قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني و السبعون و مائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
بتنزيه توحيد الإله أقول‏ و ذلك نور ما لديه أقول‏
و تنزيهه ما بين ذات و رتبةو إن الذي يدري به لقليل‏
تنزه عن تنزيه كل منزهفمن شاء قولا فليقل بيقول‏
فإن وجود الحق في حرف غيبهفحرف حضور ما عليه قبول‏

اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن المراد بلفظة تنزيه التوحيد أمران الواحد أن يكون التوحيد متعلق التنزيه لا الحق سبحانه و الأمر الآخر أن يكون التنزيه مضافا إلى التوحيد على معنى أن الحق تعالى قد ينزه بتنزيه التوحيد إياه لا بتنزيه من نزهة من المخلوقين بالتوحيد مثل حمد الحمد فإن قيام الصفة بالموصوف ما فيها دعوى و لا يتطرق إليها احتمال و الواصف نفسه أو غيره بصفة ما يفتقر إلى دليل على صدق دعواه فيتعلق بهذا فصول تدل عليها آيات من الكتاب منها هل يصح الإضمار قبل الذكر في غير ضرورة الشعر أم لا فالشاعر يقول‏ جزى ربه عني عدي بن حاتم‏ فأضمر قبل الذكر و لكن الشعر موضع الضرورة و من فصول هذا المنزل‏الأمر بتوحيد الله فلا يكون فيه توحيد الحق نفسه و يتعلق به التقليد في التوحيد لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك إلا أن يكون متعلق الأمر الاستدلال لا التعريف على طريق التسليم أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة مثل قوله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ و كقوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا و كقوله لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ و من فصول هذا المنزل قوله تعالى ما اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً لعدم الكفاءة إذ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فلو كانت الكفاءة موجودة لجاز ذلك قال عز و جل وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فجعل الكفاءة بالدين و قوله لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً فجعله من قبيل الإمكان فقال لَاصْطَفى‏ و الاصطفاء جعل و المجعول ينافي الكفاءة للجاعل و أين مرتبة الفاعل من المفعول و من فصول هذا المنزل التنزيه أن يكون مدركا بالمقدمات التي تنتج وجوده أو المعرفة به تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و من فصول هذا المنزل إنه لا يكون مقدمة لإنتاج شي‏ء للتركيب الذي يتصف به المقدمات و السبب الرابط في المقدمات فيستدعي المناسبة و المناسبة بين الخلق و الحق غير معقولة و لا موجودة فلا يكون عنه شي‏ء من حيث ذاته و لا يكون عن شي‏ء من حيث ذاته و كل ما دل عليه الشرع أو اتخذه العقل دليلا إنما متعلقة الألوهة لا الذات و الله من كونه إلها هو الذي يستند إليه الممكن لإمكانه فلنذكر ما يتعلق بفصول هذا المنزل على الاختصار إن شاء الله‏ اعلم أن هذا المنزل هو الرابع من منزل العظمة في حق أصحاب البدايات و هو الحادي عشر و العاشر و مائة في حق الأكابر الروحانيين و لما كانت الحضرة الإلهية تنقسم إلى ثلاثة أقسام ذات و صفات و أفعال كان هذا المنزل أحدها و هو الثالث منها و لما كانت الصفات على قسمين صفة فعل و صفة تنزيه كان هذا المنزل صفة التنزيه منهما فأما تنزيه التوحيد فهو أن هذا التوحيد الذي ننسبه إلى جناب الحق منزه أن ينسب إلى غير الحق فهو المنزه على الحقيقة لا الحق و إنما قلنا هذا لأنه يجوز أن يوصف به غير الحق فيما يعطيه اللفظ كما وقعت المشاركة في إطلاق لفظة الوجود و العلم و القدرة و سائر الأسماء في حق الحق و الخلق فهذا المنزل ينزه هذا التوحيد المنسوب إلى الله أن يوصف به غيره فإنه توحيد الذات من جميع الوجوه و لا يوصف بهذا التوحيد غيره لا في اللفظ و لا في المعنى و كانت ذات الحق المنسوب إليها هذا التوحيد لا يتعلق بها تنزيه لأنه لا يجوز عليها فتبعد عن وصفها الذي يجوز عليها إذ كانت في نفس الأمر منزهة لا بتنزيه منزه و أما إذا كان تنزيه التوحيد متعلقة الحق سبحانه فيكون منزها من حيث ذاته بلسان عين هذا الوصف الذي هو التوحيد له كثناء لسان صفة الكرم بالكريم لقيامه به لا بقول القائل و دليل الناظر إنه سبحانه واحد فقد كان له هذا الوصف و لا أنت و له هذا الوصف و أنت أنت و إذا كان هذا الأمر على هذا الحد فما ثم موجود يصح أن يضمر قبل الذكر إلا من يستحق الغيب المطلق الذي لا يمكن أن يشهد بحال من الأحوال فيكون ضمير الغيب له كالاسم الجامد العلم للمسمى يدل عليه بأول وهلة من غير أن يحتاج إلى ذكر متقدم مقرر في نفس السامع يعود عليه هذا الضمير فلا يصح أن يقال هو إلا في الله خاصة فإذا أطلق على غير الله فلا يطلق إلا بعد ذكر متقدم معروف بأي وجه كان مما يعرف به فيقال هو و عين محل هذا الضمير مشهود عند من لا يصح أن يقال فيه هو لحضوره عنده فيزول عنه اسم الهو بالنظر إلى ذلك و يثبت له اسم الهو بالنظر إلى من غاب عنه فإن قيل إذا صح ما قررته فإنه سبحانه مشهود لنفسه فيزول عنه الهو بالنظر إلى شهوده نفسه فإذا الهو ليس له بمنزلة الاسم العلم كما زعمت قلنا و إن شهد نفسه فإن الهوية معلومة غير مشهودة و هي التي ينطلق عليها اسم الهو هذا على مذهبنا و هو مذهب أهل الحق كيف و ثم طائفة تقول إنه لا يعلم نفسه فلا يزال الهو له منا و منه قال تعالى في أول سورة الإخلاص لنبيه عليه السلام قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فابتدأ بالضمير و لم يجر له ذكر متقدم يعود عليه في نفس القرآن و إن كانت اليهود قد قالت له انسب لنا ربك فربما يتوهم صاحب اللسان أن هذا الضمير يعود على الرب الذي ذكرته اليهود و لتعلم إن هذا الضمير لا يراد به الرب الذي ذكرته اليهود لأن الله يتعالى أن يدرك معرفة ذاته خلقه و لذلك قال هُوَ الله و ما ذكر في السورة كلها شيئا يدل على الخلق بل أودع تلك السورة التبري من الخلق فلم يجعل المعرفة به نتيجة عن الخلق فقال تعالى وَ لَمْ يُولَدْ و لم يجعل الخلق في وجوده نتيجة عنه كما يزعم بعضهم بأي نسبة كانت فقال تعالى لَمْ يَلِدْو نفى التشبيه بأحدية كل أحد بقوله وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ و أثبت له أحدية لا نكون لغيره و أثبت له الصمدانية و هي صفة تنزيه و تبرئة فارتفع إن يكون الضمير يعود على الرب المذكور المضاف إلى الخلق في قولهم له صلى الله عليه و سلم انسب لنا ربك فأضافوه إليه لا إليهم و لما نسبه صلى الله عليه و سلم بما أنزل عليه لم يضفه لا إليه و لا إليهم بل ذكره بما يستحقه جلاله فإذا ليس الضمير في هو الله يعود على من ذكر و أين المطلق من المقيد فهوية المقيد ليست هوية المطلق فهوية المقيد نسبة تتعلق بالكون فتتقيد به إذ تقيد الكون بها فيقال خالق و مخلوق و قادر و مقدور و عالم و معلوم و مريد و مراد و سميع و مسموع و بصير و مبصر و مكلم و مكلم و الحي ليس كذلك فهو هويته لا تعلق له بالكون و ليس القيوم كذلك فإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن الإضمار قبل الذكر لا يصح إلا على الله و بعد الذكر تقع فيه المشاركة قال تعالى الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فأعاد الضمير على الله المذكور في أول الآية و اعلم أن التوحيد الذي يؤمر به العبد أن يعلمه أو يقوله ليس هو التوحيد الذي يوحد الحق به نفسه فإن توحيد الأمر مركب فإن المأمور بذلك مخلوق و لا يصدر عن المخلوق إلا ما يناسبه و هو مخلوق عن مخلوق فهو أبعد في الخلق عن الله من الذي وجد عنه هذا التوحيد على كل مذهب من نفاة الأفعال عن المخلوقين و مثبتيها لأن النفاة قائلون بالكسب و غير النفاة قائلون بالإيجاد فكيف يليق بالجناب العزيز ما هو مضاف إلى الخلق و إن كنا تعبدنا به شرعا فنقرره في موضعه و نقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه مع ثبوت قدمنا فيما أشهدنا الحق من المعرفة به من كونه لا يعرف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و فيما ذكره في سورة الإخلاص و في عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و العزة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته و من أسرار هذا المنزل قوله لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً فإن كان لو حرف امتناع و لكنه امتناع شي‏ء لامتناع غيره فهو عدم لعدم فإذا جاء حرف لا بعد لو كان لو حرف امتناع لوجود و لم يأت في هذه الآية لا فنفى الإرادة أن تتعلق باتخاذ الولد و لم يقل إن يلد ولدا فإنه يقول لَمْ يَلِدْ و الولد المتخذ يكون موجود العين من غير أن يكون ولدا فيتبنى بحكم الاصطفاء و التقريب في المنزلة أن ينزله من نفسه منزلة الولد من الوالد الذي يكون له عليه ولادة و الحقيقة تمنع من الولادة و التبني لأن النسبة مرتفعة عن الذات و النسبة الإلهية من الله لجميع الخلق نسبة واحدة لا تفاضل فيها إذا لتفاضل يستدعي الكثرة فلهذا أتى بلفظة لو و لم يجعل بعدها لفظة لا فكان حرف امتناع أي لم يقع ذلك و لا يقع لامتناع الذات إن توصف بما لا تستحقه و لهذا قال ما اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً بعد قوله تعالى وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا فوصفه بالعلو عن قيام هذا الوصف لعظمة الرب المضاف إلى المربوب بالذكر فكيف بالرب من غير إضافة لفظية فكيف بالاسم الله فكيف بالذات من غير اسم فأعظم من هذا التنزيه ما يكون و أما نفي الكفاءة و المثل فربما يتوهم من لا معرفة له بالحقائق أنه لو وجدت الكفاءة جاز وقوع الولد بوجود الصاحبة التي هي كفؤ فليعلم إن الكفاءة مشروعة لا معقولة و الشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكف‏ء و لم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكف‏ء له و لهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين و ليس للمرأة أن ينكحها عبدها و الحق ليس بمخلوق و هو الوالد لو كان له ولد و الكفاءة من جهة الصاحبة لا تلزم فارتفع المانع لوجود الولد لا لعدم الكفاءة بل لما تستحقه الذات من ارتفاع النسب و النسب و لما تستحقه أحدية الألوهة إذا لولد شبيه بأبيه فبطل مفهوم من حمل ما اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً على جواز ذلك إذ كان متخذا و كان المفهوم منه و من نفي الكف‏ء و المثل ما ذكرناه و لما كان التنزيه للذات على ما قررناه بطل أن تكون المعرفة به القائمة بنا نتيجة عن معرفتنا بنا لاستنادنا إليه من حيث إمكاننا و إن ذلك لا يتضمن معرفة ذاته بالصفة الثبوتية النفسية التي هو عليها بالأصح من ذلك إلا الاستناد لذات منزهة عما ينسب إلينا مجهولة عندنا ما ينسب إليها من حيث نفسيتها فلا يعرف سبحانه أبدا و إذا كانت المعرفة به من النزاهة و العلو بهذا الحد فأحرى إن يكون وجوده معلولا لعلة تتقدمه في الرتبة أو مشروطا بشرط متقدم أو محققا لحقيقة حاكة أو مدلولا لدليل يربطه به وجه ذلك الدليل فلا جامع سبحانه بيننا و بينه من هذه الجوامع الأربعة فالتحقت المعرفة به منا بوجوده في النزاهة و الرفعة عن الإدراك لها و كما لم يصح أن ينتجه شي‏ء فلا تكون هويته أيضا من حيث هويته لا من حيث مرتبته تنتج شيئا إذ لو ارتبط به شي‏ء من حيث هويته لارتبطت‏هويته بذلك الشي‏ء فلا يصح أن يكون علة لمعلول و لا شرطا لمشروط و لا حقيقة لمحقق و لا دليلا لمدلول و لا سيما و قد قال سبحانه لَمْ يَلِدْ مطلقا و ما قيد فلو كان حقيقة لولد محققا و لو كان دليلا لولد مدلولا و لو كان علة لولد معلولا و لو كان شرطا لولد مشروطا فهو سبحانه المستند المجهول الذي لا تدركه العقول و لا تفصل إجماله الفصول فهذا أيضا وجه من وجوه تنزيه التوحيد و أما ما يتعلق بالواحد و الأحد من التوحيد في أحديته فإن لفظ الأحدية جاءت ثابتة الإطلاق على من سواه فقال وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و إن كان المفهوم منه بالنظر إلى تفسير المعاني على طريق أهل الله أنه لا يعبد من حيث أحديته لأن الأحدية تنافي وجود العابد فكأنه يقول لا يعبد إلا الرب من حيث ربوبيته فإن الرب أوجدك فتعلق به و تذلل له و لا تشرك الأحدية مع الربوبية في العبادة فتتذلل لها كما تتذلل للربوبية فإن الأحدية لا تعرفك و لا تقبلك فيكون تعبد في غير معبد و تطمع في غير مطمع و تعمل في غير معمل و هي عبادة الجاهل فنفى عبادة العابدين من التعلق بالأحدية فإن الأحدية لا ثبت إلا لله مطلقا و أما ما سوى الله فلا أحدية له مطلقا فهذا هو المفهوم من هذه الآية عندنا من حيث طريقنا في تفسير القرآن و يأخذ أهل الرسوم من ذلك قسطهم أيضا تفسيرا للمعنى فيحملون الأحد المذكور على ما اتخذوه من الشركاء و هو تفسير صحيح أيضا فالقرآن هو البحر الذي لا ساحل له إذ كان المنسوب إليه يقصد به جميع ما يطلبه الكلام من المعاني بخلاف كلام المخلوقين و إذا علمت هذا علمت المراد بقوله جل ثناؤه لنبيه عليه السلام قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ أي لا يشارك في هذه الصفة و أما الواحد فإنا نظرنا في القرآن هل أطلقه على غيره كما أطلق الأحدية فلم أجده و ما أنا منه على يقين فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية و يكون اسما للذات علما لا يكون صفة كالأحدية فإن الصفة محل الاشتراك و لهذا أطلقت لاحدية على كل ما سوى الله في القرآن و لا يعتبر كلام الناس و اصطلاحهم و إنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام الله فإن وجد في كلام الله لفظ الواحد كان حكمه حكم لاحدية للاشتراك اللفظي فيه و إن كان لا يوجد في كلام الله لفظ الواحد يطلق على الغير فيلحقه بخصائص ما تستحقه الذات و يكون كالاسم الله الذي لم يتسم به أحد سواه و مما يتعلق بهذا المنزل من التنزيه الخاص به ما يحصل من المعارف التي ذكرناها في كتاب مواقع النجوم في التجلي الصمداني و لا نريد بذلك ما أراد العارف أبو عبد الله البستي في كتابه الذي جعله في عبد الرب و عبد الصمد فإن الصمد الذي نريده لا يضاف و لا يضاف إليه فإن المتضايفين لا بد أن يكون لهما بينية فيكون بينهما نسبة رابطة بها يصح أن تكون الإضافة محققة لهما فالصمد الذي أراده البستي بعبد الصمد هو الذي يلجأ إليه و يتعلق به و يقابل بالتوجه و لهذا نهت الشريعة للمصلي إذا استتر بأصطوانة أو عصا أو مؤخرة رحل أو ما هو مثلها أن يصمد إليها صمدا و لكن ينحرف عنها قليلا يمينا أو شمالا و ليس من أوصاف التنزيه من يصمد إليه و لكنه من أوصاف الكرم فالصمدية المطلقة عن هذا التقييد هي التي تستحق أن تكون صفة تنزيه إذ لا تعلق للكون بها و هي المطلوبة في هذا المنزل و شرحها في اللغة مذكور الأسماء الإلهية و اعلم أن هذا المنزل و إن كان يطلب الأحدية و التنزيه من جميع الوجوه فإنه يظهر في الكشف الصوري المقيد بالظاهر كالبيت القائم على خمسة أعمدة عليها سقف مرفوع محيط به حيطان لا باب فيها مفتوح فليس لأحد فيه دخول بوجه من الوجوه لكن خارج البيت عمود قائم ملصق إلى حائط البيت يتمسح به أهل الكشف كما يقبلون و يتمسحون بالحجر الأسود الذي جعله الله خارج البيت و جعله يمينا له و أضافه إليه لا إلى البيت كذلك هذا العمود لا يضاف إلى هذا المنزل و إن كان منه إلا أنه ليس هو خاصا به فإنه موجود في كل منزل إلهي و كأنه ترجمان بيننا و بين ما تعطيه المنازل من المعارف و قد نبه على ذلك ابن مسرة الجبلي في كتاب الحروف له و هذا العمود له لسان فصيح يعبر لنا عما تحويه المنازل فنستفيد منه علم ذلك و من المنازل ما ندخل فيه و نمشي في زواياه فنجد الأمر على حد ما عرفناه فيه و من المنازل ما لا سبيل لنا إلى الدخول فيه مثل هذا المنزل فنأخذ من هذا العمود التعريف بحكم التسليم فإنه قد قام الدليل لنا على عصمته فيما يخاطبنا به في عالم الكشف كالرسول في عالم الحس فهو لسان حق و من الناس من يلحقه بأعمدة البيت فإن بعض الحائط عليه و لا يظهر لنا منه إلا وجه واحد و سائره مستور في الحائط فيقول بعض المكاشفين إن البيت قائم على ستة أعمدة فلا تناقض بين مثبتي الخمسة و الستةفي قيام البيت عليها فقد بينا لك ذلك حتى لا تتخيل أن الحق في أحد القولين و مع إحدى الطائفتين فكل طائفة منهما صادقة فلهذا أخبرتك بكيفية ذلك و هكذا جميع ما يظهر للناس أنهم اختلفوا فيه فليس بين القوم بحمد الله خلاف فيما يتحققون به بل هم في شغلهم أصح و أحق من أهل الحس فيما يدركونه بحواسهم و اعلم أن الدخول لهذا المنزل من الدينار الثاني الذي للرجولية و النهاية فيه إلى الدينار الرابع و هو تمام الرجولية التي بها يسمى الشخص رجلا كما قد قدمناه في ترتيب الايمان و الولاية و النبوة و الرسالة و لا خامس لها يكون خامس خمسة بل قد يكون لها خامس أربعة فاعلم ذلك و إذا تفطنت إلى ما فصله الحق تعالى عرفت أنت تفصيله فيما أجمله في قوله وَ لا أَدْنى‏ من ذلِكَ يعني الاثنين وَ لا أَكْثَرَ يعني السبعة فما فوقها من الأفراد ففصل الحق بقوله ما يَكُونُ من نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ و لم يقل و لا أربعة إلا هو خامسهم فعرفنا من أدنى ذلك و أكثر أنه يريد الأفراد يشفعها بما ليس منها فتحققنا إن الغيرة حكمت هنا فلم تثبت لأحد فردية إلا شفعتها هوية الحق حتى لا تكون الأحدية إلا له فلا يشفع فرديته مخلوق و يشفع هو فردية المخلوقين و لذلك قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و لم يقل و أنتم معه لأنه مجهول المصاحبة فيعلم سبحانه كيف يصحبنا و لا نعرف كيف نصحبه فالمعية له ثابتة فينا منفية عنا فيه فلم يقل و لا أربعة إلا هو خامسهم و لا اثنين إلا هو ثالثهما لأن الغيرة لا تتعلق بالشفعية في الأكوان لأن الشفع لها حقيقة و إنما تتعلق بالوترية إذا نسبت إلى الأكوان و هي لا تستحقها فنوترها بالحق ليكون الظهور له تعالى في الأشياء و هذا من أقوى الدلائل على وصفه تعالى بالغيرة لأنها مشتقة من رؤية الغير لأنه يستدعي المشاركة و الله بري‏ء من مشاركة الغير فهو بري‏ء أن يكون غير الأحد أو يكون أحد غير إله‏ قال صلى الله عليه و سلم لا أحد أو كما قال أغير من الله‏ فوصفه بالغيرة و حكمها في هذا المقام قوي فهذا قد ذكرنا نبذا مما يعطيه هذا المنزل على ضيق الوقت وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و في هذا المنزل من العلوم علم الأحدية و الفرق بينها و بين الوحدانية و علم النسب الإلهي‏ يقول الله تعالى يوم القيامة اليوم أضع نسبكم و أرفع نسبي أين المتقون‏ و علم البسائط و العلم الضروري و علم التماثل وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏