اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الأنس عند القوم ما تقع به المباسطة من الحق للعبد و قد تكون هذه المباسطة على الحجاب و على الكشف و الأنس حال القلب من تجلى الجمال و هو عند أكثر القوم من تجلى الجمال و هو غلط من جملة ما غلطوا فيه لأن لهم أغاليط في العبارة لعدم التمييز بين الحقائق فما كل أهل الله رزقوا التمييز و الفرقان مع الشهود الصحيح و لكن الشأن في معرفة ما هو هذا الذي وقع عليه الشهود و قد رأينا جماعة ممن شهد حقا و لكن ما عرفما شهد و حمله على خلاف طريقه فلا بد مع التجلي من تعريف إلهي إما بصفاء الإلهام و إما بما شاءه الحق من أنواع التعريف و للانس بالله علامة عند صاحبه فإنه موضع يغلط فيه كثير من أهل الطريق فيجدون أنسا في حال ما يكون عليه فيتخيل إن ذلك آنس بالله فإذا فقد ذلك الحال فقد الأنس بالله فعندنا و عند الجماعة أن أنسه كان بذلك الحال لا بالله لأن الأنس بالله إذا وقع لم يزل موجودا عنده في كل حال و لذلك يقول القوم من أنس بالله في الخلوة و فقد ذلك الأنس في الملإ فأنسه كان بالخلوة لا بالله و اعلم أنه لا يصح الأنس بالله عند المحققين و إنما يكون الأنس باسم إلهي خاص معين لا بالاسم الله و هكذا جميع ما يكون من الله لعباده لا يصح أن يكون من حكم الاسم الله لأنه الاسم الجامع لحقائق الأسماء الإلهية فلا يقع أمر لشخص معين في الكون إلا من اسم معين بل و لا يظهر في الكون كله أعني في كل ما سوى الله شيء يعمه إلا من اسم خاص معين لا يصح أن يكون الاسم الله فإنه من أحكامه أيضا الغني عن العالمين كما أنه من أحكامه ظهور العالم و حبه سبحانه لذلك الظهور و الغني عن العالم لا يفرح بالعالم و الله يفرح بتوبة عبده فالاسم الله تعلم مرتبته و لا يتمكن ظهور حكمه في العالم لما فيه من التقابل و هذه مسألة عظيمة جليلة القدر صعبة التصور في الإلهيات فإن الشيء إذا اقتضى أمرا لذاته فمن المحال أن تتصف الذات بالغنى عن ذلك الأمر كما لا تتصف بالافتقار إليه و قد ورد الغني عن العالمين فإن جعلناه غنيا عن الدلالة كأنه يقول ما أوجدت العالم ليدل علي و لا أظهرته علامة على وجودي و إنما أظهرته ليظهر حكم حقائق أسمائي و ليست لي علامة على سوائي فإذا تجليت عرفت بنفس التجلي و العالم علامة على حقائق الأسماء لا علي و علامة أيضا على أني مستنده لا غير فالعالم كله ذو أنس بالله و لكن بعضه لا يشعر أن الأنس الذي هو عليه هو بالله لأنه لا بد أن يجد أنسا بأمر ما بطريق الدوام أو بطريق الانتقال بأنس يجده بأمر آخر و ليس لغير الله في الأكوان حكم فأنسه لم يكن إلا بالله و إن كان لا يعلم و الذي ينظر فيه أنه آنس به فذلك صورة من صور تجليه و لكن قد يعرف و قد ينكر فيستوحش العبد من عين ما أنس به و هو لا يشعر لاختلاف الصور فما فقد أحد الأنس بالله و لا استوحش أحد إلا من الله و الأنس مباسطة و الاستيحاش انقباض و أنس العلماء بالله إنما هو أنسهم بنفوسهم لا بالله إذ قد علموا أنهم ما يرون من الله سوى صورة ما هم عليه و لا يقع أنس عندهم إلا بما يرون و غير العارفين لا يرون الأنس إلا بالغير فتدركهم الوحشة عند انفرادهم بنفوسهم و كذلك الاستيحاش إنما يستوحشون من نفوسهم لأن الحق مجلاهم فهم بحسب ما يرونه فيهم بل فيه من أحوالهم فيقع الحكم فيهم بالأنس أو بالوحشة و حقيقة الأنس إنما تكون بالمناسب فمن يقول بالمناسبة يقول بالأنس بالله و من يقول بارتفاع المناسبة يقول لا أنس بالله و لا وحشة منه و كل واحد بحسب ذوقه فإنه الحاكم عليه و من له الإشراف من أمثالنا على المقامات و المراتب ميز و عرف كل شخص من أين تكلم و من نطقه و أنه مصيب في مرتبته غير مخطئ بل لا خطأ مطلقا في العالم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الأربعون و مائتان في الأنس»
الأنس بالأنس لا بالصور يجمعنا فاحذر فإنك ممكور و مخدوع
لا تقف ما لست تدريه و تجهلهفإن ودك مفروق و مجموع
أنت الإمام و لكن فيك حكمتهتعطي بأنك مخلوق و مصنوع
فكيف يأنس من تفني شواهدهأكوانه و هو في الأسماع مسموع