اعلم أن أصول أحكام الشرع المتفق عليها ثلاث الكتاب و السنة المتواترة و الإجماع و اختلف العلماء في القياس فمن قائل بأنه دليل و أنه من أصول الأحكام و من قائل بمنعه و به أقول قال الله تعالى وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و قال إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و قال اتَّقُوا الله وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ من رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ به وَ يَغْفِرْ لَكُمْ مثل قوله في عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً فجعل إعطاءه العلم عبده من رحمته و التقوى عمل مشروع لنا فلا بد أن تكون التقوى نسبة حكمه إلى دليل من هذه الأدلة أو إلى كلها في أي مسألة يلزمنا فيها تقوى الله قال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة و هما الأصلان الفاعلان و الإجماع و القياس إنما يثبتان و تصح دلالتهما بالكتاب و السنة فهما أصلان في الحكم منفعلان فظهرت عن هذه الأربع الحقائق نشأة الأحكام المشروعة التي بالعمل بها تكون السعادة فإن الموجودات ظهرت عن أربع حقائق إلهية و هي الحياة و العلم و الإرادة و القدرة و الأجسام ظهرت عن أربع حقائق عن حرارة و برودة و يبوسة و رطوبة و المولدات ظهرت عن أربعة أركان نار و هواء و ماء و تراب و جسم الإنسان و الحيوان ظهر عن أربعة أخلاط صفرا و سودا و دم و بلغم فالحرارة و البرودة فاعلان و الرطوبة و اليبوسة منفعلتان فاعلم و لما كان من لا يؤمن بالشرائع المنزلة يشاركنا بالرياضة و المجاهدة و تخليص النفس من حكم الطبيعة يظهر عليه الاتصال بالأرواح الطاهرة الزكية و يظهر حكم ذلك الاتصال عليه مثل ما يظهر من المؤمنين العاملين منا بالشرائع المنزلة بما وقع من التشبيه و الاشتراك فيما ذكرناه عند عامة الناس و نطقنا بالعلوم التي يعطيها كشف الرياضة و إمداد الأرواح العلوية و انتقش في هذه النفوس الفاضلة جميع ما في العالم فنطقوا بالغيوب قال الجنيد علمنا هذا و إن وقع فيه الاشتراك بيننا و بين العقلاء فأصل رياضتنا و مجاهدتنا و أعمالنا التي أعطتنا هذه العلوم و الآثار الظاهرة علينا إنما كان من عملنا على الكتاب و السنة فهذا معنى قوله علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة و تتميز يوم القيامة عن أولئك بهذا القدر فإنهم ليس لهم في الإلهيات ذوق فإن فيضهم روحاني و فيضنا روحاني و إلهي لكوننا سلكنا على طريقة إلهية تسمى شريعة فأوصلتنا إلى المشرع و هو الله تعالى لأنه جعلها طريقا إليه فاعلم ذلك و لما كان شرع الله و حكمه في حركات الإنسان المكلف لا يؤخذ إلا من القرآن كذلك لم توجد إلا بالمتكلم به و هو الله تعالى فقال للشيء كن فكان فالقرآن أقوى دليل يستند إليه أو ما صح عن رسول الله ص الذي قام الدليل على صدقه أنه مخبر عن الله جميع ما شرعه في عبيد الله و قد يكون ذلك الخبر إما بإجماع من الصحابة و هو الإجماع أو من بعضهم بنقل العدل عن العدل و هو خبر الواحد و بأي طريق وصل إلينا فنحن متعبدون بالعمل به بلا خلاف بين علماء الإسلام و لهذا يقول أهل الأصول في الإجماع إنه لا بد أن يستند إلى نص و إن لم ينطق به و أما القياس فمختلف في اتخاذه دليلا و أصلا فإن له وجها في المعقول ففي مواضع تظهر قوة الأخذ به على تركه و في مواضع لا يظهر ذلك و مع هذا فما هو دليل مقطوع به فأشبه خبر الآحاد فإن الاتفاق على الأخذ به مع كونه لا يفيد العلم و هو أصل من أصول إثبات الأحكام فليكنالقياس مثله إذا كان جليا لا يرتاب فيه و عندنا و إن لم نقل به في حقي فإني أجيز الحكم به لمن أداه اجتهاده إلى إثباته أخطأ في ذلك أو أصاب فإن الشارع أثبت حكم المجتهد و إن أخطأ و أنه ما جور فلو لا أن المجتهد استند إلى دليل في إثبات القياس من كتاب أو سنة أو إجماع أو من كل أصل منها لما حل له أن يحكم به بل ربما يكون في حكم النظر عند المنصف القياس الجلي أقوى في الدلالة على الحكم من خبر الواحد الصحيح فإنا إنما نأخذه بحسن الظن برواته و لا نزكيه علما على الله فإن الشرع منعنا أن نزكي على الله أحدا و لنقل أظنه كذا و أحسبه كذا و القياس الجلي يشاركنا فيه النظر الصحيح العقلي و قد كنا أثبتنا بالنظر العقلي الذي أمرنا به شرعا في قوله أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ من جِنَّةٍ و في القرآن من مثل هذا كثير فقد اعتبر الشارع حكم النظر العقلي في إثبات وجود الله أو لا و هو الركن الأعظم ثم اعتبره في توحيده في ألوهته فكلفنا النظر في أنه لا إله إلا الله بعقولنا ثم نظرنا بالدليل العقلي ما يجب لهذا الإله من الأحكام ثم نظرنا بالنظر العقلي الذي أمرنا به في تصديق ما جاء به هذا الرسول من عنده إذ كان بشرا مثلنا فنظرنا بالعقول في آياته و ما نصبه دليلا على صدقه فأثبتناه و هذه كلها أصول لو انهد ركن منها بطلت الشرائع و مستند ثبوتها النظر العقلي و اعتبره الشرع و أمر به عباده و القياس نظر عقلي أ ترى الحق يبيحه في هذه المهمات و الأركان العظيمة و يحجزه علينا في مسألة فرعية ما وجدنا لها ذكرا في كتاب و لا سنة و لا إجماع و نحن نقطع أنه لا بد فيها من حكم إلهي مشروع و قد انسدت الطرق فلجأنا إلى الأصل و هو النظر العقلي و اتخذنا قواعد إثبات هذا الأصل كتابا و سنة فنظرنا في ذلك فأثبتنا القياس أصلا من أصول أدلة الأحكام بهذا القدر من النظر العقلي حيث كان له حكم في الأصول فقسنا مسكوتا عنه على منطوق به لعلة معقولة لا يبعد أن تكون مقصودة للشارع تجمع بينهما في مواضع الضرورة إذا لم نجد فيه نصا معينا فهذا مذهبنا في هذه المسألة و كل من خطأ عندي مثبت القياس أصلا أو خطأ مجتهدا في فرع كان أو في أصل فقد أساء الأدب على الشارع حيث أثبت حكمه و الشارع لا يثبت الباطل فلا بد أن يكون حقا و يكون نسبة الخطاء إلى ذلك نسبة أنه أخطا دليل المخالف الذي لم يصح عند المجتهد أن يكون ذلك دليلا و المخطئ في الشرع واحد لا بعينه فلا بد من الأخذ بقوله و من قوله إثبات القياس فقد أمر الشارع بالأخذ به و إن كان خطأ في نفس الأمر فقد تعبده به فإن للشارع أن يتعبد بما شاء عباده و هذه طريقة انفردنا بها في علمنا مع أنا لا نقول بالقياس بالنظر إلينا و نقول به بالنظر لمن أداه إليه اجتهاده لكون الشارع أثبته فلو أنصف المخالف لسكت عن النزاع في هذه المسألة فإنها أوضح من أن ينازع فيها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ثم نبين في هذا الباب ما يتعلق بأصول الأحكام عند علماء الإسلام كما علمنا في العبادات و كان الأولى تقديم هذا الباب في أول العبادات قبل الشروع فيها و لكن هكذا وقع فإنا ما قصدنا هذا الترتيب عن اختيار و لو كان عن نظر فكري لم يكن هذا موضعه في ترتيب الحكمة فأشبه آية قوله حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى بين آيات طلاق و نكاح و عدة وفاة يتقدمها و يتأخرها فيعطي الظاهر أن ذلك ليس موضعها و قد جعل الله ذلك موضعها لعلمه بما ينبغي في الأشياء فإن الحكيم من يعمل ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي و إن جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالله تعالى رتب على يدنا هذا الترتيب فتركناه و لم ندخل فيه برأينا و لا بعقولنا فالله يملي على القلوب بالإلهام جميع ما يسطره العالم في الوجود فإن العالم كتاب مسطور إلهى و إذا تعارض آيتان أو خبران صحيحان و أمكن الجمع بينهما و استعمالهما معا فلا نعدل عن استعمالهما فإن لم يمكن استعمالهما معا بحيث أن يكون في أحدهما استثناء فيجب أن يؤخذ بالذي فيه الاستثناء و إن كان في أحدهما زيادة أخذت الزيادة و عمل بها فإن لم يوجد شيء من ذلك و تعارضا من جميع الوجوه فينظر إلى التأريخ فيؤخذ بالمتأخر منهما فإن جهل التأريخ و عسر العلم به فلينظر إلى أقربهما إلى رفع الحرج في الدين فيعمل به لأنه يعضده ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و دين الله يسر و يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم و ما نهيتكم عنه فدعوه فإن تساويا في رفع الحرج فلا يسقطان و تكون مخيرا فيهما تعمل بأي الخبرين شئت أو الآيتين و إذا تعارض آية و خبر صحيح من جميع الوجوه من أخبار الآحاد و جهل التأريخ أخذ بالآية و تركنا الخبر فإن الآية مقطوع بها و خبر الواحد مظنون فإنكان الخبر متواترا كالآية و جهل التأريخ و لم يمكن الجمع بينهما كان الحكم التخيير فيهما إلا أن يكون أحدهما فيه رفع الحرج فيقدم الأخذ به و كل خبرين أو آيتين تعارضا أو آية و خبر صحيح متواترا و غير متواتر و في أحدهما زيادة حكم قبلت الزيادة و عمل بها و ترجح الأخذ بحديث الزيادة على معارضه و لا يؤخذ من الحديث إلا ما صح فإن كان المكلف مقلدا و بلغ إليه حديث ضعيف مسند إلى رسول الله ص و قد عارضة قول إمام من الأئمة أو صاحب لا يعرف دليل ذلك القول فيأخذ بالحديث الضعيف و يترك ذلك القول فإن قصاراه أن يكون في درجة ذلك القول إن كان الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح و لا يعدل عن الحديث و أما إذا صح الحديث و عارضة قول صاحب أو إمام فلا سبيل إلى العدول عن الحديث و يترك قول ذلك الإمام و الصاحب للخبر فإن كان الخبر مرسلا أو موقوفا فلا يعول عليه إلا إذا علم من التابع أنه لا يرسل الحديث إلا عن صاحب لا غير و إن لم يعين ذلك الصاحب فيؤخذ بالمرسل فإنه في حكم المسند و هو أن يقول التابع قال رسول الله ص و لا يذكر الصاحب الذي عنه رواه و يعلم أنه ممن أدرك الصحابة و صحبهم و هو ثقة في دينه و يعلم منه أنه ممن لا يرى الكذب على النبي ص في المصالح فإن علم منه ذلك لم يؤخذ بحديثه و لو أسنده و لا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام و من يفعل ذلك فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً و خرج عن دين الله و إذا ورد الخبر عن قوم مستورين لم يتكلم فيهم بجرح و لا تعديل وجب الأخذ بروايتهم فإن جرح واحد منهم بجرحة تؤثر في صدقه ترك حديثه و إن كانت الجرحة لا تتعلق بنقله وجب الأخذ به إلا شارب الخمر إذا حدث في حال سكره فإن علم أنه حدث في حال صحوه و هو ممن هذه صفته أخذ بقوله و الإسلام العدالة و الجرحة طارئة و إذا ثبتت على حد ما قلناه ترك الأخذ بحديث صاحب تلك الجرحة و لا فرق بين الأخذ بخبر الواحد الصحيح و بين المتواتر إلا إن تعارضا كما قلناه و ما أوجب الله علينا الأخذ بقول أحد غير رسول الله ص مع كوننا مأمورين بتعظيمهم و محبتهم و أما النسخ فلا أقول به على حد ما يقولون به فإنه عندنا انتهاء مدة الحكم في علم الله فإذا انتهى فجائز أن يأتي حكم آخر من قرآن أو سنة فإن سمي مثل هذا نسخا قلنا به و إذا كان الأمر على هذا فيجوز نسخ القرآن بالقرآن و بالسنة فإن السنة مبينة لأنه ع مأمور بأنه يبين للناس ما نزل إليهم و أن يحكم بما أراه الله لا بما أرته نفسه فإنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه سواء كان ذلك قرآنا أو غير قرآن و يجوز نسخ السنة بالقرآن و السنة و إذا ورد نص من آية أو خبر لا يجوز الوقوف عن الأخذ بذلك القرآن أو الخبر حتى يرى هل له معارض أم لا بل يعمل بما وصل إليه فإن عثر بعد ذلك على خبر أو آية ناسخ أو مخصص أو معمم للمتقدم كان بحكم ما وصل إليه بشروطه و هو أن يبحث عن التأريخ فإن الخاص قد يتقدم على العام كما يتقدم العام على الخاص و الأصل أن الحكم للمتأخر و إذا وردت الآية أو الخبر بلفظ ما من اللسان فالأصل أن يؤخذ بما هو عليه في لغة العرب فإن أطلقه الشارع على غير المفهوم من اللسان كاسم الصلاة و اسم الوضوء و اسم الحج و اسم الزكاة صار الأصل ما فسره به الشارع و قرره فإذا ورد بعد ذلك خبر بذلك اللفظ حمل على ما فسره به الشارع و لم يحمل على ما هو عليه في اللسان حتى يرد من الرسول في ذلك اللفظ أنه به ما هو عليه في اللسان فيعدل عند ذلك إليه في ذلك الخبر على التعيين و أوامر الشرع كلها محمولة على الوجوب و نواهيه محمولة على الحظر ما لم يقترن بالأمر قرينة حال تخرجه عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة و كذلك النهي إن اقترنت به قرينة تخرجه من الحظر إلى الكراهة فإن تعرى الأمر عن قرينة الندب أو الإباحة تعين الوجوب و كذلك النهي و قد يرد الأمر الإلهي أو النبوي على النهي برفع التحجير خاصة لا لوجوب فعل المأمور به و الإجماع إجماع الصحابة بعد رسول الله ص لا غير و ما عدا عصرهم فليس بإجماع يحكم به و صورة الإجماع أن يعلم أن المسألة قد بلغت لكل واحد من الصحابة فقال فيها بذلك الحكم الذي قال به الآخر إلى أن لم يبق منهم أحد إلا و قد وصل إليه ذلك الأمر و قال فيه بذلك الحكم فإن نقل عن واحد خلاف في ذلك فليس بإجماع أو نقل عنه سكوت فليس بإجماع و إذا وقع خلاف في شيء وجب رد الحكم فيه إلى الكتاب و الخبر النبوي فإنه خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا و لا يجوز أن يدانالله بالرأي و هو القول بغير حجة و لا برهان لا من كتاب و لا من سنة و لا من إجماع و إن كنا لا نقول بالقياس فلا نخطىء مثبته إذا كانت العلة الجامعة معقولة جلية يغلب على الظن أنها مقصودة للشارع و إنما امتنعنا نحن من الأخذ بالقياس لأنه زيادة في الحكم و فهمنا من الشارع أنه يريد التخفيف عن هذه الأمة و كان يقول اتركوني ما تركتكم و كان يكره المسائل خوفا أن ينزل عليهم في ذلك حكم فلا يقومون به كقيام رمضان و الحج في كل سنة و غير ذلك فلما رأيناه على ذلك منعنا القياس في الدين فإن النبي ص ما أمر به و لا أمر به الحق تعالى فتعين علينا تركه فإنه مما يكرهه ص و حكم الأصل أن لا تكليف و أن الله خلق لنا ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً فمن ادعى التحجير علينا فعليه بالدليل من كتاب أو سنة أو إجماع و أما القياس فلا أقول به و لا أقلد فيه جملة واحدة و أما أفعال النبي ص فليست على الوجوب فإن في ذلك غاية الحرج إلا فعل بين به أمرا تعبدنا به فذلك الفعل واجب مثل قوله صلوا كما رأيتمونى أصلي و خذوا عني مناسككم و أفعال الحج و لو لا نطقه في ذلك في بعض الأفعال لم يكن يلزمنا ذلك الفعل فإنه بشر يتحرك كما يتحرك البشر و يرضى كما يرضى البشر و يغضب كما يغضب البشر فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلا أن أمر بذلك و تعين عليه أن لا يفعل فعلا سرا بحيث لا يراه أحدكما تعين عليه فيما أمر بتبليغه أن لا يتكلم به وحده بحيث لا يسمعه أحد حتى ينقله إلى من لم يسمعه و أما شرع من قبلنا فما يلزمنا اتباعه إلا ما قرر شرعنا منه مع كون ذلك شرعا حقا لمن خوطب به لا نقول فيه بالباطل بل نؤمن بالله و رسوله و ما أنزل إليه و ما أنزل من قبله من كتاب و شرع منزل و التقليد في دين الله لا يجوز عندنا لا تقليد حي و لا ميت و يتعين على السائل إذا سأل العالم أن يقول له أريد حكم الله أو حكم رسوله في هذه المسألة فإن قال له المسئول هذا حكم الله في المسألة أو حكم رسوله تعين عليه الأخذ بها فإن المسئول هنا ناقل حكم الله و حكم رسوله الذي أمرنا بالأخذ به فإن قال هذا رأيى أو هذا حكم رأيته أو ما عندي في هذه المسألة حكم منطوق به و لكن القياس يعطي أن يكون الحكم فيه مثل الحكم في المسألة الفلانية المنطوق بحكمها لم يجز للسائل أن يأخذ بقوله و يبحث عن أهل الذكر فيسألهم على صفة ما قلنا و يتعين على كل مسلم أن لا يسأل إلا أهل الذكر و هم أهل القرآن قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و أهل الحديث فإن علم السائل أن هذا المسئول صاحب رأى و قياس فيتركه و يسأل صاحب الحديث فإن كان المسئول صاحب رأى و قياس و حديث فيسأله فإذا أفتاه تعين عليه أن يقول له هذا الحكم رأى أو قياس أو عن حديث فإن قال عن رأى أو قياس تركه و إن قال عن خبر أخذ به و لا حكم للخطإ و النسيان إلا حيث جاء في قرآن أو سنة أن يكون لهما حكم فيعمل به مثل صلاة الناسي و قتل الخطاء و كل مسكوت عنه فلا حكم فيه إلا الإباحة الأصليةو خطاب الشرع متوجه على الأسماء و الأحوال لا على الأعيان فلا يكون حكم الفرض إلا على من حاله قبول الفرض من أمر و نهي في عمل أو ترك فكل من عجز عن شيء من ذلك مما كلفه الله به بل ما هو مخاطب به إن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً و كل عمل مقيد بوقت موسعا كان أو مضيقا فلا يجوز عمله إلا في وقته لا قبله و لا بعده فإن ذلك حد الله المشروع فيه فلا يتعدى و حكم الاجتهاد في الأصول و الفروع واحد و الحق في الفروع حيث قرره الشرع و قد قرر حكم المجتهدين و لا يقرر إلا ما هو حق فكله حق و أما نسبة الخطاء إلى المجتهد الذي له أجر واحد فهو كونه لم يعثر على حكم الله أو حكم رسوله في تلك المسألة و قد تعبده الله بما انتهى إليه اجتهاده فلو لم يكن حقا عند الله بالنظر إليه لما تعبده به فإن الله لا يقر الباطل فإذا وصل إليه بعد ذلك حكم الله تعالى أو رسوله في تلك المسألة بما يخالف دليله و علم أن ذلك الحكم متأخر عن حكم دليله وجب عليه الرجوع عن ذلك الحكم الأول و لا يحل له البقاء عليه و لهذا كان من علم مالك بن أنس و دينه و ورعه أنه إذا سئل عن مسألة في دين الله يقول نزلت فإن قيل له نعم أفتى و إن قيل لم تنزل لم يفت و سببه ما ذكرنا لأن المصيب للحكم المعين في تلك المسألة واحد لا بعينه و المخطئ واحد لا بعينه و لهذا قالت العلماء كل مجتهد مصيب فأما مصيب للحكم الإلهي فيها على التعيين أو مصيب للحكم المقرر الذي أثبته الله له إذا لم يعثر على ذلك الحكم المعين و أخطأه و هذا القدر كاف في أصول أحكام الشرع في هذا الكتاب لأنه لا يحتمل الاستقصاء و أما أسرار أصول أحكام الشرع المتفق عليها و المختلف فيها فإن سر الكتاب هو ما يكون من الله للعبدبترك الوسائط كما قال كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ فهم كتاب الله و هو قول الشارع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك و قوله استفت قلبك و إن أفتاك المفتون و الكتابة ضم المعاني الإلهية بما يليق بجلاله من نسبة أسماء الله الحسنى إلى المعاني التي لنا من التخلق بتلك الأسماء أي بمعانيها أو تكون أخلاقا لنا لا تخلقا و هي نسبتها إلينا على ما يليق بنا فهو الرءوف الرحيم و قد قال في رسوله ص بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و هذا مدح و سمى نفسه بالعزيز الكريم و قد قال في بعض عباده ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ و هو ذم و كلها أسماء الله و أسماء الخلق و مدلولاتها معقولة المعنى بآثارها فيمن تسمى بها و إن كانت نسبها مختلفة فنسبتها إلى الله لا تشبه نسبتها إلى العبد فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و إن كان آثار الكريم أن يعطي و قد وجد العطاء من الله و من العبد على جهة الإنعام فإن انضم المعنى إلى المعنى من وجه فقد افترقا من وجه لأن الموصوف المسمى لا يشبه الموصوف المسمى الآخر فمن الوجه الذي يقع الاشتراك و هو الأثر من ذلك الوجه يكون كتابة لأن الكتابة الضم و بضم الحروف بعضها إلى بعض سميت كتابة و الكتيبة ضم الخيل بفرسانها بعضها إلى بعض فلو جاءوا متفرقين وحدانا ما سموا كتيبة فهو المؤمن و قد كتب في قلب عبده الايمان فأوجب له ذلك الكتاب حكما سمي به مؤمنا و ليس الاسم غير المسمى فهو الظاهر في عين الممكن و الممكن له مظهر و كل ظاهر في مظهر فقد انضم الظاهر إلى المظهر و انضم المظهر إلى الظاهر و لذلك صح أن يكون مظهرا للظاهر فيه فهذا سر أصل الأخذ بالكتاب دليلا على ثبوت الحكم و أما سر السنة في إثبات الحكم فإنه لما كان الرسول ع لا ينطق عن الهوى و أن حكمه حكم الله و هو ناقل عن الله و مبلغ عنه بما أراه الله و الله على صراط مستقيم و السنة الطريقة و الطريق لا يراد لنفسه و إنما يراد لغايته فالسنة صِراطِ الله الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ لأنها على صراطه و هو غاية صراطه فلا بد للسالك عليه من الوصول إليه فالصراط الواسطة و بوساطة استعداد المظهر بما هو عليه في نفسه حكم على الظاهر بما سمي به فهو أعطاه ذلك الاسم و ذلك الحكم صحيح فهذا صراط مستقيم فنحن إذا سألنا الحق في أمر يعن لنا كان أثر سؤالنا في الله الإجابة فسمي مجيبا فلو لا سؤالنا ما ثبت هذا الحكم و لا أطلق عليه هذا الاسم و نحن طريقة له في ذلك قال تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فما أجابه حتى دعاه فهذا سر استدلاله بالسنة و أما الإجماع فهو ما أجمع عليه الرب و المربوب في إن الله خالق و العبد مخلوق و هكذا كل إضافة فلا خلاف بين الله و بين عباده في مسائل الإضافة أين ما وجدت و كذلك في المعلومات من حيث ما هي معلومات و أما القياس عند مثبتيه فهو ظهور رب بصفة عبد و ظهور عبد بصفة رب عن أمر رب فإن لم يكن عن أمر رب فلا يتخذ دليلا على حكم أو عن حميد خلق كريم فإنه أيضا يتخذ دليلا و أما ظهور رب بصفة مربوب فلا يشترط فيه الأمر الواجب و لكن قد يكون عن دعاء و طلب و صفته صفة الأمر و المعنى مختلف و إن كان هذا مسموعا ممتثلا و الآخر كذلك و لكن بينهما فرقان فهذا حكم سر القياس في الاستدلال و هو قياس الغائب على الشاهد لحكم معقول جامع بين الشاهد و الغائب و ينسب لكل واحد من المنسوبين إليه بحسب ما يليق بجلاله و إنما قلنا بجلاله لأن الجليل من الأضداد يطلق على العظيم و على الحقير و قد انتهت أسرار أصول أحكام الشرع انتهى الجزء الرابع و التسعون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))