اعلم أن الله تعالى لما خلق الأفلاك و عمرها بالأملاك و قدر للكواكب السبعة السيارة فيها منازل تجري فيها إلى أجل مسمى تعين الزمان بجريانها و سباحتها و خلق المكانة قبل الأمكنة و مد منها رقائق إلى أمكنة مخصوصة في السموات السبعة و الأرض ثم أوجد المتمكنات في أمكنتها على قدر مكانتها فكان من تقدير الله العزيز العليم إن خلق عقلا من العقول أعلاما بما أودعه فيه من صفة القدرة لا من صفة غيرها خصه بذلك على أبناء جنسه و ذلك من الاسم الظاهر الذي يختص بهذا العقل فالقى إليه ذلك بضرب من القهر سار فيه مودة لها ثلج و برد و سرور فتفجرت فيه خمسة أنهار من العلم من الاسم الأول و الآخر الذي يختص به هذا العقل ثم جرت هذه الأنهار في الاسم الباطن الذي له فتقدست أوليته على سائر الأوليات و آخريته على سائر الآخريات و كذلك ظاهره و باطنه و صدر عن أم الكتاب الذي عنده حضرة تسمى أم الجمع أدخلني الحق إياها فرأيتها و رأيت ظاهرها و باطنها و عاينت مكان هذا العقل منها نكتة سوداء مستورة نقية ما بين حمرة و صفرة و عاينت الرقيقة التي بين المكانة و هذا المكان المعين و رأيت موسى و هارون و يوسف عليهم السلام ناظرين إلى هذا العقل و فرع سبحانه من هذه الحضرة الجامعة التي اختصها لنفسه حضرات لا يعلم عددها إلا الله في السماء و الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى إلى حد الاستواء كل هذه الحضرات للحق إليها نظرخاص رفعها بذلك على غيرها فلها عند من يعرفها ممن عرفه الحق بها حرمة و بروا كرام تسمى هذه الحضرات مقامات التنزيه إذا دخلتها الروحانيات العلى اكتسبت من أحوال التنزيه الإلهي ما لا يعلم قدره إلا الله و حصل لهم من الخضوع و الخشوع و الذلة و الافتقار ما لم يكن لهم قبل دخولهم و من هذه الحضرات و في هذه المقامات يحصل لهم رؤية وجه الحق في كل شيء على التمام و الكمال لكن من الرجال من يشاهدها و من الرجال من يعطيهم هذه الحال و لا يعرفها و لا يدري في أي رتبة حصلت له على قدر ما سبق به علم الله فيه فمنهم و منهم فلنرجع إلى ذلك العقل الذي ذكرناه الذي له أثر انفعال بمكانته في هذا المنزل و نذكر ما كان له و ما كان عنه و بسببه مما يختص بهذا المنزل عند كل من شاهده و شخص سبحانه مقام الصدق و الصفاء و عين فيه اثنتين و سبعين مرقاة كل مرقاة منها تعطي علوما لمن يرقى فيها للصفاء الذي استلزمته هذه الصورة فهي علوم كشف إلى أن ينتهي إلى ذروتها فتقابله حضرة الأم بذاتها فتعطيه من التنزيه الإلهي و الثناء بالوحدانية و الصدق و القهر و النصر و الإخلاص و الذلة و لما أدخلني الله هذه المراقي رأيته سبحانه قد حجبها عن الأعين بظلمة الطبيعة حجابا لا يرفع فليس اليوم لراق فيها قدم موضوعة لكنه يكاشف بها من خلف ظلمة الطبع و لا يحصل له فيها قدم كذا رأيته و رأيت معي من حقائق العارفين جملة كثيرة على مراتب مختلفة من عال و أعلى و هم فيها بهذه المثابة فأمر لهذا العقل المخصوص بهذا المنزل أن يرقى فيما شخصه مما ذكرناه و اجتمعت العقول إليه و أنا أنظر ما يصنع و ما يقول لأستفيد منه ثم رأيته شخص و لم يتكلم و لا أدري بأمر إلهي أشخص فرأيت عليه حين رجع أثر كآبة و قهر و انزعاج فعلمت أنه في مقام انذار من الإنذارات الحق للأرواح روى في خبر أن جبريل و ميكائيل عليهما السلام قعدا يبكيان فأوحى الله إليهما ما هذا البكاء فقالا إنا لا نأمن من مكرك فأوحى الله إليهما كذلك فلتكونا فلما ألقى إلينا ما ألقى إليه بخشوع و ذلة و اتفق إني اطلعت على اليسار فرأيت الهوى و الشهوة و هما يتناجيان و قد أعطى الله من القوة النافذة لهذا الهوى ما يظهر بها على أكثر العقول إلا أن يعصم الله تعالى فوقف الهوى في ذلك الموقف و قال أنا الإله المعبود عند كل موجود و أعرض عن العقل و ما جاء به من النقل فأتبعته الشياطين و الشهوة بين يديه حتى توسط بحبوحة النار ففرش له فراش من القطران و اعتمد على أمر تخيل أنه ينجيه من عذاب الله فحال الله بينه و بين من اعتمد عليه و استند إليه فهلك و من تبعه بنعيم السعداء و كان مشهدا كريما هائلا مفزعا ما صدقنا التخلص منه أنا و كل عارف حضره معنا في ذلك اليوم ثم إني أردت أن أحيط بما في هذا المنزل من المراتب و الحقائق و الأسرار و العلوم فأخذ بيدي ذلك العقل صاحب هذا المنزل و بسببه ظهر هذا المنزل و قال لي هذا منزل الهلاك و مصرع الهلاك فرأيت فيه خمسة أبيات في البيت الأول أربع خزائن على الخزانة الأولى ثلاثة أقفال و على الثانية مثل ذلك و على الثالثة ستة أقفال و على الرابعة ثلاثة أقفال فأردت فتحها فقال لي سر حتى ترى ما في كل بيت من الخزائن و بعد ذلك تفتح أقفالها و تعرف ما فيها ثم أخذ بيدي و قمنا فخرجنا إلى البيت الثاني فدخلته فرأيت فيه أربع خزائن على الخزانة الأولى ستة أقفال و على الخزانة الثانية ثلاثة أقفال و على الخزانة الثالثة أربعة أقفال و على الخزانة الرابعة ستة أقفال ثم أخذ بيدي فخرجنا من ذلك البيت فدخلت البيت الثالث فرأيت فيه ثلاث خزائن على الخزانة الأولى خمسة أقفال و على الخزانة الثانية أربعة أقفال و على الخزانة الثالثة ستة أقفال ثم أخذ بيدي فخرجنا من ذلك البيت و كل ذلك أدخل من باب و أخرج من باب آخر فدخلت البيت الرابع و إذا فيه ثلاث خزائن على الخزانة الأولى سبعة أقفال و على الخزانة الثانية خمسة أقفال و على الثالثة خمسة أقفال ثم أخذ بيدي فخرجنا منها فدخلت البيت الخامس فرأيت فيه ثلاث خزائن على الخزانة الأولى سبعة أقفال و على الخزانة الثانية ثلاثة أقفال و على الخزانة الثالثة خمسة أقفال ثم أخذ بيدي و خرجنا نطلب البيت الأول لنفتح تلك الأقفال فنبصر ما تحوي عليه تلك الخزائن من الودائع فدخلت البيت الأول إلى الخزانة الأولى فرأيت معلقا على كل قفل مفتاحه و بعض الأقفال عليه مفتاحان و ثلاثة فرأيت على القفل الأول ثلاثة مفاتيح تحوي تلك المفاتيح على أربعمائة حركة فمددت يدي و فتحت ذلك القفل ثم رأيت على القفل الثالث كذلك ثلاثة مفاتيح تحوي على أربعمائة حركة ففتحت الثالث و رجعت إلى الثاني و عليه مفتاحان و هو قفل مطبق فهما قفلان في قفل واحد يحوي على أربعحركات في حركتين فلما فتحت الأقفال و أطلعت في الخزائن بدا لي من صور العلوم على قدر حركات مفاتيح تلك الخزانة لا تزيد و لا تنقص فرأيت علوما مهلكة ما اشتغل بها أحد إلا هلك من علوم العقل المخصوصة بأرباب الأفكار من الحكماء و المتكلمين فرأيت منها ما يؤدي صاحبها إلى الهلاك الدائم و رأيت منها ما يؤدي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو غير أنه ليس لنور الشرع فيها أثر البتة قد حرمت صاحبها السعادة فيها من علوم البراهمة كثير و من علوم السحر و غير ذلك فحصلت جميع ما فيها من العلوم لنجتنبها و هي أسرار لا يمكن إظهارها و تسمى علوم السر و كان ممن اختص بها من الصحابة رضي الله عنهم حذيفة بن اليمان خصه بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فلذلك كان بين الصحابة يقال له صاحب علم السر و به كان يعرف أهل النفاق حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحلفه يوما بالله هل في من ذلك شيء قال لا و لا أقوله لأحد بعدك و كان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة بحضور حذيفة حتى يرى حذيفة يقول بالصلاة عليها فإن صلى حذيفة صلى عمر و إلا فلا فمن علمها ليحذرها فقد سعد و من علمها يعتقدها و يعمل عليها فقد شقي فلما حصلتها و أحطت بها علما و نزهت نفسي بما عصمني الله به من العناية الإلهية عن العمل بها و الاتصاف بأثرها شكرت الله على ذلك و في هذه المقامات هلك كثير من سالكي هذه الطريقة لأنهم يرون علوما تتعشق بها النفوس و يكونون بها أربابا و يكونون بها أشياخا و النفوس تطلب الشفوف و الرئاسة على أبناء جنسها فيخرجون بها فيستعملونها في عالم الملك فيضلون و يضلون ف أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ثم إني انتقلت إلى الخزانة الثانية فرأيت على قفلين منها مفاتيح و القفل الثالث لا مفتاح عليه فرأيت على القفل الأول ثلاثة مفاتيح تحوي على عشر حركات ففتحته ثم جئت القفل الثاني فوجدت عليه مفتاحا واحدا يحوي على أربع حركات فأخذته و فتحت به القفل ثم جئت إلى القفل الثالث فلم أر عليه مفتاحا فحرت و لم أدر كيف أصنع فقيل لي اقرأ على كل قفل لا مفتاح له إن ربك هُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ثم قيل لي هذا القفل مفتاحه من مفاتيح الغيب لا يعلمه إلا هو فقلت ذلك فانفتح القفل و انفتحت الخزانة فرأيت صور العلوم على عدد حركات المفاتيح و رأيت صورة علم زائد على ما رأيت من الصور التي ظهرت على عدد حركات المفاتيح فقلت ما هذا العلم فقال العلم الساري في المعلومات و العلوم فجميع العلوم معلومات بهذا العلم لا بأنفسها فعلمت إن أبا المعالي الجويني لما قال إذ بالعلم يعلم العلم كما يعلم به سائر المعلومات و أراد أن العلم الذي به يعلم معلوم ما به يعلم نفس العلم و ليس الأمر كما زعم بل يعلم العلم بهذا العلم الساري فتكون العلوم به معلومة و هو لا بعلم فاعلم ذلك فهذا هو الذي أعطاه الكشف كشف المعاني لا كشف الصور و هذه العلوم التي رأيت في هذه الخزانة الثانية علوم القدرة و الاقتدار و العلوم التي تتكون عنها الأشياء و تظهر بها الأعيان المضافة إلى الأكوان و هي أعيان أفعال منسوبة إلى العباد فهذا المنزل يحكم عليها بالهلاك بسبب العلم الساري الذي صحبها و هو هلاك إضافة و نسبة لا هلاك عين فالذي هلك إنما هو نسبة هذه الأفعال إلى العباد فيعطيه هذا المنزل أن هذه النسبة ليست بصحيحة و هو عين هلاكها و أطلعه العلم الساري إنها أفعال الله فأعيان أفعال العباد بريئة من الهلاك فحصلت من هذه الحركة علوم التكوين و سر قوله كُنْ الساري في كل متكون ثم إني انتقلت إلى الخزانة الثالثة التي عليها ستة أقفال و مفاتيحها على أقفالها فعلى القفل الأول مفتاح واحد يحوي على حركة واحدة و على الثاني مفتاحان يحويان على حركتين و على الثالث مفتاحان يحويان على عشر حركات و على الرابع مفتاح واحد يحوي على ثلاثين حركة و على الخامس مفتاح واحد يحوي على خمس حركات و على السادس مفتاحان يحويان على حركتين فأخذت المفاتيح و فتحت الأقفال فلما انفتحت الخزانة رأيت جهنم تحطم بعضها بعضا و في وسطها روضة خضراء و رأيت رجلا قد أخرج من النار و وقف به في تلك الروضة ساعة ثم رد إلى النار فيعذب بستة أنواع من العذاب ثم يعاد إلى الروضة ساعة ثم يخرج منها إلى النار فيعذب بستة أنواع من العذاب فحصلت من علم ما يتقى به ذلك العذاب المؤلم و النار المحرقة من ماء شربته من تلك الروضة كانت في تلك الشربة عصمتي ثم انتقلت إلى الخزانة الرابعة فرأيت على القفل الأول منها مفتاحا واحدا له ست حركات هندسية و على القفل الثاني ثلاثة مفاتيح تحوي الثلاثة المفاتيح على أربعمائة حركة بصنعة معلومة و على القفل الثالث و هو قفلان في قفل يعرف بالقفل المطبق مفتاحانيحويان على حركتين في أربع حركات ففتحت الأقفال فرأيت بقية علوم الخزانة الأولى من هذا البيت غير أن تلك العلوم التي في الخزانة الأولى من هذا البيت يتعلق إهلاكها بأعيان الصفات و هذه العلوم التي في الخزانة الرابعة يتعلق إهلاكها بأعيان الذوات الموصوفين بتلك الصفات الهالكة فحصلت علومها أيضا لأتقيها و أجتنب الأفعال التي تطلبها بالخاصية و صور العلوم فيها أيضا على قدر ما تحويه المفاتيح من الحركات و هكذا هي علوم هذا المنزل كلها عددها على عدد حركات مفاتيحها و لها تفاصيل و أحوال أضربنا عن ذكرها مخافة التطويل ثم انتقلنا إلى البيت الثاني لاطلع أيضا على ما في خزائنه و هي أربع خزائن فجئت الخزانة الأولى فإذا عليها ستة أقفال على القفل الأول مفتاح واحد يحوي على أربعين حركة و لم أر للقفل الثاني مفتاحا ففتحته بالاسم و رأيت على القفل الثالث مفتاحا واحدا يحوي على حركة واحدة و فتحت القفل الرابع بمفتاحين وجدتهما عليه يحويان على تسعمائة حركة كل حركة لا تشبه الأخرى و فتحت القفل الخامس بمفتاحين وجدتهما عليه يحويان على خمسين حركة هندسية و جئت القفل السادس فلم أر عليه مفتاحا ففتحته بالاسم و قد يظهر لبعض المكاشفين الداخلين هذا المنزل هذا القفل السادس و عليه مفتاحان يحويان على عشر حركات و عدم المفتاح أصح من وجوده لهذا القفل في حضرة الخطاب الفهواني و الذي يرى له المفتاح فإنما يراه من اللوح المحفوظ فلما فتحت هذه الخزانة رأيت صور العلوم المخزونة فيها على عدد حركات المفاتيح سواء لا ينقص و لا يزيد و هي علوم الفناء عن الأمر الذي يستند إليه من لا معرفة له بربه سبحانه و تعالى فحصلت جميع ما فيها من العلوم من علوم الفناء و كأنها تدل على حصر الأمور التي يستند إليها ثم خرجت من هذه الخزانة و جئت الخزانة الثانية فرأيت عليها ثلاثة أقفال على القفل الأول مفتاح و على الثاني مفتاحان و على الثالث مفتاح تحوي هذه المفاتيح على مائة و خمس و عشرين حركة ففتحت الخزانة فإذا علوم من صور علوم لا تؤخذ إلا عنه فهي مآخذ عزيزة المثال فحصلتها كلها في لحظة واحدة ثم جئت الخزانة الثالثة فإذا عليها أربعة أقفال على القفل الأول و الثالث و الرابع مفتاح مفتاح تحوي هذه المفاتيح على إحدى و سبعين حركة و القفل الثاني لا مفتاح له ففتحت تلك الأقفال بالمفاتيح و الاسم فإذا صور العلوم التي أضل بها السامري قَوْمَهُ وَ ما هَدى فحصلتها لأتقي شرها و أخذت بها مصرفا مرضيا عند الله لا تبعة فيه ثم جئت الخزانة الرابعة و عليها ستة أقفال على القفل الأول و الثاني و الرابع و الخامس مفتاح مفتاح و الثالث لا مفتاح له و السادس عليه مفتاحان يحوي جميع المفاتيح على ثلاثمائة و تسع و ستين حركة ففتحت الأقفال بالاسم الإلهي و المفاتيح فرأيت صور العلوم التي تحويه و هي العلوم التي تنال بالكسب لا بطريق الوهب و هي العلوم المدركة بالفكر فحصلتها بطريق العمل حتى لا تبرح مكتسبة ثم إني خرجت إلى البيت الثالث فدخلته فرأيت فيه ثلاث خزائن فقصدت الخزانة الأولى فإذا عليها خمسة أقفال على القفل الثاني ثلاثة مفاتيح و القفل الخامس لا مفتاح له و بقية الأقفال عليها مفتاح مفتاح ففتحتها بالاسم و المفاتيح فرأيت فيها صور علوم الاصطلام و هي من علوم الأحوال فحصلتها من طريقها و خرجت عنها و قصدت الخزانة الثانية فرأيت عليها أربعة أقفال القفل الثاني و الرابع لا مفتاح عليه و القفل الأول عليه مفتاحان يحويان على خمسين حركة و القفل الثالث عليه مفتاح يحوي على مائتي حركة ففتحتها بالاسم و المفاتيح فإذا هي تحوي على علوم الخوف و المجاهدة و أحوال الشوق و الاشتياق و علم السعير من جهنم لا علم الزمهرير و علم ما يكون عنه نضج الجلود في جهنم إذ لا يكون عن النار و لا عن الزمهرير بل عذاب متولد بينهما من مجاورة كل واحد منهما لصاحبه فيتولد من امتزاجهما حالة ثالثة ليس هي عين واحد منهما تلك الحالة الحادثة هي العذاب الذي به ينضج الجلود في جهنم و علم تبديلها من أي حضرة تبدل و هو مشهد عظيم فإن التبديل قد ورد النص به في الجلود و السموات و الأرض و نفاه عن الخلق فقال لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله و نفاه عن القول الإلهي فقال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و قال لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله كل هذا تتضمنه هذه الخزانة ثم جئت الخزانة الثالثة فرأيت عليها ستة أقفال فيها شبه بأقفال الخزانة التي خرجت منها إلى هذه فالقفل الثاني لا مفتاح له و القفل الأول له مفتاحان و القفل الثالث عليه ثلاثة مفاتيح و القفل الرابع و الخامس لكل واحد منهما مفتاح و القفل السادس عليه مفتاحان تحوي هذه المفاتيح على ألف و مائةو سبع و ثلاثين حركة ففتحتها بالاسم و المفاتيح فإذا فيها صور علوم الارتقاءات و المعارج و معرفة اليوم الذي مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و لكن إذا كانت الارتقاءات و المعارج من المريدين لا من المرادين فتكون عن شوق و مجاهدة و رياضة و مكابدة ثم جئت إلى البيت الرابع فدخلته فإذا فيه ثلاث خزائن الخزانة الأولى عليها سبعة أقفال القفل الثاني منها لا مفتاح عليه و القفل الأول له مفتاح فيه ست حركات و القفل الثالث يحوي مفتاحه على أربعين حركة و بقية الأقفال تحوي على ستمائة حركة و ست حركات فجميع حركات مفاتيحها ستمائة و اثنان و أ حركة ففتحتها فإذا فيها علم النكاح و كيف يصحب الإنسان زوجته إذا كانت لا تعينه على طاعة ربه و يقف على قوله وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و هل يستعين الإنسان في عبادة ربه في وضوئه بغيره من صب الماء عليه إذا توضأ فإن بعض العلماء كره ذلك و قد رأى النفيس ابن وهبان السلمي في واقعته كراهة ذلك من النبي صلى الله عليه و سلم و أخبرني به فمن هذه الخزانة يعرف ذلك ثم جئت الخزانة الثانية فرأيت عليها خمسة أقفال القفل الثاني منها مطبق و القفل الثالث لا مفتاح له و الأول له مفتاح و كذلك الثاني و الخامس و أما الرابع فله ثلاثة مفاتيح تحوي هذه المفاتيح على أربعمائة و ثمان و سبعين حركة ففتحتها فإذا هي تناسب التي قبلها و تزيد عليها بأمور ليست فيها ثم جئت الخزانة الثالثة فإذا عليها خمسة أقفال القفل الأول لا مفتاح له و الثاني و الثالث و الرابع ذو مفتاح مفتاح و الخامس مفتاحان تحوي هذه المفاتيح على ست و أربعين حركة ففتحتها فإذا هي معرفة الحجارة التي توقد بها النار في الآخرة و كيف تكون الحجارة تقبل الوقود و هي يابسة و اليابس لا يقبل الوقود في علم الطبائع و هل يجوز ما طبعه أمر ما أن يزال عنه طبعه مع بقاء عينه و ذاته فإن في هذا العلم زل كثير و جهل ممن أثبت ذلك و نفاه و كلتا الطريقتين غير محمودتين و لا صحيحتين و كل واحد منهما أثبته من غير وجهه و نفاه من غير وجهه قال تعالى يا نارُ كُونِي بَرْداً و شبه هذا ثم جئت البيت الخامس فرأيت فيه ثلاث خزائن الخزانة الأولى عليها سبعة أقفال القفل الأول و الثاني و الثالث و الرابع لكل واحد منها مفتاحان و الخامس و السادس لكل واحد مفتاح و السابع لا مفتاح له تحوي هذه المفاتيح على مائة و ثلاث عشرة حركة ففتحتها فإذا فيها علوم الحس و المحسوس و الخيال و المتخيل و الفكر و ما يفكر فيه و الحافظ و المحفوظ و العقل و المعقول و جميع القوي التي تدرك بها العلوم و معرفة الجماعات و الأنوار و الاستشرافات و مجاري الأرواح في طرق السموات و مجاري الطبيعة في الحيوانات و النبات و الجماد و ما يختص به عالم الأنفاس من العلوم و يقف على نفس الرحمن الذي أتى من قبل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم جئت الخزانة الثانية فرأيت عليها ثلاثة أقفال على الأول و الثالث مفتاح مفتاح و على الثاني مفتاحان تحوي هذه المفاتيح على أربعين حركة ففتحتها فإذا فيها علم الأسباب العامة في الوجود و الخاصة بأهل الله و أسباب النزول المضافة إلى الله التي يعتمد عليها و يوصل إلى الله من يعتمد عليها و طرد من يتركها من باب الله و من سعادته و هي علوم شريفة زهد فيها أكثر الناس فشقي و استعملها بعض الناس فسعد و تحوي على علم الشرائع المنزلة لا علم الشريعة الحكمية ثم جئت الخزانة الثالثة فرأيت عليها خمسة أقفال القفل الأول عليه مفتاح و كذلك بقية الأقفال و تحوي أقفالها على أربعمائة و أربع و ثلاثين حركة ففتحتها فإذا فيها صور علوم الالتفاف التفاف الأرواح بالأجساد و التفاف أرواح المحبين و المحبوبين و التفاف الساقين و التفاف اللام بالألف و معنى قوله وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ و التفاف المتضايفين و هذه كلها علوم الارتباطات رب و مربوب و إله و مألوه و قادر و مقدور و عالم و معلوم فهذه الخزانة تتضمن جميع العلوم فهذا قد ذكرنا جميع ما يحويه هذا المنزل من خزائن العلوم قال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ غير أني تركت عند الدخول إلى هذا المنزل بيتا واحدا في دهليز هذا المنزل لا يفتح لكل أحد و قد فتح لي و دخلته و عرفت ما فيه و هو يتضمن و يخزن فيه جميع مفاتيح الخزائن كلها التي تتضمنها هذه المنازل التي في هذا الكتاب و هو يحوي على أمور جليلة و للعارف به تحقق في إيجاد الكائنات عنه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و قد نبهنا على بعض ما في هذا المنزل من العلوم
(الباب الثالث و السبعون و مائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى و النفس من
هلاك الخلق في الريح إذا ما هب في اللوح
و لاذ بغير مولاهإله الجسم و الروح
و وعر مسلكا سهلابما قد جاء في نوح
و في لوط فيا نفسيعلى ما قلته نوحي
و لو لا العشق آداهبريق من سنا يوحي