قال تعالى وَ أَنْهارٌ من خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ و هو علم الأحوال و لهذا يكون لمن قام به الطرب و الالتذاذ و أما حدهم له بأنه غيبة بوارد قوي فما هو غيبة إلا عن كل ما يناقض السرور و الطرب و الفرح و تجلى الأماني صورا قائمة في عين صاحب هذا الحال و رجال الله تعالى في حال السكر على مراتب نذكرها إن شاء الله فسكر طبيعي و هو ما تجده النفوس من الطرب و الالتذاذ و السرور و الابتهاج بوارد الأماني إذا قامت الأماني له في خياله صورا قائمة لها حكم و تصرف يقول شاعرهم
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق و السرير
فإنه كان يرى ملكه لذينك غاية مطلوبه فلما سكر قامت له صورة الخورنق و السرير ملكا له يتصرف فيه في حضرة تخيله و خياله أعطاه إياه حال السكر فإن له أثرا قويا في القوة المتخيلة قالوا قفون من أهل الله مع الخيال لهم هذا السكر الطبيعي فإنهم لا يزالون يراقبون ما تخيلوا تحصيله من الأمور المطلوبة لهم من الله حتى يتقوى عندهم ذلك و يحكم عليهم مثل
قوله عليه السلام اعبد الله كأنك تراه و قوله صلى الله عليه و سلم أيضا إن الله في قبلة المصلي و قول الصاحب لرسول الله صلى الله عليه و سلم و قد سأله صلى الله عليه و سلم عن حقيقة إيمانه حين قال أنا مؤمن حقا فقال رضي الله عنه كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا يعني في يوم القيامة فجاء بما تعطيه حضرة الخيال فإذا تقوى مثل هذا التخيل أسكر النفس و قامت له صورة ما تخيل ينظر إليها بعينه و يخبر عنها كرؤية صاحب الرؤيا سواء و تلقي إليه و يصغي إليها و هو لا يعلم أنه يخاطب و يشاهد صورة خيالية بل يقطع أن ذلك شهود حسي فإذا صحا من ذلك السكر ارتفع عنه ذلك الأمر من حيث صورته مع بقاء تخيله عند بعض الناس ممن يتذكر ذلك في الذهن كما يرتفع عنه صورة ما رأى في النوم بالانتباه و من أهل هذا المقام من يبقي الله له تلك الصورة المتخيلة في حال صحوه فيثبتها له محسوسة بعد ما كانت متخيلة كالجنة التي خيلها إبليس في الخيال المنفصل لسليمان عليه السلام ليفتنه بها و لا علم لسليمان عليه السلام بذلك فسجد شكر الله تعالى حيث أتحفه بها فأبقاها الله له جنة محسوسة يتنعم بها و رجع إبليس خاسرا لأنه أراد بذلك فتنته و ما علم أن أهل الله إذا وقع لهم مثل هذا أنه يحدث ذلك عبادة لله عندهم هذا و المخيل عدو فكيف حالهم إذا كان خيالهم منهم و ليسوا بأعداء نفوسهم فإنهم يسعون في خلاصها و نجاتها فإذا كان سكرهم الطبيعي أثمر لهم مثل هذا فما ظنك بما فوقه من مراتب الإسكار و أما السكر العقلي فهو شبيه بالسكر الطبيعي في رد الأمور إلى ما تقتضيه حقيقته لا إلىما يقتضيه الأمر في نفسه و يأتي الخبر الإلهي عن الله لصاحب هذا المقام بنعوت المحدثات إنها نعت لله فيأبى قبولها على هذا الوجه لأنه في سكرة دليله و برهانه فيرد ذلك الخبر لما يقتضيه نظره مع جهله بذات الحق و هل تقبل هذا النعت أو لا تقبله بل تخيل أنها لا تقبله فيمد رجله هذا العقل لسكره في غير بساطه فوقع في الحق بسكره و يعذره الحق في ذلك لأن السكران غير مؤاخذ بما ينطق فجرد عن الله ما نسبه الحق لنفسه فإذا صحا هذا العاقل عن سكره بالإيمان لم يرد الخبر الصدق و القول الحق و قال إن الحق أعلم بنفسه و بما ينسبه إليه من العقل فإن العقل مخلوق و المخلوق لا يحكم على الخالق فإنه ما من مصنوع إلا و يجهل صانعه فإن الشقة تجهل صانعها و هو الحائك كذلك الأركان مع الأفلاك و كذلك الأفلاك مع النفس و النفس مع العقل و كذلك العقل مع الله و غاية ما علم من علم منهم افتقاره إليه و استناده في وجوده إلى صانعه و لا يحكم عليه بشيء و لا سيما إن أخبر الصانع عن نفسه بأمور فليس للمصنوع إلا قبولها فإن ردها فلسكر قام به فخمره الذي يشرب إنما هو دليله و برهانه و يقويه على ذلك ما تعطيه بعض الأخبار الإلهية من النعوت في حقه الموافقة لبرهانه و دليله فهذا سكر عقلي فالسكر الطبيعي سكر المؤمنين و السكر العقلي سكر العارفين و بقي سكر الكمل من الرجال و هو السكر الإلهي الذي
قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم زدني فيك تحيرا و السكران حيران فالسكر الإلهي ابتهاج و سرور بالكمال و قد يقع في التجلي في الصور سكر بحق قال بعضهم
و أسكر القوم دور كأس و كان سكرى من المدير
فمن أسكره الشهود فلا صحو له البتة و كل حال لا يورث طربا و بسطا و إدلالا و إفشاء أسرار إلهية فليس بسكر و إنما هو غيبة أو فناء أو محق و لا يقاس سكر القوم في طريق الله على سكر شارب الخمر فإنه ربما أورث بعض من يشربه غما و بكاء و فكرة و ذلك لما يقتضيه مزاج ذلك الشارب و يسمونه سكران و مثل هذا لا يكون في سكر الطريق و قليل من الناس من يفرق بين الحيوان و السكران و عندنا في العلم الطبيعي أن شارب الخمر إذا أورثه غما و بكاء و حزنا و فكرة و إطراقا لما يقتضيه طبعه و مزاجه فليس بسكران و لا هو صاحب سكر فإن بعض الأمزجة لا تقبل السكر و لا أثر له فيها فغيبة السكران ليست عن إحساسه و إنما غيبته عن مقابل الطرب لا غير و نظير هؤلاء الذين لا يطربون نظير أصحاب الفكرة و الغيبة و الفناء و يفارق السكر سائر الغيبات لأن الصحو لا يكون إلا عن سكر و السكر يتقدم صحوه و ليس الحضور مع الغيبة كذلك و لا الفناء مع البقاء كذلك لكنه مثل الصعق مع الإفاقة و النوم مع اليقظة فإن النوم مقدم على الانتباه و الغشية متقدمة على الإفاقة و إنما ذكرنا هذا التفصيل من أجل مذهبهم في حد السكر أنه غيبة بوارد قوي فأطلقوا عليه اسم الغيبة فيتخيل من لا ذوق له أن حكمه حكم الغيبة فيقيس فيخطئ في تربيته للمريد إن كان من المتشيخين فيلتبس عليه الأمر فلا يفرق في حال المريد بين سكره و غيبته و فنائه و السكران في هذا الطريق لا يغيب عن إحساسه فإن غاب كما يراه الحنفيون في سكر شارب الخمر فقد انتقل عندنا من حال السكر إلى حال فناء أو غيبة أو محق و لم يعقب سكره صحو بل انتقل من حال سكر إلى حال فناء أو غيره من الأحوال المغيبة عن بعضه أو كله و لا يتخيل أن السكر لما كان على هذه المراتب المتميزة أنه يمكن أن يكون لصاحب هذه الحال سكران أو يجمعها كلها لما هو عليه من الحقائق كما قررنا في بعض المسائل من جمع الإنسان لأمور كثيرة لحقائق تطلبها منه و لا سيما و قد أنشد بعض من أسكره الخمر و الهوى فقال
سكران سكر هوى و سكر مدامة فتى يفيق فتى به سكران
فأخبر أنه قام به سكران و سكر هل الله ليس كذلك فإن المعرفة تمنع منه فإن السكران الإلهي لا يتمكن أن يكون له السكر العقلي فإن الشهود يمنع من ذلك و السكران بالسكر العقلي لا يتمكن له أن يتمكن منه السكر الطبيعي فإن دليله ينفيه فإنه إذا كان يرد حكم السكر الإلهي فكيف يقبل حكم السكر الطبيعي و إنما السكران من أهل الله يرتقي في سكره من سكر إلى سكر لا يجمع بينهما مثل ما قال هذا الشاعر و ما استشهد به في الطريق إلا صاحب قياس لا صاحب ذوق فمن أسكره السكر الطبيعي ثم جاءه السكر العقلي فإن السكر الطبيعي يفارق المحل بالضرورة و يزول حكمه عن صاحبه و ما هو الأمر في هذه الإسكارات بالتدريج قد يوهب الإنسان السكر ابتداء أعني السكر الإلهي فلا يمكن أن يكون له ذوق السكرالعقلي أبدا لكنه قد يكون له العلم به و بمرتبته من غير أن يكون له أثر فيه و هو الذوق و قد يوهب السكر العقلي ابتداء ذوقا فلا يتمكن له أن يكون له ذوق في السكر الطبيعي لكن قد يتنقل إلى السكر الإلهي ذوقا فيزول عنه حكم السكر العقلي ذوقا و حالا و يبقى له العلم به من طريق الذوق لأنه قد تقدمه ذوقه قبل أن ينتقل فهكذا هو الأمر في سكر أهل الطريق في الإلهيات و أما في غير الإلهيات فقد يمكن أن يجمع بين السكرين في الصورة و إذا حققت الأمر فيه وجدته على خلاف ذلك فإنه قد يتخيل في الإنسان أنه إذا علم شيئا فهو صاحب ذوق له و ليس الأمر كذلك فإن الذوق لا يكون إلا عن تجل و العلم قد يحصل بنقل الخير الصادق الصحيح فهكذا فلتعرف طريق الله يا ولي فقد أعطيتك ميزان الأمور في هذه المقامات و أريتك مستندها و ما تجد هذا البيان في غير هذا الكتاب في كلام هذه الطائفة إلا أن تكون إشارات منهم إلى ذلك في بعض ما ينقل عنهم فإنهم عالمون به ضرورة إذا كانوا أصحاب ذوق و هم أصحاب ذوق إذ لا يكون منهم إلا من هو صاحب ذوق فالطبع يشهده فيسكر و العقل يشهده فيسكر و السر يشهده فيسكر و لا تجتمع هذه الإسكارات أبدا لا حد في وقت واحد و إن كان الكل من أهل الله كما أن الظالم لنفسه ما هو مقتصد فيما هو ظالم و لا سابق فيما هو مقتصد مع كون كل واحد منهم مصطفى من ورثة الكتاب الإلهي بل يعطي الكشف الصحيح أنه لا يكون ظالما لنفسه من ذاق الاقتصاد و كذا ما بقي من غير تقييد فإن حكم الأذواق في الأمور و حصول العلم عنها ما هو مثل حكم سائر الطرق فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ