قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب العشرون و مائتان في معرفة الفناء و أسراره»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الفناء أخو العدم‏ و له التسلط إن حكم‏
هو عن كذا لا غيرهفبعن له فينا قدم‏
ثم الفناء عن الفناءحجاب ما ينفي الظلم‏
فشبيهه بل عينهما قيل في عدم العدم‏
هي لفظة ما تحتهاعين و لكن تحتكم‏
ما زال تطلبه الرجاءل فمن يقوم به عصم
فيه إذا سلطانهيمضيه تحصين الحكم‏

اعلم أن الفناء عند الطائفة يقال بإزاء أمور فمنهم من قال إن الفناء فناء المعاصي و من قائل الفناء فناء رؤية العبد فعله بقيام الله على ذلك و قال بعضهم الفناء فناء عن الخلق و هو عندهم على طبقات منها الفناء عن الفناء و أوصله بعضهم إلى سبع طبقات فاعلموا أيدنا الله و إياكم بروح القدس أن الفناء لا يكون إلا عن كذا كما إن البقاء لا يكون إلا بكذا و مع كذا فعن للفناء لا بد منه و لا يكون الفناء في هذا الطريق عند الطائفة إلا عن أدنى بأعلى و أما الفناء عن الأعلى فليس هو اصطلاح القوم و إن كان يصح لغة فأما الطبقة الأولى في الفناء فهي إن تفني عن المخالفات‏ فلا تخطر لك ببال عصمة و حفظا إلهيا و رجال الله هنا على قسمين القسم الواحد رجال لم يقدر عليهم المعاصي فلا يتصرفون إلا في مباح و إن ظهرت منهم المخالفات المسماة بالمعاصي شرعا في الأمة إلا إن الله وفق هؤلاء فكانوا ممن أذنبوا فعلموا إن لهم ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب فقيل لهم على سماع منهم لهذا القول‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏ و كأهل بدر ففنيت عنهم أحكام المخالفات فما خالفوا فإنهم ما تصرفوا إلا فيما أبيح لهم فإن الغيرة الإلهية تمنع أن ينتهك المقربون عنده حرمة الخطاب‏الإلهي بالتحجير و هو غير مؤاخذ لهم لما سبقت لهم به العناية في الأزل فأباح لهم ما هو محجور على الغير و سائر من ليس له هذا المقام لا علم له بذلك فيحكم عليه بأنه ارتكب المعاصي و هو ليس بعاص بنص كلام الله المبلغ على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم و كأهل البيت حين أذهب الله عنهم الرجس و لا رجس أرجس من المعاصي و طهرهم تطهيرا و هو خبر و الخبر لا يدخله النسخ و خبر الله صدق و قد سبقت به الإرادة الإلهية فكل ما ينسب إلى أهل البيت مما يقدح فيما أخبر الله به عنهم من التطهير و ذهاب الرجس فإنما ينسب إليهم من حيث اعتقاد الذي ينسبه لأنه رجس بالنسبة إليه و ذلك الفعل عينه ارتفع حكم الرجس عنه في حق أهل البيت فالصورة واحدة فيهما و الحكم مختلف و القسم الآخر رجال اطلعوا على سر القدر و تحكمه في الخلائق و عاينوا ما قدر عليهم من جريان الأفعال الصادرة منهم من حيث ما هي أفعال لا من حيث ما هي محكوم عليها بكذا أو كذا و ذلك في حضرة النور الخالص الذي منه يقول أهل الكلام أفعال الله كلها حسنة و لا فاعل إلا الله فلا فعل إلا لله و تحت هذه الحضرة حضرتان حضرة السدفة و حضرة الظلمة المحضة و في حضرة السدفة ظهر التكليف و تقسمت الكلمة إلى كلمات و تميز الخير من الشر و حضرة الظلمة هي حضرة الشر الذي لا خير معه و هو الشرك و الفعل الموجب للخلود في النار و عدم الخروج منها و أن نعم فيها فلما عاين هؤلاء الرجال من هذا القسم ما عاينوه من حضرة النور بادروا إلى فعل جميع ما علموا أنه يصدر منهم و فنوا عن الأحكام الموجبة للبعد و القرب ففعلوا الطاعات و وقعوا في المخالفات كل ذلك من غير نية لقرب و لا انتهاك حرمة فهذا فناء غريب أطلعني الله عليه بمدينة فاس و لم أر له ذائقا مع علمي بأن له رجالا و لكن لم ألقهم و لا رأيت أحدا منهم غير أني رأيت حضرة النور و حكم الأمر فيها غير أنه لم يكن لتلك المشاهدة فينا حكم بل أقامني الله في حضرة السدفة و حفظني و عصمني فلي حكم حضرة النور و إقامتي في السدفة و هو عند القوم أتم من الإقامة في حضرة النور فهذا معنى قول بعضهم في الفناء إنه فناء المعاصي‏ «و أما النوع الثاني» من الفناء فهو الفناء عن أفعال العباد بقيام الله على ذلك‏ من قوله أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ فيرون الفعل لله من خلف حجب الأكوان التي هي محل ظهور الأفعال فيها و هو قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أي ستره واسع و الأكوان كلها ستره و هو الفاعل من خلف هذا الستر وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ و المثبتون من المتكلمين أفعال العباد خلقا لله يشعرون و لكن لا يشهدون لحجاب الكسب الذي أعمى الله به بصيرتهم كما أعمى بصيرة من يرى الأفعال للخلق حين أوقفه الله مع ما يشاهده ببصره فهذا لا يشعر و هو المعتزلي و ذلك لا يشهد و هو الأشعري فالكل عَلى‏ بَصَرِهِ غِشاوَةً «و أما النوع الثالث» فهو الفناء عن صفات المخلوقين‏بقوله تعالى في الخبر المروي النبوي عنه كنت سمعه و بصره‏ و كذا جميع صفاته و السمع و البصر و غير ذلك من أعيان الصفات التي للعبد أو الخلق قل كيف شئت و عرف الحق أن نفسه هي عين صفاتهم لا صفته فأنت من حيث صفاتك عين الحق لا صفته و من حيث ذاتك عينك الثابتة التي اتخذها الله مظهرا أظهر نفسه فيها لنفسه فإنه ما يراه منك إلا بصرك و هو عين نظرك فما رآه إلا نفسه و أفناك بهذا عن رؤيته فناء حقيقة شهودية معلومة محققة لا يرجع بعد هذا الفناء حالا إلى حال يثبت لك أن لك صفة محققة ليست عين الحق و صاحب هذا الفناء دائما في الدنيا و الآخرة لا يتصف في نفسه و لا عند نفسه بشهود و لا كشف و لا رؤية مع كونه يشهد و يكشف و يرى و يزيد صاحب هذا الفناء على كل مشاهد وراء و مكاشف أنه يرى الحق كما يرى نفسه لأنك رأيته به لا بك و هذا مشهد عزيز لم أر له بالحال ذائقا فإنه دقيق فمن زعم أنه ذاقه ثم رجع بعد ذلك إلى حسه و نفسه و أثبت لنفسه صفة ليست هي عين الحق التي علمها فليس عنده خبر بما قاله و لا يعرف من شاهد و لا ما شاهد ثم إن صاحب هذا الفناء مهما فرق بين صفاته في حال الفناء فرأى غير ما سمع و سمع غير ما سعى و سعى غير ما شم و طعم و طعم غير ما علم و علم غير ما قدر و ميز و فرق بين هذه النسب و ادعى أنه صاحب هذا النوع من الفناء فليس هو و إذا توحدت عنده العين فسمع بما به رأى بما به تكلم بما به علم و سعى و شم و طعم و أحس و لم يختلف عليه الإدراك باختلاف الحكم فهو صاحب هذا الفناء ذوقا صحيح الحال‏ «و أما النوع الرابع» من الفناء فهو الفناء عن ذاتك‏ و تحقيق ذلك أن تعلم أن ذاتك مركبة من لطيف و كثيف و أن لكل ذات منك حقيقة و أحوالا تخالف بها الأخرى و أن لطيفتك متنوعة الصور مع الآنات في كل حال و أن هيكلك ثابت على صورة واحدة و إن اختلفت عليه الأعراض فإذا فنيت عن ذاتك بمشهودك الذي هو شاهد الحق من الحق و غير الحق و لا تغيب في هذه الحال عن شهود ذاتك فيه فما أنت صاحب هذا الفناء فإن لم تشهد ذاتك في هذا الشهود و شاهدت ما شاهدت فأنت صاحب هذا النوع من الفناء و إنما قلنا شاهدت ما شاهدت و لم نخصص شهود الحق وحده فإن صاحب هذا الفناء قد يكون مشهوده كونا من الأكوان و هو حال يعصم ذات الإنسان من التأثر أخبرني الأستاذ النحوي عبد العزيز بن زيدان بمدينة فاس و كان ينكر حال الفناء و كان يختلف إلينا و كانت فيه إنابة فلما كان ذات يوم دخل علي و هو فارح مسرور فقال لي يا سيدي الفناء الذي تذكره الصوفية صحيح عندي بالذوق قد شاهدته اليوم قلت له كيف قال أ لست تعلم أن أمير المؤمنين دخل اليوم من الأندلس إلى هذه المدينة قلت له بلى قال اعلم إني خرجت أتفرج مع أهل فاس فأقبلت العساكر فلما وصل أمير المؤمنين و نظرت إليه فنيت عن نفسي و عن العسكر و عن جميع ما يحسه الإنسان و ما سمعت دوي الكوسات و لا صوت طبل مع كثرة ذلك و لا البوقات و لا ضجيج الناس و لا رأيت ببصري أحدا من العالم جملة واحدة سوى شخص أمير المؤمنين ثم إنه ما أزاحني أحد عن مكاني و وقفت في طريق الخيل و ازدحام الناس و ما رأيت نفسي و لا علمت أني ناظر إليه بل فنيت عن ذاتي و عن الحاضرين كلهم بشهودي فيه و لما انحجب عني و رجعت إلى نفسي أخذتني الخيل و ازدحام الناس فازالونى عن موضعي و ما تخلصت من الضيق إلا بشدة و أدرك سمعي الضجيج و أصوات الكوسات و البوقات فتحققت إن الفناء حق و أنه حال يعصم ذات الفاني من أن يؤثر فيه ما فنى عنه هذا يا أخي فناء في مخلوق فما ظنك بالفناء في الخالق فإن شاهدت في هذا الفناء تنوع ذاتك اللطيفة و لم تشاهد معها سواها ففناؤك عنك بك لا بسواك فأنت فإن عن ذاتك و لست فانيا عن ذاتك فإنك لك بك مشهود من حيث لطيفتك و إنك لك بك مفقود من حيث هيكلك فإن شاهدت مركبك في حال هذا الفناء فمشهودك خيال و مثال ما هو عينك و لا غيرك بل حالك في هذا الفناء حال النائم صاحب الرؤيا «و أما النوع الخامس من الفناء» و هو فناؤك عن كل العالم بشهودك الحق أو ذاتك‏ فإن تحققت من تشهد منك علمت أنك شاهدت ما شاهدته بعين حق و الحق لا يفنى بمشاهدة نفسه و لا العالم فلا تفني في هذه الحال عن العالم و إن لم تعلم من يشهد منك كنت صاحب هذا الحال و فنيت عن رؤية العالم بشهود الحق أو بشهود ذاتك كما فنيت عن ذاتك بشهود الحق أو بشهود كون من الأكوان فهذا النوع يقرب من الرابع في الصورة و إن كان يعطي من الفائدة ما لا يعطيه النوع الرابع المتقدم‏ «و أما النوع السادس من الفناء» فهو إن تفني عن كل ما سوى الله بالله‏ و لا بد و تفني في هذا الفناء عن رؤيتك فلا تعلم أنك في حال شهود حق إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال و هنا يطرأ غلط لبعض الناس من أهل هذا الشأن و أبينه لك إن شاء الله حتى يتخلص لك المقام و إن الله ألهمني لهذا البيان و ذلك أن صاحب هذا الحال إذا فنى عن كل ما سوى الله بشهود الله فيما يقول فلا يخلو في شهوده ذلك إما أن يرى الحق في شئونه أو لا يراه في شئونه فإنه لا يزال في شئون إذ لا غيبة له عن العالم و لا عن أثر فيه فإن شاهده في شئونه فما فنى عن كل ما سوى الله و إن شاهده في غير شئونه بل في غناه عن العالم فهو صحيح الدعوى فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و هذا المشهد كان للصديق فإنه قال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فأثبت أنه رآه و لا شي‏ء ثم أقيم في مشهد آخر فرأى صدور الشي‏ء عنه و قد كان رآه و لا شي‏ء فجعل تلك الرؤية قبل هذا الشهود فقال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فقد أبنت لك الأمر على ما هو عليه‏ «و أما النوع السابع من الفناء» فهو الفناء عن صفات الحق و نسبها و ذلك لا يكون إلا بشهود ظهور العالم عن الحق لعين هذا الشخص لذات الحق و نفسه لا لأمر زائد يعقل و لكن لا من كونه علة كما يراه بعض النظار و لا يرى الكون معلولا و إنما يراه حقا ظاهرا في عين مظهر بصورة استعداد ذلك المظهر في نفسه فلا يرى للحق أثرا في الكون فما يكون له دليل على ثبوت نسبة و لا صفة و لا نعت فيفنيه هذا الشهود عن الأسماء و الصفات و النعوت بل إن حققه يرى أنه محل التأثر حيث أثر فيه استعداد الأعيان الثابتة من أعيان الممكنات و مما يحقق هذا كونه تعالى وصف نفسه في كتابه و على ألسنة رسله بما وصف به المخلوقات المحدثات و إما أن تكون هذه الصفات في جنابه حقا ثم نعتنا بهاو إما أن تكون لنا حقا و نعت نفسه بها توصلا لنا و خبره بها صدق لا كذب و إن كنا نحن فيها الأصل فهو مكتسب و إن كان هو الأصل فقد كسبنا إياها و هذه من أغمض نتائج العلم بالله فإنه أضاف إليه نعوت المحدثات كلها بأخبار قديم أزلي فمنها ما أشار به في أخباره بأنه مكتسب لبعضها مثل قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و منها ما ذكره و لم يقيد باكتساب و لا غيره و من هذا الباب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ و ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و اسئلوني أعطكم و استغفروني أغفر لكم و فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و أما قولهم الفناء عن الفناء فما هو نوع ثامن و إنما هو الفاني إذا لم يعلم في فنائه إنه فإن فذلك الفناء عن الفناء كصاحب الرؤيا الذي لا يعلم أنه في رؤيا فهو حال تابع في كل نوع يقوم من أنواع الفناء و حال الفناء لا ينال بتعمل أي لا يقصد و أدناه درجة حكمه في المتفكر فإذا استغرق الإنسان الفكر في أمر ما من أمور الدنيا أو في مسألة من العلم فتحدثه و لا يسمعك و تكون بين يديه و لا يراك و ترى في عينه جمودا في تلك الحالة فإذا عثر على مطلوبه أو طرأ أمر يرده إلى إحساسه حينئذ يراك و يسمعك فهذه أدنى درجاته في العالم و سبب ذلك ضيق المحدث فإنه لا شي‏ء أوسع من حقيقة الإنسان و لا شي‏ء أضيق منها فأما اتساع القلب فإنه لا يضيق عن شي‏ء و لكن عن شي‏ء واحد و أما ضيقه فإنه لا يسع خاطرين معا فإنه أحدي الذات فلا يقبل الكثرة فهو من حيث هذه الحقيقة في الحكم الإلهي في معنى قوله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و في الرتبة الأخرى في‏ قوله فأحببت إن أعرف‏ و هذا القدر كاف في معرفة هذا الباب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏