قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و السبعون و مائتان في معرفة منزل الحوض و أسراره من المقا

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الحوض منزل وصف الماء بالكدر‏ و هي العلوم التي تختص بالبشر
فالماء في العين صاف ما به كدرو القعر يظهر ما فيه من الكدر
و علة الرنق كون الفكر ينتجهفاطلب من العلم ما يسمو عن الفكر
إن الخيال إذا جاءته قيدهابالفكر في عالم الأجساد و الصور
و الفكر من صورها وقتا يخلصهالكنه غير معصوم من الضرر
فاطلبه بالذكر لا بالفكر تحظ بهمنزها خالصا من شائب الغير

اعلم أيها الولي الحميم نور الله بصيرتك و حسن سريرتك أن العلوم على قسمين موهوبة و هو قوله تعالى لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ و هي نتيجة التقوى كما قال تعالى وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و قال إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و قال الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ و مكتسبة و إليها الإشارة بقوله تعالى وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يشير إلى كدهم و اجتهادهم و هم أهل الاقتصاد و الضمير في أرجلهم يعود على الذين أكلوا من فوقهم و هم الذين أقاموا كتاب الله وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ و هم المسارعون في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ فمنهم من سبق بالخيرات و منهم من أقام الكتاب من رقدته فإن التأويل من العلماء أضجعه بعد ما كان قائما فجاء من و فقه الله فأقامه من رقدته أي نزهة عن تأويله و التعمل فيه بفكره فقام بعبادة ربه و سأله أن يوقفه على مراده من تلك الألفاظ التي حواها الكتاب و التعريف من المعاني المخلصة عن المواد فأعطاهم الله العلم غير مشوب قال تعالى وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يعلمهم الحق ما يؤول إليه هذا اللفظ المنزل‏المرقوم و ما أودع فيه من المعاني من غير فكر فيه إذ كان الفكر في نفسه غير معصوم من الغلط في حق كل أحد و لهذا قال وَ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا يعني بالفكر فيما أنزلته بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الأخذ منك علم ما أنزلته إلينا وَ هَبْ لَنا من لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فسأله من جهة الوهب لا من جهة الكسب و لهذا جعلنا الضمير يعود على الذين أكلوا من فوقهم يقول و من تحت أرجل هؤلاء أمم مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ و هم أهل الكسب و هم الذين يتأولون كتاب الله و لا يقيمونه بالعمل الذي نزل إليه و لا يتأدبون في أخذه و هم على قسمين القليل منهم المقتصد في ذلك و هو الذي قارب الحق و قد يصيب الحق فيما تأوله بحكم الموافقة لا بحكم القطع فإنه ما يعلم مراد الله فيما أنزله على التعيين إلا بطريق الوهب و هو الإخبار الإلهي الذي يخاطب به الحق قلب العبد في سره بينه و بينه و من لم يقتصد في ذلك و تعمق في التأويل بحيث إنه لم يترك مناسبة بين اللفظ المنزل و المعنى أو قرر اللفظ على طريق التشبيه و لم يرد علم ذلك إلى الله فيه و هم الذين قال الله فيهم في الآية عينها وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ و أي سوء أعظم من هذا و هؤلاء هم القسم الثاني و لما شاهد الرسول هذا الأمر و قد بعث رحمة بما نزل به و رأى الكثير لم تصبه هذه الرحمة و أن علة ذلك إنما كان تأويلهم بالوجهين من التشبيه أو البعد عن مدلول اللفظ بالكلية تحير في التبليغ و توقف حتى يرى هل يوجب ذلك عليه ربه أم لا فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ و قيل له فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ و قيل له لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فيما يجري منهم من خير و شر و قيل له إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ فعلم الرسول أن المراد منه التبليغ لا غير فبلغ صلى الله عليه و سلم و ما أخفى مما أمر بتبليغه شيئا أصلا فإنه معصوم محفوظ قطعا في التبليغ عن ربه ما أمر بتبليغه و ما خص به فهو فيه على ما يقتضيه نظره فالتقدير في الآية على التفسير وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أمم مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ و لهذا قال لنبيه وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ من في الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله و قال ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فأشرف العلوم ما ناله العبد من طريق الوهب و إن كان الوهب يستدعيه استعداد الموهوب إليه بما اتصف به من الأعمال الزكية المشروعة و لكنه لما لم يكن ذلك شرطا في حصول هذا العلم لذلك تعالى هذا العلم عن الكسب فإن بعض الأنبياء تحصل لهم النبوة من غير أن يكونوا على عمل مشروع يستعدون به إلى قبولها و بعضهم قد يكون على عمل مشروع فيكون ذلك عين الاستعداد فربما يتخيل من لا معرفة له أن ذلك الاستعداد لولاه ما حصلت النبوة فيتخيل أنها اكتساب و النبوة في نفسها اختصاص إلهي يعطيه لمن شاء من عباده و ما عنده خبر بشرع و لا غيره و لا يعرف من هو و لا بما هو الأمر عليه فلو كان الاستعداد ينتج هذا العلم لوجد ذلك في الأنبياء و لم يقع الأمر كذلك فإن النبوة غير مكتسبة بلا خلاف بين أهل الكشف من أهل الله و إن كان اختلف في ذلك أهل الفكر من العقلاء فذلك من أقوى الدلالات عندنا على إن الفكر يصيب العاقل به و يخطئ و لكن خطؤه أكثر من إصابته لأن له حدا يقف عنده فمتى ما وقف عند حده أصاب و لا بد و متى جاوز حده إلى ما هو لحكم قوة أخرى يعطاها بعض العبيد قد يخطئ و يصيب عصمنا الله و إياكم من غلطات الأفكار و جعلنا من الذاكرين المذكورين بفضله لا رب غيره و لنا فيما ذكرناه آنفا نظم كتبت به إلى بعض الإخوان سنة إحدى و ستمائة من مدينة الموصل في النبوة إنها اختصاص من الله تعالى و لذلك لا يشوب رائقها كدر

ألا إن الرسالة برزخية‏ و لا يحتاج صاحبها لنية
إذا أعطت بنيته قواهاتلقتها بقوتها البنية
و إن الاختصاص بها منوطكما دلت عليه الأشعرية
و هذا الحق ليس به خفاءفدع أحكام كتب فلسفيه‏

في أبيات كثيرة و لكن قصدنا إلى الأمر الذي يطلبه هذا الموضع منها و لتعلم إن سبب ظهور الأكدار إنما هو قرار الماء و سكونه لطلب الراحة من الحركة في غير موضعها و محلها و لذلك كنينا عن هذه الحالة بالحوض لأن فيه قرار الماء و سكونه و قد قلنا في باب الغزل و النسيب أصف نزاهة المعشوق في نفسه‏

روحت كل من أشب بها‏ نقلة عن مراتب البشر
غيرة إن يشاب رائقهابالذي في الحياض من كدر

أريد أن المحب إذا تعشق من صفته هذه حكم عليه هذا المعشوق فنقله إليه و كساه من ملابسه فأخرجه عن الذي يقتضيه عالم الطبيعة من كدر الشبه إذا كان المعشوق علما و الشبهات و الحرام إذا كان المعشوق عملا و الشهوات الطبيعية إذا كان المعشوق روحا مجردا عن المواد و عن البشرية إذا كان المعشوق ملكا و عما سوى الله إذا كان المحبوب هو الله فالمحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب لا من أنزل المحبوب إلى صفته أ لا ترى الحق سبحانه لما أحبنا نزل إلينا في ألطافه الخفية بما يناسبنا مما يتعالى جده و كبرياؤه عن ذلك فنزل إلى التبشبش بنا إذا جئنا إلى بيته نقصد مناجاته و إلى الفرح بتوبتنا و رجوعنا إليه من إعراضنا عنه و التعجب من عدم صبوة الشاب من الشاب الذي هو في محل حكم سلطانها و إن كان ذلك بتوفيقه و إلى نيابته عنا في جوعنا و عطشنا و مرضنا و إنزاله نفسه إلينا منزلتنا لما جاع بعض عبيده قال للآخرين جعت فلم تطعمني و لما عطش آخر من عباده قال سبحانه لعبد آخر ظمئت فلم تسقني و لما مرض آخر من عباده قال لآخر من عباده مرضت فلم تعدني فإذا سأله هؤلاء العبيد عن هذا كله يقول لهم أما إن فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده أما إنه جاع فلان فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي أما إنه عطش فلان فلو سقيته لوجدت ذلك عندي و الخبر صحيح‏ فهذا من ثمرة المحبة حيث نزل إلينا فلهذا قلنا إن الصدق في المحبة يجعل المحب يتصف بصفة المحبوب و كذا العبد الصادق في محبته ربه يتخلق بأسمائه فيتخلق بالغنى عن غير الله و بالعز بالله تعالى و بالعطاء بيد الله تعالى و بالحفظ بعين الله تعالى و قد علم العلماء التخلق بأسماء الله و دونوا في ذلك الدواوين و سبب ذلك لما أحبوه اتصفوا بصفاته على حد ما يليق بهم ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ إن العلوم و أعني بها المعلومات إذا ظهرت بذواتها للعلم و أدركها العلم على ما هي عليه في ذواتها فذلك العلم الصحيح و الإدراك التام الذي لا شبهة فيه البتة و سواء كان ذلك المعلوم وجودا أو عدما أو نفيا أو إثباتا أو كثيفا أو لطيفا أو ربا أو مربوبا أو حرفا أو معنى أو جسما أو روحا أو مركبا أو مفردا أو ما أنتجه التركيب أو نسبة أو صفة أو موصوفا فمتى ما خرج شي‏ء مما ذكرناه عن إن يبرز للعلم بذاته و برز له في غير صورته فبرز العدم له في صورة الوجود و بالعكس و النفي في صورة الإثبات و بالعكس و اللطيف في صورة الكثيف و بالعكس و الرب بصفة المربوب و المربوب بصفة الرب و المعاني في صور الأجسام كالعلم في صورة اللبن و الثبات في الدين في صورة القيد و الايمان في صورة العروة و الإسلام في صورة العمد و الأعمال في صور الأشخاص من الجمال و القبح فذلك هو الكدر الذي يلحق العلم فيحتاج من ظهر له هذا إلى قوة إلهية تعديه من هذه الصورة إلى المعنى الذي ظهر في هذه الصورة فيتعب و سبب ذلك حضرة الخيال و التمثل و القوة المفكرة و أصل ذلك هذا الجسم الطبيعي و هو المعبر عنه بالحوض في هذا المنزل و قعر هذا الحوض هو خزانة الخيال و كدر ماء هذا الحوض المستقر في قعره هو ما يخرجه الخيال و التخيل عن صورته فيطرأ التلبيس على الناظر بما ظهر له فما يدري أي معنى لبس هذه الصورة فيتحير و لا يتخلص له ذلك أبدا من نظره إلا بحكم الموافقة و هو على غير يقين محقق فيما أصاب من ذلك إلا بأخبار من الله و لهذا لما قام أبو بكر الصديق في هذا المقام و سأل تعبير الرؤيا و أمره النبي صلى الله عليه و سلم بتعبيرها فلما فرغ سأل النبي صلى الله عليه و سلم فيما عبره هل أصاب أو أخطأ فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أصبت بعضا و أخطأت بعضا فما علم الصديق إصابته للحق في ذلك من خطئه فلهذا قلنا إن المصيب في مثل هذا ليس على يقين فيما أصابه فلهذا جنح العارفون و امتنعوا أن يأخذوا العلم إلا من الله بطريق الوهب الذي طريقه في الأولياء الذكر لا الفكر فإن أعطوا المعاني مجردة و برزت لهم المعلومات بذواتها في صورها التي هي حقائقها فهو المقصود و إن أبرزها الحق لهم عند الذكر و هذا الطلب في غير صورها و حجب عنهم ذواتها أعطوا من القوة و النور النفوذ في تلك الصور إلى ما وراءها و هو الذي أريدت له هذه الصور و قيد بها فمشهوده على كل حال المعاني التي هي المقصود و هي في عالم الألفاظ و العبارات بمنزلة المنصوص و المحكم الذي لا إشكال فيه و لا تأويل و الآخر بمنزلة الظواهر التي تحمل المعاني المتعددةو ما يعرف الناظر مقصد المتكلم بها منها و اعلم أن هذه العلوم إذا أعطاها الله العبد في غير صورها و أعلمه ما أراد بها فوقف على عينها من تلك الصورة في تلك الصورة فهو المشبه بالحوض لأنه يدرك الماء و يدرك الكدر الذي في قعر الحوض و يلبس الماء و لا بد في ناظر العين لون ذلك الكدر حمرة كان أو صفرة أو ما كان من الألوان فتبصر الماء أحمر أو أصفر و غير ذلك من الألوان و لهذا قال الجنيد و قد سئل عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه و لما قبل الماء هذا اللون صار في العين مركبا من متلون و لون و هو في نفس الأمر شي‏ء آخر فيعلم الماء و يعلم أن ذلك لون الوعاء كذلك التجليات في المظاهر الإلهية حيث كانت فأما العارف فيدركها دائما و التجلي له دائم و الفرقان عنده دائم فيعرف من تجلى و لما ذا تجلى و يختص الحق دون العالم بكيف تجلى لا يعلمه غير الله لا ملك و لا نبي فإن ذلك من خصائص الحق لأن الذات مجهولة في الأصل فعلم كيفية تجليها في المظاهر غير حاصل و لا مدرك لأحد من خلق الله هذا هو العلم الذي لا ينتج غيره فهو منقطع النسل لا عقب له و ما عدا هذا من العلوم فقد يكون العلم بالنظر فيه ينتج علما آخر و لا يكون إلا هكذا و هو الأكثر بل هو الذي بأيدي الناس فإن المقدمات إن لم يحصل لك العلم بها و بما ينتج منها مما لا ينتج و بالسبب الرابط بينهما فبعد حصول هذا العلم ينتج لك العلم بما أعطاه هذا التركيب الخاص و هو التناسل الذي يكون في العلوم بمنزلة التناسل الذي يكون في النبات و الحيوان و هذا هو تناسل المعاني و لهذا قبلت المعاني الصور الجسدية لأن الأجسام محل التوالد فإن قلت فالذي يكون من العلوم لا ينتج فكان ينبغي أن لا يقبل الصورة قلنا إنما قبل الصورة من كونه نتيجة عن منتج و نتاج و هو في نفسه عقيم لا ينتج أصلا كالعقيم الذي يكون في الحيوان مع كونه متولدا من غيره و لكن لا يولد له لأنه على صفة قامت به تقتضي له ذلك و لذلك جاء الحق في تنزيه نفسه عن الأمرين فقال لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ و هذا تنزيه الذات فلا تتعلق و لا يتعلق بها و النتاج إنما وقع و ظهر في المرتبة فطلب الرب المربوب و القادر المقدور فإن قلت فإذا كان الأمر على ما ذكرت في لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ فكانت المظاهر تبطل و هي موجودة فما جوابك قلنا المظاهر للمرتبة لا للذات فلا يعبد إلا من كونه إلها و لا يتخلق بأسمائه و هي عين العبادة له إلا من كونه إلها و لا يفهم من مظاهره في مظاهره إلا كونه إلها فاعلم ذلك و لو كانت المظاهر تظهرها الذات من كونها ذاتا علمت و لو علمت أحيط بها و لو أحيط بها حدت و لو حدت انحصرت و لو انحصرت ملكت و ذات الحق تتعالى علوا كبيرا عن هذا كله فعلمنا أنه ليس بين الذات و بين هذه المظاهر نسبة يتعلق العلم بها من حيث نسبة المظهر إليها أصلا و إذا لم يحصل مثل هذا العلم في نفوس العلماء بالله و تعالى عن ذلك فأبعد و أبعد أن تعلم نسبة الذات إلى المظاهر فإن قلت إن النسبة واحدة و لكن لها طرفان من حيث الذات طرف و من حيث المظهر طرف قلنا ليس الأمر كما تظن في إن النسبة واحدة بين المتضايفين فإن نسبة الولد إلى الوالد نسبة بنوة و البنوة انفعال و نسبة الوالد إلى الولد نسبة أبوة و الأبوة فاعلية و أين أن يفعل من أن ينفعل هيهات فليست النسبة واحدة و لا لها طرفان أصلا فإنها غير معقولة الانقسام أعني هذه النسبة الخاصة و هو الطرف الذي جعلته أنت للنسبة بخيالك فذلك الطرف هو النسبة التي تذكر إذ الطرفان للشي‏ء الموصوف بهما يؤذنان بقسمته و المعنى لا ينقسم فإنه غير مركب و الذي ينتجه هذا العلم المشبه بالحياض مناجاة الحق من جهة الصدر و هو مناجاتك إياه في صدورك عنه حين أمرك بالخروج إلى عباده بالتبليغ إن كنت رسولا و بالتثبيت إن كنت وارثا و هذه المناجاة لا تكون منه إليك إلا فيك لا في غيرك فمنك تعرفه لا من غيرك لأنك الحجاب الأقرب و الستر المسدل عليه و من كونك سترا و حجابا حددته فمعرفتك به في هذا الموطن عين عجزك عن معرفته و إن شئت قلت عين الجهل به و نريد بالجهل عدم‏ العلم و أما الغير فحجاب أبعد بالنظر إليك فإن الله ما وصف نفسه إلا بالقرب إليك و هكذا قربه من غيرك إلى ذلك الغير كقربه إليك فوصفه بالقرب إليك أبعد بالنظر إلى غيرك إذا أراد العلم به منك كما أنت إذا أردت العلم به من غيرك قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فأثبت قربه إلى الأشياء و نفى العلم بكيفية قربه من الأشياء بقوله تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فعم البصيرة و البصر إذ كان إدراك البصر في الباطن يسمى بصيرة و الذات واحدة و اختلف عليها المواطن فسمى في إدراك المحسوس بصرا و في إدراك المعاني بصيرة فالمدرك واحد العين فيهما و لما كان على الحوض الذي يكون في‏الدار الآخرة كئوس كثيرة على عدد الشاربين منه و أن الماء في الإناء على صورة الإناء شكلا و لونا علمنا قطعا إن العلم بالله سبحانه على قدر نظرك و استعدادك و ما أنت عليه في نفسك فما اجتمع اثنان قط على علم واحد في الله من جميع الجهات لأنه ما اجتمع في اثنين قط مزاج واحد و لا يصح لأنه لا بد في الاثنين مما يقع به الامتياز لثبوت عين كل واحد و لو لم يكن كذلك لم يصح أن يكونا اثنين فما عرف أحد من الحق سوى نفسه فإذا عامل من تجلى له بما عامله به و قد ثبت أن عمله يعود عليه لن ينال الله من ذلك شي‏ء قال صلى الله عليه و سلم إنما هي أعمالكم ترد عليكم‏ فيكسوكم الحق من أعمالكم حللا على قدر ما حصنتموها و اعتنيتم بأصولها فمن لابس حريرا و من لابس مشاقة كتان و قطن و ما بينهما فلا تلم إلا نفسك و لا تلم الحائك فما حاك لك إلا غزلك فإن قلت كيف تقول لن ينال الله من ذلك شي‏ء و قد قال سبحانه يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ فلتعلم إن المراد بإثبات النيل هنا و عدم النيل في جانب الحق إن الله سبحانه ما يناله شي‏ء من أعمال الخلق مما كلفهم العمل فيه نيل افتقار إليه و تزين به ليحصل له لذلك حالة لم يكن عليها و لكن يناله التقوى و هو أن تتخذوه وقاية مما أمركم أن تتقوه به على درجات التقوى و منازله فقد قال فَاتَّقُوا النَّارَ و اتَّقُوا الله و قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ فمعنى يَنالُهُ التَّقْوى‏ أنه يتناولها منك ليلبسك إياها بيده تشريفا لك حيث خلع عليك بغير واسطة إذ لبسها غير المتقي من غير يد الحق و سواء كانت الخلعة من رفيع الثياب أو دنيئها فذلك راجع إليك فإنه ما ينال منك إلا ما أعطيته و إن جمع ذلك التقوى فإنه لا يأخذ شيئا سبحانه من غير المتقي فلهذا وصف نفسه بأن التقوى تناله من العباد و إنما وصف الحق سبحانه بأن التقوى تصيبه و اللحوم و الدماء لا تصيبه لما كانت الإصابة بحكم الاتفاق لا بحكم القصد أضاف النيل إلى المخلوق لأنه يتعالى أن يعلم فيقصد من حيث يعلم و لكن إنما يصاب بحكم الاتفاق مصادفة و الحق منزه أن يعلم الأشياء بحكم الإصابة فيكون علمه للأشياء اتفاقا فإذا ناله التقوى من المتقي و خدم بين يديه و جعل ذاته بين يديه مستسلما لما يفعله فيه فيخلع سبحانه عند ذلك من العلم على المتقي و من شأن هذا العلم أن يحصل من الله تعالى للعبد بكل وجه من وجوه العطاء حتى يأخذ كل آخذ منه بنصيب فمنهم من يأخذه من يد الكرم و منهم من يأخذه من يد الجود و منهم من يأخذه من يد السخاء و منهم من يأخذه من يد المنة و الطول إلا الإيثار فإنه ليس له يد في هذه الحضرة الإلهية إذ كان لا يعطي عن حاجة لكن الأسماء الإلهية لما كانت تريد ظهور أعيانها في وجود الكون و أحكامها يتخيل أن إعطاءها من حاجة إلى الأخذ عنها فتتنسم من هذا رائحة الإيثار و ليس بصحيح و إنما وقع في ذلك طائفة قد أعمى الله بصيرتهم و لذلك العارفون اتصفوا بأصناف العطاء في التخلق بالأسماء لا بالإيثار فإنهم في ذلك أمناء لا يؤثرون إذ لا يتصور الإيثار الحقيقي لا المجازي عندهم و العارف لا يقول أعطيتكم و إنما يقول أعطيتك لأنه لا يشترك اثنان في عطاء قط فلهذا يفرد و لا يجمع فالجمع في ذلك توسع في الخطاب و الحقيقة ما ذكرناه و للكلام في هذا المنزل مجال رحب لا يسعه الوقت وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

منازل الحوض و أسراره‏ مراتب العلم و أنواره‏
و هو من العلم الذي لم يزلصفاؤه شيب بأكداره‏
محله الطبع الذي رتقهيلحقه القعر بإغباره‏