزلة النعائم قال تعالى وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ و قال تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ به وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى‏ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ به الْأَقْدامَ فأعاد الضمير من به الاقدام على المطر و الرجس بالسين القذر عند القراء و هو هنا القذر المعنوي لأنه مضاف إلى الشيطان فلا يدل إلا على ما يلقيه من الشبه و الجهالات و الأمور التشكيكية ليقذر بها محل هذا القلب فيذهب الله ذلك بما في الماء المنزل من الحياة العلمية بالبراهين و الكشف فإذا زال ذلك القذر الشبهي بهذا الماء المنزل من عند الله زال الوسخ الجهلي و ارتفع الغطاء عن القلب فنظر بعينه في ملكوت السموات و الأرض فربط ذاته بما أعطاه العلم فعلم ما أريد به في كل نفس و وقت فعامله بما أعطاه العلم المنزل الذي ظهره به في ذلك الماء الذي جعل نزوله في الظاهر علامة على فعله في الباطن فكان من مواطنه مقابلة الأعداء فأداه ما عاينه و ربط قلبه به إن ثبتت قدمه يوم الزحف عند لقاء الأعداء فما ولوا مدبرين و أنزل الله نصره و هو تثبيت الاقدام فهذا ما أعطاه الله في الماء من القوة الإلهية حيث أنزله منزلة الملائكة بل أتم من الملائكة و إنما قلنا بل أتم فإن الله جعل الماء سبب تثبيت أقدام المجاهدين المؤمنين فقال وَ يُثَبِّتَ به الْأَقْدامَ فأنزله منزلة المعين على ما يريد و قال في الملائكة إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ لما علم من ضعفهم أعلمهم أن الله معهم من حيث أنيته ليتقوى جأشهم فيما يلقونه في قلوب المؤمنين المجاهدين أن يثبتوا و يصابروا العدو و لا ينهزموا و هذه من لمات الملائكة فقال لهم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي اجعلوا في قلوبهم إن يثبتوا ثم أعانهم فقال سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أخبرهم بذلك ليلقوا في نفوس المجاهدين هذا الكلام فإنه من الوحي فيجد المجاهد في نفسه ذلك الإلقاء و هو وحي الملك في لمته‏ فانظر كم بين مرتبة الماء و مرتبة هؤلاء الملائكة و الماء و إن كان من الملائكة فهو ملك عنصري و أصله في العنصر من نهر الحياة الطبيعية الذي فوق الأركان و هو الذي ينغمس فيه جبريل كل يوم غمسة و ينغمس فيه أهل النار إذا خرجوا منها بالشفاعة فهذا الماء العنصري من ذلك الماء الذي هو نهر الحياة و هذه الملائكة التي تقوى قلوب المجاهدين و تثبتهم‏و توحي إليهم قوله سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ هم الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور الذي في السماء السابعة المخلوقين من قطرات ماء نهر الحياة في انتفاض الروح الأمين من انغماسه و لهذا قرن الملائكة بالمجاهدين في التثبيت مع الماء المنزل لنثبت به الاقدام فقد أبان الله في هذه عن مرتبة الماء من مراتب الملائكة ليعقلها العالمون من عباد الله وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فجعل الله من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ و هذا الركن هو الذي يعطي الصور في العالم كله و حياته في حركاته ثم إن هذا الركن جعله الله مالحا لما فيه من مصالح العالم فإنه بما فيه من الملوحة يصفي الجو من الوخم و العفونات التي تطرأ فيه من أبخرة الأرض و أنفاس العالم و ذلك أن الأرض بطبعها ما تعطي التعفين لأنها باردة يابسة فيحصل فيها من الماء رطوبات عرضية تكثر فإذا كثرت و سخنتها أشعة الكواكب مثل الشمس و غيرها بمرور هذه الأشعة على الأثير ثم بما في جو الأرض من حركات الهواء المنضغط فإن الحركة سبب موجب لظهور الحرارة و يظهر ذلك في الحمامات في الأرض الكبريتية فإذا تضاعفت كمية الحرارة على هذه الرطوبات صعدت بها علوا بخارا فمن هنالك يطرأ التعفين في الجو فيذهب ذلك التعفين ما في البحر من الملوحة فيصفو الجو و ذلك من رحمة الله بخلقه فلا يشعر بذلك إلا العلماء من عباد الله‏ ثم إن الله جعل للبقاع في الماء حكما و أصل ذلك الحكم من الماء هذا هو العجب فجعل من الأرض سباخا تعطي ماء مالحا إذا عظم ذلك منها و تعطي فعاما و مرا و زعاقا كما تعطي أيضا عذبا فراتا كل ذلك بجعل الله تعالى و أصل هذا كله مما أعطى الماء الأرض من الرطوبات و أعطاها الهواء و الحركات من الحرارة و تختلف أمزجة الأرض فمن الماء عذب فرات لمصالح العباد فيما يستعملونه من الشرب و غير ذلك و منه ملح أجاج لمصالح العباد فيما يذهب به من عفونات الهواء فما من ركن إلا و قد جعله الله مؤثرا و مؤثرا فيه أصل ذلك في العلم الإلهي وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و كل مؤثر فيه من العالم فمن الإجابة الإلهية و أما اسم الفاعل من ذلك فهو معلوم عند كل أحد فما نبهنا إلا على ما يمكن أن يغفل عنه أكثر الناس كما قال في أشياء وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ثم إن الله عز و جل ما جعل التكوينات التي هي دواب البحر في البحر الملح إلا في العذب منه خاصة فلو لا وجود الهواء فيه و الماء العذب ما تكون فيه حيوان أ لا ترى البخار الصاعد من الأنهار و البحار و لا سيما في زمان البرد ذلك هو النفس يصعد من الأرض و من البحر كما يخرج النفس من المتنفس يطلب ركنه الأعظم فيستحيل ماء و يلحق بعنصره منه على قدر ما سبق في علم الله من ذلك فهو دولاب دائر منه يخرج و إليه يرجع بعضه أصله في العلم الإلهي إن الله كان و لا شي‏ء و أوجد الأشياء و أظهر فيها الدعاوي بما جعل فيها من استحالات بعضها إلى بعض و بما أعطاها من القوي التي تفعل بها و قال بعد هذا كله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فجعل صعود البخار من الماء و هو ماء استحال هواء يسمى بخارا ليقع الفرق بين الهواء الأصلي و بين الهواء المستحيل ثم يصير غما ما متراكما ثم ينزل ماء كما كان أول مرة فعاد إلى أصله الذي خرج منه ثم يعود الدور فلهذا شبهناه بالدولاب و قلنا إنه يرجع و ذلك بتقدير العزيز العليم انتهى الجزء الثالث و العشرون و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(الفصل الحادي و الثلاثون) في الاسم إلهي المميت‏ و توجهه على إيجاد ما يظهر في الأرض و له حرف الصاد المهملة و من المنازل البلدة قال تعالى خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ و قال وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و هي أول مخلوق من الأركان ثم الماء ثم الهواء ثم النار ثم السموات و أخبر تعالى عنها بأمور تقضي أنها تعقل فوصفها بالقول و الإباية و قال لها و قالت له و نعتها بالطاعة و الأخذ بالأحوط ليدل بذلك على علمها و عقلها و جعلها محلا لتكوين المعادن و النبات و الحيوان و الإنسان و جعلها حضرة الخلافة و التدبير فهي موضع نظر الحق و سخر في حقها جميع الأركان و الأفلاك و الأملاك و أنبت فِيها من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ من كل ذكر و أنثى و ما جمع لمخلوق بين يديه سبحانه إلا لما خلق منها و هي طينة آدم عليه السلام خمرها بيديه و هو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و أقامها مقام العبودية فقال الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا و جعل لها مرتبة النفس الكلية التي ظهر عنها العالم كذلك ظهر عن هذه الأرض من العالم المولدات إلى مقعر فلك المنازل و هذا الركن لا يستحيل إلى‏شي‏ء و لا يستحيل إليه شي‏ء و إن كان بهذه المثابة بقية الأركان و لكنه في هذا الركن أظهر حكما منه في غيره و اعلم أن كل معلوم يدخله التقسيم فإنه يدخل في الوجود الذهني لا بد من ذلك و قد يكون هذا الداخل في الوجود الذهني ممن يقبل الوجود العيني و قد يكون ممن لا يقبل الوجود العيني كالمحال و الذي يقبل الوجود العيني لا يخلو إما أن يكون قائما بنفسه و هو المقول عليه لا في موضوع و إما أن لا يكون فأما قسم ما يكون قائما بنفسه فلا يخلو إما أن يكون متحيزا أو غير متحيز و أما قسم لا في موضوع غير متحيز فلا يخلو إما أن يكون واجب الوجود لذاته و هو الله تعالى و إما أن يكون واجبا بغيره و هو الممكن و هذا الممكن إما أن يكون متحيزا أو غير متحيز و القسمة فيما هو قائم بنفسه من الممكنات فغير المتحيز كالنفوس الناطقة المدبرة لجوهر العالم النوراني و الطبيعي و العنصري و المتحيز إما أن يكون مركبا ذا أجزاء و إما أن لا يكون ذا أجزاء فإن لم يكن ذا أجزاء فهو الجوهر الفرد و إن كان ذا أجزاء فهو الجسم و أما القسم الذي هو في موضوع و هو الذي لا يقوم بنفسه و لا يتحيز إلا بحكم التبعية فلا يخلو إما أن يكون لازما للموضوع أو غير لازم في رأى العين و أما في نفس الأمر فلا شي‏ء مما لا يقوم بنفسه يكون باقيا في نفس الأمر زائدا على زمان وجوده لكن منه ما تعقبه الأمثال و منه ما يعقبه ما ليس بمثل فأما الذي يعقبه الأمثال فهو الذي يتخيل أنه لازم كصفرة الذهب و سواد الزنجي و أما الذي لا تعقبه الأمثال فهو المسمى بالعرض و اللازم يسمى صفة و ليست المعلومات التي لها وجود عيني سوى ما ذكرنا و اعلم أن العالم واحد بالجوهر كثير بالصورة و إذا كان واحدا بالجوهر فإنه لا يستحيل و كذلك الصورة أيضا لا تستحيل لما يؤدي إليه من قلب الحقائق فالحرارة لا تكون برودة و اليبوسة لا تكون رطوبة و البياض لا يستحيل سوادا و التثليث لا يصير تربيعا لكن الحار قد يوجد بارد إلا في زمان كونه حارا و كذلك البارد قد يوجد حار إلا في زمان كونه باردا و كذلك الأبيض قد يكون أسود بمثل ما ذكرنا و المثلث قد يكون مربعا فبطلت الاستحالة فالأرض و الماء و الهواء و الأفلاك و المولدات صور في الجوهر فصور تخلع عليه فيسمى بها من حيث هيأة و هو الكون و صور تخلع عنه فيزول عنه بزوالها ذلك الاسم و هو الفساد فما في الكون استحالة يكون المفهوم منها أن عين الشي‏ء استحال عينا آخر إنما هو كما ذكرنا و العالم في كل زمان فرد يتكون و يفسد و لا بقاء لعين جوهر العالم لو لا قبول التكوين فيه فالعالم يفتقر على الدوام أما افتقار الصور فلبروزها من العدم إلى الوجود و أما افتقار الجوهر فلحفظ الوجود عليه إذ من شرط وجوده وجود تكوين ما هو موضوع له لا بد من ذلك و كذلك حكم الممكن القائم بنفسه الذي لا يتحيز هو موضوع لما يحمله من الصفات الروحانية و الإدراكات التي لا بقاء لعينه إلا بها و هي تتجدد عليه تجدد الأعراض في الأجسام و صورة الجسم عرض في الجوهر و أما الحدود إنما محلها الصور فهي المحدودة و لا بد أن يوجد في حدها الجوهر الذي تظهر فيه و بهذا القدر يسمون الصور جوهرا لكونهم يأخذون الجوهر في حد الصورة و بالجملة فالنظر في هذه الأمور من غير طريق الكشف الإلهي لا يوصل إلى حقيقة الأمر على ما هي عليه لا جرم أنهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ و لهذا عدلت الطائفة السعيدة المؤيدة بروح القدس إلى التجرد عن أفكارها و التخلص عن قيد قواها و اتصلت بالنور الأعظم فعاينت الأمر على ما هو عليه في نفسه إذ كان الحق عز و جل بصرها فلم تشاهد إلا حقا كما قال الصديق ما رأيت شيئا أ لا رأيت الله قبله فيرى الحق ثم يرى أثره في الكون و هو الوقوف على كيفية الصدور فكأنه عاين الممكنات في حال ثبوتها عند ما رش على ما رش منها من نوره الأعظم فاتصفت بالوجود بعد ما كانت تنعت بالعدم فمن هذا مقامه فقد ارتفع عنه غطاء العمي و الحيرة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ... إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ فما جعل العلم إلا في الشهود فالحاكم يحكم بغلبة ظنه و الشاهد يشهد بعلم لا بظن ثم اعلم أن أجسام العالم تنقسم إلى لطيف و كثيف و شفاف و كدر و مظلم و منور و إلى كبير و صغير و إلى مرئي و غير مرئي فالوجود كله عطاء

ليس عند الله منع كل ما منه عطاء
فإذا ما قيل منعلم يكن الا عطاء
فإنا ما بين شيئينغطاء و وطاء
و أنا لكل ما فيالكون من خير وعاء

فالرجل الذي رأى الحق حقا فاتبعه و حكم الهوى و قمعه فإذا جاع جوع اضطرار و حضر بين يديه أشهى ما يكون من الأطعمة تناول منه بعقله لا بشهوته و دفع به سلطان ضرورته ثم أمسك عن الفضل غنى نفس و شرف همةفذلك سيد الوقت فاقتد به و ذلك صورة الحق أنشأها الله صورة جسدية بعيدة المدى لا يبلغ مداها و لا يخفى طريق هداها و هذا هو طبع الأرض فهي الذلول التي لا تقبل الاستحالة فيظهر فيها أحكام الأركان و لا يظهر لها حكم في شي‏ء تعطي جميع المنافع من ذاتها هي محل كل خير فهي أعز الأجسام لا تزاحم المتحركات بحركتها لأنها لا تفارق حيزها يظهر فيها كل ركن سلطانه و هي الصبور القابلة الثابتة الراسية سكن ميدها جبالها التي جعلها الله أوتادها لما تحركت من خشية الله آمنها الله بهذه الأوتاد فسكنت سكون الموقنين و منها تعلم أهل اليقين يقينهم فإنها الأم التي منها أخرجنا و إليها نعود و منها نخرج تارة أخرى لها التسليم و التفويض هي ألطف الأركان معنى و ما قبلت الكثافة و الظلمة و الصلابة إلا لستر ما أودع الله فيها من الكنوز لما جعل الله فيها من الغيرة فحار السعاة فيها فلم يخرقوها و لا بلغوا جبالها طولا أعطاها صفة التقديس فجعلها طهورا في أشرف الحالات و ذلك عند الاضطرار لما أقامها مقامه مثل الظمآن يرى السراب فيحسبه ماء ف إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يعني ماء وَ وَجَدَ الله عِنْدَهُ فما وجد الله إلا عند الضرورة كذلك طهارة الأرض لا تكون إلا لفاقد الماء على ما كان من الأحوال فانظر ما أشرف منزلها ثم أنزلتها منزلة النقطة من المحيط فهي تقابل بذاتها كل جزء من المحيط و ينظر إليها كل جزء من المحيط فكل خط منها يخرج إلى المحيط على السواء و الاعتدال لأنها ما تعطي إلا بحسب صورتها و كل خط من المحيط إليها يقصد فلو زالت زال المحيط و لو زال المحيط لم يلزم زوالها فهي الدائمة الباقية في الدنيا و الآخرة أشبهت نفس الرحمن في التكوين‏ و اعلم أن الله تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد كما كانت السماء ففتق رتقها و جعلها سبعة أطباق كما فعل بالسموات و جعل لكل أرض استعداد انفعال لأثر حركة فلك من أفلاك السموات و شعاع كوكبها فالأرض الأولى و هي التي نحن عليها للفلك الأول من هناك ثم تنزل إلى أن تنتهي إلى الأرض السابعة و السماء الدنيا و لذلك‏ قال ع فيمن غصب شبرا من الأرض طوقه الله به من سبع أرضين‏ لأنه إذا غصب شيئا من الأرض كان ما تحت ذلك المغصوب مغصوبا إلى منتهى الأرض و لو لم تكن طباقا بعضها فوق بعض لبطل معقول هذا الخبر و كذلك الخبر الوارد في سجود العبد على الأرض طهر الله بسجدته إلى سبع أرضين و قال تعالى أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي كل واحدة منهما مرتوقة ثم قال فَفَتَقْناهُما يعني فصل بعضها من بعض حتى تميزت كل واحدة عن صاحبتها كما قال خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً و من الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الظاهر يريد طباقا ثم قال يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أي بين السموات و الأرض و لو كانت أرضا واحدة لقال بينهما هذا هو الظاهر و هو الذي يعطيه الكشف و الأمر النازل بينهن هذا الأمر الإلهي الذي يكون بين السماء الدنيا و الأرض التي نحن عليها ينزل من السماء ثم يطلب أرضه و هو قوله وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فذلك الأمر هو الذي ينزل إلى أرضه بما أوحى الله فيه على عامر تلك الأرض من الصور و الأرواح و جعل هذه الأرض سبعة أقاليم و اصطفى من عباده المؤمنين سبعة سماهم الأبدال لكل بدل إقليم يمسك الله وجود ذلك الإقليم به فالإقليم الأول ينزل الأمر إليه من السماء الأولى من هناك و تنظر إليه روحانية كوكبه و البدل الذي يحفظه على قلب الخليل عليه السلام و الإقليم الثاني ينزل الأمر إليه من السماء الثانية و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب موسى عليه السلام و الإقليم الثالث ينزل إليه الأمر الإلهي من السماء الثالثة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب هارون و يحيى عليهما السلام بتأييد محمد عليه الصلاة و السلام و الإقليم الرابع ينزل الأمر إليه من قلب الأفلاك كلها و تنظر إليه روحانية كوكبها الأعظم و البدل الذي يحفظه على قدم إدريس عليه السلام و هو القطب الذي لم يمت إلى الآن و الأقطاب فينا نوابه و الإقليم الخامس ينزل إليه الأمر من السماء الخامسة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظ الله به ذلك الإقليم على قلب يوسف عليه السلام و يؤيده محمد صلى الله عليه و سلم و الإقليم السادس ينزل الأمر إليه من السماء السادسة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب عيسى روح الله و يحيى عليهما السلام و الإقليم السابع ينزل الأمر إليه من السماء الدنيا و ينظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب آدم عليه السلام و اجتمعت بهؤلاء الأبدال السبعة بحرم مكة خلف حطيم الحنابلة وجدتهم يركعون هناك فسلمت عليهم و سلموا علينا و تحدثت معهم‏فذلك سيد الوقت فاقتد به و ذلك صورة الحق أنشأها الله صورة جسدية بعيدة المدى لا يبلغ مداها و لا يخفى طريق هداها و هذا هو طبع الأرض فهي الذلول التي لا تقبل الاستحالة فيظهر فيها أحكام الأركان و لا يظهر لها حكم في شي‏ء تعطي جميع المنافع من ذاتها هي محل كل خير فهي أعز الأجسام لا تزاحم المتحركات بحركتها لأنها لا تفارق حيزها يظهر فيها كل ركن سلطانه و هي الصبور القابلة الثابتة الراسية سكن ميدها جبالها التي جعلها الله أوتادها لما تحركت من خشية الله آمنها الله بهذه الأوتاد فسكنت سكون الموقنين و منها تعلم أهل اليقين يقينهم فإنها الأم التي منها أخرجنا و إليها نعود و منها نخرج تارة أخرى لها التسليم و التفويض هي ألطف الأركان معنى و ما قبلت الكثافة و الظلمة و الصلابة إلا لستر ما أودع الله فيها من الكنوز لما جعل الله فيها من الغيرة فحار السعاة فيها فلم يخرقوها و لا بلغوا جبالها طولا أعطاها صفة التقديس فجعلها طهورا في أشرف الحالات و ذلك عند الاضطرار لما أقامها مقامه مثل الظمآن يرى السراب فيحسبه ماء ف إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً يعني ماء وَ وَجَدَ الله عِنْدَهُ فما وجد الله إلا عند الضرورة كذلك طهارة الأرض لا تكون إلا لفاقد الماء على ما كان من الأحوال فانظر ما أشرف منزلها ثم أنزلتها منزلة النقطة من المحيط فهي تقابل بذاتها كل جزء من المحيط و ينظر إليها كل جزء من المحيط فكل خط منها يخرج إلى المحيط على السواء و الاعتدال لأنها ما تعطي إلا بحسب صورتها و كل خط من المحيط إليها يقصد فلو زالت زال المحيط و لو زال المحيط لم يلزم زوالها فهي الدائمة الباقية في الدنيا و الآخرة أشبهت نفس الرحمن في التكوين‏ و اعلم أن الله تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد كما كانت السماء ففتق رتقها و جعلها سبعة أطباق كما فعل بالسموات و جعل لكل أرض استعداد انفعال لأثر حركة فلك من أفلاك السموات و شعاع كوكبها فالأرض الأولى و هي التي نحن عليها للفلك الأول من هناك ثم تنزل إلى أن تنتهي إلى الأرض السابعة و السماء الدنيا و لذلك‏ قال ع فيمن غصب شبرا من الأرض طوقه الله به من سبع أرضين‏ لأنه إذا غصب شيئا من الأرض كان ما تحت ذلك المغصوب مغصوبا إلى منتهى الأرض و لو لم تكن طباقا بعضها فوق بعض لبطل معقول هذا الخبر و كذلك الخبر الوارد في سجود العبد على الأرض طهر الله بسجدته إلى سبع أرضين و قال تعالى أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي كل واحدة منهما مرتوقة ثم قال فَفَتَقْناهُما يعني فصل بعضها من بعض حتى تميزت كل واحدة عن صاحبتها كما قال خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً و من الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الظاهر يريد طباقا ثم قال يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أي بين السموات و الأرض و لو كانت أرضا واحدة لقال بينهما هذا هو الظاهر و هو الذي يعطيه الكشف و الأمر النازل بينهن هذا الأمر الإلهي الذي يكون بين السماء الدنيا و الأرض التي نحن عليها ينزل من السماء ثم يطلب أرضه و هو قوله وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فذلك الأمر هو الذي ينزل إلى أرضه بما أوحى الله فيه على عامر تلك الأرض من الصور و الأرواح و جعل هذه الأرض سبعة أقاليم و اصطفى من عباده المؤمنين سبعة سماهم الأبدال لكل بدل إقليم يمسك الله وجود ذلك الإقليم به فالإقليم الأول ينزل الأمر إليه من السماء الأولى من هناك و تنظر إليه روحانية كوكبه و البدل الذي يحفظه على قلب الخليل عليه السلام و الإقليم الثاني ينزل الأمر إليه من السماء الثانية و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب موسى عليه السلام و الإقليم الثالث ينزل إليه الأمر الإلهي من السماء الثالثة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب هارون و يحيى عليهما السلام بتأييد محمد عليه الصلاة و السلام و الإقليم الرابع ينزل الأمر إليه من قلب الأفلاك كلها و تنظر إليه روحانية كوكبها الأعظم و البدل الذي يحفظه على قدم إدريس عليه السلام و هو القطب الذي لم يمت إلى الآن و الأقطاب فينا نوابه و الإقليم الخامس ينزل إليه الأمر من السماء الخامسة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظ الله به ذلك الإقليم على قلب يوسف عليه السلام و يؤيده محمد صلى الله عليه و سلم و الإقليم السادس ينزل الأمر إليه من السماء السادسة و تنظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب عيسى روح الله و يحيى عليهما السلام و الإقليم السابع ينزل الأمر إليه من السماء الدنيا و ينظر إليه روحانية كوكبها و البدل الذي يحفظه على قلب آدم عليه السلام و اجتمعت بهؤلاء الأبدال السبعة بحرم مكة خلف حطيم الحنابلة وجدتهم يركعون هناك فسلمت عليهم و سلموا علينا و تحدثت معهمفما رأيت فيما رأيت أحسن سمتا منهم و لا أكثر شغلا منهم بالله ما رأيت مثلهم إلا سقيط الرفرف ابن ساقط العرش بقونية و كان فارسيا (وصل) و اعلم أن الفرق الذي بين مزاج العنصر الواحد و امتزاجه بعضه ببعضه أو امتزاجه بعنصر آخر كامتزاج الماء بالتراب فيحدث اسم الطين فما هو تراب و ما هو ماء و الامتزاج في العنصر الواحد كالنيل و الإسفيداج إذا مزجا بالسحق و اختلطت أجزاؤهما و امتزجت امتزاجا لا يمكن الفصل بينهما يحدث بينهما لون آخر ما هو لواحد منهما و يحدث لهذا الامتزاج حكم في آخر الأفعال الطبيعية و كالماء العذب و الماء الملح إذا امتزجا حدث بينهما طعم آخر ما هو ملح و لا عذب فهذا ما أعطاه الامتزاج في العنصر الواحد و كذلك الماء بما هو بارد إذا أعطت النار فيه التسخين بحيث أن لا تبقيه باردا و لا تبلغ به درجتها في السخانة فيكون فاترا حارا و لا باردا فهذا امتزاج لا يشبه امتزاج العنصر بعضه في بعضه و لا امتزاج العنصرين و أما المزاج فهو ما كان به وجود عين العنصر و هو المسمى بالطبع فيقال طبع الماء أو مزاج الماء أن يكون باردا رطبا و النار حارة يابسة و الهواء حارا رطبا و التراب باردا يابسا فما ظهرت أعيان هذه الأركان إلا بهذا المزاج الطبيعي فكل مزاج طبيعي و ليس الامتزاج كذلك فبالامتزاج الذي ذكرناه في عنصر الماء نعلم قطعا إن أجزاء الماء الملح مجاورة أجزاء الماء العذب و أجزاء النيل مجاورة أجزاء الإسفيداج مجاورة بالعقل لا يدركها الحس و لا يفصلها و لكن في الامتزاج يحدث للطبيعة حكم في هذه الصور الظاهرة من الامتزاج كتركيب الأدوية فكل عقار فيه له نفع على حدة ثم إذا مزج الكل كان بهذه المثابة و كان للطبيعة في المجموع حكم و لا بد فإذا جعل الكل في إناء واحد و صب على الجميع ماء واحد أعطى كل عقار في كل جوهر من ذلك الماء قوة فيكون في الجوهر الواحد من الماء قوة كل واحد من العقاقير ما لم تتضاد القوي فهذا و إن كان امتزاجا فما هو مثل ذلك الامتزاج و لا بلغ حكمه حكم المزاج فهذه حالة معقولة بين المزاج و بين الامتزاج لا يقال فيه مزاج و لا امتزاج و كذلك الأرض و إن كانت سبعة طباق فقد يعسر في الحس الفصل بينهن مع علمنا بأن كل واحدة منهن لا تكون بحيث الأخرى كما لا يكون الجوهر بحيث جوهر آخر و عرضه يكون بحيث موضوعة و حامله فهكذا يكون كون الأشياء و فسادها و ما يلحقها من التغيير انتهى الجزء الثالث و العشرون و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(وصل) و أما ما يلحق الأجسام العنصرية من لواحق الطبيعة في الأجسام فكثير فمن ذلك حركة العنصر و سكونه هل هو مخالف لحركة الفلك و سكونه لو فرض سكونه أو هل سكونه كسكون السماء الذي لا يقول به إلا أهل هذا الشأن منا فأما حركة الفلك و هو من الأجسام الطبيعية فإنه يتحرك بمحرك ليس هو و هكذا كل متحرك في العالم و ساكن ما هو متحرك لذاته و لا ساكن لذاته بل بمحرك و مسكن و ذلك المحرك له لا بد أن يكون محركا له بذاته أو محركا له بما هو يريد تحريكه فأما من يرى أن محركه يحركه لذاته فهو القائل بخلق الحركة في الجسم و الحركة تعطي لذاتها فيمن قامت به التحرك فهي محركة المتحرك لذاتها و السكون مثل ذلك و إن كان المحرك بما هو يريد تحريكه فقد يحركه بواسطة و بغير واسطة أي بواسطة لا تتصف بأنها مريدة لتحريكه و لو كانت ذا إرادة كالمجبور فيمن كان ذا إرادة أو تحريك الغصن بتحريك الريح التي تحدثه حركة المروحة من حركة يد الذي يروحه بها و بغير واسطة كإنسان هز عصا في يده فاضطربت أو يكون المتحرك هو المتحرك بالإرادة في ذاته كتحرك الإنسان في الجهات التحرك الإرادي فالفلك عندنا متحرك تحرك الإنسان في الجهات لأنه يعقل و يكلف و يؤمر كما قال عليه السلام في ناقته إنها مأمورة و قال عليه السلام في الشمس إنها تستأذن في الطلوع و حينئذ تطلع فيؤذن لها فإذا جاء وقت طلوعها من مغربها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مغربها فذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها فالفلك متحرك بالإرادة ليعطي ما في سمائه من الأمر الإلهي الذي يحدث أشياء في الأركان و المولدات و بتلك الحركات الفلكية يظهر الزمان فالزمان لا يحكم‏في مظهره و إنما يحكم فيما دونه فلا حكم للزمان في حركات الفلك لأنه المظهر عينه و للحوادث الظاهرة و الطارئة في الأفلاك و السموات و العالم العلوي أسباب غير الزمان و حركات الفلك مرتبة متتالية الأجزاء على طريقة واحدة كتحرك الرحى فكل جزء لا يفارق مجاوره و حركة الأركان ليست كذلك فإن حركة العنصر متداخلة بعضها في بعض يزول كل جزء عن الجزء الذي كان يجاوره و يعمر أحيازا غير أحيازه التي كان فيها فأسباب حركة العنصر تخالف أسباب حركة الفلك لأن حركة الفلك ما تعرف سوى ما تعطيه في الأركان من التحريك و شعاعات كواكبها بما أودع الله فيها من العقل و الروح و العلم تعطي في أشخاص كل نوع من المولدات على التعيين من معدن و نبات و حيوان و جن و ملك مخلوق من عمل أو نفس بقول من تسبيح و ذكر أو تلاوة و ذلك لعلمها بما أودع الله لديها و هو قوله تعالى وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فمن لا كشف له يرى أن ذلك كله الكائن عن سريانها إنها مسخرات في حركاتها لإيجاد هذه الأمور كتحريك الصانع للآلات لإيجاد صورة ما يريد إيجادها كالصورة في الخشب و غيره و لا تعرف الآلات شيئا من ذلك و لا ما صدر عنها و إن كانت تلك الصور لا تظهر إلا بهذه الآلات هكذا يزعم من يذهب إلى غير ما ذهبنا إليه و ذهب إليه أهل الله من أهل الكشف و الوجود و نحن نقول إن آلة النجار ربما تعلم أكثر مما يعلم الصانع بها فإنها حية ناطقة عالمة بخالقها مسبحة بحمد ربها عالمة بما خلقت له عند أهل الكشف فإن المكاشف إذا كشف الله عن بصره و سمعه تناديه أشجار الأرض و نجمها بمنافعها و مضارها كما قالت الأحجار لداود عليه السلام يقول كل حجر يا داود خذني فأنا أقتل جالوت و قال له الحجر الآخر خذني فإني أجعل الكسرة في ميمنة عسكره فقد علم كل حجر ما خلق له فأخذ داود تلك الأحجار فوقع الأمر كما ذكرت‏ و لما لم يبلغ بعض الناس هذه الدرجة و لا طولع بها أنكرها و لم يكن ينبغي له ذلك فما من متحرك في العالم إلا و هو عالم بما إليه يتحرك إلا الثقلين فقد يجهلون ما يتحركون إليه بل يجهلون إلا من شاء الله من أهل الكشف من مريد و غيره قال الله للسماء و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و إتيان الأرض حركة و انتقال لما دعيت إليه فجاءت طائعة فكل جزء في الكون عالم بما يراد منه فهو على بصيرة حتى أجزاء بدن الإنسان فما يجهل منه إلا لطيفته المكلفة الموكلة إلى استعمال فكرها أو تنظر بنور الايمان حتى يظهر ذلك النور على بصرها فيكشف ما كان خبرا عندها فإذا كانت حركة العنصر تخالف حركة الفلك بالتداخل و بما يطرأ عليها من السكون في بعض أجزاء العنصر لا في كله فنعلم قطعا إن حكم الحركة في العنصر يخالف حكم حركة الفلك فحكم حركة العنصر أي عنصر كان فإن كان بين عنصرين كالهواء و الماء أو لا يكون بين عنصرين كالنار و الأرض فحركة الهواء العنصري يظهر فيه من الأثر بحسب ما يباشر منه ما فوقه و ما تحته و كذلك عنصر الماء و أما حركة النار فلا تؤثر فيه إلا الهواء و حركة الأرض لا تؤثر فيه إلا الماء و الهواء و بهذا يفارق هذا العنصر عنصر النار فإذا أثر النار التسخين فيما عداه من الأركان فيأخذ أمرين إما بوساطة شعاع الكوكب الأعظم و هو الشمس فإن شعاعها يمر على الأثير فيكتسب زيادة كميات في حرارته أو بوساطة النار المحمولة في الفحم أو الحطب و هذه الآثار التي تظهر في العنصر من غيره إن لم يكن له إمداد من العنصر الذي ظهر عنه ذلك الأثر و الأغلب عليه حكم العنصر الذي ظهر فيه الأثر فأفسده فهذا من أنواع الكون و الفساد الظاهر في أجسام العناصر ثم لتعلم إن التحقيق في الحركة و السكون أنهما نسبتان للذوات الطبيعية المتحيزة المكانية أو القابلة للمكان إن كانت في الإمكان و ذلك أن المتحيز لا بد له من حيز يشغله بذاته في زمان وجوده فيه فلا يخلو ما أن يمر عليه زمان ثان أو أزمنة و هو في ذلك الحيز عينه فذلك المعبر عنه بالسكون أو يكون في الزمان الثاني في الحيز الذي يليه و في الزمن الثالث في الحيز الذي يلي الحيز الثاني فظهوره و أشغاله لهذه الأحياز حيزا بعد حيز لا يكون إلا بالانتقال من حيز إلى حيز و لا يكون ذلك إلا بمنقل فإن سمي ذلك الانتقال حركة مع عقلنا إنه ما ثم إلا عين المتحيز و الحيز و كونه شغل الحيز الآخر المجاور لحيزه الذي شغله أولا فلا يمنع و من ادعى أن ثم عينا موجودة تسمى حركة قامت بالمتحيز أوجبت له الانتقال من حيز إلى حيز فعليه بالدليل فما انتقل إلا بمنقل أما إن كان ذا إرادة فبإرادته أو بمنقل غيره نقله من حيز إلى حيز و كذلك الاجتماع و الافتراق نسبتان للمتحيزات فالاجتماع كون متحيزين متجاورين في حيزين لا يعقل بينهما ثالث و الافتراق أن‏يعقل بينهما ثالث أو أكثر فاعلم ذلك ثم إن الزمان و المكان من لواحق الأجسام الطبيعية أيضا غير أن الزمان أمر متوهم لا وجود له تظهره حركات الأفلاك أو حركات المتحيزات إذا اقترن بها السؤال بمتى فالحيز و الزمان لا وجود له في العين أيضا و إنما الوجود لذوات المتحركات و الساكنات و أما المكان فهو ما تستقر عليه المتمكنات لا فيه فإن كانت فيه فتلك الأحياز لا المكان فالمكان أيضا أمر نسبي في عين موجودة يستقر عليها المتمكن أو يقطعه بالانتقالات عليه لا فيه فإن اتصلت المتحيزات بطريق المجاورة على نسق خاص لا يكون فيه تداخل فذلك الاتصال فإن توالت الانتقالات حالا بعد حال فذلك التتابع و التتالي من غير أن يتخللها فترة فإن دخل بعضها على بعض و لم يفصل الداخل بين المتصلين فذلك الالتحام فما دخل في الوجود منه وصف بالتناهي و ما لم يدخل قيل فيه إنه لا يتناهى إن فرض متتاليا أبدا و إن أعطت هذه الانتقالات استحالة كان الكون و الفساد فانتقال الشي‏ء من العدم إلى الوجود يكون كونا و إزالة ما ظهر عنه من صورة الكون يسمى فسادا فإذا انتقل من وجود إلى وجود يسمى متحركا و أما ما يلحق هذه الأجسام من الألوان و الأشكال و الخفة و الثقل و اللطف و الكثافة و الكدورة و الصفا و اللين و الصلابة و ما أشبه ذلك من لواحقه فإنه يرجع إلى أسباب مختلفة فأما الألوان فعلى قسمين منها ألوان تقوم بنفس المتلون و منها ألوان تظهر لناظر الرائي و ما هي في عين المتلون لاختلاف الأشكال و ما يعطيه النور في ذلك الجسم فإنه بالنور يقع الإدراك و كذلك الأشكال مثل الألوان ترجع إلى أمرين إلى حامل الشكل و إلى حس المدرك له و أما ما عداه مما ذكرناه من لواحق الأجسام فهي راجعة إلى المدرك لذلك لا إلى أنفسها و لا إلى الذات الموصوفة التي هي الأجسام الطبيعية هذا عندنا فإن اللطيفة كالهواء لا تضبط صورة النور و الجسم الكثيف يظهره و رأينا من لا يحجبه الكثائف و صورتها عنده صورة اللطائف في نفوذ الإدراك فإذا ما هي كثائف إلا عند من ليس له هذا النفوذ فمنا من لا يحجبه الجدران و لا يثقله شي‏ء فصار مال هذه الأوصاف إلى المدرك و لو كانت لذوات الأجسام لوقع التساوي في ذلك كما وقع التساوي في كونها أجساما فإذا ليس حكم اللواحق يرجع إلى ذوات الأجسام عندنا و أما عند الطبيعيين فإنهم و إن اختلفوا فما هم على طريقنا في العلم بهذا و اعلم أن الشي‏ء الواحد العين إذا ظهرت عنه الآثار المختلفة فإن ذلك من حيث القوابل لا من حيث عينه و من هنا إذا حققت هذه المسألة يبطل قول الحكيم لا يصدر عن الواحد إلا واحد و صورة ذلك في العنصر الذي نحن بصدده إن النار بما هي نار لا يتغير حكمها من حيث ذاتها و تجد آثارها مختلفة الحكم فتنير أجساما و لا تنير أجساما مع أن إنارتها بالاشتعال فالهواء لها مساعد و تعقد أشياء و تسيل أشياء و تسود و تبيض و تسخن و تحرق و تنضج و تذيب الجوامد و هي على حقيقة واحدة و استعداد القوابل مظهر اختلاف الآثار منها في الحكم‏

فالعين واحدة و الحكم مختلف و يدرك العلم ما لا يدرك البصر

و اعلم أن الأشياء بآحادها لها حكم و بامتزاجاتها تحدث لها أحكام لم تكن و لا لواحد منها و لا يدرى على الحقيقة من هو المؤثر من أحد الممتزجين هل هو لواحد أو هل لكل واحد فيه قوة و الذي حدث لا يقدر على إنكاره فإنا نعرف سواد المداد حدث بعد أن لم يكن من امتزاج الزاج و العفص فهل الزاج صبغ العفص و هو المؤثر و العفص هو المؤثر فيه اسم مفعول و لو كان ذلك لبقي الزاج على حاله إذا كان غير ممتزج و ينصبغ ماء العفص و المشهود خلاف ذلك و كذلك القول في العفص فلم يبق إلا حقيقة المزج و هي التي أحدثت السواد ما هو لواحد بعينه حقيقة ما قلناه في الإلهيات سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و يأتي الله يوم القيامة للفصل و القضاء و بيده الميزان يخفض و يرفع الله و لا عالم هل يتصف بوقوع هذا الفعل فظهر بالعالم ما لم يظهر و لا عالم فليس الحكم على السواء فقال النبي صلى الله عليه و سلم كان الله و لا شي‏ء معه‏ و لم يقل و هو الآن على ما عليه كان كيف يقول ذلك صلى الله عليه و سلم و هو أعلم الخلق بالله و هو الذي جاء من عند الله بقوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و فرغ ربك من كذا و كذا و ينزل ربنا إلى السماء و قد كان و لا سماء و لا عالم هل كان يوصف بالنزول إلى من أو من أين و لا أين ثم أحدث الأشياء فحدثت النسب فاستوى و نزل و أخذ الميزان فخفض و رفع بذا وردت الأخبار التي لا تردها العقول السليمة من الأهواء و الايمان بها واجب و الكيف غير معقول فهو الواحد الواجد الأحد الماجد الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ لو لا وجود النفس و استعدادات المخارج‏في المتنفس ما ظهر للحروف عين و لو لا التأليف ما ظهر للكلمات عين فالوجود مرتبط بعضه ببعض فلو لا الحرج و الضيق ما كان للنفس الرحماني حكم فإن التنفيس هو إزالة عين الحرج و الضيق فالعدم نفس الحرج و الضيق فإنه يمكن أن يوجد هذا المعدوم فإذا علم الممكن إمكانه و هو في حال العدم كان في كرب الشوق إلى الوجود الذي تعطيه حقيقته ليأخذ بنصيبه من الخير فنفس الرحمن بنفسه هذا الحرج فأوجده فكان تنفيسه عنه إزالة حكم العدم فيه و كل موجود سوى الله فهو ممكن فله هذه الصفة فنفس الرحمن هو المعطي صور الممكنات الوجود كما أعطى النفس وجود الحروف فالعالم كلمات الله من حيث هذا النفس كما قال وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ و هو عين عيسى عليه السلام و أخبر أن كلمات الله لا تنفد فمخلوقاته لا تزال توجد و لا يزال خالقا و كذلك لما رأينا في هذه الأجسام العنصرية أمورا مختلفة الصور مختلفة الأشكال مختلفة المزاج و مع هذا ما يخرجها ذلك الاختلاف عن حقيقة كونها يجمعها حد واحد و حقيقة واحدة كأشخاص الحيوان على اختلاف أنواعه و أشكاله كالطير لا يخرجه ما ظهر فيه من اختلاف المقادير و الأشكال و الألوان عن كونه طيرا فعلمنا إن هذا الاختلاف ما هو لكونه إنسانا و لا لكونه طيرا فإن الإنسانية في كل واحد واحد من أشخاصها مع ظهور الاختلاف فلا بد لذلك من حقائق أخر معقولة أوجبت لها ذلك الاختلاف فبحثنا عن ذلك في العلم الإلهي الذي هو مطلوبنا إذ كان الوجود مرتبطا به فوجدناه تعالى لا يكرر تجليا و يظهر في صورة ينكر فيها و في صورة يعرف فيها و هو الله تعالى في الصورتين الأولى و الآخرة و في كل صور التجلي فقامت صور التجلي في الألوهة مقام اختلاف أحوال صور أشخاص النوع في النوع فعلمنا أن تغير أشخاص النوع من هذه الحقيقة الإلهية فعلمنا إنا ما علمنا من الحق إلا ما أشهدنا و أن الله تجلى للنوع من حيث ما هو نوع فلم يتغير عن نوعيته كما لم يزل إلها في ألوهته ثم يظهر لذلك النوع في صور مختلفة اقتضتها ذاته تعالى فظهر في أشخاص النوع اختلاف صور على وزنها و مقدارها فلو لا أنه في استعداد هذا النوع المتغير بالشخص في الأشكال و الألوان و المقادير التي لا تخرجه عن نوعيته لما قبل هذا التغيير و لكان على صورة واحدة و إذا كان الكثيف مع كثافته مستعد القبول الصور المختلفة بصنعة الصانع فيه كالخشب و ما تصور منه بحسب ما يقوم في نفس الصانع من الصور المختلفة فاللطيف أقبل للاختلاف كالماء و الهواء فما كان ألطف كان أسرع بالذات لقبول الاختلاف فتبين لك أن اختلاف صور العالم من أعلاه لطفا إلى أسفله كثافة لا يخرج كل صورة ظهر فيها عن كونه نفس الرحمن قال تعالى وَ الله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ نَباتاً فالأرض واحدة و أين صورة النجم من صورة الشجر على اختلاف أنواعها من صورة الإنسان من صور الحيوان و كل ذلك من حقيقة عنصرية ما زالت عنصريتها باختلاف ما ظهر فيها فاختلاف العالم بأسره لا يخرجه عن كونه واحد العين في الوجود فزيد ما هو عمرو و هما إنسان فهما عين الإنسان لا غيره فمن هنا تعرف العالم من هو و صورة الأمر فيه إن كنت ذا نظر صحيح وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ما ثم إلا النفس الناطقة و هي العاقلة و المفكرة و المتخيلة و الحافظة و المصورة و المغذية و المنمية و الجاذبة و الدافعة و الهاضمة و الماسكة و السامعة و الباصرة و الطاعمة و المستنشقة و اللامسة و المدركة لهذه الأمور و اختلاف هذه القوي و اختلاف الأسماء عليها و ليست بشي‏ء زائد عليها بل هي عين كل صورة و هكذا تجده في صور المعادن و النبات و الحيوان و الأفلاك و الأملاك فسبحان من أظهر الأشياء و هو عينها

فما نظرت عيني إلى غير وجههو ما سمعت أذني خلاف كلامه‏
فكل وجود كان فيه وجودهو كل شخيص لم يزل في منامه‏
فتعبير رؤيانا لها في منامنافمن لام فليلحق به في ملامه‏

و مما يتعلق بهذا الباب و بباب ركن الماء ما يظهر فيهما من السخانة عن الشعاعات النورية المنفهقة من ذات الشمس أين أصلها في العلم الإلهي فإن الأجسام الأرضية و المائية إذا اتصلت بها أشعة الأنوار الشمسية و الكوكبية يرى بعض الأجسام يسخن عند انبساط الشعاع عليه و بعض الأجسام على برده لا يقبل التسخين مع اختراق الشعاعات ذلك الجسم كدائرة الزمهرير و ما علا من الجو لا أثر لحر الشعاعات فيه فاعلم إن للوجه الإلهي سبحات محرقات لو لا الحجب‏ لأحرقت العالم فلا تخلو هذه الحجب إما أن تكون من العالم و لا شك أن السبحات لو لم تنبسط على الحجب لما كانت حجبا عنها و لو اقتضت السبحات الإحراق احترقت الحجب ثم لا تخلو الحجب أن تكون كثيفة أو لطيفة فإن كانت لطيفة لم تحجب كما لم يحجب الهواء اتصال شعاع الشمس بالأجسام الأرضية و إن كانت كثيفة كالجدران و أشباهها فلا خفاء إن الجدار يسخن بشعاع الشمس إذا كان متراص الأجزاء غير مخلخل ثم إن النور لا تحجبه الظلمة لأنه ينفرها فلا تجتمع به لكن تجاوره من خلف الحجاب الموجد للظلمة التي تباشر النور فالظلمة تجاور الشعاع و الموجد للظلمة يقبل انبساط الشعاع عليه فلا تكون الظلمة حجابا بهذا الاعتبار و قد ثبت كونها حجابا و كون النور حجابا على نور الوجه و النور يتقوى بالنور لا يحجبه فافهم حقيقة سبحات الوجه و إنها دلائل ذاتية إذا ظهرت أحرقت نسبا لا أعيانا فتبين أنها عين تلك الأعيان أعني الوجه فزال الجهل الذي كانت ثمرته إن العالم ما هو عين الوجه فبقي العالم على صورته لم تذهبه السبحات بل أثبتته و أبانت عن وجه الحق ما هو فكان الحجاب معنويا فاحترقت النسبة (الفصل الثاني و الثلاثون) في الاسم الإلهي العزيز و توجهه على إيجاد المعادن و له حرف الظاء المعجمة و من المنازل سعد الذابح‏ اعلم أن الذات لما اختصت بسبع نسب تسمى صفات إليها يرجع جميع الأسماء و الصفات و قد ذكرنا رجوعها إليها في كتاب إنشاء الجداول كما ذكرها من تقدم قبلنا غير أني زدت على من تقدم بإلحاق الاسم المجيب مع الاسم الشكور لصفة الكلام فإن المتقدمين قبلنا ما ألحقوا بالاسم الشكور الاسم المجيب و كانت السموات سبعا و السيارة سبعة و الأرضون سبعة و الأيام سبعة جعل الله تكوين المعادن في هذه الأرض عن سباحة هذه السبعة الدراري بسبعة أفلاكها في الفلك المحيط فأوجد فيها سبعة معادن و لما كان الاسم العزيز المتوجه على إيجادها و لم يكن لها مشهود سواه عند وجودها أثر فيها عزة و منعا فلم يقو سلطان الاستحالة التي تحكم في المولدات و الأمهات من العناصر يحكم فيها بسرعة الإحالة من صورة إلى صورة مثل ما يحكم في باقي المولدات فإن الاستحالة تسرع إليهم و يظهر سلطانها فيهم بزيادة و نقص و خلع صورة منهم و عليهم و هذا يبعد حكمه في المعادن فلا تتغير الأحجار مع مرور الأزمان و الدهور إلا عن بعد عظيم و ذلك لعزتها التي اكتسبتها من الاسم الإلهي العزيز الذي توجه على إيجادها من الحضرة الإلهية ثم إن هذا الاسم طلب بإيجادها رتبة الكمال لها حتى تتحقق بالعزة فلا يؤثر فيها دونه اسم إلهي نفاسة منه لأجل انتسابها إليه و علم العلماء بأن وجودها مضاف إليه فلم يكن القصد بها إلا صورة واحدة فيها عين الكمال و هو الذهبية فطرأت عوارض لها في الطريق من الاسم الضار و إخوانه فأمرض أعيانهم و عدل بهم عن طريقهم حكمت عليهم بذلك المرتبة التي مروا عليها و لا يتمكن لاسم أن يكون له حكم في مرتبة غيره فإن صاحب المنزل أحق بالمنزل و هم أرباب الأدب الإلهي و معلمو الأدب فبقي الاسم العزيز في هذه المرتبة يحفظ عين جوهر المعدن و صاحب المرتبة من الأسماء يتحكم في صورته لا في عين جوهره و للأسماء الإلهية في المولدات و العناصر سدنة من الطبائع و من العناصر يتصرفون في هذه الأمور بحكم صاحب المرتبة الذي هو الاسم الإلهي و هم المعدن و حرارته و برد الشتاء و حرارة الصيف و الحرارة المطلقة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و لكل واحد مما ذكرناه حكم يخصه يظهر في جوهر المولدات و العناصر فيسخف و يكثف و يبرد و يسخن و يرطب و ييبس و رتبة الكمال من تعتدل فيه هذه الأحكام و تتمانع و لا يقوى واحد منهم على إزالة حكم صاحبه فإذا تنزه الجوهر عن التأثير فخلع صورته عنه و منع نفسه من ذلك فذلك حكم رتبة الكمال و ليس إلا الذهب في المعدن و أما سائر الصور فقامت بها أمراض و علل أخرجتهم عن طريق الكمال فظهر الزئبق و الأسرب و القزدير و الحديد و النحاس و الفضة كما ظهر الياقوت الأصفر و الأكهب في جوهر الياقوت و لما فارقت المعدن الذي هو موطنها في ركن الأرض بقيت على مرضها ظاهرة بصورة الاعتلال دائما فالحاذق النحرير من علماء الصنعة إذا عرف هذا و أراد أن يلحق ذلك المعدن برتبة الكمال و لا يكون ذلك إلا بإزالة المرض و ليس المرض إلا زيادة أو نقصا في الجوهر و ليس الطب إلا زيادة تزيل حكم النقص أو نصا يزيل حكم الزيادة و ليس الطبيب إلا أن يزيد في الناقص أو ينقص من الزائد فينظر الحاذق من أهل النظر في طب المعادن ما الذي صيره حديدا أو نحاسا أو ما كان و حال بينه‏و بين الذهبية أن يصل إلى منزلتها و يظهر صورتها فيه فيفوز بدرجة الكمال و يجوز صفة العزة و المنع عن التأثير فيه و تساعد هذا الطبيب سباحة الأنوار السبعة في أفلاكها أعني الدراري و هي القمر و الكاتب و الزهرة و الشمس و الأحمر و المشتري و كيوان بما في قوتها لما يعطيه بعضها من اختلاف الزمان و حكم كل زمان يخالف حكم الذي يليه من وجه و يوافقه من وجه و يخالفه من جميع الوجوه و لا يمكن أن يوافقه من جميع الوجوه إذ لو وافقه لكان عينه و لم يكن اثنان و هما اثنان بلا شك فالموافقة من جميع الوجوه لا تكون و لكرور هذه الأزمان و توالي الجديدين أثر في الأركان و أثر في عين الولد في تسوية جوهره و تعديله فإذا سواه و عدله و هو أن يصيره جوهرا قابلا لأي صورة يريد الحق أن يركبه فيها و الصور مختلفة فاختلفت المعادن كما اختلف النبات بالصورة كما اختلف الحيوان بالصورة و هو من حيث الجوهر الطبيعي واحد العين و لهذا يعمه من حيث جوهره حد واحد و ما تختلف الحدود فيه إلا من أجل الصورة و كذلك في الآباء و الأمهات بل جوهر العالم كله واحد بالجوهرية و العين تختلف بالصور و ما يعرض له من الأعراض فهو المجتمع المفترق و الواحد الكثير صورة الحضرة الإلهية في الذات و الأسماء فيرد الحاذق الجوهر المعلول الذي عدلت به علته عن طريق الكمال إلى طريقه ليتمكن من تدبيره و حفظ بقاء صحته عليه و يحفظه مما بقي له في طريقه من منازل التغييرات الحائلة بينه و بين رتبة الكمال و إنما فعل الله هذا بهذا الجوهر في الطريق و سلط عليه من يعله و يمرضه حتى يحول بينه و بين بلوغه إلى رتبة الكمال العدني لمصالح هذا النوع الإنساني لعلمه بأنه يحتاج إلى آلات و أمور لا بد له منها و لا يكون له هذه الآلات إلا بقيام هذه الأمراض بهذا الجوهر و عدوله عن الطريق و حال الله سبحانه بين الأطباء و بين العلم بإزالة هذه الأمراض من هذا الجوهر إلا الأمناء منهم الذين علم الله منهم أنهم يبقون الحكمة على ما وضعها الله في العالم فيبقى الحديد حديدا لما فيه من المنافع التي لا تكون في الذهب و لا في غيره من المعادن كما قال تعالى وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يريد أنه أنزله عن رتبة الكمال لأجل ما فيه من منافع الناس فلو صح من مرضه لطغى و ارتفع و لم توجد تلك المنافع و بقي الإنسان الذي هو العين المقصودة معطل المنافع المتعلقة بالحديد التي لا تكون إلا فيه ففيه كما قال الله بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ و هكذا سائر المعادن فيها منافع للناس و قد ظهرت و استعملها الإنسان فانظر ما أشد عناية الله بهذا النوع الإنساني و هو غافل عن الله كافر لنعمه متعرض لنقمه و لما علم الله أن في العالم الإنساني من حرمه الله الأمانة و رزقه إذاعة الأسرار الإلهية و سبق في علمه أن يكون لهذا الذي هو غير أمين رزقه في علم التدبير رزقه الشح به على أبناء جنسه بخلا و حسدا و نفاسة أن يكون مثله غيره فترك العمل به غير مأجور فيه و لا موافق لله ثم إن الله كثر المعادن و لم يجعل لهذا الإنسان أثرا إلا فيما حصل بيده منها و ما عسى أن يملك من ذلك فيظهر في ذلك القدر تدبيره و صنعته ليعلم العقلاء الحكماء أنه غير أمين فيما أعطاه الله فإنه ما أذن له في ذلك من الله ثم إن الله جعل للملوك رغبة في ذلك العلم فإذا ظهر به من ليس بأمين عندهم سألوه العلم فإن منعهم إياه قتلوه حسدا و غيظا و إن أعطاهم علم ذلك قتلوه خوفا و غيرة و لما علم العالم أن ما له مع الملوك إلا مثل هذا لم يظهر به عندهم و لا عند العامة لئلا يصل إليهم خبره لا أمانة و إنما ذلك خوفا على نفسه فلا يظهر في هذه الصنعة عالم بها جملة واحدة و المتصور فيها بصورة العلم يعلم في نفسه أنه ما عنده شي‏ء و أنه لا بد أن يظهر للملك دعواه الكاذبة فيأمن غائلته في الغالب من القتل و يقنع بما يصل إليه من جهته من الجاه و المال للطمع الذي قام بذلك الملك فما ظهر عالم بهذه الصنعة قط و لا يظهر غيرة إلهية مع كونه قد رزقه الله الأمانة في نفسه و من هذا الاسم الإلهي وجود الأحجار النفيسة كاليواقيت و اللآلي من زبرجد و زمرد و مرجان و لؤلؤ و بلخش و جعل في قوة الإنسان إيجاد هذا كله أي هو قابل إن يتكون عنه مثل هذا و يسمى ذلك في الأولياء خرق عادة و الحكايات في ذلك كثيرة و لكن الوصول إلى ذلك من طريق التربية و التدبير أعظم في المرتبة في الإلهيات ممن يتكون عنه في الحين بهمته و صدقه فإن الشرف العالي في العلم بالتكوين لا في التكوين لأن التكوين إنما يقوم مقام الدلالة على إن الذي تكون عنه هذا بالتدبير عالم و صاحب خرق العادة لا علم له بصورة ما تكون عنه بكيفية تكوينها في الزمن القريب و العالم يعلم ذلك‏ (الفصل الثالث و الثلاثون) في الاسم الإلهي الرزاق‏ و توجهه على إيجاد النبات من المولدات و له من الحروف الثاء المعجمة بالثلاث و له من المنازل سعد بلع قال تعالى إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ و قال أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ فجعلها للعلماء تذكرة فجاء بالاسم الرزاق بهذه البنية للمبالغة لاختلاف الأرزاق و هي مع كثرتها و اختلافها منه لا من غيره و إن المرزوقين مختلف قبولهم للأرزاق فما يتغذى به حيوان ما قد لا يصلح أن يكون لحيوان آخر لأن المراد بتناول الرزق بقاء المرزوق فإذا أكل ما فيه حتفه فما تغذى به و ما هو رزق له و إن كان به قوام غيره فلذلك تسمى ببنية المبالغة في ذلك و نعت هذا الرزاق بذي القوة المتين و لو نعت به الله لقال ذا القوة المتين فنصب و لا يتمكن نعت الاسم الله من حيث دلالته فإنه جامع للنقيضين فهو و إن ظهر في اللفظ فليس المقصود إلا اسما خاصا منه تطلبه قرينة الحال بحسب حقيقة المذكور بعده الذي لأجله جاء الاسم الإلهي فإذا قال طالب الرزق المحتاج إليه يا الله ارزقني و الله هو المانع أيضا فما يطلب بحاله إلا الاسم الرزاق فما قال بالمعنى إلا يا رزاق ارزقني و من أراد الإجابة في الأمور من الله فلا يسأله إلا بالاسم الخاص بذلك الأمر و لا يسأل باسم يتضمن ما يريده و غيره و لا يسأل بالاسم من حيث دلالته على ذات المسمى و لكن يسأل من حيث المعنى الذي هو عليه الذي لأجله جاء و تميز به عن غيره من الأسماء تميز معنى لا تميز لفظ و اعلم أن الأرزاق منها معنوي و منها حسي و المرزوقين منهم معقول و منهم محسوس و رزق كل مرزوق ما كان به بقاؤه و نعيمه إن كان ممن يتنعم و حياته إن كان ممن يوصف بأنه حي و ليست الأرزاق لمن جمعها و إنما الأرزاق لمن تغذى بها يحكي أنه اجتمع متحرك و ساكن فقال المتحرك الرزق لا يحصل إلا بالحركة و قال الساكن الرزق يحصل بالحركة و السكون و بما شاء الله و قد فرغ الله منه فقال المتحرك فأنا أتحرك و أنت اسكن حتى أرى من يرزق فتحرك المتحرك فعند ما فتح للباب وجد حبة عنب فقال الحمد لله غلبت صاحبي فدخل عليه و هو مسرور فقال له يا ساكن تحركت فرزقت و رمى بحبة العنب إلى الساكن فأخذها الساكن فأكلها و حمد الله و قال يا متحرك سكنت فأكلت و الرزق لمن تغذى به لا لمن جاء به فتعجب المتحرك من ذلك و رجع إلى قول الساكن و المقصود من هذه الحكاية أن الرزق لمن تغذى به فأول رزق ظهر عن الرزاق ما تغذت به الأسماء من ظهور آثارها في العالم و كان فيه بقاؤها و نعيمها و فرحها و سرورها و أول مرزوق في الوجود الأسماء فتأثير الأسماء في الأكوان رزقها الذي به غذاؤها و بقاء الأسماء عليها و هذا معنى قولهم إن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت الربوبية فإن الإضافة بقاء عينها في المتضايفين و بقاء المضافين من كونهما مضافين إنما هو بوجود الإضافة فالإضافة رزق المتضايفين و به غذاؤهما و بقاؤهما متضايفين فهذا من الرزق المعنوي الذي يهبه الاسم الرزاق و هو من جملة المرزوقين فهو أول من تغذى بما رزق فأول ما رزق نفسه ثم رزق الأسماء المتعلقة بالرزق الذي يصلح لكل اسم منها و هو أثره في العالم المعقول و المحسوس ثم نزل في النفس الإلهي بعد الأسماء فوجد الأرواح الملكية فرزقها التسبيح ثم نزل إلى العقل الأول فغذاه بالعلم الإلهي و العلم المتعلق بالعالم الذي دونه و هكذا لم يزل ينزل من عين ما يطلب ما به بقاؤه و حياته إلى عين حتى عم العالم كله بالرزق فكان رزاقا فلما وصل إلى النبات و رأى ما يحتاج إليه من الرزق المعين فأعطاه ما به غذاؤه فرأى جل غذائه في الماء فأعطاه الماء له و لكل حي في العالم و جعله رزقا له ثم جعله رزقا لغيره من الحيوان فهو و الحيوان رزق و مرزوق فيرزق فيكون مرزوقا و يرزق به فيكون رزقا و هكذا جميع الحيوان يتغذى و يتغذى به فالكل رزق و مرزوق و إنما أعطى الماء رزقا لكل حي لأنه بارد رطب و العالم في عينه غلبت عليه الحرارة و اليبوسة و سبب ذلك أن العالم مقبوض عليه قبضا لا يتمكن له الانفكاك عنه لأنه قبض إلهي واجب على كل ممكن فلا يكون إلا هكذا و الانقباض في المقبوض يبس بلا شك فغلب عليه اليبس فهو يطلب بذاته لغلبة اليبس ما يلين به و يرطب فتراه محتاجا من حيث يبسه إلى الرطوبة و أما احتياجه إلى البرودة فإن العالم مخلوق على الصورة و رأى أن من خلق على صورته مطلق الوجود يفعل ما يريد فأراد أن يكون بهذه المثابة و يخرج عن القبض عليه فيكون مسرح العين غير مقبوض عليه في الكون و الإمكان يأبى ذلك و الصورة تعطيه القوة لهذا الطلب و لا ينال مطلوبه فيدركه الغبن فيحمى فتغلب الحرارة عليه فيتأذى فيخاف الانعدام‏فيجنح إلى طلب البرودة ليسكن بها ما يجده من ألم الحرارة و يحيي بها نفسه و يبس القبض الذي هو عليه يطلب الرطوبة فنظر الاسم الرزاق في غذاء يحيا به يكون باردا ليقابل به الحرارة و سلطانها و يكون رطبا فيقابل به سلطان اليبس فوجد الماء باردا رطبا فجعل منه كل شي‏ء حي في كل صنف صنف بما يليق به قال تعالى وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ أي يصدقون بذلك و إنما قرن به الايمان لجواز خلافه عقلا الذي هو ضد الواقع من أنه لو غلب عليه خلاف ما غلب عليه أهلكه فلا بد أن تكون حياته في نقيض ما غلب عليه أ لا ترى لو غلب عليه البرد و الرطوبة هلك و لم يكن له حياة إلا الحرارة و اليبس فكان يقال في تلك الحال و جعلنا من النار كل شي‏ء حي و لو غلب عليه البرد و اليبس لكانت حياته بالهواء فيقال في تلك الحال و جعلنا من الهواء كل شي‏ء حي و لو أفرطت فيه الحرارة و الرطوبة لكانت حياته بالتراب و كان يقال لتلك الحالة و جعلنا من التراب كل شي‏ء ثم هذا ما يحتمله التقسيم في هذا لو كان فلما كان الواقع في العالم غلبة الحرارة و اليبوسة عليه لما ذكرناه من سبب الصورة و القبض ثار عليه سلطان الحرارة و اليبس فلم تكن له حياة إلا ببارد رطب فكان الماء فقال وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ و ينظرون في قولنا من الماء فيعلمون طبع الماء و أثره و فيمن يؤثر و ما ذا يدفع به فيعلم إن العالم موصوف بنقيض ما يقتضيه الماء فيحكم عليه به فيعلم الناظر من طبع الدواء ما يقابل به طبع المرض الذي نزل بهذا المريض فنفس الرحمن عنه ما كان يجده هذا المريض فهذا من النفس الرحماني فالأرزاق كلها عند المحقق أدوية لأن العالم كله يخاف التلف على نفسه لأن عينه ظهر عن عدم و قد تعشق بالوجود فإذا قام به من يمكن عنده إذا غلب عليه إن يلحقه بالعدم سارع إلى طلب ما يكون به بقاؤه و إزالة حكم مرضه أو توقع مرضه فذلك رزقه الذي يحيا به و دواؤه الذي فيه شفاؤه أي نوع كان في الشخصيات و كل ما يقبل النمو فهو نبات و الذي ينمو به هو رزقه‏ ثم إن الرزق على نوعين في الميزان الموضوع في العالم لإقامة العدل و هو الشرع النوع الواحد يسمى حراما و النوع الآخر يسمى حلالا و هو بقية الله التي جاء نصها في القرآن قال تعالى بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فهذه هي التي بقيت للمؤمنين من قوله خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً و الايمان لا يقع إلا بالشرع و جاء هذا القول في قصة شعيب صاحب الميزان و المكيال فهذا علم مستفاد من الإعلام الإلهي و الرزاق هو الذي بيده هذا المفتاح فرزق الله عند بعض العلماء جميع ما يقع به التغذي من حلال و حرام فإن الله يقول وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها و هو ظاهر لا نص و قال فَذَرُوها تَأْكُلْ في أَرْضِ الله وَ الله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ و قد نهانا عن التغذي بالحرام فلو كان رزق الله في الحرام ما نهانا عنه فاذن ما هو الحرام رزق الله و إنما هو رزق و رزق الله هو الحلال و هو بقية الله التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير و تحريم بعض الأرزاق علينا و لتعلم من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقة إلا فعل المكلف لا عين الشي‏ء الممنوع التصرف فيه فالكل رزق الله و المتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو فإن الرزاق لا يعطيك إلا رزقك و ما يعطي الرزاق لا يطعن فيه فلهذا علق الذم بفعل المكلف لا بالعين التي حجر عليه تناولها فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها و الحرام لا يملك و هذه مسألة طال الخبط فيها بين علماء الرسوم و أما قوله فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالًا طَيِّباً من العامل في الحال فظاهر الشرع يعطي أن العامل رزقكم فإن من هنا في قوله مِمَّا رَزَقَكُمُ الله للتبيين لا للتبعيض فإنه لا فائدة للتبعيض فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله و إذا كانت للتبيين و هي متعلقة بكلوا فبين إن رزق الله هو الحلال الطيب فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق الله فتدبر و انظر ما به حياتك فذلك رزقك و لا بد و لا يصح فيه تحجير و سواء كان في ملك الغير أو لم يكن و هذه إشارة في تلخيص المسألة و هي التي يطلبها الاسم الرزاق فإن المضطر لا حجر عليه و ما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه و إنما تناوله للنعيم به و ليس الرزق إلا ما تبقي به حياته عليه فقد نبهت خاطرك إلى فيصل لا يمكن رده من أحد من علماء الشريعة فإن الله يقول فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ بعد التحجير و قال إِلَّا ما اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ و ذلك هو الرزق الذي نحن بصدده و هو الذي يعطيه الرزاق جعلنا الله من المرزوقين الذين لا يكونون أرزاقا فإن الله أنبتنا من الأرض‏نباتا (وصل) ثم اعلم أن الحركات في النبات على ثلاثة أقسام و أن الرأس من النبات هو الذي يطلب الحركات فحيثما توجه من الجهات نسب إليها فإذا قابل غيرها كان نكسا في حقه ثم اعتبر العلماء الجهات بوجود الإنسان و جعلوا الاستقامة في نشأته و حركته إلى جهة رأسه فسموا حركته مستقيمة و كل نبات إنما يتحرك إلى جهة رأسه فكل حركة تقابل حركة الإنسان على سمتها تسمى منكوسة و ذلك حركة الأشجار و إذا كانت الحركة بينهما يقابل المتحرك برأسه الأفق كانت حركته أفقية فالنبات الذي لا حس له و له النمو حركته كلها منكوسة بخلاف شجر الجنة فإن حركة نبات الجنة مستقيمة لظهور حياتها فإنها الدار الحيوان و النبات الذي له حس على قسمين منه ما له الحركة المستقيمة كالإنسان و منه من له الحركة الأفقية كالحيوان و بينهما وسائط فيكون أول الإنسان و آخر الحيوان فلا يقوي قوة الإنسان و لا يبقى عليه حكم الحيوان كالقرد و النسناس كما بين الحيوان و النبات وسط مثل النخلة كما بين المعدن و النبات وسط مثل الكمأة فحركة النبات منكوسة و منها مخلقة و غير مخلقة فالمخلقة تسمى شجرا و هو كل نبات قام على ساق و غير المخلقة يسمى نجما و هو كل نبات لم يقم على ساق بل له الطلوع و الظهور على وجه الأرض خاصة و هو قوله تعالى وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ أي ما قام على ساق من النبات و ما لم يقم على ساق فتمام الخلق في النبات القيام على ساق فلذلك كان النجم غير مخلق كما جاء في خلق الإنسان و من خلق من نطفة في قوله تعالى ثُمَّ من مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ و يدخل الكل في حكم أعطى كل شي‏ء خلقه فأعطى غير المخلقة خلقها كما أعطى المخلقة خلقها كما أنه من كمال الوجود وجود النقص فيه و لما حكم العلماء على حركة النبات على ما قررناه من الانتكاس ما وفوا النظر حقه بل حركته عندنا مستقيمة فإنه ما تحرك إلا للنمو و ما تحرك حيوان و لا إنسان هذه الحركة التي لنموه إلا من كونه نباتا و لا يقال في النبات إنه مختلف الحركات من حيث هو نبات و إنما تختلف الحركات إذا كانت لغير النمو مثل الحركات في الجهات فإن الحركات في الجهات من المتحرك إنما ذلك نسبة إرادة التحرك لذلك الجسم من المحرك و قد يكون المحرك عين المتحرك مثل حركة الاختيار و قد تكون الحركة في المتحرك عن متحرك آخر و لذلك الآخر آخر حتى ينتهي إلى المحرك أو المتحرك بالقصد لما ظهر من هذه الحركات و أما الحركة للزيادة في الأجسام فمن كون الجسم نباتا في حيوان كان أو في غيره فهي حركة واحدة و هي حركة عن أصل البزرة التي عنها ظهر الجسم بحركة النماء فيتسع في الجهات كلها بحسب ما يعطيه الإمداد في تلك الجهة فقد تكون حركته إلى جهة اليمين تعطي نموا أقل من حركته إلى الفوق و كذلك ما بقي و قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن النشأة تقوم على عجب الذنب‏ فإذا أظهرت الرجل و الساق و الفخذ و المقعدة فعن حركة منكوسة و ما ظهر من عجب الذنب إلى وجود الرأس فعن حركة مستقيمة و ما ظهر في الاتساع عن جهة اليمين و الشمال و الخلف و الأمام فعن حركة أفقية و كل ذلك عندنا حركة مستقيمة و إنما الحركة المنكوسة عندنا كل حركة في متحرك يكون بخلاف ما يقتضيه طبعه و ذلك لا يكون إلا في الحركة القهرية لا في الحركة الطبيعية فإذا تحرك كل جسم نحو أعظمه فتلك حركته الطبيعية المستقيمة كحركة اللهب نحو الأثير و جسم الحجر نحو الأرض فإذا تحرك الجسم الناري نحو الأرض و السفل و تحرك الحجر نحو العلو كانت الحركة منكوسة و هي الحركة القسرية فإذا انتهى النمو في الجسم بحيث أن لا يقبله الجسم من الوجه الذي لا يقبله ثم تحرك ذلك الجسم في ذلك الوجه فما حركته حركة إنبات و نمو كالجسم الذي قد تناهي في الطول إلى غايته فيه على التعيين فما له حركة نمو في تلك الجهة فإذا تحرك إلى جهة الطول تحرك بكله لا للطول بل للانتقال من مكانه إلى مكان الطول سفلا أو علوا و انظر فيما حررناه في حركة النبات في أنها ليست بحركة منكوسة فإذا البذرة تمد فروعا إلى جهة الفوق و تمد فروعا إلى جهة التحت و غذاؤها ليس أخذ النبات له من الفروع التي في التحت المسماة أصولا و إنما أخذ النبات الغذاء من البذرة التي ظهرت عنها هذه الفروع و لهذا يحصل اليبس في بعض فروع التحت كما يحصل في الفروع الظاهرة الحاملة الورق و الثمر مع وجود النمو و الحياة في باقي العروق و الفروع كما ينقسم الدم من الكبد في العروق إلى سائر الأعضاء علوا و سفلا فالذي‏ الفتوحات (۴-ج)، جلد۲، ص: ۴۶۵ ينبغي أن يقال في الحركات المعنوية و الحسية إنها ثلاث حركات حركة من الوسط و هي التي تعطي ما ظهر عن الأصل الذي منه تنشأ الأجسام الطبيعية و حركة إلى الوسط و هي الإمداد الإلهي و حركة في الوسط و هي ما به بقاء عين الأصل و ما من نبات إلا و هو دواء و داء أي فيه منفعة و مضرة بحسب قبول الأمزجة البدنية و ما هي عليه من الاستعداد فيكون المضر لبعض الأمزجة عين ما هو نافع لمزاج غيرها فلو كان لعينه لم يختلف حكمه و إنما كان للقابل و القابل نبات كما هو نبات فما أثر بضرره و لا نفعه إلا في نفسه من كونه نباتا و إن كثرت أشخاصه و تميزت بالشخصية و إنما نبهنا بهذا على أعيان أشخاص العالم و ما أثر بعضه في بعضه و العين واحدة بالحد الذاتي كثير بالصور العرضية و قد أعلمتك في غير موضع من هو عين العالم الظاهر و أنه غير متغير الجوهر و لمن هو الحكم الذي ظهر به التغيير في هذه العين و أنه مثل ظهور التغيير في صور المرآة لتغيير هيأت الرائي و قد يكون لتغيير المتجليات في أنفسها و المرآة محل ظهور ذلك لعين الرائي فالعماء الذي هو النفس الإلهي هو القابل لهذه الصور كلها فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الرابع و الثلاثون» في الاسم الإلهي المذل‏ و توجهه على إيجاد الحيوان و له من الحروف الذال المعجمة و من المنازل سعد السعود قال تعالى وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ و قال وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فدخل الحيوان في ذلك‏ و هذا حكم الاسم المذل في العالم بالتسخير حتى في المسخر له جعل الله بعضه مسخر البعض من الاسم المذل فإن أصل الكل مخلوق من الأرض و هي الذلول بالجعل الإلهي كما هي العزيزة بالأصالة و جعل علة تسخير بعضها لبعض مع كون العالم مسخرا لنا رفعة لبعضنا على بعض بالدرجة التي يحتاج إليها المسخر المفعول قال تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا فاعلم أيدك الله بروح منه أني ما أتكلم في هذه الموجودات في هذا النفس الإلهي إلا من حيث حكم الاسم الإلهي الذي أذكره مع ذلك الموجود من العالم خاصة و بعض ما له فيه من الأثر فاعلم أن التسخير قد يكون إذلالا و قد يكون للقيام بما يحتاج إليه ذلك المسخر له بالحال و هذا الفرقان بين التسخيرين بما تعطيه حقيقة المسخر و المسخر له فالعبد الذي هو الإنسان مسخر لفرسه و دابته فينظر منها في سقيها و علفها و تفقد أحوالها مما فيه صلاحها و صحتها و حياتها و هي مسخرة له بطريق الإذلال لحمل أثقاله و ركوبه و استخدامه إياها في مصالحه و هكذا في النوع الإنساني برفع الدرجات بينهم فبالدرجة يسخر بعضهم بعضا فتقتضي درجة الملك أن يسخر رعيته فيما يريده بطريق الإذلال للقيام بمصالحه لافتقاره إلى ذلك و تقتضي درجة الرعايا و السوقة أن تسخر الملك في حفظها و الذب عنها و قتال عدوها و الحكم فيما يقع بينها من المخاصمات و طلب الحقوق فهذه سخرية قيام لا سخرية إذلال اقتضتها درجة السوقة و درجة الملك و المذل من الأسماء هو الحاكم في الطرفين ثم يأتي الكشف في هذه المسألة بأمر عجيب ينطق به القرآن و يشهده العيان فقال وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و قال وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ و قال لقمان لابنه يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله فإنه في الأرض و هو في السماء و هو في الصخرة و معنا أينما كنا فإن الخالق لا يفارق المخلوق و المذل لا يفارق الإذلال إذ لو فارقه لفارقه هذا الوصف و زال ذلك الاسم و قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي يتذللوا إلي و لا يتذللون إلي إلا حتى يعرفوا مكانتي و عزتي فخلقهم باسم المذل لأنه خلقهم لعبادته و وصف نفسه بأنه القيوم القائم عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ و قال وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما فوصف نفسه بأنه يحفظ ما في السموات و ما في الأرض فبالدرجة يكون حافظا لما يطلبه العالم من حفظ الوجود عليه و بالدرجة يكون العالم محفوظا له فإذا علمت أن السيد يسخر عبده بالدرجة و العبد يسخر سيده بالحال و ما يفعل ذلك السيد للعبد بطريق الجبر من العبد و الإذلال و إنما يفعله لثبوت سيادته عليه فما سخره للعبد إلا حظ نفسه أ لا ترى أنه يزول عن السيد اسم السيد إذا باع عبده أو هلك فانظر في حكم هذا الاسم ما أعجبه و إنما اختص بالحيوان لظهور حكم القصد فيه و لأنه مستعد للاباية لما هو عليه من الإرادة فلما توجه عليه الاسم المذل صار حكمه تحت حكم من لا إرادة له و لا قدرة لماتعطي هاتان الصفتان من العزة لمن قامتا به فأصحب الله من شاء صفة الافتقار و الفاقة و الحاجة فذل لكل ذلول يرى أن له عنده حاجة يفتقر إليه فيها و ينحط عن رتبة عزه بسببها فربط الله الوجود على هذا و كان به صلاح العالم فليس في الأسماء من أعطى الصلاح العام في العالم و لا من له حكم في الحضرة الإلهية مثل هذا الاسم المذل فهو ساري الحكم دائما في الدنيا و الآخرة فمن أقامه الحق من العارفين في مشاهدته و تجلى له فيه و منه فلا يكون في عباد الله أسعد منه بالله و لا أعلم منه بأسرار الله على الكشف و هذا القدر من الإيماء في هذا الفصل كاف في علم التسخير الإلهي و الكوني فإنه ألحق السيد بالعبيد و ألحق العبيد بالسيد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الخامس و الثلاثون» في الاسم الإلهي القوي‏ و توجهه على إيجاد الملائكة و له من الحروف حرف الفاء و من المنازل المقدرة سعد الأخبية قال الله تعالى عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ و قال في الملائكة وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و قال لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و إِلَّا ما آتاها و الأمر تكليف فظهرت القوة في الملائكة بإمداد الاسم القوي فإنه بقوته أمدهم و ليس في العالم المخلوق أعظم قوة من المرأة لسر لا يعرفه إلا من عرف فيم وجد العالم و بأي حركة أوجده الحق تعالى و أنه عن مقدمتين فإنه نتيجة و الناكح طالب و الطالب مفتقر و المنكوح مطلوب و المطلوب له عزة الافتقار إليه و الشهوة غالبة فقد بان لك محل المرأة من الموجودات و ما الذي ينظر إليها من الحضرة الإلهية و بما ذا كانت ظاهرة القوة و قد نبه الله على ما خصها به من القوة في قوله في حق عائشة و حفصة وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ أي تتعاونا عليه فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ أي ناصره وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ هذا كله في مقاواة امرأتين و ما ذكر إلا الأقوياء الذين لهم الشدة و القوة فإن صالح المؤمنين يفعل بالهمة و هو أقوى الفعل فإن فهمت فقد رميت بك على الطريق فأنزل الملائكة بعد ذكره نفسه وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ منزلة المعينين و لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فدل أن نظر الاسم القوي إلى الملائكة أقوى في وجود القوة فيهم من غيرهم فإنه منه أوجدهم فمن يستعان عليه فهو فيما يستعان فيه أقوى مما يستعان به فكل ملك خلقه الله من أنفاس النساء هو أقوى الملائكة فإنه من نفس الأقوى فتوجه الاسم الإلهي القوي في وجود القوة على إيجاد ملائكة أنفاس النساء أعطى للقوة فيهم من سائر الملائكة و إنما اختصت الملائكة بالقوة لأنها أنوار و أقوى من لنور فلا يكون لأن له الظهور و به الظهور و كل شي‏ء مفتقر إلى الظهور و لا ظهور له إلا بالنور في العالم الأعلى و الأسفل قال تعالى الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وقيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قيل له أ رأيت ربك فقال صلى الله عليه و سلم نوراني أراه‏ و قال لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏ و السبحات الأنوار فهي المظهرة للأشياء و المغنية لها و لما كان الظل لا يثبت للنور و العالم ظل و الحق نور فلهذا يفنى العالم عن نفسه عند التجلي فإن التجلي نور و شهود النفس ظل فيفني الناظر المتجلي له عن شهود نفسه عند رؤية الله فإذا أرسل الحجاب ظهر الظل و وقع التلذذ بالشاهد و هذا الفصل علم فيه عظيم لا يمكن أن ينقال و لا سره أن يذاع من علمه علم صدور العالم علم كيفية وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل السادس و الثلاثون» في الاسم الإلهي اللطيف‏ و توجهه على إيجاد الجن و له من الحروف حرف الباء المعجمة بواحدة و من المنازل المقدم من الدالي قال الله تعالى في الجان إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ من حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فوصفهم باللطافة و خلقهم الله من مارِجٍ من نارٍ و المرج الاختلاط فهم من نار مركبة فيها رطوبة المواد و لهذا يظهر لها لهب و هو اشتعال الهواء فهو حار رطب و الشياطين من الجن هم الأشقياء المبعدون من رحمة الله منهم خاصة و السعداء بقي عليهم اسم الجن و هم خلق بين الملائكة و البشر الذي هو الإنسان و هو عنصري و لهذا تكبر فلو كان طبيعيا خالصا من غير حكم العنصر ما تكبر و كان مثل الملائكة و هو برزخي النشأة له وجه إلى الأرواح النورية بلطافة النار منه فله الحجاب و التشكل و له وجه إلينا به كان عنصريا و مارجا فأعطاه الاسم اللطيف أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم و لا يشعر به و لو لا تنبيه الشارع على لمة الشيطان و وسوسته في صدور الناس ما علم غير أهل الكشف إن ثم شيطانا و من حكم هذا الاسم اللطيف في الشياطين من الجن قوله تعالى لإبليس وَ اسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ في الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ‏قال إبليس فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ يعني الذين اصطنعهم الحق لنفسه فجعل من لطفه لإبليس متعلقا يتعلق به في موطن خاص يعرفه العارفون بالله‏ ثم أخبر الله أن الشيطان يعدهم الفقر لقوله تعالى وَ عِدْهُمْ فأدرج الرحمة من حيث لا يشعر بها و لو شعر إبليس بهذا الاستدراج الرحماني ما طلب الرحمة من عين المنة و لكن حجبته قرائن الأحوال عن اعتبار الحق صفة الأمر الإلهي فالاسم اللطيف أورث الجان الاستتار عن أعين الناس فلا تدركهم الأبصار إلا إذا تجسدوا و جعل سماعهم القرآن إذا تلي عليهم أحسن من سماع الإنس فإن الإنسان وجد عن الاسم الجامع فما انفرد بخلق الاسم اللطيف الإلهي دون مقابله من الأسماء فلما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة الرحمن فما قال في آية منها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالت الجن و لا بشي‏ء من آلائك ربنا نكذب ثم تلاها بعد ذلك صلى الله عليه و سلم على الإنس من أصحابه فلم يظهر منهم من القول عند التلاوة ما ظهر من الجن فقال صلى الله عليه و سلم لأصحابه إني تلوت هذه السورة على الجن فكانوا أحسن استماعا لها منكم و ذكر الحديث‏ و يقول الله عز و جل آمرا وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا و أخبر عن الجن فقال وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً من الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ من بَعْدِ مُوسى‏ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَ آمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ و ما قال الله و لا روى عن أحد من الإنس أنه قال مثل هذا القول فأثر فيهم الاسم اللطيف هذه الآثار في المؤمنين منهم و الشياطين و هل حكي عن أحد من كفار الإنس قول مثل قول إبليس و هو قوله بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ في الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ لما قال الله له إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فقطع يأسه منهم أن يكون له عليهم سلطان و حكم فيهم فهم المعصومون و المحفوظون في الباطن و في الظاهر من الوقوع عن قصد انتهاك حرمة الله فخواطر المعصومين و المحفوظين كلها ما بين ربانية أو ملكية أو نفسية و علامة ذلك عند المعصوم أنه لا يجد ترددا في أداء الواجب بين فعله و تركه و يجد التردد بين المندوب و المكروه و لا في ترك واجب تركه لا يجد فيه التردد لأن التردد في مثل هذين هو من خاطر الشيطان فمن وجد من نفسه هذه العلامة علم أنه معصوم فقوله لَأُغْوِيَنَّهُمْ عن تخلق من قوله فَبِما أَغْوَيْتَنِي و التزيين الذي جاء به من قوله وَ عِدْهُمْ فإنه يتضمنه فما خرج في أفعاله في العباد عن الأمر اللطيف الذي تجعله قرائن الأحوال وعيدا و تهديدا و للظاهر تعلق بالحكم لاستواء الرحمن على العرش و اتساع الرحمة و عمومها حيث لم تبق شيئا إلا حكمت عليه و من حكمها كان قوله وَ اسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْتَ الآيات فتدبر يا ولي حكم هذا الاسم في الجان مؤمنهم و كافرهم إن لم تكن من أهل الكشف و الوجود فتتبع ما ذكر الله في القرآن من أخبارهم و حكايات أفعالهم و أقوالهم مؤمنهم و كافرهم و من أثر الاسم اللطيف لطف إبليس في آدم في قوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى‏ فصدقه و هو الكذوب و لم يكن كذبه إلا في قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ثم علل فقال خَلَقْتَنِي من نارٍ فجمع بين الجهل و الكذب فإنه ما هو خير منه لا عند الله و لا في النشأة و فضل بين الأركان و لا فضل بينها في الحقائق فتلطف في الإغواء تلطف المستدرج في الاستدراج و الماكر في المكر و الخادع في الخداع‏