قال تعالى ثُمَّ قَضى أَجَلًا و هو نهاية عمر كل حي يقبل الموت وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ و هو ميقات حياة كل من كان قبل الموت في حياته الأولى و هو المعبر عنه بالبعث و لذلك قال تعالى ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يعني فيه فإن الموت لا يمترون فيه فإنه مشهود لهم في كل حيوان مع الأنفاس و إنما وقعت المرية في البعث و هو الأجل المسمى المذكور و إنما لم يجعل أجل الموت مسمى لأن الله يقول وَ نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله فاستثني طائفة لا يصعقون فلا يموتون فأما أن يكونوا لكونهم على حقائق لا تقبل الموت فيكون استثناء منقطعا و إما أن يكونوا على مزاج يقبل الموت لكن لم يسمعوا النفخ فلم يدركهم فلم يصعقوا فيكون استثناء متصلا فاعلم أيها السامع أن أهل الله إذا جذبهم الحق إليه سبحانه من مريد و مراد جعل في قلوبهم داعية إلى طلب سعادتهم فبحثوا عليها و فحصوا عنها و وجدوا في قلوبهم رقة و خشوعا و طلبا للسلامة مما الناس عليه من التكالب و التحاسد و التدابر و التنافر فإذا وفوا مكارم الأخلاق أو قاربوا ذلك وجدوا في أنفسهم داعية إلى الخلوات و الانفراد عن الناس فمنهم من أخذ في السياحة و لازم الجبال و الفلوات و منهم من كانت سياحته في البلاد كل ما أنس به أهل بلدة أو عرف فيها رحل عنها إلى غيرها و منهم من عزل في مسكنه بيتا و انفرد به و احتجب عن الناس كل ذلك ليقع له التفرد بالحق الذي دعاه إليه و الأنس به لا ليعلم و لا ليجد كونا من الأكوان من خرق عادة في ظاهر الحس أو في سره فلا يزال على كل ما ذكرناه إلى أن ينقدح له في نفسه لبعضهم أو في خياله لبعضهم أو من خارج لبعضهم من جانب الحق ما يحول بينه و بين نفسه و يستوحش من ذلك الوارد عليه و يطلب الأنس بالمخلوق في تلك الساعة فإذا سكت حكم الوارد عنه و عاد إلى حسه اشتاق إليه اشتياقا شديدا و استفرغ في محبة ذلك الوارد استفراغا عظيما و وجد حلاوته عند فقده و سرت اللذة في حسه و روحه و يأتيه في ذلك الوارد خطاب و تعريف بحاله أو بما يدعى إليه كإبراهيم بن أدهم حين نودي من قربوس سرجه ليس لهذا خلقت و لا بهذا أمرت و آخر قيل له إن كنت تطلبني فقد فقدتني في أول قدم و آخر قيل له أنت عبدي فإن كان صاحب هذا الانقطاع من أصحاب الجبال و القفار جعل له الأنس في الحيوان و إن كان سائحا في البلدان جعل له الأنس في الحركة ما بين المدينتين و إن كان ممن لزم بيته جعل له الأنس في الروحانيات و كل هذا ابتلاء إلا أن يجعل الله له الأنس في الأرواح النورية الملكية فهذا يرجى فلاحه بل يتحقق و هي بشرى من الله سارعت إليه عناية منه به و ما عدا هذا فهو على خطر عظيم فليعمل في قطعه ثم إنه منهم من يظلم عليه الجو عند الوارد فيجد لذلك غما و ضيق صدر و عصرا في قلبه فليصبر فإنه يعقبه اتساع و انشراح ثم لا تزال الأرواح تلزمه في عالم خياله في أكثر حالاته و تظهر له في الحس في أوقات فلا يرمي بذلك و لا يزهد فيه و يتعمل في إزالة التعلق به و يقف مع الفائدة التي يأتيه بها فذلك المطلوب فإن سمع خطابا من وراء حجاب نفسه فليلق السمع و هو شهيد و يع ما يسمع فإن اقتضى الكلام جوابا على قدر فهمك فلتجب بقدر فهمك فإن رزقت العلم بذلك فهي العناية الكبرى و إن لم يقتض جوابا فلتحصل ما قيل لك في خزانة حفظك فإن له موطنا يحتاج إليه فيه و لا بد فيكون عندك بحكم الاستعداد لذلك الوقت فإن الله سبحانه يقول أعددت فإذا كان الحق مع نفوذ قدرته في الآن قد أعد أمور الأوقات ظهور أحكامها فالمخلوق أولى بهذا و قال وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ و إن هنا بمعنى ما فعم بها و بشيء و جعله مخزونا في خزائن غيبه عنا و لهذا قلنا إن الكون صادر من وجود و هو ما تحويه هذه الخزائن إلى وجود و هو ظهورها من هذه الخزائن لأنفسها بالنور الذي تكشف به نفسها فإنها في ظلمة الخزائن محجوبة عن رؤية ذاتها فهي في حال عدمها و قال وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فما يتميز عنده إلا ما هو موجود له و لا يجري القدر إلا في عين مميزة عن غيرها و ليس هذا صفة المعدوم من كل وجه فدل ذلك كله على وجود الأعيان للهتعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها و هذا هو الوجود الأصلي الإضافي و العدم الإضافي فثبتت الأحوال للعالم و لكل ما سوى الله و أن الوجود ليس عين الموجود إلا في حق الحق سبحانه حتى لا يكون معلولا لوجوده فإنه لو كان معلولا لوجوده لكان حالا له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فإذا خلص الإنسان بعد خروجه من ظلمة طبعه و هواه إلى نور عقله و هداه أربعين صباحا ظهر عنه مثل ما ظهر له و أخذ عنه مثل ما أخذ و تلك أول درجة الدينار الثالث و أول قيراط منه و لا يزال فيه حتى يجب عليه أن يطلب على من يأخذ عنه فإذا وجب عليه ذلك وجوبا شرعيا كفروض الأعيان كلها كان ذلك أول قيراط من الدينار الرابع و سمي رجلا عند ذلك و إن لم يحصل له هذا الوجوب فليس برجل فكمال الرجولية فيما ذكرناه و سواء كان ذكرا أو أنثى و أما الكمال الذاتي و هو غير كمال الرجولية فهو أن لا يتخلل عبوديته في نفسه ربانية بوجه من الوجوه فيكون وجودا في عين عدم و ثبوتا في عين نفي و لذلك أوجده الحق فكمال الرجولية عارض و كمال العبودة ذاتي فبين المقامين ما بين الكمالين و أما درجات منازل هذين الكمالين فمعلومة عندنا حيث هي فدرجة الكمال الذاتي في نفس الحق و درجات الكمال العرضي في الجنان فلهؤلاء النور و لهؤلاء الأجور قال تعالى لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني من كمالهم العرضي و ما يستحق الأجر من كل أمر عرضي و لهم نُورُهُمْ من كمالهم الذاتي الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و تقول الرسل قاطبة و هم الكمل بلا خلاف إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فإن ذلك المقام يعطي الأجر و لا بد فيقع التفاضل في الكمال العرضي و لا يقع في الكمال الذاتي قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ و قال هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله و لم يقل لهم درجات عند الله فجعلهم أعيان الدرجات لأنهم عين الكمال الذاتي و بالكمال العرضي لهم الدرجات الجنانية فاعلم ذلك جعلنا الله ممن جمع بين الكمالين فإن حرمنا الجمع فالله يجعلنا من أهل الكمال الذاتي بمنه و كرمه و أنا أرجو من الله إني قد حصلته تحصيلا لا يحال بي دونه بحسن ظني بربي فما أعلاه من مشهد فإذا حصل للعبد هذا الكمال العرضي و رأى الإجابة الكونية لندائه من غير طلب دليل و لا برهان علم قطعا إن الحق قد تجلى لقلوب عباده و أنه سبحانه قد رفع الوساطة في أمره بينه و بين قلوب عباده فإن أمره سبحانه برفع الوسائط لا يتصور أن يعصى لأنه بكن إذ كن لا تقال إلا لمن هو موصوف بلم يكن و ما هو موصوف بلم يكن ما يتصور منه إباية و إذا كان الأمر الإلهي بالوساطة فلا يكون بكن فإنها من خصائص الأمر العدمي الذي لا يكون بواسطة و إنما يكون الأمر بما يدل على الفعل فيؤمر بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة فيقال له أقم الصلاة و آت الزكاة فاشتق له من اسم الفعل اسم الأمر فيطيعه من شاء منهم و يعصيه من شاء منهم فإذا أطاعوه كما قد ذكرنا بهذا التجلي الإلهي لقلوب عباده الذي لا يحتاج فيه المأمور إلى دليل و لا برهان لوجود الإجابة من نفسه ضرورة لأن الضرورة إنما تصورت هنا لكون الإنسان لا يقدر على دفع ما تكون في نفسه فإن كن إنما تعلقت بما تكون في نفس الإنسان فكان الحكم لما تكون فيمن تكون فآمن و لا بد أو صلى و لا بد أو صام و لا بد على حسب ما تعطيه حقيقة الأمر الذي تعلق به كن و قد يرد أمر الواسطة و لا يرد الأمر الإلهي فلا يجد المخاطب آلة يفعل بها فيظهر كأنه عاص و إنما هو عاجز فاقد في الحقيقة لأنه ما تكون فيه ما أمر به أن يتكون عنه و الله الغني الحميد و اعلم أن الفتوح الإلهي الذي يتعلق بالكون مثل النصر على الأعداء و القهر لهم و الرحمة بالأولياء و العطف عليهم إنما هو من نتائج الرجولة لا من غيرها فإذا حصل هذا المقام و أكمل نشأته ناداه الحق في سره من كماله سبحانه لكمال العبد الذاتي فنزه ذات موجدة عن الكمال العرضي و هو الكمال الإلهي فإن الكمال الإلهي بالفعل فهو في نفوذ الاقتدار في المقدورات و نفوذ الإرادة في المرادات و ظهور أحكام الأسماء الإلهية و الكمال الذاتي للذات الغني المطلق عن هذا كله فيكون العبد في هذا المقام لا يشهد ذات موجدة من كونها موصوفة بالألوهة و إنما مشهده غناها عما تستحقه الألوهة من الآثار الكونية فيفتقر إليها افتقارا ذاتيا فهو في عبادته تلك صاحب عبادة ذاتية من غير اقتران أمر بها لأن الأمر إنما متعلقة الأمور العارضة لا الذاتية فلا يقال للعبد كن عبدا فإنه عبد لذاته و إنما يقال له اعمل كذا أيها العبد و عمله أمر عرضي و العمل متعلق الأمر من العبد و قد يعمل و قد لا يعمل و هذا المنزل يعطي جميع ما ذكرناه و يكون تنزيهه لذات موجدة بما يستحقه من الثناء الذي يليق بالكمال الذاتيثم إنه بما فيه من الكمال العرضي الذي هو كمال الرجولة قد يصدر عنه الثناء بما يستحقه الإله عارضا بعارض و لكن لا بطريق التنزيه فإن طريق التنزيه إنما هو للذات كما قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ للكمال الذاتي وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ للكمال الإلهي لطلب المسموع و المبصر و كل طالب يستدعي مطلوبا و المستدعي فاقد لما استدعاه من أحوال هذا العبد و الله غني حميد فلسان الأدب أن يقال طلبك لك لا له و في هذا ينبغي أن يقال ما قيل
و هو هذا المنزل و هذا الكلام الذي سردناه و الكتاب الذي سطرناه ففيه ما فيه لسان الحقيقة يدل على إن الأمر فوق ما ذكر و سطر و ليس في قوة الترجمة عنه و العبارة أكثر مما ظهر و الله أكبر من ذلك ثم ستر هذا اللسان الحقيقي بقوله بديع في معانيه فكأنه يقول في قوله ما فيه على طريق التعجب به و الفرح و لهذا نبه على ذلك بما ذكره في البيت الثاني ثم إن الثناء على الله في هذا المنزل خاصة إنما هو بما تستحقه الربوبية لما خصصتك به من الفضل على أبناء جنسك لا بما تستحقه بما فضلت به على غيرك و ما أنعمت به على سواك فإن هذا المنزل لا يتضمن مثل هذا الثناء فيستعين العبد في هذا المنزل على تنزيه الحق بثناء الربوبية على نفسها من جهة ما خصتك به ثم إن العبد بعد استفراغ طاقته في الثناء على ربه بربه من جهة نعمته عليه لاح له علم إلهي في فلاة نفسه عن يمين طريقه فعرف أنه قد زل عن طريق ينبغي أن يسلك أيضا عليها و هنا مسألة دقيقة و هي تختص بهذا المنزل و ذلك أنه لما قيد ثناءه على ربه بما خصه به ربه هل ذلك نقص في المعرفة أو في معرفته أو ليس في الوسع إلا ما وقع و إذا لم يكن في الوسع فقد أتى بكمال ما في الوسع و ذلك أنه إذا أثنى على ربه بما كان منه سبحانه لغير هذا العبد المثنى فلا يخلو إما أن يثني عليه بما تحققه علما في نفسه و لا يكون إلا كذلك فقد صار هو منعوتا بذلك العلم و إن لم تقم به تلك الأوصاف التي وقع بها الثناء على الغير فوصفه بالعلم بذلك ثناء منه على ربه بما خصه به من العلم بذلك و هو صفة إلهية فإن الحق سبحانه يثني على عبده بما ليس هو الحق عليه و لا هي صفته فالثناء على الله من ذلك وصفه سبحانه بالعلم بذلك و الخلق له فيثني على العبد بالطاعة و ليست من صفات الحق كذلك هذا العبد إذا أثنى على ربه بما أعطى لغيره فثناؤه على ربه بما أعطاه في نفسه هو ما حصل له من ربه من العلم بذلك فاذن فما أثنى على ربه إلا بما خصه به سواء أثنى على ربه بما أعطاه سبحانه لغيره أو لم يذكر الغير و لا تعرض له فتحقق هذه المسألة فإنها من الحقائق و الحقائق لا تقبل التبديل و هذا المنزل من حصل فيه يعطيه ما ذكرناه فإذا لاح له ذلك العلم الذي ذكرناه ستره نظره إليه عما هو عليه و عرف أن ذلك العلم يدل على أمر غيبي ينبغي له أن يبقيه في غيبه و لا يظهره و يرجع من حال الخطاب بالمواجهة و الحضور إلى الخطاب بالغيبة فإنه أنزه لأن الحقائق تعطي أنك ما حضرت إلا معك فإن الأمر إذا أعطى للحاضر في حضوره مع من حضر أنه لا يتمكن أن يحضر معه الأعلى حد ما تعطيه مرتبتك فمعك حضرت لا معه فإنه ما تجلى لك منه إلا قدر ما تعطيه مرتبتك فافهم ذلك تنتفع به و لا يغب هذا عنك في رجوعك إليه مما رجعت عنه لئلا تتخيل إنك رجعت إلى أعلى منك فإنك ما رجعت منك إلا إليك و الحق سبحانه لا يرجع إليك إلا بك لا به لأنه ليس في الوسع أن يطيقه مخلوق و لهذا تتنوع رجعاته و تختلف تجلياته و تكثر مظاهره و لا نتكرر و هو في نفسه منزه عن التكثر و التغير لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فيما ينسب إلى ذاته قال تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فرجوع العباد إليه نتيجة رجوعه إليهم بإعطاء ما رجعوا به إليه فإذا رجعوا إليه ضاعف لهم الرجوع الإلهي الذي ينتجه رجوعهم إليه الذي هو في نفسه ينتجه رجوعه الأول إليهم فالرجوع الإلهي الأول رجوع عناية و تفضل و الرجوع الثاني الذي أنتجه رجوعهم إليه سبحانه في قوله من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراعا فمقدار الشبر من الذراع في الرجوع رجوع استحقاق يستحقه رجوعهم إليه و الشبر الثاني الذي به كمال الذراع من الرجوع رجوع منه لترجيح الوزن و الوصف بالفضل و الترغيب و التحضيض على معاملة الكريم فالرجوع الإلهي الثاني يتضمن أمرين رجوع الاستحقاق منه بمنزلة الجسد و رجوع المنة منه بمنزلة الروح للجسد الذي به حياته فإنه و إن كان الاستحقاق بما أوجبه الحق على نفسه فإن الحقيقة تعطي أن لا يستحق العبد شيئا على سيده فمن منته سبحانه على عبد إن أوجب لهعلى نفسه ليأنس العبد بما أوجبه الحق عليه من طاعته ليسارع بأداء ما وجب عليه فإذا حصل العبد في هذا المقام فليس وراءه مرمى لرام و يعلم أن الله قد أراد أن ينقله من عالم شهادته إلى عالم غيبه ليكون له غيبه شهادة في موطن آخر غير هذا الموطن له حكم آخر و هو الموطن الذي تكون فيه المظاهر الإلهية و هو أوسع المواطن فلهذا عبر عن هذا المنزل بالأجل المسمى لأنه أجل البعث إليه من عالم الشهادة المقيد بالصورة التي لا تقبل التحول في الصور لكن تقبل التغيير و هو زوال عينها بغيرها لذلك الغيب الذي كانت به فيدبر الروح الغيبي صورة ذلك الغير فلهذا قلنا يقبل التغيير و لا يقبل التحويل فإن الحقائق لا تتبدل فانتقاله إلى موطن التحول في الصور يسمى أجلا مسمى أي معلوم النهاية و كان من المقام الموسوي دون غيره لأنه لم يرد في الخبر أنه عليه السلام رأى في إسرائه من جمع بين صورتين سوى موسى عليه السلام فرآه في السماء و كان بينهما ما كان و هو في قبره يصلي و النبي يراه صلى الله عليه و سلم عليهما في الحالتين معا و لا يقال في مثل هذا الكشف إن الآن لا يتسع لأمرين متعارضين في الشخص الواحد فصحيح ما يقول و لكن أين الآن هنا إنما ذلك لمن تقيد بالزمان و تعين بالمكان فإذا كان الموجود لا يتقيد بالزمان و لا بالمكان فلا يستحيل هذا الوصف عليه و إذا فهمت ما أشرنا إليه لم بعارض ما ذهبنا إليه و ذكرناه كون الإسراء وقع بالليل و هو الزمان و كون موسى عليه السلام في القبر و السماء و هما المكان فإنك أنت تسلم من مذهبك إن الجسم لا يكون في مكانين و أنت تؤمن بهذا الحديث فإن كنت مؤمنا فقلد و إن كنت عالما فلا تعترض فإن العلم يمنعك و ليس لك الاختيار فإنه لا يختبر إلا الله و لا تتأول أن الذي في الأرض غير الذي في السماء فإن النبي عليه السلام ما قال رأيت روح موسى و لا جسد موسى و إنما قال رأيت موسى في السماء و معلوم أنه مدفون في الأرض و كذلك سائر من رآه من الأنبياء عليهم السلام فالمسمى موسى إن لم يكن عينه فالإخبار عنه كذب إنه موسى هذا و أنت القائل رأيتك البارحة في النوم و أنت تقول كذا و كذا و المرئي معلوم أنه كان في منزله على حالة غير الحال التي رآه عليها أو عليها و لكن في موطن آخر و لا تقول له رأيت غيرك ثم تنكر علينا مثل هذا و إنما تختلف الحضرات و المواطن و تختلف الأحوال و العين واحدة فهذا قد ذكرنا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل و سكتنا عن بيوته و خزائنه فما من منزل إلا و له بيوت و خزائن و أقفال و مفاتيح و لكن يطول ذكرها في كل منزل و ربما إذا بيناها يدعيها الكاذب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و في هذا المنزل علم إتيان المعاني في الصور و علم الفتوح و له باب قد تقدم و علم الوافدين على الحق و علم التنزيه و علم الستر و التجلي و علم الرجوع الإلهي على من يرجع هل يرجع على عباده أو على أسمائه