قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و التسعون و مائة في معرفة النفس بفتح الفاء) (بخش ۳)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن اللطيف من الأسماء معلومو لطفه ظاهر في الخلق موسوم‏
هو اللطيف فما يبدو لناظرناو كيف يدرك لطف الذات معدوم‏
لطف اللطيف بنا نعت له و لنافاللطف في عينه عليه محكوم‏

ثم اعلم أن نسبة الأرواح النارية في الصورة الجرمية أقرب مناسبة للتجلي الإلهي في الصور المشهودة للعين من الجسم الإنساني و ما قرب من النسب إلى ذلك الجناب كان أقوى في اللطافة من الأبعد فلا تزال صورة الروح الناري مجهولة عند البشر لا تعلم إلا بإعلام إلهي فإنه إعلام لا يدخله ما يخرجه عن الصدق و كذلك إعلام الأرواح الملكية و أما لو وقع الإعلام من الجن لم نثق به لأنه عنصري الأصل و كل موجود عنصري يقبل الاستحالة مثل أصله و الموجود عن الطبيعة من غير وساطة لا يقبل الاستحالة فلهذا لا يدخل أخباره الكذب فلطافته أخفته حتى جهلت صورته فإن قلت فالأرواح الملكيةجعلت لها الاسم الإلهي القوي مع وجود هذا اللطف فيها من الاسم الإلهي اللطيف قلنا صدقت لتعلم أني ما قصدت الاسم الإلهي المعين في إيجاد صنف من أصناف الممكنات إلا لكون ذلك الاسم هو الأغلب عليه و حكمه أمضى فيه مع أنه ما من ممكن يوجد إلا و للأسماء الإلهية المتعلقة بالأكوان فيه أثر لكن بعضها أقوى من بعض في ذلك الممكن المعين و أكثر حكما فيه فلهذا ننسبه إليه كما نسبت يوم السبت لصاحب السماء السابعة و الأحد لصاحب السماء الرابعة و هكذا كل يوم لصاحب سماء و مع هذا فلكل صاحب سماء في كل يوم حكم و أثر لكن صاحب اليوم الذي ننسبه إليه أكثر حكما و أقواه فيه من غيره فاعلم هذا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل السابع و الثلاثون» في الاسم الإلهي الجامع‏ و توجهه على إيجاد الإنسان و له من الحروف حرف الميم و له من المنازل المقدرة الفرع المؤخر الاسم الجامع هو الله و لهذا جمع الله لنشأة جسد آدم بين يديه فقال لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و أما خلق الله السماء بأيد فتلك القوة فإن الأيد القوة قال تعالى داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي صاحب القوة ما هو جمع يد و قد جاء في حديث آدم قوله اخترت يمين ربي و كلتا يدي ربي يمين مباركة فلما أراد الله كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه و أعطاها جميع حقائق العالم و تجلى لها في الأسماء كلها فحازت الصورة الإلهية و الصورة الكونية و جعلها روحا للعالم و جعل أصناف العالم له كالأعضاء من الجسم للروح المدبر له فلو فارق العالم هذا الإنسان مات العالم كما أنه إذا فارق منه ما فارق كان فراقه لذلك الصنف من العالم كالخدر لبعض الجوارح من الجسم فتتعطل تلك الجارحة لكون الروح الحساس النامي فارقها كما تتعطل الدنيا بمفارقة الإنسان فالدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه فلما كان له هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته فصحت له الخلافة و تدبير العالم و تفصيله فإذا لم يحز إنسان رتبة الكمال فهو حيوان تشبه صورته الظاهرة صورة الإنسان و كلامنا في الإنسان الكامل‏ فإن الله ما خلق أولا من هذا النوع إلا الكامل و هو آدم عليه السلام ثم أبان الحق عن مرتبة الكمال لهذا النوع فمن حازها منه فهو الإنسان الذي أريده و من نزل عن تلك الرتبة فعنده من الإنسانية بحسب ما تبقي له و ليس في الموجودات من وسع الحق سواه و ما وسعه إلا بقبول الصورة فهو مجلى الحق و الحق مجلى حقائق العالم بروحه الذي هو الإنسان و أعطى المؤخر لأنه آخر نوع ظهر فأوليته حق و آخريته خلق فهو الأول من حيث الصورة الإلهية و الآخر من حيث الصورة الكونية و الظاهر بالصورتين و الباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية و قد ظهر حكم هذا في عدم علم الملائكة بمنزلته مع كون الله قد قال لهم إنه خليفة فكيف بهم لو لم يقل لهم ذلك فلم يكن ذلك إلا لبطونه عن الملائكة و هم من العالم الأعلى العالم بما في الآخرة و بعض الأولى فإنهم لو علموا ما يكون في الأولى ما جهلوا رتبة آدم عليه السلام مع التعريف و ما عرفه من العالم إلا اللوح و القلم و هم العالون و لا يتمكن لهم إنكاره و القلم قد سطره و اللوح قد حواه فإن القلم لما سطره سطر رتبته و ما يكون منه و اللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه قال الله تعالى لإبليس أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ على طريق استفهام التقرير بما هو به عالم ليقيم شهادته على نفسه بما ينطق به فقال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فاستكبر عليه لا على أمر الله و ما كان من العالين فأخذه الله بقوله وَ كانَ من الْكافِرِينَ نعمة الله عليه حين أمره بالسجود لآدم و ألحقه بالملإ الأعلى في الخطاب بذلك فحرمه الله لشؤم النشأة لعنصرية و لو لا إن الله تعالى جمع لآدم في خلقه بين يديه فحاز الصورتين و إلا كان من جملة الحيوان الذي يمشي على رجليه و لهذا قال صلى الله عليه و سلم كمل من الرجال كثيرون و لم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون و مريم ابنة عمران‏ فالكمل هم الخلائف و استخدم الله له العالم كله فما من حقيقة صورية في العالم الأعلى و الأسفل إلا و هي ناظرة إليه نظر كمال أمينة على سر أودعها الله إياه لتوصله إليه و قولي صورية أي لها صورة معينة في العالم تحوز مكانها و مكانتها و هذا القدر من الإشارة إلى حكم هذا الاسم الإلهي الجامع في هذا النوع كاف في حصول الغرض من نفس الرحمن فإنه حاز العماء كله و لهذا كان له حرف الميم من حيث صورته و هو آخر الحروف و ليس بعده إلا الواو الذي هو للمراتب فيدخل فيه الحق و الخلق لعموم الرتبة فلنذكرها في الفصل الذي يلي هذا الفصل و أي اسم لها فنقول‏ «الفصل الثامن و الثلاثون» في الاسم الإلهي رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ‏ و توجهه على تعيين المراتب لا على إيجادهالأنها نسب لا تتصف بالوجود إذ لا عين لها و لها من الحروف حرف الواو و من المنازل المقدرة الرشاء و هو الحبل الذي للفرع و هذه صورته في الهامش اعلم أن المراتب كلها إلهية بالأصالة و ظهرت أحكامها في الكون و أعلى رتبة إلهية ظهرت في الإنسان الكامل فأعلى الرتب رتبة الغني عن كل شي‏ء و تلك الرتبة لا تنبغي إلا لله من حيث ذاته و أعلى الرتب في العالم الغني بكل شي‏ء و إن شئت قلت الفقر إلى كل شي‏ء و تلك رتبة الإنسان الكامل فإن كل شي‏ء خلق له و من أجله و سخر له لما علم الله من حاجته إليه فليس له غنى عنه و الحاجة لا تكون إلا لمن بيده قضاؤها و ليس إلا الله الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فلا بد أن يتجلى لهذا الإنسان الكامل في صورة كل شي‏ء ليؤدي إليه من صورة ذلك الشي‏ء ما هو محتاج إليه و ما يكون به قوامه و لما اتصف الله لعباده بالغيرة أظهر حكمها فأبان لهم أنه المتجلي في صورة كل شي‏ء حتى لا يفتقر إلا إليه خاصة فقال عز و جل يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله فافهم و تحقق ركون الناس إلى صور الأسباب و افتقارهم إليها و أثبت الله افتقار الناس إليه لا إلى غيره ليبين لهم أنه المتجلي في صور الأسباب و أن الأسباب التي هي الصور حجاب عنه ليعلم ذلك العلماء لعلمهم بالمراتب‏ و اعلم أن لكل اسم من الأسماء مرتبة ليست للآخر و لكل صورة في العالم رتبة ليست للصورة الأخرى فالمراتب لا تتناهى و هي الدرجات و فيها رفيع و أرفع سواء كانت إلهية أو كونية فإن الرتب الكونية إلهية فما ثم رتبة إلا رفيعة و تقع المفاضلة في الرفعة و من هنا تعرف مال الثقلين عرفان ذوق فإن ما لهم لا بد أن يكون إلى مرتبة إلهية و ما عدا الثقلين فما لهم معروف عند العلماء الإلهيين و مال الثقلين لا يعلم مرتبته إلا الخصوص من العلماء بالله و إنما كان لها الواو لأن الواو لها الستة من مراتب العدد و هي أول عدد كامل و الكمال في العالم إنما كان بالمرتبة فأعطيناه الواو و من المنازل الرشاء و هو الحبل و الحبل الوصل و به يكون الاعتصام كما هو بالله فأنزل الحبل منزلته فلو لا إن رتبة الحبل أعطت ذلك ما ثبت قوله وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله كما قال وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ فافهم أين جعل رتبة الحبل و بأي اسم قرنه و إلى أي اسم أضافه‏ و اعلم أنه لو لا الصور ما تميزت الأعيان و لو لا المراتب ما علمت مقادير الأشياء و لا كانت تنزل كل صورة منزلتها كما قالت عائشة أنزلوا الناس منازلهم و بالرتبة علم الفاضل و المفضول و بها ميز بين الله و العالم و بها ظهرت حقائق ما هي عليه الأسماء الإلهية من عموم التعلق و خصوصه فلنذكر في هذا الفصل مناسبة الأسماء الإلهية التي ذكرناها للحروف التي عيناها و المنازل التي أوردناها ليرتبط الكل بعضه ببعضه فكما جمع العماء صور الموجودات الذي هو النفس الإلهي كذلك جمع الحروف النفس الإنساني كما جمع الفلك المنازل المقدرة لنزول الدراري فيها المبينة مقادير البروج في الفلك الأطلس فنقول إني ما قصدت بهذا المساق ترتيب إيجاد العالم و إنه وجد هذا بعد هذا فإن ترتيب إيجاد العالم قد ذكرناه في هذا الكتاب و إنه على خلاف ما يقوله حكماء الفلاسفة و إنما قصدنا معرفة ما أثرت الأسماء الإلهية في الممكنات في ممكن ممكن منها سواء تقدم على المذكور قبله أو تأخر و رتبة الموجودات على ما هي الآن عليه في وصفها و تقييدها و ذكرنا المنازل على ما هي الآن عليه في وضعها و ترتيب الحروف على مخارجها و لا يلزم من هذا ترتيبها في الكلمات المؤلفة منها فقد تكون الكلمة الأولى من حروف الوسط مثل كلمة كن و قبلها حروف مخارجها متقدمة عليها فتنظر الاسم الإلهي الذي يقتضي أن يكون له الأثر في العالم ابتداء فتجده البديع لأنه لم يتقدم العالم عالم يكون هذا على مثاله فالبديع له الحكم في ابتداء العالم على غير مثال و ليس المبدئ كذلك و المعيد يطلب المبدئ ما يطلب البديع و البديع له الحكم في النشأة الآخرة فينا كما كان له الحكم في النشأة الدنيا فإنها على غير مثال هذه النشأة و هو قوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى‏ يعني أنها كانت على غير مثال سبق و قال كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ أي على غير مثال فالبديع حيث كان حكمه ظاهر نفي المثال و ما انتفى عنه المثال فهو أول فأعطيناه أول الزمان اليومي و هو الذي ظهر بوجود الشمس في الحمل و أوله الشرطين و أعطيناه من الحروف الهاء فإنها أول حرف ظهر في المخرج الأول و الاسم أعطى العين الموجودة و العين الموجودة ظهر بها الزمان الذي هو مقارنة حادث لحادث يسأل عنه بمتى فإن كان الموجود ذا نفس في مادة أعطى الحرف و ترتيب المنازل بحلول الشمس لإظهار أعيان الفصول التي بها قوام المولدات فالحروف تحكم على الكلمات و الكواكب تحكم على فصول الزمان و الأسماء تحكم في الموجودات و الأعيان مقسمة بين فاعل و منفعل فإذا فهمت هذا نسبت كل‏اسم إلهي إلى متعلقة غالبا و إن كان لغيره فيه حكم و قد تقدم الكلام في مثل هذا و متعلقة موجود ما أو حكم في موجود ثم ربط الوجود بعضه ببعضه بين فاعل و منفعل و جوهر و عرض و مكان و زمان و إضافة و غير ذلك من تقاسيم الأشياء فيه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل التاسع و الثلاثون» في النقل في الأنفاس‏ اعلم أن المراد بالنقل أن ينقل حكم الآخر إلى الأول و يجعل محله من الأول آخرا و قد كان في الآخر أولا و يزيل من الآخر عين ما ظهر فيه هذا الحكم و العين واحدة فإنه قال هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و الهوية واحدة العين و انتقل الحكم من آخر إلى أول في عين واحدة و لا يكون هذا النقل الخاص في هذا الباب إلا نقل الموجود من حال شدة إلى حال رخاء و من عسر إلى يسر فالنقل تسهيل طريق إلى وجود الرحمة و هذا النقل يظهر في ثلاث مراتب المرتبة الأولى أن يظهر في الصور الممثلة على صورة المحسوس فيكون لها حكم المحسوسات و ليست بمحسوسات و هي من وجه محسوسات فينتقل إليها ذلك الحكم ليعلم أن للظهور في صورة ما من الموجود المنزه عن التأثير حكم الصورة التي ظهر فيها فانتقل الحكم إلى الذي كان لا يقبله قبل هذا لظهوره بالصورة التي هذا الحكم لها كما انتقل حكم البشر إلى الروح لما ظهر بصورة البشر فأعطى الولد الذي هو عيسى و ليس ذلك من شأن الأرواح و لكن انتقل حكم الصورة إليها بقبوله للصورة فمن ظهر في صورة كان له حكمها و من هنا تعرف مرتبة الإنسان الكامل الذي خلقه الله على صورته و لتلك الصورة حكم فتبع الحكم الصورة فلم يدع الألوهية لنفسه أحد من خلق الله إلا الإنسان الذي ظهر بأحكام الأسماء و النيابة فكان ملكا مطاعا كفرعون و غيره و قد يظهر حكم النقل في مرتبة المعرفة و هي المرتبة الثانية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه‏ و ذلك بنقل الحكم الذي كان لنفسه إلى ربه لما علم أنه ما في الوجود إلا الله و المرتبة الثالثة الانتقال في جميع المراتب فينتقل حكم المنزلة للنازل فيها كانت المنزلة ما كانت مما تحمد أو تذم و إذا انتقل الحكم انتقل الحكم فيها بحسب ما تقرر في العرف و الوضع العادي و الشرعي أ لا ترى الروح الجني إذا لبس صورة الحية و الحكم فيها منا القتل قتلناه لصورته و لو علمنا أنه جان ما قتلناه كما انتقل حكم الصورة في الجان فحكمت عليه أنه حية عاملناه فحكمنا في تلك الصورة روينا حديثا عن شخص من جن وفد نصيبين الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لهؤلاء الوفد من الجن لما كان لهم الظهور في أي صورة شاءوا فحكم عليهم إنه من تصور في غير صورته فقتل فلا عقل فيه و لا قود فإنه من قتل حية أو عقربا لا يقتل به و لا تؤخذ فيه دية فمن ظهر في صورة من هذا حكمه انسحب عليه هذا الحكم‏ «الفصل الأربعون» في الجلي و الخفي من الأنفاس‏ فالجلي ما ظهر و الخفي ما استتر و لا يكون الاستتار و الخفاء إلا في الأمثال و أما في غير الأمثال فلا لأن غير المثل لا يقبل صورة من ليس مثله أ لا ترى‏ قوله عليه السلام حين قال إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ لأنه قال فيه إنه خلقه على صورته فجعله مثلا ثم نفى أن يماثل ذلك المثل فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ أي ليس مثل مثله شي‏ء فنفى أن يماثل المثل فاستتر الحق بصورة العبد في قوله سمع الله لمن حمده فإن المترجم عنه اسم مفعول يستتر بظهور المترجم اسم فاعل في باب المماثلة له فيما يطلبه من الأمور التي لا صورة لها في المترجم لهم من حيث ما يعرفها المترجم عنه في لسانه فيظهر المترجم عنه بصورة المترجم عنه المعنوية و بصورة المترجم لهم المحسوسة فيظهر بالصورتين فإنه سماه عبدا و هو عبد قائل عن حق فكان لسانه لسان حق في قوله سمع الله لمن حمده و ما زال عن كونه عبدا في ذلك فالله تعالى يظهرنا وقتا و يستر نفسه فيما هو له و وقتا يظهر نفسه و يسترنا بحسب المواطن حكمة منه فالكامل من أهل الله ينظر مراد الله في الوقائع فأي عين أراد الله ظهورها أظهر و أي عين أراد الله سترها سترها و الأدب يقضي بأمر كلي أن ما حسن عرفا و شرعا نسبة للحق فأظهر الحق فيه و جلاه للبصائر و الأبصار و ما قبح عرفا و شرعا نسبه إلى نفسه إن شاء و أظهر نفسه فيه و جلاه أو نسبه إلى الشيطان إن شاء و أظهر عين الشيطان فيه و جلاه فيكون باطنه حقا لقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها و كُلٌّ من عِنْدِ الله و لكن مع هذا كله لا بد إن لم يكن مثلا يصيره مثلا و حينئذ يستره و إلا فما يستتر فإنه ما ثم مثل إلا الإنسان فهو يقبل الاستتار و ما عدا الإنسان فلا يقبله فإنه ليس بمثل فإذا أردت أن تستره‏في الحق صيرته مثلا و حينئذ يقبل الستر بالصيرورة فالأسباب كلها خلاف إلا الإنسان قال الله تعالى من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فحلاه باسمه و كان ظاهرا فستره إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله فأظهره بكاف الخطاب ثم ستره وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ كما أنه ميز و عين و فرق فقال أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله حكما وَ إلى الرَّسُولَ عينا فمن أهل الله من يقيم مثل هذا إذا ورد نشأة ذات روح و جسد فيستر بالحركة المحسوسة فعل الروح بصرا و يستر بالمحرك فعل الجسد بصيرة و فيها يكون الإنسان خالقا و يكون الحق أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و من أهل الله من لا يرى إلا الله فلا ستر عنده و من أهل الله من لا يرى إلا الخلق فلا ظهور عنده و كل مصيب و أهل الأدب هم الكمل فيحكمون في هذا الأمر بما حكم الله من ستر و تجل و إخفاء و إظهار كما قدمنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الحادي و الأربعون» في الاعتدال و الانحراف من النفس‏ اعلم أن أهل الله في هذا الباب على ثلاثة أقسام قسم يرى أن الحق لا يميل و لا يمال إليه و هم الذين يحدون الحب بالميل الدائم من المحب للمحبوب و قسم يرى أن خلق الإنسان على الصورة يعطي الاعتدال و إن لم يكن الاعتدال فما هو على الصورة فيميل حيث مال الحق مثل قوله تعالى وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً في شرع خاص فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ثم قال ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ به فجعل هذا التعريف وصية ليعمل بها و هذا عين الميل عن قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و عن قوله ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فأهل الاعتدال هم القائمون بين الانحرافين و أهل الانحراف عن هذا الاعتدال هم الذين يثبتون في الأفعال الكونية علوا و سفلا حقا بلا خلق و هم طائفة و طائفة أخرى يثبتونها خلقا بلا حق حقيقة من الطائفتين لا على طريق المجاز و هم الذين يقولون إنه ما صدر عن الحق إلا واحد و عن الترجيح في رفع التجريح و النظر في الخطاب الإلهي ففي أي موضع جعل الحكم لأحد الانحرافين جعلناه و في أي موضع عدل إلى الاعتدال عدلنا و هذا نعت الأدباء مع الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الثاني و الأربعون» في الاعتماد على الناقص و الميل إليه‏ هذا باب الاعتماد على الأسباب كلها إلا السبب الإنساني الكامل فإنه من اعتمد عليه فما اعتمد على ناقص لظهوره بالصورة و ما عداه من الأسباب فهو ناقص عن هذه المرتبة نقص المرأة عن الرجل بالدرجة التي بينهما و إن كملت المرأة فما كمالها كمال الرجل لأجل تلك الدرجة فمن جعل الدرجة كون حواء وجدت من آدم فلم يكن لها ظهور إلا به فله عليها درجة السببية فلا تلحقه فيها أبدا و هذه قضية في عين و نقابلها بمريم في وجود عيسى فإذا الدرجة ما هي سبب ظهورها عنه و إنما المرأة محل الانفعال و الرجل ليس كذلك و محل الانفعال لا يكون له رتبة أن يفعل فلها النقص و مع النقص يعتمد عليها و يمال إليها لقبولها الانفعال فيها و عندها فما وضع الله الأسباب سدى إلا لنقول بها و نعتمد عليها اعتمادا إلهيا أعطت الحكمة الإلهية ذلك مع نظرنا إلى الوجه في كل منفعل بها سواء شعر السبب بذلك الوجه أو لم يشعر فالحكيم الإلهي الأديب من ينزل الأسباب حيث أنزلها الله فمن يشاهد الوجه الخاص في كل منفعل يقول إن الله يفعل عندها لا بها و من لا يشاهد الوجه الخاص يقول إن الله يفعل الأشياء بها فيجعل الأسباب كالآلة يثبتها و لا يضيف إليها كالنجار الذي لا يصل إلى عمل صورة تابوت أو كرسي إلا بآلة القدوم و المنشار و غيرهما من الآلات مما لا يتم فعله إلا بها لا عندها فتثبتها و لا تضيف صنعة التابوت إليها و إنما يثبت ذلك للنجار صاحب التدبير و العلم بما ظهر عنه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الثالث و الأربعون» في الإعادة الإعادة تكرار الأمثال أو العين في الوجود و ذلك جائز و ليس بواقع أعني تكرار العين للاتساع الإلهي و لكن الإنسان في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ فهي أمثال يعسر الفصل فيها لقوة الشبه فالإعادة إنما هي في الحكم مثل السلطان يولي واليا ثم يعزله ثم يوليه بعد عزله فالإعادة في الولاية و الولاية نسبة لا عين وجودي أ لا ترى الإعادة يوم القيامة إنما هي في التدبير فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد ميز بين نشأة الدنيا و نشأة الآخرة و الروح المدبر لنشأة الدنيا عاد إلى تدبير النشأة الآخرة فهي إعادة حكم و نسبة لا إعادة عين فقدت ثم وجدت و أين مزاج‏من يبول و يغوط و يتمخط من مزاج لا يبول و لا يغوط و لا يتمخط و الأعيان التي هي الجواهر ما فقدت من الوجود حتى تعاد إليه بل لم تزل موجودة العين و لا إعادة في الوجود لموجود فإنه موجود و إنما هي هيأت و امتزاجات نسبية و أما قولنا بالجواز في الإعادة في الهيئة و المزاج الذي ذهب فلقوله ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ و ما شاء فإن المخبر عن الله فرق بين نشأة الدنيا و نشأة الأخرى و فرق بين نشأة أهل السعادة و نشأة أهل الشقاء فنشأة أهل السعادة لها اللطف و الرقة و لا سيما للمتشرعين المنكسرة قلوبهم الناظرين إلى الرسول دائما بعين حق مع شهود بشريته و إنه من الجنس و من عادة الجنس الحسد إذا ظهر التفوق و قد ارتفع عن هؤلاء و لهم فتح البركات من السماء و الأرض كما لأهل الشقاء فتح العذاب و الزيادة لما زادوا هنا من المرض في قلوبهم عند ورود الآيات الإلهية لإثبات الشرائع فكلاهما أهل فتح و لكن بما ذا فاعلم ذلك فإنه في علم الأنفاس دقيق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الرابع و الأربعون» في اللطيف من النفس‏ يرجع كثيفا و ما سببه و الكثيف يرجع لطيفا و ما سببه كالملحن في الرفع و الخفض في صوته اعلم أن اللطف من المحال أن يرجع كثافة فإن الحقائق لا تنقلب و لكن اللطيف يرجع كثيفا كالحار يرجع باردا و البارد حارا فاعلم أن الأرواح لها اللطافة فإذا تجسدت و ظهرت بصورة الأجسام كثفت في عين الناظر إليها و الأجسام لها الكثافة شفافها و غير شفافها فإذا تحولت في الصور في عين الرائي أو احتجبت مع الحضور فقد تروحنت أي صار لها حكم الأرواح في الاستتار و تتنوع الصور عليها كما تتنوع عليها الأعراض بحمرة الخجل و صفرة الوجل و هو انموذج منبئ أن لها قوة التحول في الصور إذا قامت بها أسباب ذلك فأما سبب كثافة الأرواح و هي من عالم اللطف فلكونهم خلقوا من الطبيعة و إن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة كنور السراج فلهذا قبلوا الكثافة فظهروا بصور الأجسام الكثيفة كما أثر فيهم الخصام حكم الطبيعة لما فيها من التقابل و التضاد و الضد و المقابل منازع لمقابله كقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما حكى الله عنه ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فوصفهم بالخصومة فمن هذه الحقيقة التي أورثتهم الخصومة تجسدوا في صور الأجسام الكثيفة و أما الكثيف يرجع لطيفا فسببه التحليل فإن الكثائف من عالم الاستحالة و كل ما يقبل الاستحالة يقبل الصور المختلفة و المتضادة و أظهر ما يكون ذلك في أهل التلحين فالصوت بما هو صوت لا تتبدل صورته فيغلظه الملحن في موضع و يرققه في موضع بحسب الرتبة التي يقصدها ليؤثر بذلك في طبيعة السامعين ما شاء من فرح و سرور و انبساط أو حزن و هم و انقباض و لهذا جعلوا ذلك في الموسيقى في أربعة في البم و الزير و المثنى و المثلث فإن المحل الذي يريدون أن تؤثر فيه هذه الأصوات مركب من مشاكلتها من مرتين و دم و بلغم فيهيج سماع هذا الصوت ما يشاكله من الأخلاط التي هو عليها السامع فيكون الحكم بسبب معين يقصده الملحن حتى يكون له ذلك سببا إلى معرفة الأصل في قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ فهو قصد الملحن أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فأتى بالكلام الذي هو الصوت الممتد و المنقطع في المخارج لإظهار أعيان الحروف التي تقع بها الفائدة عند السامع أ لا ترى إلى صوت السنانير و إن لم يكن لهم حروف تتقطع في نفسها يغيرون أصواتهم لتغير أحوالهم ليعرفوا السامع ما يقصدونه بذلك الصوت فعند الجوع يرق صوت السنور و يخفى و يلطف و عند الهياج يغلظ و يجهل و يتتابع فيعلم من صوته أنه هائج أو أنه جائع فيؤثر ذلك في نفس السامع بحسب قبوله إما رقة و حنانا فيطعمه و إما غير ذلك ثم إن في هذا الباب يظهر تجلى الحق في الصور التي ينكر فيها أو يرى فيها في النوم فيرى الحق في صورة الخلق بسبب حضرة الخيال فإن الحضرات تحكم على النازل فيها و تكسوه من خلعها ما تشاء أين هذا التجلي من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و من سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فالحكم للحضرة و الموطن لأن الحكم للحقائق و المعاني توجب أحكامها لمن قامت به و إذا كان هذا الحكم في العلم الإلهي فظهوره في أعيان المحدثات أقرب مأخذ الوجود المناسبة الإمكانية وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الخامس و الأربعون» في الاعتماد على أصل المحدثات‏ أصل المحدثات هو ما ترجع إليه بعد فراغها من النظر في ذاتها و هو في‏ قول الشارع من عرف نفسه عرف ربه‏ و قد تكون المعرفة بالله الحاصلة بعد المعرفة بالنفس علما بالعجزعن البلوغ إلى ذلك فيحصل لهم العلم بأنه ثم من لا يعلم فترك العلامة علامة فقد تميز عن خلقه بسلب لا بإثبات و قد تكون المعرفة به من كونه إلها فيعلم ما تستحقه المرتبة فيجعلون ذلك صفة لمن قامت به تلك المرتبة و ظهر فيها فيكون علمهم بما تقتضيه الرتبة علمهم بصاحبها إذ هو المنعوت بها فهو المنعوت بكل ما ينبغي لها أن توصف به و على الحقيقة يعلم أن هذا علم بالمرتبة لا به لكن يعلم أنه ما في وسع الممكن أكثر من هذا في باب النظر و إقامة الأدلة فإن كشف الله عن بصر الممكن بتجل يظهر له به الحق يعلم عند ذلك ما هو الأمر عليه فيكون بحسب ما يعلمه و من أهل النظر من يروم هذا الحكم الذي ذهب إليه صاحب التجلي و لكن لا يقوى فيه لأنه خائف من الغلط في ذلك لعدم الذوق فهو يرومه و لا يظهر به و المعتمدون على هذا الأصل على طبقات لاختلافهم في أحوالهم فمنهم من يعتمد عليه في كل شي‏ء عند ظهور ذلك الشي‏ء و منهم من يعتمد عليه في الأشياء قبل ظهور الأشياء و منهم من ترده الأشياء إليه فيعتمد عليه بعد أن كان يعتمد على الأشياء و ذلك كله راجع إلى استعداداتهم‏ و اعلم أن هذا الباب يتضمن علم السكون و الحركة أي علم الثبوت و الإقامة و علم التغيير و الانتقال قال تعالى وَ لَهُ ما سَكَنَ أي ما ثبت فإن نعت القديم ثابت و نعت المحدثات يثبت لثبوتها و يزول لزوالها و يتغير عليها النعت لقبولها التغيير لأنها كانت معدومة فوجدت فقبلت الوجود فلم تثبت على حالة العدم فلما كان أصلها قبول التنقل من حال إلى حال تغيرت عليها النعوت فلم تثبت الأعلى التغيير لا على نعت معين و السكون أيضا لما كان عدم الحركة لا يصح فيه دعوى أضافه الحق إليه و الحركة لما كانت الدعوى تصحبها أي تصحب لمن ظهر بها لم يقل تعالى إنه له ما تحرك فإن الدعوى تدخلها من المحركين و الوجه الثبوت لا العدم فله الثبوت و للعالم الزوال و إن ثبت فإن ذلك ليس من نفسه و إنما ذلك من مثبته‏ قال النبي صلى الله عليه و سلم لما بلغه قول لبيد ألا كل شي‏ء ما خلا الله باطل‏ قال هذا أصدق بيت قالته العرب‏ و إن كانت الأشياء موجودة فهي في حكم العدم لجواز ذلك عليها و إن لم يقع و الاعتماد لا نشك أنه سكون إلى من يعتمد عليه لا بد من ذلك و لا يعتمد إلا على من له ثبوت الوجود و لا يقبل التغيير و لا الانتقال من حال الثبوت و من علم أنه يقبل الانتقال من الثبوت لا يعتمد عليه لأنه يخون المعتمد عليه ذلك الاعتماد لارتباطه بمن لا ثبوت له فلا يعتمد على محدث إلا عن كشف و إعلام إلهي فيكون اعتمادنا على من له نعت الثبوت كاعتمادنا على الشرائع فيما يجب الايمان به فلو لا التعريف الإلهي بما أظهره من الآيات على صدقه لم نثبت على ذلك كما لا نثبت على الحكم ثبوت من لا ينتقل لجواز النسخ و كل ذلك شرع يجب الايمان به فإن النسخ لما كان عبارة عن انتهاء مدة ذلك الحكم أعقبه حكم آخر لا أن الأول استحال بل انقضى لانقضاء مدته لارتباطه في الأصل بمدة يعلمها الله معينة و إن لم نعلم نحن ذلك فلا نعتمد على سبب محدث عادي إلا بإعلام من الله إنه يثبت حكمه كالإيمان الذي تثبت معه السعادة فيعتمد عليه فنقول إن السعادة مرتبطة بالإيمان بالله و بما جاء من عنده لإعلام الحق بذلك و لا يعتمد عليه في بقائه بالشخص الذي نراه مؤمنا فإنه قد يقوم به أمر عارض يحول بينه و بين الايمان الذي يعطي السعادة فتنتفى السعادة عنه لانتفاء الايمان بخلاف العلم فإن العلم له الثبوت و لا تؤثر فيه الغفلات فإنه لا يلزم العالم الحضور مع علمه في كل نفس لأنه وال مشغول بتدبير ما ولاة الله عليه فيغفل عن كونه عالما بالله و لا يخرجه ذلك عن حكم نعته بأنه عالم بالله مع وجود الضد في المحل من غفلة أو نوم و لا جهل بعد علم أبدا إلا إن كان العلم قد حصل عن نظر في دليل عقلي فإن مثل ذلك ليس عندنا بعلم لتطرق الشبه على صاحبه و إن وافق العلم و إنما العلم من لا يقبل صاحبه شبهة و ذلك ليس إلا علم الأذواق فذلك الذي نقول فيه إنه علم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل السادس و الأربعون» في الاعتماد على العالم‏ من كونه هو الكتاب المسطور في رق الوجود المنشور في عالم الأجرام الكائن من الاسم الله الظاهر اعلم أن هذا الاعتماد لا يصح إلا أن يكون صاحبه صاحب علم بتعريف إلهي و ذلك أن العالم إنما جئنا به بهذه اللفظة لنعلم إنا نريد به جعله علامة و لما ثبت أن الوجود عين الحق و أن ظهور تنوع الصور فيه علامة على أحكام أعيان الممكنات الثابتة فسميت تلك الصور الظاهرة بالحكم في عين الحق ظهور الكتاب في الرق عالما و أظهرها الاسم الإلهي الظاهر بل ظهر بها فهذا باب يتميز فيه الحق من الخلق و أن تنوع الصور لم يؤثر في العين الظاهرةفيها هذه الصور كما لا يتغير الجوهر عن جوهريته بما يظهر عليه من الأحوال و الأعراض فإن ذلك الظاهر حكم المعنى المبطون الذي لا وجود له إلا بالحكم في عين الناظر فأحكامه لا موجودة و لا معدومة و إن كانت ثابتة فيعتمد على العالم بأنه علامة لا على الله فإن الله غني عن العالمين و إنما هو علامة على ثبوت المعاني التي لها هذه الأحكام الظاهرة في عين حق فالعالم علامة على نفسه و هكذا كل شي‏ء فلا شي‏ء أدل من الشي‏ء على نفسه فإنها دلالة لا تزول و الدلالات الغريبة تزول و لا تتبعت فمن اعتمد على العالم من هذا الوجه فقد اعتمد على أمر صحيح لا يتبدل و لا يكون الاعتماد على الحقيقة إلا عليه على هذا الوجه فإن الحق إذا كان كل يوم في شأن فلا يدرى ما يكون ذلك الشأن فلا يقدر على الاعتماد على من لا يعلم ما في نفسه فالكامل من أهل الله من يتنوع لتنوع الشئون فإن الحق ما يظهر في الوجود إلا بصور الشئون فيكون اعتماد هذا الشخص اعتمادا إلهيا أي هو متصف في ذلك بنعت الحق في قبوله الشئون التي تظهر للعالم بها و هذا من العلم المضنون به على غير أهله فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل السابع و الأربعون» في الاعتماد على الوعد قبل كونه‏و هو الاعتماد على المعدوم لصدق الوعد اعلم أن هذا الباب ما نفس الله به عن عباده و هو نفس الرحمن فإن الخبر الصدق إذا لم يكن حكما لا يدخله نسخ و قد ورد بطريق الخبر الوعد و الوعيد فجاء نفس الرحمن بثبوت الوعد و نفوذه و التوقف في نفوذ الوعيد في حق شخص شخص و ذلك لكون الشريعة نزلت بلسان قوم الرسول صلى الله عليه و سلم فخاطبهم بحسب ما تواطئوا عليه فمما تواطئوا عليه في حق المنعوت بالكرم و الكمال إنفاذ الوعد و إزالة حكم الوعيد فقال أهل اللسان في ذلك على طريق المدح‏

و إني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي‏

و قد ورد في الصحيح ليس شي‏ء أحب إلى الله من أن يمدح‏ و المدح بالتجاوز عن المسي‏ء غاية المدح فالله أولى به تعالى و الصدق في الوعد مما يتمدح به قال تعالى فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ فذكر الوعد و أخبر عن الإيعاد في تمام الآية بقوله إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ و قال في الوعيد بالمشيئة و في الوعد بنفوذه و لا بد و لم يعلقه بالمشيئة في حق المحسن لكن في حق المسي‏ء علق المشيئة بالمغفرة و العذاب فيعتمد على وعد الله فلا ظهور له إلا بوجود ما وعد به و هو بعد ما وجد و الاعتماد عليه لا بد منه لما يعطيه التواطؤ في اللسان و صدق الخبر الإلهي بالدليل و الله عند ظن عبده به فليظن به خيرا و الظن هنا ينبغي أن يخرج مخرج العلم كما ظهر ذلك في قوله عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ من الله إِلَّا إِلَيْهِ أي علموا و تيقنوا و قال أهل اللسان في ذلك‏ قلت لهم ظنوا بالغي مدجج‏ أي تيقنوا و اعلموا فإن الظن لما كانت مرتبته برزخية لها وجه إلى العلم و إلى نقيضه ثم دلت قرائن الأحوال على وجه العلم فيه حكمنا عليه بحكم العلم و أنزلناه منزلة اليقين مع بقاء اسم الظن عليه لا حكمه فإن الظن لا يكون إلا بنوع من ترجيح يتميز به عن الشك فإن الشك لا ترجيح فيه و الظن فيه نوع من الترجيح إلى جانب العلم و كذا قال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فأبان أن في الظن ترجيحا و لا بد إما إلى جانب الخير و إما إلى جانب الشر و الله عند ظن عبده به و لكن ما وقف هنا لأن رحمته سبقت غضبه فقال معلما فليظن بي خيرا على جهة الأمر فمن لم يظن به خيرا فقد عصى أمر الله و جهل ما يقتضيه الكرم الإلهي فإنه لو وقع التساوي من غير ترجيح كالشك لكان من أهل من يقول إن عدله لا يؤثر في فضله و لا فضله في عدله فلما كان الظن يدخله الترجيح أمرنا الحق أن نرجح به جانب الخير في حقنا ليكون عند ظننا به فإنه رحيم فمن أساء الظن بأمر فإن العائد عليه سوء ظنه لا غير ذلك و الله يجعلنا من أهل العلم و إن قضى علينا بالظن فنظن الخير بالله و قد فعل بحمد الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ «الفصل الثامن و الأربعون» في الاعتماد على الكنايات‏ و ما يظهر منها من الفتوح و هي المعبر عنها بالإنية في الطريق و كيف يعتل الصحيح و يصح المعتل‏ اعلم أيدك الله أن كل ما سوى الله فإنه معتل بالذات صحيح بالعرض فإن الصحة تعرض للمحدث إذا أحبه الله حب سبب كحبه لأصحاب التقرب بالنوافل فيكون الحق سمعهم و بصرهم فيزول عنه المرض و الاعتلال و يصح فينفذ بصره في كل مبصر و سمعه في كل مسموع و أما الصحيح بالذات المعتل بالعرض فهو الذي يرى أن الوجود ليس سوى عين الحق فهو من حيث عينه لا تقوم به العلل غير أنه لما ظهر في أعين الناظرين إليه في صور مختلفة حكمت عليه بذلك أحكام أعيان الممكنات ظهر معتلا بحكم العرض الذي عرض لا عين الناظرين إليه و هو في نفسه على ما هو عليه كما يعرض للنور في عين الناظر صور الألوان و هو في نفسه غير متلون فهذا قد عاد الصحيح معتلا و أما الاعتماد على الكنايات لأنها أعرف المعارف و الاعتماد لا يكون إلا على معروف لأجل التعيين فلو كان منكرا لم يتميز و لم يتعين فيكون الاعتماد على غير معتمد و الأسماء لا تقوى قوة الكنايات فلا يخيب المعتمد على الكنايات و قد يخيب المعتمد على الأسماء لأنها لا تقوى قوة الكنايات في المعرفة و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة لأنه لا يتغير و الأسماء قد تنتقل و تستعار فمن اعتمد على الاسم في حال كونه معارا أو منتقلا يخيب المعتمد عليه فالمستعار كالاشتعال الذي هو اسم مخصوص نعت من نعوت أحوال النار المركبة فاستعير للشيب في قوله وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً و أما الانتقال فمثل قوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فنقل اسم المريد لمن ليس من شأنه أن يريد فإن اعتمد على هذا الاسم في حال نقله خاب المعتمد عليه و الكنايات ليست كذلك و لها فتوح المكاشفة بالحق و فتوح الحلاوة في الباطن كما للأسماء فتوح العبارة

«الفصل التاسع و الأربعون» فيما يعدم و يوجد مما يزيد على الأصول كالنوافل مع الفرائض اعلم أنه لا يسمى بالزائد من تطلبه الذات لكمال حقيقتها فما زاد على أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فهو زائد و هو إذا عدم لم يتأثر المعدوم عنه بعدمه و إن وجد لم يزد الموجود فيه في ذاته شيئا لم يكن عليه مثل الأحوال عند أصحاب المقامات إن وجدت فيهم لم يزد ذلك في مكانتهم و إن عدمت لم ينقص عدمها من مكانتهم و لذلك هي مواهب‏ «الفصل الخمسون» في الأمر الجامع‏ لما يظهر في النفس من الأحكام في كل متنفس حقا مشبها و خلقا و حياة و نطقا و ما نفس به من الأقسام الإلهية اعلم أن الإمداد الإلهي للموجودات لا ينقطع فإذا قصر فمن القابل لا من جانب الممد فإن أضيف عدم الإمداد في أمر معين إلى جانب الحق فذلك القصر إمداد المصلحة في حق ذلك الممنوع فإنه العالم بمصالح المخلوقات و لهذا ينبغي للعلماء بالله أن لا يعينوا عند سؤالهم حاجة بعينها و ليسألوا ما لهم فيه الخير من غير تعيين فكم من سائل عين فلما قضيت حاجته لحكمة يعلمها الله أدركه الندم بعد ذلك على ما عين و تمنى أنه لم يعين فالإمداد تنفس رحماني و الإمداد الإلهي في الموجودات طبيعي و مزاد فالطبيعي ما تمس الحاجة إليه لقوام ذاته و دفع ألم يقوم به و المزاد ما يزيد على هذا مما لا يحتاج في نفسه إليه هذا إذا كان من أهل الله القائلين بالري عند الشرب و من لا يقول بالري فما ثم إمداد مزاد بل كله طبيعي و المزاد على قسمين و هو ما يمده به الحق مما يحتاج إليه الغير و فيه يقول الله آمرا نبيه صلى الله عليه و سلم وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و هذا المزادان كان عن طلب من الغير و هو الموجب للزيادة مثل ما هو في نفس القاري في‏ء آمن و آدم أو يكون و إن كان إمداد من الله لهذا العبد ليمد به من يعلم الله أنه محتاج إليه ليشرف الواسطة بذلك فيجد هذا العبد في نفسه علما لا يقتضيه حاله فيعلم أن المراد به التعليم و الإمداد للغير و مثاله في نفس القاري جاء و شاء و دابة و طامة و هو الموجب للزيادة في الإمداد فدابة و طامة صورتان تدبرهما روح واحدة و هو التضعيف و الهمزة نصف حرف عند بعضهم و هو الاسم الظاهر و الألف نصف حرف و هو الاسم الباطن فالمجموع حرف واحد و هو السبب الموجب لزيادة الإمداد لما يعلم الممد من حاجته إلى ذلك أو لطلبه و على كل حال فنفس الرحمن فيه موجود و الزيادة في الإمداد على قدر الحاجة أو الطلب فيفضل بعضه على بعض فالمفضول قصر و جزر عن المد إلا طول الأفضل فاعلم ذلك فالمد إمداد محسوس ظاهر و الجزر إمداد معنوي يطلق عليه اسم النقيض فاعلم ذلك‏ «وصل» إذا اجتمع عارفان في حضرة شهودية عند الله ما حكمهما و هذه مسألة سألني عنها شيخنا يوسف بن يخلف الكومي سنة ست و ثمانين و خمسمائة فقلت له يا سيدي هذه مسألة تفرض و لا تقع إلا إذا كان التجلي في حضرة المثل كرؤيا النائم و كحال الواقعة و أما في الحقيقة فلا لأن الحضرة لا تسع اثنين بحيث أن يشهد معها غيرها بل لا يشهد عينها في تلك الحضرة فأحرى أن يشهد عينا زائدة و لكن يتصور هذا في تجلى المثال فإذا اجتمعافلا يخلو كل واحد منهما أن يجمعهما مقام واحد أعلى أو أدنى أو متوسط أو لا يجمعهما فإن جمعهما مقام واحد فلا يخلو إما أن يكون ذلك المقام مما يقتضي التنزيه أو التشبيه أو المجموع و على كل حال فحكم التجلي من حيث الظهور واحد و من حيث ما يجده المتجلي له مختلف الذوق لاختلافهما في أعيانهما لأن هذا ما هو هذا لا في الصورة الطبيعية و لا الروحانية و لا في المكانية و إن كان هذا مثل لهذا و لكن هذا ما هو هذا فغايتهما إما أن يتحقق كل واحد منهما بمعرفته بنفسه و نفس هذا غير هذا فيحصل من العلم لهذا ما لم يحصل لهذا فنعلم أنهما و إن اجتمعا في عين الفرق أو يتحقق الواحد بمعرفته بنفسه و يفنى الآخر عن مشاهدة ذاته فيختلفان في عين الجمع أو يعطي الواحد ما يعطي المراد و يعطي الآخر ما يعطي المريد فعلى كل وجه هما مختلفان في الوجود متفقان في الحال و الشهود فإن اقتضى المقام التنزيه لكل واحد منهما فغاية تنزيه كل واحد منهما أن ينزهه عن صورة ما هو عليها في نفسه فهما مختلفان بلا شك و إن كانا مثلين و إن اقتضى ذلك المقام التشبيه فالحال مثل الحال و كذلك إن اقتضى المجموع فإن المجموع إنما هو جميع طرفين في حضرة وسطي فالحال الحال فلا يجتمعان أبدا في الوجود و إن اجتمعا في الشهود و إن لم يجمعهما مقام واحد و كان كل واحد في مقام ليس للآخر و ظاهر بصورة ما هي لصاحبه و إن اجتمعا في الصورة إلا أنهما أعطيا من القوة بحيث أن يشهد كل واحد منهما حضور صاحبه في بساط ذلك المشهود لكون المشهود تجلى في صورة مثالية و هذا التجلي و الشهود هو الذي يجمع فيه صاحبه بين الخطاب و الشهود إن شاء المشهود و أما في غير هذه الحضرة فلا يجتمع شهود و خطاب و لا رؤية غير و حكمهما إذا كانا بهذه المثابة حكم من جمعهما مقام واحد في معرفته بنفسه أو فناء أحدهما أو يقام أحدهما مرادا و الآخر مريدا فيخبر المريد عن قهر و شدة و يخبر المراد عن لين و عطف و ما ثم إلا هذا و لا يخبر واحد منهما عما حصل لصاحبه فإن الإلقاء لكل واحد منهما إنما يكون بالمناسب الذي يقتضيه المزاج الخاص به الذي كان سبب اختلاف صور أرواحهما في أصل النشأة فإذا رجع إلى أصحابه من هذه حاله يقول و إن كان أحدهما في المغرب و الآخر في المشرق لأصحابه في هذه الساعة أشهد فلان و عاينته و عرفت صورته و من حليته كذا و كذا فيصفه بما هو عليه من الصفات فمن لا علم له بالحقائق منهما فإنه يقول و أعطاه الحق مثل ما أعطاني و الأمر ليس كذلك فإن كل واحد منهما لم يحصل له إسماع ما للآخر و ذلك لافتراقهما في المناسب كما قدمنا و إن كان من أهل الحقائق و المعرفة التامة و يقال له فما حصل له فيقول لا أدري فإني لا أعرف إلا ما تقتضيه صورتي و ما أنا هو فإن الحق لا يكرر صورة «وصل» و لما كان هذا الباب يضم كل ذي نفس حقا و خلقا احتجنا أن نبين فيه ما نفس الرحمن به عن نفسه لما وصف نفسه بأنه أحب أن يعرف و معلوم أن كل شي‏ء لا يعلم شيئا إلا من نفسه و هو يحب أن يعرفه غيره و لا يعرفه ذلك الغير إلا من نفسه فإن لم يكن العارف على صورة المعروف فإنه لا يعرفه فلا يحصل المقصود الذي له قصد الوجود فلا بد من خلقه على الصورة لا بد من ذلك و هو تعالى الجامع للضدين بل هو عين الضدين ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فخلق الإنسان الكامل على هذه المنزلة فالإنسان عين الضدين أيضا لأنه عين نفسه في نسبته إلى النقيضين ف هُوَ الْأَوَّلُ بجسده وَ الْآخِرُ بروحه وَ الظَّاهِرُ بصورته وَ الْباطِنُ بموجب أحكامه و العين واحدة فإنه عين زيد و هو عين الضدين فزيد هو عين الأخلاط الأربعة المتضادة و المختلفة ليس غيره و ذو الروح النفسي و المركب الطبيعي و هنا قال الخراز عرفت الله بجمعه بين الضدين فقال صاحبنا تاج الدين الأخلاطي حين سمع هذا منا لا بل هو عين الضدين و قال الصحيح فإن قول الخراز يوهم أن ثم عينا ليست هي عين الضدين لكنها تقبل الضدين معا و الأمر في نفسه ليس كذلك بل هو عين الضدين إذ لا عين زائدة فالظاهر عين الباطن و الأول و الآخر و الأول عين الآخر و الظاهر و الباطن فما ثم إلا هذا فقد عرفتك بالنشأة الإنسانية أنها على الصورة الإلهية و سيرد الكلام في خلق الإنسان من حيث مجموعه الذي به كان إنسانا في الباب الحادي و الستين و ثلاثمائة في فصل المنازل في منزل الاشتراك مع الحق في التقدير «وصل» الأقسام الإلهية من نفس الرحمن الواردة في القرآن و السنة فإن بها نفس الله عن المقسوم له ما كان يجده من الحرج و الضيق الذي يعطيه في الموجودات قوله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و إرادته‏مجهولة التعلق لا يعرف مرادها إلا بتعريف إلهي فإذا أكده بالقسم عليه و الإيلاء كان أرفع للحرج من نفس المقسوم له كما نفس الله عن المؤمنين غير الموقنين بقسمه على الرزق و ما وعد به من الخير المطلق و المقيد بالشروط لمن وقعت منه و وجدت فيه أنه لحق مثل ما إنكم تنطقون فنفس الله عنهم بذلك و حصل لهم اليقين و ما بقي لهم بعد إلا الاضطراب الطبيعي فإن الآلام الطبيعية المحسوسة ما في وسع الإنسان رفعها إذا حصلت بخلاف الآلام النفسية فإنه في وسعه رفعها فوقع التنفيس بالقسم إن الرزق من الله لا بد منه و بقي في قلب بعض الموقنين بذلك من الحرج تعيين وقت حصوله ما وقع به التعريف و لو وقع لم يرفع الاضطراب الطبيعي فلما علم الحق أنه لا ينفس في تعيين الأوقات لذلك لم يوقع بها التعريف فإن الطبع أملك و الحس أقوى في الذوق من النفس و سبب ذلك أن المحسوس على صورة واحدة لا تتبدل و النفس تقبل التحول في الصور فلذلك لا يرتفع حكم الطبع في وجود الآلام الحسية لثبوته و ترتفع الآلام النفسية لسرعة تبدلها في الصور و لا يفنى أحد عن الآلام الطبيعية إلا بوارد إلهي أو روحاني قوي يرفع عنه ألم الطبع إن قام به و يكون موجب ذلك الوارد إما أمر محسوس أو معقول لا يتقيد كورود غائب عليه يحبه فيفنيه شغله بما حصل له من الفرح بوروده عن ألم الجوع و العطش الذي كان يجده قبل رؤية هذا الغائب أو السماع بقدومه فهذا موجب محسوس و الموجب المعقول معلوم عند العلماء فظهر في الأقسام الإلهية نفس الرحمن غاية الظهور و أعطى هذا القسم عند العلماء تعظيم المقسوم به إذ لا يكون القسم إلا بمن له مرتبة في العظمة فعظم الله بالقسم جميع العالم الموجود منه و المعدوم إذ كانت أشخاصه لا تتناهى فإنه أقسم به كله في قوله فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ و هو الموجود الغائب عن البصر و المعدوم و دخل في هذا القسم المحدث و القديم غير أنه لما علم الله عظمته في قلوب عباده موحدهم و مشركهم و مؤمنهم و كافرهم و قد أقسم لهم بالمحدثات و بغير نفسه و علم أنه قد تقرر عندهم أنه لا يكون القسم إلا بعظيم عند المقسم فبالضرورة يعتقد العالم تعظيم المحدثات و لا سيما و قد أيد ذلك في بعض المحدثات بقوله وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله و هي محدثات فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ و من صفات الحق الغيرة فحجر من كونه غيورا علينا أن نقسم بغيره مع اعتقادنا عظمة الغير بتعظيم الله فهذا التحجير دواء نافع لما أورثه القسم بالمحدثات في القلوب الضعيفة البصائر عن إدراك الحقائق من العلل و الأمراض و الأقسام كثيرة و لا فائدة في ذكرها مع ما ذكرناه من الأمر الجامع لها فهو يغني عن تفصيلها فإن الكتاب يطول بذكرها و كل إنسان إذا وقف على قسم منها عرف فيما وقع و ما نفس الله به و عمن نفس الله به من أول وهلة و إنما ينبغي لنا أن نذكر ما يغمض على بعض الأفهام أو أكثرها لحصول الفوائد العزيزة المنال عند أكثر الناس‏ «وصل» و من نفس الرحمن تشريع الاجتهاد في الحكم في الأصول و الفروع و مراعاة الاختلاف و ثبوت الحكم من جانب الحق بإثباته إياه أنه حكم شرعي في حق المجتهد تحرم عليه مخالفته مع التقابل في الأحكام فقرر الحكمين المتقابلين و جعل المجتهدين في ذلك مأجورين فشرع المجتهد من الشرع الذي أذن الله فيه لهذه الأمة المحمدية أن يشرعه و لا أدري هل خصت به أو لم يزل ذلك فيمن قبلها من الأمم و الظاهر أنه لم يزل في الأمم فإن نفس الرحمن يقتضي العموم و لا سيما و قد جاء في القرآن ما يدل على أن ذلك لم يزل في الأمم في قوله تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها و ما ابتدعوها إلا باجتهاد منهم و طلب مصلحة عامة أو خاصة و أثنى على من رعاها حق رعايتها و ذكر هذا في بنى إسرائيل و كذلك في قوله في الأصول وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به يعني في زعمه فإنه في نفس الأمر ليس إلا إله واحد و لهذا قرر صلى الله عليه و سلم حكم المجتهد سواء أصاب أو أخطأ بعد توفيته حق الاجتهاد جهد طاقته و ما رزقه الله من قوة النظر في ذلك و قرر له الأجر مرة واحدة إن أخطأ و مرتين إن أصاب فاعلم أن المجتهد قد يخطئ ما هو الأمر عليه في نفسه و مع هذا قد تعبده به و أعطاه على ذلك أجر الاجتهاد لما فيه من المشقة لأنه من الجهد و الجهد بذل الوسع خاصة فإن الله ما كلف عباده إلا وسعهم في نفس الأمر و لم يخص صلى الله عليه و سلم في الاجتهاد فرعا من أصل بل عم فمن خصص ذلك بالفروع دون الأصول فهو من الاجتهاد أيضا تخصيص ذلك و تعميمه و كلاهما مأجور في اجتهاده «وصل» و من نفس الرحمن أيضا قوله تعالى حكاية عن معصوم في قوله عن الخطاء و هو رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِهافأخرج و ضيق المتسع فنفس الله بتمام الآية و التعريف بقوله إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بالألف و اللام اللذين للعهد و هو هذا الصراط الذي عليه الرب أن يكون مشهودا لنا في وقت مشي الحق فيه بنا فإنه صراط من أنعم عليه و من غضب الله عليه و أصله في السبيل التي فرقته عن سبيله و هو الصراط الذي هو عليه حجبته عن شهوده فلا يشهده إلا سعيد و إن لم يشهده و آمن به و جعله كأنه يشهده فهو سعيد و معلوم أن تصرف كل دابة قد يتعلق به لسان حمد أو ذم لأمور عرضية في الطريق عينتها الأحوال و أحكام الأسماء و الأصل محفوظ في نفس الأمر تشهده الرسل سلام الله عليهم و الخاصة من عباد الله‏ «وصل» و من نفس الرحمن الذي نفس الله به عن عباده المؤمنين بالرسل قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فنفس الله بذلك عن قلوب كان قد قام بها إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات و إن كان القائل بذلك قد قصد التنزيه لكنه ممن اجتهد فأخطأ أن قال ذلك عن اجتهاد فله الأجر فإن الأمر لا يتغير عما هو عليه في نفسه و لا يؤثر فيه حكم المجتهد لا بالإصابة و لا بالخطإ و إذا لم يتغير الأمر في نفسه بتغير الاجتهاد فالحكم له فلا يكون منه في العقبي إلا الخير فإنه الخير المحض الذي لا شر فيه فما عند المجتهدين من التغيير من جهته إلا ما تغيروا به من نفوسهم ف إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ و ما غيروا به أنفسهم فذلك تغيير الله بهم لأنهم ما خرجوا عما أعطاهم الله فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا ما آتاها فما آتاها في هذا الوقت إلا ما سماه تغييرا فهو معهم في حال تغيرهم إلى أن ينقضي مدته فيبدو لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ و هو مشاهدة ما هو الأمر عليه في نفسه فنفس الله عنهم بما بدا لهم منه و ما يبدو من الخير إلا الخير كما قال المعتزلي الذي كان يقول بإنفاذ الوعيد فيمن مات عن غير توبة فلما مات و هو على هذا الاعتقاد و حصل له بعد الموت شهود الأمر على ما هو به رؤي في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال وجدنا الأمر أهون مما كنا نعتقده و أخبر أنه رحم و لم ينفذ فيه الوعيد الذي كان يعتقد نفوذه في أمثاله و ليس إنباء الحق عباده يوم القيامة بما عملوه من الجرائم و اجترحوه من الآثام على جهة التوبيخ و التقرير و إنما ذلك على طريق الإعلام باتساع رحمة الله حيث نالها لاتساعها من لا يستحقها و ذلك بشفاعة أعيان تلك الأفعال المسماة جرائم فإن فاعلها لما كان سببا في إيجاد أعيانها من كونها أفعالا و أقام نشأتها و هي معصية في حقه لكنها نشأة مطيعة مسبحة ربها عز و جل تستغفر للسبب الموجب لوجودها فيجيب الله دعاءها و استغفارها لصاحبها فإنه لا علم لها بأنها معصية أو طاعة فإنها غير مكلفة بذلك و لا خلقت له فيقبل الله شفاعتها فيه فيكون ما له إلى الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و ما في العالم إلا من هو منشئ صور أعمال منعوتة في الشرع بطاعة و معصية و لا طاعة و لا معصية فإذا انتشأت فلا غذاء لها إلا التسبيح بحمد الله و هنا أعني في هذه الحضرة تتساوى أعمال الطاعة و المعصية فإن كونها طاعة و معصية ما هو عينها و إنما ذلك حكم الله فيها و هي مقبولة السؤال عند الله فإنها من أصناف المعتنى بهم المفطورين على تعظيم الله تعالى و الثناء عليه بما هو أهله و لو لا أنه ما كان معنا أينما كنا ما ظهرت أعيان هذه الأعمال إذ هو منشئها فينا بنا أو عندنا على حسب ما يعطيه نظر كل ناظر فقل كيف شئت و هذا القدر كاف في باب النفس الرحماني و ما رأيت أحدا ممن غير من أهل هذا الشأن تكلم عليه مثلنا و لا فصله تفصيلنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

( «بسم الله الرحمن الرحيم»)