قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الثمانون في تقوى الحدود الدنياوية)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

اعلم وفقك الله‏

المتقون حدود الله أفراد بهذه الدار و الأفراد آحاد
إن الحدود إذا حققت صورتها برازخ و هي في التحقيق إشهاد
فلتتقي حدك الرسمي أن له غورا و في غور ذاك الغور إلحاد
وقف لدى حظك الذاتي تحظ بما حظي به من له سعد و إسعاد
الفقر و العجز في دنيا و آخرة فغاية القرب قرب فيه إبعاد
هذي طريقة أقوام لهم همم فازوا بها و بها على الورى سادوا

قال الله تعالى وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقابِ و أي عقوبة أشد من عقوبة تعم المستحق بها و غير المستحق و الظالم و غير الظالم و البري‏ء و الفاعل و هي هذه الحدود الدنيوية لأنها دار امتزاج و نطفة أمشاج فتعم عقوبتها لعدم التمييز و حدود الآخرة ليست كذلك فإنها دار تمييز فلا تصيب العقوبة إلا أهلها فلو كانت نشأة الآخرة من نطفة أمشاج كما ذهب إليه ابن قسي لعمت العقوبة أهلها و غير أهلها و من هنا إن نظرت تعرف نشأة الآخرة أنها على غير مثال سبق كما أن نشأة الدنيا على غير مثال سبق و هو قوله وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى‏ فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ أنها كانت على غير مثال و لهذا أتى بكلمة التحضيض‏ و هذه الفتنة العامة و العقوبة الشاملة و الحدود المتداخلة من صفة قوله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فإن ظاهرها لا يقتضي العدل و باطنها يقتضي الفضل الإلهي ففي الآخرة لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ و هنا ليس كذلك في عموم صورة العقوبة و لكن ما هي في البري‏ء عقوبة و إنما هي فتنة و في الظالم عقوبة لأنها جاءته عقيب ظلمه فما يستوجبها البري‏ء و لكن حكم الدار عليه كما يحكم على أهل دار الكفر الدار و إن كان فيها من لا يستحق ما يستحقه الكفار قال تعالى وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ و النبي صلى الله عليه و سلم قد جعل مولى القوم منهم في الحكم‏ و ما هو منهم في نفس الأمر جعلنا الله ممن عامله بفضله و لم يطلبه بواجب حقه‏ إذا قال الله في حق من اصطفاه من عباده إنه ظالِمٌ لِنَفْسِهِ حيث حمل الأمانة و هذا هو ظلم المصطفين من عباد الله لا ظلم يتعدى الحدود الإلهية فإنه من يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لأن لنفسه حدا تقف عنده و هي عليه في نفسها و ذلك الحد هو عين عبوديتها و حد الله هو الذي يكون له فإذا دخل العبد في نعت الربوبية و هو الله فقد تعدى حدود الله وَ من يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأن حد الشي‏ء يمنع ما هو منه أن يخرج منه و ما ليس منه أن يدخل فيه هذه هي الحدود الذاتية فمن يتقيها فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فوصفهم بالتقوى إذا لم يتعدوها و جعلوها وقاية لهم‏ و ليس بأيدينا من الحدود الذاتية لله شي‏ء و الذي عندنا إنما هي الحدودالرسمية و لهذا اجترأ العباد عليها و تعدوها و منها عوقبوا كما إذا أدخلهم الحق صاحب الحد فيما هو له لم يتصف بالظلم فما استوجب عقوبة و لما كان حدا رسميا قبل العبد الدخول فيه فإن دخل فيه بنفسه من غير إدخال صاحبه فقد عرض نفسه للعقوبة فصاحب الحد بخير النظرين إن شاء عاقب و إن شاء عفا و إن شاء أثنى كالمتصف بالكرم و العفو و الصفح و هذه كلها حدود رسمية للحق‏ فاعلم ما نبهتك عليه من العلم الغريب في هذه المسألة فإنها من لباب المعرفة بالله و أما حدود الله اللفظية فما حجر منها شيئا سوى كلمة الله و اختلفوا في كلمة الرحمن بالألف و اللام و كذلك أيضا لم يتسم أحد بالرحمن الرحيم على أن يكون من الأسماء المركبة مثل بعل بك و رام‏هرمز و بلال‏آباذ و الحماية لهذا الاسم لم يكن عن أمر إلا هي مشروع و إنما كانت حماية غيبية أغفل الله عن التسمية بهذا الاسم المركب الناس و يكفي هذا القدر من تقوى الحدود