قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب العاشر و مائتان في المكاشفة»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا الحق أعطاك أسماءه فخذها أمانة من قد فهم‏
بأن الأمانة محمولة و حاملها جاهل قد ظلم‏
فإن أنت أفهمت مقصوده فأنت المكاشف فلتلتزم‏
بأحكامها فمتى ما دعي بها فأجب أمره و احتشم‏
من أجل التصرف فيها و لميكن ينبغي لك أن تحتكم‏
فإنك عبد و أسماؤه ربوبية عرضت فاحترم‏
مقام الأمانة أوردها إلى ربها أولا و اعتصم‏
بما زادك الحال في أمرها و حقق إشارتها و اغتنم‏
فهذي مكاشفة ترتضي و صاحبها سيد قد عصم‏

اعلم أن المكاشفة عند القوم تطلق بإزاء الأمانة بالفهم و تطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال و تطلق بإزاء تحقيق الإشارة اعلم أن المكاشفة متعلقها المعاني و المشاهدة متعلقها الذوات فالمشاهدة للمسمى و المكاشفة لحكم الأسماء و المكاشفة عندنا أتم من المشاهدة إلا لو صحت مشاهدة ذات الحق لكانت المشاهدة أتم و هي لا تصح فلذلك قلنا المكاشفة أتم لأنها ألطف فالمكاشفة تلطف الكثيف و المشاهدة تكثف اللطيف و بقولنا هذا تقول طائفة كبيرة من أهل الله مثل أبي حامد و ابن فورك و المنذري و قالت طائفة بالنقيض و إنما قلنا إنها أتم لأنه ما من أمر تشهده إلا و له حكم زائد على ما وقع عليه الشهود لا يدرك إلا بالكشف فإن أقيم لك ذلك الأمر في الشهود من حيث ذاته صحب ذلك المشهود حكم و لا بد لا يدرك إلا بالكشف هكذا أبدا فالمكاشفة إدراك معنوي فهي مختصة بالمعاني و مثال ذلك إذا شاهدت متحركا يطلب بالكشف محركه لأنه يعلم أن له محركا كشفا و لهذا يتعلق العلم بمعلومين و يتعلق البصر الذي هو للمشاهدة بمعلوم واحد فيدرك بالكشف ما لا يدرك بالشهود و يفصل الكشف ما هو مجمل في الشهود فالمكاشفة كما قلنا على ثلاثة معان‏مكاشفة بالعلم و مكاشفة بالحال و مكاشفة بالوجد فأما مكاشفة العلم‏ هي تحقيق الأمانة بالفهم و هو أن تعرف من المشهود لما تجلى لك ما أراد بذلك التجلي لك لأنه ما تجلى لك إلا ليفهمك ما ليس عندك فالمشاهدة طريق إلى العلم و الكشف غاية ذلك الطريق و هو حصول العلم في النفس و كذلك إذا خاطبك فقد أسمعك خطابه و هو شهود سمعي فإن المشاهدة آنذا للقوى الحسية لا غير و الكشف للقوى المعنوية فما أسمعك إلا لتفهم عنه و إذا أفهمك بأي نوع تجلى لك من إدراك صور الحواس فإنما ذلك الفهم أمانة منه عندك لتلك الأمانة أهل لا ينبغي لك أن تودعها إلا لأهلها و إن لم تفعل فأنت خائن و قال عليه السلام المجالس بالأمانة أي لا تحدث بما وقع في المجالس إلا لمن أعطاك الله الفهم منها من ينبغي أن تتحدث معه بما وقع فيها فذلك أهلها و إذا حدثك إنسان و رأيته يلتفت فاعلم إن ذلك الحديث أمانة أودعها إياك فحظ المشاهدة ما أبصرت و ما سمعت و ما طعمت و ما شممت و ما لمست و حظ الكشف ما فهمت من ذلك كله و ما فهمت فهو أمانة و إذا كان أمانة حكم عليك الأمر الإلهي بأدائها إلى أهلها أو ردها و ردها أن تتناساها إذ ما قد علمت لا تقدر على جهله فتجعل نفسك كأنك ما أبصرت و ما سمعت و هذا باب صعب جدا على العارفين يحتاج إلى أدب و حفظ و مراعاة حد فإنه ليس بينه و بين الكذب إلا حجاب واحد و كذلك الخيانة ليس بينه و بينها إلا حجاب واحد و مراعاة الحد تحول بينك و بين الخيانة و الكذب فأما علم هذا فهو إذا سألك من يكرم عليك عما تحملته أمانة من شهود بصرك أو سمعك أو ما كان من قوى حواسك و السائل ليس من أهله و معنى ليس من أهله أن الذي أعطاك هذه الأمانة علمت منه لمن أراد أن توصلها إليه فإن أجبت السائل لكرامته عليك فقد خنت و إن لم تجب و عدلت في الجواب إلى أمر آخر يقنع به السائل و لو عرف ما سترت عنه عز عليه ذلك فقد كذبت كمسألة الخليل في الكذبات الثلاث أثرت عنده في القيامة فاستحيا من الله أن يكلمه في فتح باب الشفاعة مع القصد الجميل في ذلك و الصدق في دلالة اللفظ و لكن لم يكن ذلك مقصود المخاطب فسمي كذبا فانظر ما أخطر هذا الموضع و إن قلت ما عندي خبر كذبت أشد من التعريض و الحق أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ و جواب الصادقين عن ذلك الذين آثروا الحق على غيره أن يقولوا للسائل إن الذي سألت عنه لنا وجوه في الجواب عنه فلا أدري عن أي وجه سألت لتعلمه فإن قال لك فصل الوجوه قل له أنت ابن لي عن مقصودك فإذا قال لك مقصوده من الجواب فإن كان مما يدخل في الأمانة فقل له إنه أمانة أخذ علينا العهد في حفظها و حق الله أحق أن يراعى و لا تستحي في ذلك منه و إن كرم عليك أو كان ذا سلطان و لا يكون السموأل اليهودي المحجوب أوفى منك و أنت العارف المشاهد حتى ضرب به المثل في الوفاء و إن ذكر هذا السائل وجه مطلوبه من حيث لا تعلق له بالأمانة فأجبه و لا بد لينتفع و لا تعطه ما ليس في وسعه حمله فيعود وباله عليك فهذا معنى قولهم تحقيق الأمانة بالفهم‏ و أما المكاشفة بالحال‏ و هي تحقيق زيادة الحال فاعلم إن كل متصف بصفة في كل وقت فإن تلك الصفة هي حاله في ذلك الوقت أي صفة كانت و لهذا لا يأتي الحال إلا بعد تمام الكلام أي لو لم تذكر لأفاد الكلام دونها فإن كانت هي المقصودة بالإخبار عنها فما أفاد الكلام بالنظر إلى قصد المخبر تقول رأيت زيدا فاستقل الكلام و تم ثم بعد ذلك زدت راكبا فتقول رأيت زيدا راكبا أي في حال ركوبه فإن كان مقصودك التعريف برؤيتك إياه راكبا فما تم الكلام بهذا الاعتبار أي ما حصلت الفائدة التي اعتبرتها و قصدتها و لكن حصلت فائدة بالجملة و هي رؤية زيد أنك رأيته و لم تذكر على أي حالة فهذا معنى تحقيق زيادة الحال أن يتحقق إن الحال زائدة على ما تقع به الفائدة مطلقا من غير نظر إلى قصد و هذا راجع إلى الأول الذي هو تحقيق الأمانة بالفهم فلو لقيك أحد سألك هل رأيت زيدا فقلت له رأيته ثم زدت حالا لم يسألك عنها فقلت له مسافرا و كان في نفسه عند سؤاله هل رأيت زيدا حتى يعلم أنه في البلد فيجتمع به فلما قلت له مسافرا أعلمته بهذه الزيادة التي هي زيادة الحال بسفره فارحته من طلب الاجتماع به إذ لا يتمكن له ذلك مع كونه ليس في البلد فهذا و أمثاله من زيادة الحال و أما في طريق أهل الله فزيادة الحال هي أن تشهد ذاتا ما على حال ما فتطلع من ذلك الحال إلى ما يؤول إليه أمره لأجل ذلك الحال فسمى مثل هذا زيادة الحال و مكاشفة بالحال مثال ذلك أن تشاهد ذاتا ما على حال خاص من حركة أو سكون أو صفة ملائمة طبع الناظر أو غير ملائمة فتعرف من ذلك الحال أمرازائدا و هو أن ذلك الحال يؤدي في حق المدرك له ودا أو بغضا أو كراهة أو ما كان فهذه زيادة الحال التي أعطاك و بهذا يقع العلم بالمنزلة عند الله قال بعضهم إني لأعرف متى يحبني ربي فقيل له و من أين لك معرفة ذلك فقال هو عرفني به فقيل له أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قوله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و أنا في هذه الساعة في حال اتباع لما شرع و هو صادق القول فأعطاني الحال إن الله محب لي في هذه الساعة لكونى مجلى لما أحب و هو تعالى ناظر إلى محبوبه و محبوبه ما أنا عليه فأضاف تعلق المحبة التي تصيرني محبوبا بالاتباع‏و أما المكاشفة بالوجد و هي تحقيق الإشارة أعني إشارة المجلس لا الإشارة التي هي نداء على رأس البعد لأنه لا يبلغ مداها الصوت و ذلك أن مجالس الحق على نوعين النوع الواحد لا يتمكن فيه إلا الخلوة به تعالى فهذا لا تقع فيه الإشارة و ذلك إذا جالسته من حيث هو له على علمه به و النوع الثاني ما تمكن فيه المشاركة في المجلس و هو إذا تجلى للعبد في صورة أمكن أن تحضر في تلك المجالسة جماعة قلوا أو كثروا و لو كان واحدا زائدا على هذا الجليس ففي مثل هذا المجلس تكون الإشارة فإن الجليس الآخر فما زاد لا يمكن أن يجتمعا على قدم واحدة حتى لو اطلع كل واحد من الجلساء على حال الآخر مع الله ما احتمله و كفر به و أنكره و قال هذا إبليس فلا بد إذا وقع الإفهام من الله لكل جليس له في هذه الحضرة و المجلس الصوري أن يكون بالإشارة لا بالتصريح فيفهم كل إنسان من تلك الإشارة ما في وسعه فالكلمة عنده تعالى واحدة و بالنظر إلى الجلساء كلمات كثيرة فينصرف كل جليس راضيا يزعم أنه أخص من الباقين و لله رجال أعطاهم من الفهم و الاتساع و حفظ الأمانة أن يفهموا عن الله في مثل هذه المجالس جميع إشارات كل مشار إليه و هم الذين يعرفونه في تجلى الإنكار و الشاهدون إياه في كل اعتقاد و الحمد لله الذي جعلنا منهم إنه ولي ذلك و هذا القدر كاف انتهى السفر السابع عشر بانتهاء الباب العاشر و مائتين‏

( «بسم الله الرحمن الرحيم»)