قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الأربعون و مائتان في الصحو»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الصحو يأتي بعين العلم و الأدب‏ إن لم يكن صيلما للحكم و السبب‏
و وارد الصحو أقوى عند طائفةمن وارد السكر إذ يغني عن الطرب‏
و اللهو تحيا به كل النفوس و مافي وارد الصحو من لهو و من لعب‏
لذاك قواه أقوام و أضعفهقوم و عندي فحكم الوقت للنسب‏

اعلم أن الصحو عند القوم رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي و اعلم أنهم قد جعلوا في حد السكر أنه وارد قوي و كذلك الصحو أنه وارد قوي و ما قالوا إنه أقوى و ذلك أن المحل الموصوف بالسكر و الصحو لهذين الواردين مع استوائهما في القوة فيتمانعان بل وارد السكر أولى فإنه صاحب المحل فله المنع و لكن لا يتمكن لورود وارد على محل إلا بنسبة و استعداد من المحل يطلب بتلك النسبة أو الاستعداد ذلك الوارد المناسب و إن تساوت الواردات فإذا جاء الوارد و في المحل غيره فوجد النسبة و الاستعداد يطلبه حكم عليه و أزال عنه حكم الوارد الآخر الذي كان فيه لا لقوته و ضعف الآخر بل للنسبة و الاستعداد و اعلم أنه لا يكون صحو في هذا الطريق إلا بعد سكر و أما قبل السكر فليس بصاح و لا هو صاحب صحو و إنما يقال فيه ليس بصاحب سكر بل يكون صاحب حضور أو بقاء و غير ذلك ثم اعلم أن صحو كل سكران بحسب سكره على ميزان صحيح فلا بد أن يأتي بعلم محقق استفاده في غيبة سكره فإن كان صحوه صيلما فما كان قط سكران سكر الطريق إذ العلم شرط في الصاحي من السكر هكذا هو طريق أهل الله لأن الجود الإلهي ما فيه بخل و لا في قدرته عجز فإذا صحا كتم ما ينبغي أن يكتم و أذاع ما ينبغي أن يذاع و قوله في حال صحوه مقبول لأنه شاهد عدل و قول السكران و إن كان شاهد عدل فإنه لا يقبل إذا ناقض قول الصاحي و إن كان حقا و لكن إذا قيل الحق في غير موطنه لم يقبل و ربما عاد وباله على قائله مع كونه حقا إذ كل قول حق لا يكون محمودا عند الله و هذا معلوم مقرر في شرع الله في العموم و الخصوص كالشبلي و الحلاج فقال الشبلي شربت أنا و الحلاج من كأس واحد فصحوت و سكر فعربد فحبس حتى قتل و الحلاج في الخشبة مقطوع الأطراف قبل أن يموت فبلغه قول الشبلي فقال هكذا يزعم الشبلي لو شرب ما شربت لحل به مثل ما حل بي أو قال مثل قولي فقبلنا قول الشبلي و رجحناه على قول الحلاج لصحوه و سكر الحلاج فالصحو بالله و السكر بالله لا بد فيه من علم بالله و ما لا يعطي علما فليس بصحو الطريق و لا سكره و قد تقدم تقسيم السكر فذلك التقسيم يرد على الصحو فإنه لكل سكر صحو إن لم يمت صاحب السكر في حال سكره فيكون صحوه في‏البرزخ و منهم من يبقى على سكره في البرزخ إلى البعث‏ و اعلم أنه إن تقدم للعبد سكر طبيعي أو عقلي ثم أزالهما أو أحدهما السكر الإلهي فالسكر الإلهي صحو من هذا السكر الذي كان في المحل و إن لم يتقدم لصاحب السكر الإلهي في المحل سكر عقلي و لا طبيعي فليس سكره الإلهي بصحو بل هو حال سكر ورد عليه و معنى الصحو أنه ينكشف له حق الله في الأمور التي استفادها في حال سكره فيعلم عند صحوه ما ينبغي أن يذاع منها في العموم و الخصوص و ما ينبغي أن يستر فإن كان قد أذاع منها في حال سكره شيئا فيعطيه الصحو أن يستغفر الله من ذلك و عذره مقبول و إنما يستغفر لأن السكران لا بد أن يبقى فيه من الإحساس ما يكون معه الطرب فلو لم يبق معه إحساس لكان مثل النائم يرتفع عنه القلم أي لا يلزمه الاستغفار و هذا الفرق بين السكران و المجنون و إن كان كل واحد منهما من أهل الإحساس فإن المجنون ارتفع عنه الحكم و لم يرتفع عن السكران و من حاله الاستغفار مما ظهر منه ما هو مثل حال من لم يقع منه ما يوجب الاستغفار فإن الاستغفار عندنا في طريق الله يكون في مقامين المقام الواحد ما ذكرناه و هو أن يبدو منه ما ينبغي أن يكون مستورا فيجب عليه الاستغفار من ذلك و قد يقع الاستغفار ممن لم يبد منه شي‏ء يوجب الاستغفار فيستغفر من هذا مقامه أي يطلب أن يستره الله في كنف عنايته أن يحكم عليه حال من شأنه إذا لم يستره الله في كنف عنايته أن يبدو منه بحكم ذلك الحال ما ينبغي أن يستر و هذا هو المقام الثاني الذي لأهل الاستغفار فيبتدءون بطلب الستر من الله عن حكم حال يوجب عليهم الاعتذار من وقوعه و هذا هو استغفار الأكابر من الرجال المعصومين و لذلك ما سمع من نبي قط في حال نزول الوحي عليه كلام حتى يسرى عنه فإذا صحا حينئذ يخبر بما يجب و لهذا ما نقل عن نبي قط أنه ندم على ما قاله مما أوحي إليه فيه و أما ما كان عن نظر من غير وارد وحي فقد يمكن أن يرجع عن ذلك و يندم على ما جرى منه في ذلك و قد وقع منه مثل هذا في أسارى بدر و سوق الهدى في حجة الوداع و غير ذلك و لما كان في الصحو انكشاف لمراتب الأمور قدمناه في الفضيلة على السكر أي صاحبه مقبول الحكم لمعرفته بالمواطن و إن كان السكران صاحب حق أ لا ترى الصحو في السماء إذا أصحت أي زال غيمها و انكشفت لتعطي الشمس من حرارتها لما يخرج من الأرض من النبات و تسخين العالم لأن لها أثرا في ذلك كما أعطى الغيم ما في قوته من الرطوبة في الأرض لأجل ذلك النبات فأفاد حال السكر و حال الصحو في الطبيعة فإذا لم تقع فائدة عند السكران في الطريق و لا عند الصاحي منه فما هو من أهل الطريق بل يكون كالصحو الذي معه القحط المسمى صيلما و هو الذي أشرنا إليه في الأبيات في أول هذا الباب فصحو السكر كله أدب و علم و الناس فيه متفاضلون تفاضلهم في السكر

فكل سكر له احتكام و كل صحو له ثبات‏

و اعلم أن من الصاحين من يصحو بربه و منهم من يصحو بنفسه و الصاحي بربه لا يخاطب في صحوه إلا ربه و لا يسمع إلا منه فلا يقع له عين إلا على ربه في جميع الموجودات و هو على أحد مقامين إما أن يكون يرى الحق من وراء حجاب الأشياء بطريق الإحاطة مثل قوله وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ و إما أن يرى الحق عين الأشياء و هنا ينقسم رجال الله على قسمين قسم يرى الحق عين الأشياء في الأحكام و الصور و قسم يرى الحق عين الأشياء من حيث ما هو قابل لحكم الصور و أحكامها لا من حيث عين الصور فإن الصور من جملة أحكام الأعيان الثابتة فتختلف أحوال رجال الله في صحوهم بالله و أما من صحا بنفسه فإنه لا يرى إلا أشكاله و أمثاله و يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ خاصة و لا يعطي مقامه و لا حاله أن يتم الآية ذوقا و إن تلاها و هو قوله وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و صاحب الذوق الأول يقول وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ذوقا و تلاوة فيرى صاحب صحو النفس أن الحق في عزلة عنه كما يراه من جعله في قبلته إذا صلى و لا يراه أنه هو المصلي و هذا القدر من الإشارة في معرفة الصحو كاف و الصحو و السكر من الألفاظ المحجورة المختصة بالأكوان فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏