عين التحكم عند القوم التصرف لإظهار الخصوصية بلسان الانبساط في الدعاء و هذا ضرب من الشطح و قريب منه لما يتوهم من دخول النفس فيه إلا أن يكون عن أمر إلهي فلا مؤاخذة على صاحبه فيه
فإذا كان عن أمر إلهي بتعريف فالإنسان فيه عبد ممتثل أمر سيده بطريق الوجوب فإن عرض عليه عين التحكم من غير أمر عرض الأمانة و قبله فليس هناك بل مرتبته مرتبته في قبول الأمانة المعروضة التي قال الله فيمن حملها إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ظلوما لنفسه جهولا بقدر ما تحمل لأنه جهل ما في علم الله فيه هل هو مما يؤدي الأمانة إلى أهلها أم لا فعين التحكم مخصوص بالرسل في إظهار المعجزات و التحدي بها عن الأمر الإلهي فإنهم مرسلون بالدلالات على أنهم رسل اللهفهم مخبرون بالحال أنهم المصطفون الأخيار لا بالقصد ثم قد يقع منهم بعد ثبوت الرسالة قول خارج عن مقتضى الدلالة و لا يكون منهم إلا عن أمر إلهي يؤذن ذلك القول بمرتبة القائل عند الله مثل قوله صلى الله عليه و سلم أنا سيد الناس يوم القيامة فلما كان في قوة هذا اللفظ إظهار الخصوصية عند الله و من هو مشغول بالله ما عنده فراغ لمثل هذا و من شغل أهل الله بالله امتثال أمر الله فأخبر عليه السلام حين عم فقال و لا فخر أي ما قصدت الفخر أي هكذا أمرت أن أعرفكم فإن العارف كيف يفتخر و المعرفة تمنعه و مشاهدة الحق تشغله و لا يظهر مثل هذا ممن ليس بمأمور به إلا عن رعونة نفس أو فناء لغلبة حال يستغفر الله من ذلك إذا فارقه ذلك الحال الذي أفناه و قد يظهر مثل هذا من صاحب الغيرة خاصة و هو مذهب شيخنا أبي مدين و قد ظهر منه مثل ذلك من باب الغيرة فلا يدل على إظهار الخصوصية و ذلك بأن يرى الإنسان دعوة الرسل ترد و يتوقف في تصديقها و لا سيما عند من ينفي النبوة التي نثبتها فيقوم هذا العبد مقام وجود الرسول فيدعي ما يدعيه الرسول من إقامة الدلالة على صدق الرسول في رسالته نيابة عنه فيأتي بالأمر المعجز على طريق التحدي للرسول لا لنفسه فيظهر منه ذلك و هذا لا يدل على مقام الخصوصية عند الله فهو خارج عن عين التحكم و ليس بخارج من حيث ما هو تحكيم لكنه خارج من حيث ما هو تحكيم خاص و قد يكون عين التحكيم في رجل يكون له مقام الإدلال مع الحق و يكون عنده تعريف إلهي بمقامه المعلوم كالملائكة في قوله تعالى عنهم وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ و إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ فأثنوا على أنفسهم بعد معرفتهم و تعريفهم بمقامهم فلا ينقصهم هذا الثناء و لا يحط مرتبتهم و إذا لم يؤثر عين التحكيم في المقام فلا بأس به و تركه أعلى لأنه على كل حال فراغ و ما وقع مثل هذا من جبريل إلا لكونه معلما رسول الله صلوات الله عليهما و المعلم ينبه التلميذ بمرتبته لتعلو همته ليلحق بمعلمه و منهم من يبلغ في التحكيم أن يقسم على الله في أمر فيبر الحق قسمه و مع هذا يستغفر الله فلو لا إن فيه رائحة ما استغفر و الحكايات في التحكيم عن الصالحين كثيرة و لا سيما ما يحكى عن عبد القادر الجيلي رحمه الله كان ببغداد أدركناه بالسن و كالذي سجد و حلف أن لا يرفع رأسه من سجدته حتى ينزل الغيث فأبر الله قسمه و كالذي وقف على رأس بئر و قد عطش و لم يكن له حبل و لا ركوة فقال لئن لم تسقني لأغضبن ففاض الماء على فم البئر فسئل على من تغضب فقال على نفسي فامنعها الماء و أما عين التحكيم عندنا فأمر هين في شهود المعرفة فإن التحكيم للظاهر في المظهر فما تحكم إلا من له التحكم فمهما ظهر الظاهر به دل على إن استعداد المظهر أعطى هذا فيفرق بينه و بين ما يعطيه مظهر آخر من عدم التحكيم و هذه طريقة انفردنا بإظهارها في الوجود لأنها تقرب على أهل الله مأخذ الأمور و لا تستعظم شيئا مما ظهر فإنه ما ظهر إلا ممن له الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ