قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع عشر و مائتان في معرفة البسط و أسراره»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
البسط حال و لكن ليس يدريه‏ إلا الإله الذي أقامنا فيه‏
له التحكم في الأكوان أجمعهابه الوجود الذي تبدو معانيه‏
و ليس يحجبه عنا سوى قدرو هو الذي عن عيون الخلق يخفيه‏
البغي حكم له إن كنت ذا نظرجاء الكتاب به لو كنت تدريه‏
في عالم الخلق هذا الحكم ليس لهفي عالم الأمر هذا في تجليه‏

اعلم وفقك الله أن البسط عند الطائفة عبارة عن حال الرجاء في الوقت و قال بعضهم القبض و البسط أخذ وارد الوقت بحكم قهر و غلبة و البسط عندنا حال حكم صاحبه أن يسع الأشياء و لا يسعه شي‏ء حقيقة البسط لا تكون إلا لرفيع المنزلة رفيع الدرجات فينزل بالحال إلى حال من هو في أدنى الدرجات فيساويه و هو في الجناب الإلهي في مثل قوله تعالى وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و أعظم في النزول من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله و لأجل هذا البسط قال من قال إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ و هذا القول تصديق قوله تعالى وَ لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ و من البسط الإلهي قوله تعالى يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ و لو لا البسيط الإلهي ما تمكن لأحد من خلق الله أن يتخلق بجميع الأسماء الإلهية و أعظم تعريف في البسط الإلهي إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ و يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله فلما تمكن مثل هذا البسط في قلوب العباد ربما أثر في قلوبهم بغيا فتعدوا منزلتهم فلما علم الحق أنه ربما أثر ذلك مرضا في قلوب بعض العباد جعل دواءه تمام الآية و هو قوله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فأنزل الداء و الدواء و هذا من نشر رحمته لأن الأدنى في مرتبة تقتضي أن لا يكون صاحب بسط فإن انبسط فليس له إلا أن يجول في غير ميدانه فيكون البسط من الأدنى سوء أدب و لما علم الحق هذا أمر عباده بالتخلق بمكارم الأخلاق و أثنى عليهم بها و جعل ذلك من أعظم أعمال العباد فظهروا بها عن الأمر الإلهي فكان بسطهم عبادة و قربة إلى الله و هذا من نشر رحمته و اتساع مغفرته و عموم تفضله فبسط العباد بسط عن قبض و بسط الحق لا عن قبض بل له البسط ابتداء ثم بعد ذلك يكون القبض الإلهي و هو قوله صلى الله عليه و سلم إن رحمة الله سبقت غضبه‏ رحمته و بسطه أوجد الخلق و لا يكون حكم القبض و البسط إلا مع ثبوت الأغيار و لو لا الأغيار لم يتحقق بسط و لا قبض فتحقق ذلك‏ و اعلم أن أعظم بسط العبد أن يكون خلاقا فإن تأدب في هذا البسط فهو المذكور الداخل في عموم قوله تعالى فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فأضاف الحسن إلى الخالقين غير إن الله أحسن الخالقين إذ كان هذا النعت من خصوص وصف الإله لأنه قال تعالى في الرد على عبدة الأوثان أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ فنفى الخلق عن الخلق فلو لم يرد عموم نفي الخلق عن الخلق لم تقم به حجة على من عبد فرعون و أمثاله ممن أمر من المخلوقين أن يعبد من دون الله و لم يكن هؤلاء ممن يدخل في عموم الخالقين من قوله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فإنهم لم يتصفوا بالإحسان في الخلق فإن الإحسان في العباد أن تعبد الله كأنك تراه فتعلم من هو الخالق على الحقيقة فلما كان هذا النعت من خصوص وصف الإله و قد أضاف الخلق إلى الخلق انفرد هو بالنظر إلى ما أثبت من الخلق للخلق بالأحسن في ذلك فقال أحسن الخالقين و هو معنى قوله تعالى فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و البركة الزيادة فزاد أحسن في قوله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و ما أحسن قوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ و لم يقل أ أنتم تخلقون منه و لا فيه و إنما قال تخلقونه فأراد عين إيجاده منيا خاصة و الاسم المصور هو الذي يتولى فتح الصورة فيه أي صورة شاء من الجنس أو غيره و هو قوله في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ فهو الاسم المصور و هنا أسرار من علوم الطبيعة لما جعل الله فيها من الاشتراك في التكوين فهل هي سبب من جملة الأسباب التي تفعل لعينها بذاتها فيكون الحق يفعل بها لا عندها أو تكون من الأسباب التي يفعل الحق مسببها عندها لا بها و يتفاوت هنا نظر النظار و أما أهل الكشف فيعلمون ذلك ابتداء عند الكشف من غير نظر لعلمهم بمرتبة الطبيعة و أن منزلتها منزلة جميع الحقائق و الحقائق لا تتبدل فيجرونها مجراها و ينزلونها منزلتها فبسط العلماء بالله هو عين العلم بالله فإذا علموا علموا من انبسط و من له البسط و علموا من انقبض و من له القبض فيبقى عندهم كل أمر على أصله و حقيقته لا تبديل عندهم في ذلك و لا تحويل لأنهم على سنة الله فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا فأهل سنة الله لهم البسط المحقق لأن البسط نشر و النشر ظهور و لو لا الظهور ما أدركت الأشياء

فبسط العارفين على يقين و بسط الخلق تخمين و حدس‏

إذا خشعت الأصوات للرحمن فكيف يكون الحال مع الجبار

خشوع حياء لا خشوع مهانة و هيبة إجلال و قبض تأدب‏

قال تعالى وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً حكم اقتضاه الموطن‏ و اعلم أيها الولي الحميم أن الخلق كان في قبض الحق للحق فلما انبسط ظهر للعالم‏ قال الله تعالى لآدم و يداه مقبوضتان يا آدم اختر أيتهما شئت فقال آدم اخترت يمين ربي و كلتا يدي ربي يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم و ذريته‏ و لو فتح الأخرى لكان فيها سائر العالم فانظر إلى كون الإنسان في اليمين الحق إذ علم آدم أن بين اليدين فرقانا و لذلك قال أدبا و كلتا يدي ربي يمين مباركة فاختار القوة نظرا إلى نفسه لما علم أنه على الصورة و أنه خليفة فعلم إن القوة له فاختار الأقوى بأدب و لما كان الخلق مطويا في الحق لم ير نفسه و هو مشهود لله فلما كان البسط الإلهي ظهر العالم لنفسه فرأى نفسه و رأى من كان في قبضته عن شهود نفسه فعلم من أين صدر و كيف صدر و ما علم هل له رجوع أم لا فقيل له وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و علم أن الرجوع إنما هو رد إلى الأصل و قد علم أصل الوجود فعلم إلى أين يرجع و قد كان في الأصل لا يعلم نفسه فعلم أنه يرجع إلى منزله لا بعلم نفسه مع ظهور عينه كما لم يشهد نفسه إذ كان في قبضة موجدة فيكون مال العارفين و رجوعهم مع ثبوت عينهم إلى أن الحق عينهم لا هم و هذا مقام لا يكون إلا للعارفين فهم مقبوضون في حال بسطهم و لا يصح لعارف قط إن يكون مقبوضا في غير بسط و لا مبسوطا في غير قبض و ما سوى العارف إذا كان في حال قبض لا يكون له حال بسط و إذا كان في حال بسط لا يكون له حال قبض فالعارف لا يعرف إلا بجمعه بين الضدين فإنه حق كله كما قال أبو سعيد الخراز و قد قيل له بم عرفت الله فقال بجمعه بين الضدين لأنه شاهد جمعهما في نفسه و قد علم أنه على صورته و سمعه يقول هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و بهذه الآية احتج في ذلك ثم نظر إلى العالم فرآه إنسانا كبيرا في الجرم و رآه قد جمع بين الضدين فإنه رأى فيه الحركة و السكون و الاجتماع و الافتراق و رأى فيه الأضداد و هو أيضا على صورة العالم كما هو على صورة الحق فانظر ما أعجب هذه اللفظة من أبي سعيد و لهذا المقام كان يشير ذو النون المصري في مسائله من إيراد الكبير على الصغير و إدخال الواسع في الضيق من غير إن يوسع الضيق أو يضيق الواسع و قد ذكرنا هذه المسألة في معرفة الخيال من باب المعرفة من هذا الكتاب مستوفاة فبسط العلماء بالله من البسط المنسوب إلى الحق بل هو عين البسط المنسوب إلى الحق لأنهم إليه رجعوا

فلم يكن البسط الإله فهم أهل محو و إن أثبتوا

و هذا القدر كاف في تحقيق البسط من العلم الإلهي‏