قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و الثمانون في تقوى الله)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ما يتقي الله سوى جامع لكل ما في الكون من حكمته‏
فيتقي النقمة في نعمته و يتقى النعمة في نقمته‏
فكل ما في الكون من ظاهر و باطن فيه فمن نعمته‏
و هي التي أسبغها منة منه على المختار من أمته‏
فكل ما يجريه سبحانه من كل ما يقضي فمن همته‏

اعلموا يا إخواننا أنار الله بصائركم و أصلح سرائركم و خلص من الشبه أدلتكم إنه لما امتن الله علينا بالاسم الرحمن فأخرجنا من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي هو الوجود و لهذا امتن الله تعالى علينا بنعمة الوجود فقال أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً فما تولانا منه سبحانه ابتداء إلا الرحمة و لهذا قال إن رحمة الله سبقت غضبه فلما نظرنا في قوله تعالى اتَّقُوا الله أي اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون و رأينا مسمى الله يتضمن كل اسم إلا هي فينبغي أن يتقى منه و يتخذ وقاية فإنه ما من اسم من الأسماء الإلهية للكون به تعلق إلا و يمكن أن يتقى منه و به إما خوفا من فراقه إن كان من أسماء اللطف أو خوفا من نزوله إن كان من أسماء القهر فما يتقى إلا حكم أسمائه و ما تتقي أسماؤه إلا بأسمائه الاسم الذي يجمعها هو الله‏ فإذا كان الله مجموع الأسماء المتقابلة و قد علمنا إن المتقابلين إذا كانا على ميزان واحد سقط حكمهما لأن المحل لا يقبل حكم تقابلهما فيسقطان فإذا رجح ميزان أحدهما كان الحكم للراجح و قد رجح اسم اللطيف بوجودنا لأن الاسم الرحمن يحفظنا فترجحت الرحمة فنفذ حكمها فهي الأصل بالإيجاد و الانتقام حكم عارض و العوارض لا ثبات لها فإن الوجود يصحبنا فما لنا إلى الرحمة و حكمها فلهذا أمرنا بتقوى الله أي نتخذه وقاية و نتقيه لما فيه من التقابل و هو مثل قوله في الاستعاذة منه به‏ فقال و أعوذ بك منك‏ و هو من المقامات المستصحبة في الدنيا و الآخرة فإنه إذا اتقيت أحكام الأسماء و لا سيما في الجنة التي حكم الإنسان فيها للصورة الإلهية التي فطر عليها فيقول للشي‏ء كن فيكون ذلك الشي‏ء فربما يحجبه هذا المقام عن الذي هو أعلى في حقه فيذهل عن الكثيب الذي هو خير له مما هو فيه فيأتي الاسم المذكر الإلهي فيذكره بشرف رتبة الكثيب و ما يحصل له فيه و ما يرجع به إلى أهله فيتقي هذا الاسم الذي مسكه في الجنة عن التشوق إلى ما هو أفضل في حقه مما يحصل له في الكثيب فلهذا قلنا باستصحاب مقام التقوى في الدنيا و الآخرة فإذا علمت هذا علمت إن مقام التقوى تقوى الله مكتسب للعبد و لهذا أمر به و هكذا كل مأمور به فهو مقام يكتسب و لهذا قالت الطائفة إن المقامات مكاسب و الأحوال مواهب‏ و التقوى الإلهية على قسمين في الحكم فينا أي انقسم فيها الأمر قسمين قسما أمرنا الله أن نتقيه حق تقاته من كوننا مؤمنين و قسما أمرنا فيه أن نتقيه على قدر الاستطاعة و ما عين في هذا التكليف صفة تخص بها طائفة من الطوائف مثل ما عينها في حق تقاته و إن كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فأعاد الضمير عليهم و لكن مثل هذا لا يسمى تصريحا و لا تعيينا فينزل عن درجة التعيين فيحدث لذلك حكم آخر فقال فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ابتدأ آية بفاء عطف و ضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد فإن المضمرات‏تلحق بعالم الغيب و المعينات تلحق بعالم الشهادة لأن المضمر صالح لكل معين لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق و المعين مقيد فإنك إذا قلت زيد فما هو غيره من الأسماء لأنه موضوع لشخص بعينه و إذا قلت أنت أو هو أو إنك فهو ضمير يصلح لكل مخاطب قديم و حديث فلهذا فرقنا بين المضمر و المعين بالاسم أو الصفة و الصفة برزخية بين الأسماء و بين الضمائر فإنك إذا قلت المؤمن أو الكاتب فقد ميزته من غير المؤمن فأشبه زيدا من وجه ما عينته الصفة و أشبه الضمائر من وجه إطلاقه على كل من هذه صفته غير إن الضمير الخطابي مثلا يعم كل مخاطب كائنا من كان من مؤمن و غير مؤمن و إنسان و غير إنسان‏ فتقوى الله حق تقاته هو رؤية المتقي التقوى منه و هو عنها بمعزل ما عدى نسبة التكليف به فإنه لا ينعزل عنها لما يقتضيه من سوء الأدب مع الله فحال المتقي لله حق تقاته كحال من شكر الله حق الشكر و قد تقدم معنى ذلك و هذه الآية من أصعب آية مرت على الصحابة و تخيلوا أن الله خفف عن عباده بآية الاستطاعة في التقوى و ما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد و كنا نقول بما قالوه و لكن الله لما فسر مراده بالحقية في أمثال هذا هان علينا الأمر في ذلك و علمنا إن تقوى الله بالاستطاعة أعظم في التكليف فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته لا بد من فضلة يبقيها و في حق تقاته ليس كذلك و علمنا إن الله أثبت العبد في الاستطاعة فلا ينبغي أن ننفيه عن الموضع الذي أثبته الحق فيه فإن ذلك منازعة لله و في حق تقاته أثبت له النظر إليه في تقواه و هو أهون عليه فما كان شديدا عندهم كان في نفس الأمر أهون و عند من فهم عن الله و ما كان هينا عندهم كان في نفس الأمر شديدا و عند من فهم عن الله جعلنا الله ممن فهم عنه خطابه فأتاه رحمة من عنده و هو ما أعطاه من الفهم و علمه من لدنه علما فلم يكله إلى عنديته و لا إلى نفسه بل تولى تعليمه ليريحه لما هو عليه من الضعف‏ و لو لا إن العبد ادعى الاستطاعة في الأفعال و الاستقلال بها ما أنزل الله تكليفا قط و لا شريعة و لهذا جعل حظ المؤمن من هذه الدعوى أن يقول وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و قال في حقنا و حق أمثالنا ممن تبرأ من الأفعال الظاهر وجودها منه قولوا لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم عن أن يشارك فيها فهي له خالصة فكم بين الحالين بين التبري و الدعوى فالمدعي مطالب بالبرهان على دعواه و المتبرئ غير مطالب بذلك و لا تقل إن التبري دعوى فإن التبري لا يبقي شيئا و على ذلك ينطلق اسم المتبرئ و نحن نتكلم في الأمر المحقق فإن كتابنا هذا بل كلامنا كله مبناه في الكلام على الأمور بما هي عليه في أنفسها و التبري صفة إلهية سلبية و العبد حقيقته سلب و الدعوى صفة إلهية ثبوتية لا تنبغي إلا لله عز و جل و العبد إذا اتصف بها لم يزاحم الله فيها و يقول لا حول و لا قوة إلا بالله و مهما قال وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإنما يقولها تاليا لا حقيقة فله ما نوى و هو بحيث علم و لو لا ما ظهر العبد بالدعوى ما قيل له فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ بالقوة التي جعلتها لكم فيكم بين الضعفين فمن تنبه على إن قوته مجعولة و أنها لمن جعلها لم يدع فيها بل هي أمانة عنده لا يملكها و الإنسان لا يكون غنيا إلا بما يملكه و الأمانة عارية لا تملك مأمور من هي عنده بردها إلى أهلها و هو قوله لا حول و لا قوة إلا بالله أي القوة قائمة بالله لا بنا فالمدعون في القوة يجعلون ما من قوله ما اسْتَطَعْتُمْ مصدرية و أهل التبري يجعلونها للنفي في الآية فنفى عندهم الاستطاعة في التقوى و أثبتها عند من جعلها مصدرية و لما كان المعنى في التقوى أن تتخذ وقاية مما ينسب إلى المتقي فإذا جاءت النسبة حالت الوقاية بينها و بين المتقي أن تصل إليه فتؤذيه فتلقتها الوقاية فلا أحد أصبر على أذى من الله فإن السهم و الطعن و الحجر و الضرب بالسيف و ما أشبه ذلك عند المثاقف إنما تتلقاها الوقاية و هي المجن الذي بيده و هو من ورائها ماسك عليها لكنه يحتاج إلى ميزان قوي لأمور عوارض عرضت للنسبة تسمى مذمومة فيقبلها العبد و لا يجعل الله وقاية أدبا و إن كان لا يتلقاها إلا الله في نفس الأمر و لكن الأدب مشروع للعبد في ذلك و لا تضره هذه الدعوى لأنها صورة لا حقيقة و إذا علم الله ذلك منك جازاك جزاء من رد الأمور إليه و عول في كل حال عليه و سكن تحت مجاري الأقدار و تفرج فيما يحدث الله في أولاد الليل و النهار فهذا تقوى الله قد أومأنا إلى تحقيقه إيماء فإن للكلام في معناه مجالا رحبا يطول فاكتفينا بهذا و انتقلنا إلى تقوى الحجاب و الستر و الكل من تقوى الله فإنه الأصل انتهى الجزء الثالث و التسعون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))