اعلم أن البقاء عند بعض الطائفة بقاء الطاعات كما كان الفناء فناء المعاصي عند صاحب هذا القول و عند بعضهم البقاء بقاء رؤية العبد قيام الله على كل شيء و هذا قول من قال في الفناء إنه فناء رؤية العبد فعله بقيام الله تعالى على ذلك و عند بعضهم البقاء بقاء بالحق و هو قول من قال في الفناء إنه فناء عن الخلق اعلم أن نسبة البقاء عندنا أشرف في هذا الطريق من نسبة الفناء لأن الفناء عن الأدنى في المنزلة أبدا عند الفاني و البقاء بالأعلى في المنزلة أبدا عند الباقي فإن الفناء هو الذي أفناك عن كذا فله القوة و السلطان فيك و البقاء نسبتك إلى الحق و إضافتك إليه أعني البقاء في هذا الطريق عند أهل الله فيما اصطلحوا و الفناء نسبتك إلى الكون فإنك تقول فنيت عن كذا و نسبتك إلى الحق أعلى فالبقاء في النسبة أولى لأنهما حالان مرتبطان فلا يبقى في هذا الطريق إلا فإن و لا يفنى إلا باق و الموصوف بالفناء لا يكون إلا في حال البقاء و الموصوف بالبقاء لا يكون إلا في حال الفناء ففي نسبة البقاء شهود حق و في نسبة الفناء شهود خلق لأنك لا تقول فنيت عن كذا إلا مع تعقلك من فنيت عنه و نفس تعقلك إياه هو نفس شهودك إياه إذ لا بد من إحضاره في نفسك لتعقل حكم الفناء عنه و كذلك البقاء لا بد من شهود من أنت باق به و لا يكون البقاء في هذا الطريق إلا بالحق فلا بد من شهود الحق فإنه لا بد من إحضارك إياه في قلبك و تعقلك إياه فحينئذ تقول بقيت بالحق و هذه النسبة أشرف و أعلى لعلو المنسوب إليه فحال البقاء أعلى من حال الفناء و إن تلازما و كانا للشخص في زمان واحد فلا خفاء عند ذي نظر سليم في الفرق بين النسبتين في الشرف و المنزلة «شرح هذا المقام يتضمنه شرح باب الفناء» و ذلك أن ننظر في كل نوع من أنواع الفناء إلى السبب الذي أفناك عن كذا فهو الذي أنت باق معه هذا جماع هذا الباب إلا أن هنا تحقيقا لا يكون إلا في الفناء و ذلك أن البقاء نسبة لا تزول و لا تحول حكمه ثابت حقا و خلقا و هو نعت إلهي و الفناء نسبة تزول و هو نعت كياني لا مدخل له في حضرة الحق و كل نعت ينسب إلى الجانبين فهو أتم و أعلى من النعت المخصوص بالجانب الكوني إلا العبودة فإن نسبتها إلى الكون أتم و أعلى مننسبة الربوبية و السيادة إليه فإن قلت فالفناء راجع إلى العبودة و لازم قلنا لا يصح أن يكون كالعبودة فإن العبودة نعت ثابت لا يرتفع عن الكون و الفناء قد يفنيه عن عبودته و عن نفسه فحكمه يخالف حكم العبودة و كل أمر يخرج الشيء عن أصله و يحجبه عن حقيقته فليس بذلك الشرف عند الطائفة فإنه أعطاك الأمر على خلاف ما هو به فألحقك بالجاهلين و البقاء حال العبد الثابت الذي لا يزول فإنه من المحال عدم عينه الثابتة كما أنه من المحال اتصاف عينه بأنه عين الوجود بل الوجود نعته بعد أن لم تكن و إنما قلنا هذا لأن الحق هو الوجود و لا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف بل هو محال و العبد باقي العين في ثبوته ثابت الوجود في عبودته دائم الحكم في ذلك إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ الله باقٍ فنحن عنده و هو عندنا فالحق النفاد و البقاء بمن ألحقته هذه الآية و النفاد فناء و البقاء نعت الوجود من حيث جوهره و الفناء نعت العرض من حيث ذاته بل نعت سائر المقولات ما عدا الجوهر و قد أومأنا إلى ما فيه غنية لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ لخطاب الحق وَ هُوَ شَهِيدٌ
«الباب الأحد و العشرون و مائتان في معرفة البقاء و أسراره»
إذا رأيت قيام الله جل على كل النفوس بما فيها من الأثر
ذاك البقاء الذي قال الرجال بهو أنت باق به إن كنت ذا نظر
فكن به لا تكن بالفكر متصفافإنما الغير مشتق من الغير
و أين غير و ما في الكون أجمعهسوى الوجود الذي تدعوه بالبشر
فإنه اسم يعم الكون أجمعهعينا و علما فلا تخرج عن الصور