قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الخامس و السبعون و مائتان في معرفة منزل التبري من الأوثان‏ من ا

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

من منازل الأمر السبعة»

منازل الأمر بالندا‏ منازل ما لها انتها
يا أي يا أي لا تفارقفكونكم ما له انقضا
و أي أي يكون منهلوجهه بيننا رآء
عساكر للحروف جاءتيضيق عن حملها الفضاء
أرماحها كلها نجومأيدها الأمر و القضاء
سفائن بحرها عميققد مخرت ريحها رخاء
فلتلتزم يا أخي علماضاق له الأرض و السماء
و لتترك الغير في عماهبمشهد ما هو العماء

اعلم أن الذلة و الافتقار لا تكون من الكون إلا لله تعالى فكل من تذلل و افتقر إلى غير الله تعالى و اعتمد عليه و سكن في كل أمره إليه فهو عابد وثن و ذلك المفتقر إليه يسمى وثنا و يسميه المفتقر إلها و ألطف الأوثان الهواء و أكثفها الحجارة و ما بينهما و لهذا قال المشركون لما دعوا إلى توحيد الإله في ألوهته أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ فالناس يحملون قوله إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ إنه من قول الكفار حيث دعاهم إلى توحيد إله و هم يعتقدون كثرتها و هو عندنا من قول الحق أو قول الرسول و أما قول الكفار فانتهى في قوله إِلهاً واحِداً و التعجب إنه يأول العقل يعلم الإنسان أن الإله لا يكون بجعل جاعل فإنه إله لنفسه و لهذا وقع التوبيخ بقوله تعالى أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ و الإله في ضرورة العقل لا يتأثر و قد كان هذا خشبة يلعب بها أو حجرا يستجمر به ثم أخذه و جعله إلها يذل و يفتقر إليه و يدعوه خوفا و طمعا فمن مثل‏هذا يقع التعجب مع وجود العقل عندهم فوقع التعجب من ذلك ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي و ضروري ذلك لتعلموا إن الأمور بيد الله و أن الحكم فيها لله و أن العقول لا تعقل بنفسها و إنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها و خالقها و لهذا تتفاوت درجاتها فمن عقل مجعول عليه قفل و من عقل محبوس في كن و من عقل طلع على مرآته صدا فلو كانت العقول تعقل لنفسها لما أنكرت توحيد موجدها في قوم و علمته من قوم و الحد و الحقيقة فيهما على السواء فلهذا جعلنا قوله تعالى إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ ليس من قول الكفار فاعلم يا أخي أن هذا المنزل هو منزل من منازل الستر و الكتمان و تقرير الألوهة في كل من عبد من دون الله لأنه ما عبد الحجر لعينه و إنما عبد من حيث نسبة الألوهة إليه و لهذا ذكرنا أنه من منازل الكتمان و الستر قال تعالى وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ من خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فما ذكروا قط إلا الألوهية و ما ذكروا لأشخاص و لكن لم يقبل الله منهم العذر بل قال إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله أي الذي انفرد بهذا الاسم حَصَبُ جَهَنَّمَ و هو قوله وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ و هو كل من دعاكم إلى عبادة نفسه أو عبدتموه و كان في وسعه أن ينهاكم عن ذلك فما نهاكم فمثل هؤلاء يكونون من حصب جهنم فالموحد يعبد الله من طريقين من طريق الذات من كونها تستحق وصف الألوهة و من طريق الألوهة فالسعيد الجامع بينهما لأن العابد مركب من حرف و معنى فالحرف للحرف و المعنى للمعنى فلذلك لم نعبد الذات معراة عن وصفها بالألوهية و لم تعبد الألوهية من غير نسبتها إلى موصوف بها فلم تقم العبادة إلا على ما نقتضيه حقيقة العبد و هو التركيب لا على ما تقتضيه حقيقة الحق و هو الأحدية و لهذا يكون القائل في عبادته وفاء لحق الله غير مصيب إذا أراد الذات فإن حقيقتها الأحدية و قد يمكن أن يصح قول من قال إنما أعبده وفاء لحق الربوبية لا لحقيقتها إذ كل حق له حقيقة فالحق من ذلك به تتعلق العبادة من العابد و الحقيقة هي الأحدية التي لا تتعلق و لا يتعلق بها و لهذا كانت الألف في الوضع الإلهي بالخط العربي إذا تقدمت في الكلمة لا تتصل و لا يتصل بها و إذا تأخرت اتصل بها بعض الحروف ممن لا علم له بالأحدية المطلقة التي تستحقها هذه الذات إلا خمسة أحرف لا غير من جميع الحروف و هي الدال و الذال و الراء و الزاي و الواو و هي خمسة أحوال من اتصف بها عرف الأحدية و كانت عبادته ذاتية لم يقترن بها أمر و هي عبادة المعنى للمعنى فإن الأمر عبادة الحرف للحرف فلا يخطر لعابد المعنى فرق بين الذات و الألوهية و لا كثرة بل يرى عينا واحدة تستحق ما هو عليه هذا العارف من حيث معناه لا من حيث حرفه و هذا مقام الجلال و العظمة و أحدية العبد التي أعطته معرفة الأحدية الذاتية و التنزيه و الغني فهذه أحوال خمسة تدل عليها الحروف الخمسة التي لا تتصل بها الألف الواقعة في أواخر الكلم مثل جبيرا و عزيزا و أحدا و إذا و علوا فدلت الألف في أول الكلمة من عدم الاتصال على قوله كان الله و لا شي‏ء معه و هو على ما عليه كان مع وجود الأشياء من عدم الاتصال كما لم تتصل الألف بالكلمة و دل عدم اتصال الحروف الخمسة بها في آخر الكلمة على حال معرفة مقام بعض العباد من العلماء بالله دون غيرهم حيث رفعوا النسبة بينهم و بين الله تعالى و أنهم مشاهدون لما ذكرناه من الجلال و العظمة و الأحدية و التنزيه و الغني و ما عدا هذه الطائفة جعلوا نسبة و رابطة بين الإله و المألوه و ما فرقوا بين المرتبة و الذات لما لم يعرفوا الله إلا من نفوسهم بحكم الدلالة لاستناد الممكن إلى المرجح فطلبوه و طلبهم و لهم من الحروف كل حرف اتصل بالألف في آخر الكلمة و لهؤلاء الأكابر أيضا قسم و حظ وافر في منزل هذه الحروف التي اتصلت من حيث حرفيتهم لا من حيث معناهم و هؤلائك جهلوا هذا القدر الفارق بينهم لكنهم ستروا ذلك عن العامة و انفردوا به عن أشكالهم يختص برحمته من يشاء و لأجل هذا قال الجنيد سيد هذه الطائفة لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق فإن هذا المقام يضر بمن ليس من أهله كما يضر رياح الورد بالجعل لأن الحال التي هم عليها لا تقبل هذا المقام و لا يقبلها فإذا رآهم الناس في العموم لم يعرفوهم لأنه ليس على حرفهم أمر ظاهر يتميز به عن العامة و إذا رآهم الناس في الخصوص كالفقهاء و أصحاب علم الكلام و حكماء الإسلام قالوا بتكفيرهم و إذا رآهم الحكماء الذين لم يتقيدوا بالشرائع المنزلة مثل الفلاسفة قالوا إن هؤلاء أهل هوس قد فسدت خزانة خيالهم و ضعفت عقولهم‏فلا يعرفهم سواهم و من اقتطعهم من خلقه إليه قال تعالى في المعنى وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و لهؤلاء حظ وافر في هذه الآية حيث جهلهم العام و الخاص و المسلم و غير المسلم فهم الضنائن المصانون بحجب الغيرة فلا يعرفهم إلا الحق و هل يعرف بعضهم بعضا فيه توقف و هم المطلوبون من العباد ألحقنا الله بهم و أرجو أن أكون منهم و أما تبري المسلم ممن استند إليه المشرك فليس تبرؤه إلا من النسبة و من المنسوب إليه لا من المنسوب فاجتمع المشرك و المسلم في المنسوب و افترقا في المنسوب إليه و النسبة و لهذا لم تضرب الجزية على المشرك و فرق بينه و بين الكفار من أهل الكتب المنزلة فإن المشرك قادح في الحق و في الكون بشركه فلم يكن له مستند يعصمه من القتل لأنه قدح في التوحيد و في الرسل و الكفار من أهل الكتاب لم يقدحوا في التوحيد و لا في الكون أعني الرسل لكن قدحوا في رسول معين لهوى أو شبهة قائمة بنفوسهم أداهم ما قام بهم إلى جحود الحق ظلما و علوا مع اليقين به و إما لشبهة قامت بهم لم يثبت صدق صاحب الدعوى عندهم فلهذا كان لهم في الجملة مستند صحيح عندهم لا في نفس الأمر يعصمهم من القتل فضربت عليهم الجزية و تركوا على دينهم ليقيموه أو يقيموا بعضه على قدر ما يوفقون إليه و هنا نكتة لمن فهم إن دينهم مشروع لهم بشرعنا حيث قررهم عليه و لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا سمع أن الروم قد ظهرت على فارس يظهر السرور في وجهه مع كون الروم كافرين به صلى الله عليه و سلم و لكن الرسول لعلمه صلى الله عليه و سلم كان منصفا لأنه علم إن مستند الروم لمن استند إليه أهل الحق لأنهم أهل كتاب مؤمنون به لكنهم طرأت عليهم شبهة من تحريف أئمتهم ما أنزل عليهم حالت بينهم و بين الايمان و الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم أو بعمومها و كلامنا مع المنصف منهم من علمائهم فعذرهم الشرع لهذا القدر الذي علمه منهم و راعى فيهم جناب الحق تعالى حيث وحدوه و ما أشركوا به حين أشرك به فارس و عبدة الأوثان و قدحت في توحيد الإله و ما يستحقه من الأحدية و هكذا حال العارفين من أهل هذا المقام و أما قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمره إيانا بمخالفة أهل الكتاب إنما هو في كونهم آمنوا ببعضه و كفروا ببعضه و أرادوا أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا فأمرنا بمخالفتهم في أمور من الأحكام معينة و فيما ذكرناه و لو أمرنا بمخالفتهم على الإطلاق لكنا مأمورين بخلاف ما أمرنا به من الايمان فلا تصح مخالفتهم على الإطلاق فهذا المراد بقوله صلى الله عليه و سلم خالفوا أهل الكتاب‏ و اعلم أن كل مشرك كافر فإن المشرك باتباع هواه فيمن أشرك و اتخذه إلها و عدوله عن أحدية الإله يسترها عن النظر في الأدلة و الآيات المؤدية إلى توحيد الإله فسمي كافرا لذلك الستر ظاهرا و باطنا و سمي مشركا لكونه نسب الألوهية إلى غير الله مع الله فجعل لها نسبتين فأشرك فهذا الفرق بين المشرك و الكافر و أما الكافر الذي ليس بمشرك فهو موحد غير أنه كافر بالرسول و ببعض كتابه و كفره على وجهين الوجه الواحد أن يكون كفره بما جاء من عند الله مثل كفر المشرك في توحيد الله و الوجه الآخر أن يكون عالما برسول الله و بما جاء من عند الله أنه من عند الله و يستر ذلك عن العامة و المقلدة من أتباعه رغبة في الرئاسة و هو الذي أراد عليه السلام بقوله في كتابه إلى قيصر فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين يعني الأتباع‏ و اعلم أن التأيه و النداء مؤذن بالبعد عن الحالة التي يدعوه إليها من يناديه من أجلها فيقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فلبعدهم مما أيه بهم أن يؤمنوا به لذلك أيه بهم فإن كانوا موصوفين في الحال بما دعاهم إليه فيتعلق البعد بالزمان المستقبل في حقهم أي اثبتوا على حالكم الذي ارتضاه الدين لكم في المستقبل كما قال يعقوب لبنيه وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في حال حياتهم فأمرهم بالإسلام في المستقبل أي بالثبوت عليه و الاستقبال بعيد عن زمان الحال فيكون التأيه أيضا بما هو موجود في الحال أن يكون باقيا في المستقبل قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هم في حال الوفاء بعقد الايمان فإنه نعتهم في تأيهه بهم بالإيمان فكان البعد في العقود إذا قبلوها متى قبلوها و اعلم أن النداء الإلهي يعم المؤمن و الكافر و الطائع و العاصي و الأرواح و الروحانيين و لا يكون النداء إلا من الأسماء الإلهية ينادي الاسم الإلهي من حكم عليه اسم إلهي غيره إذا علم أنه قد انتهت مدة حكمه فيه فيأخذه هذا الاسم الذي ناداه كذلك دنيا و آخرة فجميع من سوى الله تعالى منادى يناديه اسم إلهي لحال كوني يطلبه به ليوصله إليه فإن أجاب سمي مطيعا و كان سعيدا و إن لم يجب سمي عاصياو كان شقيا فإن قال قائل كيف يكون النداء من اسم إلهي و يقف الكون عن إجابته مع ضعفه و قبوله للاقتدار الإلهي قلنا لم تكن إبايته عن إجابته من حيث نفسه و حقيقته لأنه مقهور دائما و لكن لما كان تحت قهر اسم إلهي لم يتركه ذلك الاسم أن يجيب من ناداه فالتنازع وقع بين الأسماء الإلهية و هم أكفاء و الحكم لصاحب اليد و هو الاسم الذي هو في يده في وقت نداء الاسم الآخر فلهذا كان أقوى للحال فإن قلت فلما ذا يؤاخذ بالإباءة قلنا لأنه ادعى الإباية لنفسه و لم يضفها إلى الاسم الإلهي الذي هو تحت قهره فإن قلت فالأمر باق فإنه إنما أبي لقهر اسم إلهي كانت الإباية عنه في هذا المدعو قلنا صدقت و لكنه جهل ذلك فأخذ بجهله فإن الجهل له من نفسه فإن قلت فإن جهله من اسم إلهي حكم عليه قلنا الجهل أمر عدمي لا وجودي و الأسماء الإلهية تعطي الوجود ما تعطي العدم فالعدم للمدعو من نفسه و الجهل عدم العلم فلم يدر المعترض ما اعترض به و الأسماء الإلهية لا تعطي إلا الوجود فلم يلزم ما ذكرته و انقطع الاعتراض من هذا القائل بما ذكرناه و إذا ثبت أن النداء يعم فالمنادي به أيضا يعم و لكن نداء الحق لا يكون إلا بما يكون في إجابته السعادة للعبد و أما النداء بما يكون فيه الشقاوة للعبد فذلك ليس نداء الحق و النداء من صفة الكلام فكل فعل يفعله العبد ينقسم إلى أمرين إلى فعل فيه سعادة ذلك العبد و هو الذي يقترن به نداء الحق تعالى و فعل لا يقترن به سعادة العبد فليس عن نداء الحق لكنه عن إرادة الحق و خلقه لا عن ندائه و أمر شرعه و نفي السعادة فيه على قسمين الواحد أن يكون فعلا لا يقترن به شقاوة و لا سعادة أو يكون فعلا تقترن به شقاوة و الفعل الذي تقترن به الشقاوة على قسمين قسم تقترن به على الأبد و هي شقاوة الشرك و شقاوة لا تقترن به على الأبد و هو كل فعل لا يكون شركا و لا نداء للحق فيه البتة فهذا المنزل هو منزل النداء لا منزل الأفعال و سيأتي إن شاء الله منازل الأفعال و يشتبه على بعض العارفين هذا المنزل و إخوانه بمنزل الأفعال لكونه يرى النداء بالأفعال و ليس المنزل واحدا في ذلك بل النداء له منزل و الفعل له منزل‏ و اعلم أن النداء على مراتب لكل مرتبة أداة معينة فالأدوات الهمزة و يا و أيا و هيأ و أي مسكنة الياء فأقربها الهمزة في الرتبة و أبعدها هيأ و النداء قد يصحبه التنبيه و قد لا يصحبه التنبيه فإذا كان النداء بأي فهو نكرة فلا بد من التنبيه لأن النداء إنما يطلب التعريف و هو بنفس المنادي فلا بد أن يصحب هاء التنبيه لأي في النداء لأن التنبيه تعريف ثم يردف التنبيه باسم المنادي ليعرف المنادي أنه منادى دون غيره فإن كان اسمه ناقصا كالذين فلا بد له من صلة و هو الذي يصفه به ليتم به المقصود و لا بد من رابط بين هذه الصلة و الموصول ليعلم أنه المراد بذلك النداء و إن لم يردف باسم ناقص لم يحتج إلى ما ذكرناه فيقال يا أَيُّهَا النَّاسُ و أمثال هذا و أما إذا لم يقترن بالنداء أي فإن النداء يتصل باسم المنادي و قد يكون منادى منكورا مطولا مثل قوله تعالى يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ و مثل قوله يا عجبا قال الشاعر

يا عجبا لهذه الفليقه هل تذهبين القر بالربيقة

و قد يكون منادى يعرف مثل يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ و لا يكون ما بعد النداء أبدا إلا منصوبا إما لفظا و إما معنى و لهذا عطف بالمنصوب على الموضع في قوله تعالى وَ الطَّيْرَ بالنصب عطفا على موضع يا جبال و إن كان مرفوعا في اللفظ فقد يراعي اللفظ في أوقات و لهذا قرئ أيضا و الطير بالرفع و لكل فصل من هذه الفصول حقائق إلهية لو لا التطويل لذكرناها فصلا فصلا فتركناها لمن يقف على كلامنا من العارفين كالتنبيه لهم على ما يتضمنه منزل النداء من المعاني الإلهية و أن الكون مرتبط بعضه ببعض ارتباط المعاني بالكلمات و ربما جعلوا الواو من أدوات النداء و لكن خصوها بنداء خاص لحال خاص بخلاف سائر الأدوات فخصوها بالانتداب فينادون الميت و أجبلاه و اسنداه و به يعذب الميت الملك يطعنه في خاصرته أن هكذا كنت و يقولون وا زيداه وا سلطاناه و لا بد في هذا النداء من إدخال الهاء هاء السكت في آخره لأنه ليس من شرط هذا النداء أن يقال بعده شي‏ء فلهذا أدخل هاء السكت عليه فيكتفي به فيقول وا جبلاه وا حزناه و لا يحتاج إلى أمر آخر و إذا قلت يا زيد و ناديته بسائر حروف النداء من غير نداء الندبة فلا بد أن تذكر السبب الذي ناديته من أجله فتقول يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا فلا تكون هاء السكت إلا في نداء الندبة خاصة و أما النداء المرخم فإنهم يريدون به تسهيل الكلام ليخف على المنادي ليصل إلى المقصود مسرعا بماحذفه من الكلمة فإن الترخيم التسهيل و منه رخيم الدلال في وصف المعشوق المستحسن أي هو سهل و مثل الترخيم في المرخم هو أن تحذف الآخر من اسم المنادي فتقول إذا ناديت من اسمه حارث يا حار هلم فحذفت آخر الكلمة طلبا للتسهيل و لتعلم إن الأسماء و أسماء الأفعال على قسمين معرب و مبني فما تغير آخره بدخول العوامل سمي معربا و الإعراب التغيير يقال أعربت معدة الرجل إذا تغيرت و قد تغير هذا الاسم من حال إلى حال هذا بعض وجوه اشتقاقه من كونه سمي معربا و المبني هو كل اسم لفعل كان أو لغير فعل ثبت على صفة واحدة لفظه و لم يؤثر فيه دخول العوامل التي تحدث التغيير في العرب عليه فسمي مبنيا من البناء لثبوته و عدم قبوله للتغيير و هذا له باب في الصفة الثبوتية للاله من كونه ذاتا و من ثبوت نسبة الألوهية إليه دائما و المعرب له باب في المعارف الإلهية من قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فهذا الفرق بين المعرب و المبني فإذا رخم الاسم فقد ينتقل إعرابه إلى آخر ما يبقى من حروف الكلمة فتقول يا حار هلم بعد ما كانت الراء مكسورة نقل إليها حركة الثاء ليعرف السامع أنه قد حذف من الاسم حرف فإنه إنما يعرف المنادي اسمه إذا كان اسمه حارثا بالثاء فإذا حذف الثاء ربما يقول ما هو أنا فإذا نقل إلى الراء حركة الثاء علم أنه المقصود كذلك إذا نودي العبد باسم إلهي ربما يقع في نفسه أنه جدير بذلك الاسم فينقل وصف عبوديته إلى ذلك الاسم الإلهي الذي نودي به هذا العبد فيعرف أنه المقصود من كونه عبدا لاستصحاب الصفة له هذا إذا نقل و إذا لم ينقل حركة المحذوف من الاسم لما بقي و ترك على حاله كان القصد في ذلك قصدا آخر و هو ترك كل حق على حقيقته حتى لا يكون لكون أثر في كون و لا يظهر لكون خلعة على كون ليكون المنفرد بذلك هو الله تعالى فإن الضمة التي على الثاء من حارث هي لباسه فإذا خلعها على الراء في الترخيم فقد خلع كون على كون فربما قصده المخلوع عليه بالعبودية له و الثناء عليه و الخلع على الحقيقة إنما هو للمتكلم المنادي لا لحرف الثاء فالمنادي هو الذي خلع على الراء الرفع الذي كان لحرف الثاء لما أزال عينه من الوجود كخلع القطبية و الإمامة من الشخص الذي فقد عينه إلى الشخص الذي قام في ذلك المقام إذ كان الله هو الذي أقامه لا هذا الإمام الذي درج فهذا قد بينا في هذا المنزل بعض ما عندنا من أسراره ليقع التنبيه على ما فيه للطالب إن شاء الله تعالى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏