قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و السبعون و مائتان في معرفة منزل الألفة و أسراره من المق

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
منزل الألفة لا يدخله‏غير موجود على صورته‏
فتراه عند ما تبصرهنازلا فيه على سورته‏
حاكما فيه بما يعلمهجاريا فيه على سيرته‏
فاصطفاه الحق مرآة لهفلهذا زاد في سورته‏
فنهاه الله أعلاما لهأن ذاك النهي من غيرته‏
عند ما حجر ما كان لهمطلقا نزه عن حيرته‏
أكل المنهي عنه فبدترتبة الأكل في عورته‏
فدرى حين رآها إنهازلة جاءته من جيرته‏

لا يتألف اثنان إلا لمناسبة بينهما فمنزل الألفة هي النسبة الجامعة بين الحق و الخلق و هي الصورة التي خلق عليها الإنسان و لذلك لم يدع أحد من خلق الله الألوهية إلا الإنسان و من سواه ادعيت فيه و ما ادعاها قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏و ما في الخلق من يملك سوى الإنسان و ما سوى الإنسان من ملك و غيره لا يملك شيئا يقول تعالى في إثبات الملك للإنسان أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ و ما ثم موجود من يقر له بالعبودية إلا الإنسان فيقال هذا عبد فلان و لهذا شرع الله له العتق و رغبة فيه و جعل له ولاء العبد المعتق إذا مات عن غير وارث كما إن الورث لله من عباده قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها و ما ثم موجود يقبل التسمية بجميع الأسماء الإلهية إلا الإنسان و قد ندب إلى التخلق بها و لهذا أعطى الخلافة و النيابة و علم الأسماء كلها و كان آخر نشأة في العالم جامعة لحقائق العالم مما اختص الله بها ملكه كله و صورته و من نشأته أيضا الطبيعية القائمة من الأربع الطبائع مع القوة الناطقة التي اختص بها في طبيعته دون غيره مما خلق من الطبيعة كالصورة الإلهية القائمة على أربع الذي لا يعطي الدليل العقلي غيرها و هي الحياة و العلم و القدرة و الإرادة فبهذه صح إيجاد العالم له و كان هو إلها بها إذ لو جرد عن هذه النسب لما كان إلها للعالم و هو المثل المقرر في القرآن الذي لا يماثل في قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ أي ليس مثل مثله شي‏ء فأثبت المثلية له بالإنسان تنزيها له تعالى أي إذا كان المثل المفروض لا يماثل فهو تعالى أبعد و أنزه أن يماثل و في السنة خلق آدم على صورته و نفى بهذه الآية أن يماثل هذا المثل و جعل له غيبا و شهادة و لما كان الإنسان بهذه المثابة كانت الألفة بينه و بين ربه فأحبه و أحبه و لهذا ورد أن السماء و الأرض يعني العلو و السفل ما وسعه و وسعه قلب المؤمن التقى الورع‏ و هذا من صفة الإنسان لا من صفة الملك هذا و إن شورك الإنسان في كل ما ذكرناه إلا إن الإنسان امتاز عن الكل بالمجموع و بالصورة فاعلم هذا فلا تصح العبودية المحضة التي لا يشوبها ربوبية أصلا إلا للإنسان الكامل وحده و لا تصح ربوبية أصلا لا تشوبها عبودة بوجه من الوجوه إلا لله تعالى فالإنسان على صورة الحق من التنزيه و التقديس عن الشوب في حقيقته فهو المألوه المطلق و الحق سبحانه هو الإله المطلق و أعني بهذا كله الإنسان الكامل و ما ينفصل الإنسان الكامل عن غير الكامل إلا برقيقة واحدة و هي أن لا يشوب عبوديته ربوبية أصلا و لما كان للإنسان الكامل هذا المنصب العالي كان العين المقصودة من العالم وحده و ظهر هذا الكمال في آدم عليه السلام في قوله تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها فأكدها بالكل و هي لفظة تقتضي الإحاطة فشهد له الحق بذلك كما ظهر هذا الكمال في محمد صلى الله عليه و سلم أيضا بقوله فعلمت علم الأولين و الآخرين‏ فدخل علم آدم في علمه فإنه من الأولين و ما جاء بالآخرين إلا لرفع الاحتمال الواقع عند السامع إذا لم يعرف ما أشرنا إليه من ذلك و هو صلى الله عليه و سلم قد أوتي جوامع الكلم بشهادته لنفسه و اختلف أصحابنا في أي المقامين أعلى من شهد له الحق أو من شهد لنفسه بالحق كيحيى و عيسى عليهما السلام فأما مذهبنا في ذلك فإن الشاهد لنفسه الصادق في شهادته أتم و أعلى و أحق لأنه ما شهد لنفسه إلا عن ذوق محقق بكماله فيما شهد لنفسه به مرتفعة شهادته تلك عن الاحتمال في الحال فقد فضل على من شهد له برفع الاحتمال و الذوق المحقق فهذا المقام أعلى و ليس من شأن المنصف الأديب العالم بطريق الله أن يتكلم في تفاضل الرجال و إن علم ذلك فيمنعه الأدب فلهذا قلنا الأديب و إنما يتكلم في تفاضل المقامات فيخرج عن العهدة في ذلك و يسلم له الحال عن المطالبة فيه إذ كانت المقامات ليس لها طلب و كان الطلب للموصوفين بها فالأديب حاله ما ذكرناه و هذا الذي ذكرناه كله يشهده من حصل في هذا المنزل و له من الحروف ألفة اللام بالألف و هو أول حرف مركب من الحروف فوحده الشكل فلم يعرف الألف من اللام فالحق بالمفردات فكأنهما حرف واحد لما تعذر الانفصال و لم يتميز شكل اللام فيه من شكل الألف فلم يدركه البصر فإن قيل إن السمع يدركه بقوله لا فليعلم إن اللام تحتمل الحركة و الألف لا تحتمل الحركة فلم يتمكن النطق بالألف فينطق باللام مشبعة الحركة لظهور الألف ليعلم أنه أراد لام الألف لا لام غيره من الحروف حتى يرقمه الراقم على صورته الخاصة به فلا تمتاز الألف من اللام لتمكن الألفة كذلك الإنسان إذا كان الحق سمعه و بصره كما ورد في الخبر يرتبط بالحق ارتباط اللام بالألف و لهذا تقدم في حروف شهادة التوحيد في لفظة لا إله إلا الله فنفى بحرف الألفة ألوهة كل إله أثبته الجاهل المشرك لغير الله فنفى ذلك بحرف يتضمن العبد و الرب فإنه يتضمن مدلول اللام و الألف كما قال عليه السلام آمنت بهذا أنا و أبو بكر و عمر فشركهما معه بنفسه في الايمان و لم يكونا حاضرين أو كانافناب عنهما فلما شهد الحق لنفسه بالتوحيد شهد عنه و عن عبده بذلك فأتى بحرف لام ألف و لهذا سمي لام ألف و لم يقل لام الألف بالتعريف فسمي باسم الحرفين لئلا يتخيل السامع إذا جاء به معرفا إنه أراد الإضافة و ما أراد هذا الحرف المعين فجرى مجرى رام‏هرمز و بعلبك و لم يجر مجرى عبد الله و عبد الرحمن و لهذا اختلف في موضع الإعراب من بعلبك و رام‏هرمز و بلال‏آباد و لم يختلف في موضع الإعراب من عبد الله و عبد الرحمن لأن المسمى بذلك قصد به الإضافة و لا بد فمن أجرى هذه الأسماء مجرى الاسم المضاف جعل محل الإعراب آخر الاسم الأول و من أجراه مجرى زيد جعل محل الإعراب آخر الاسم الثاني كذلك وقع الاختلاف في حرف لام ألف إذا وقع في الخط في تعيين أي فخذ من هذا الحرف هو اللام و أي فخذ هو الألف و اختلفت مراعاة الناس في ذلك فمن قاس الخط على اللفظ كان اللام عنده الذي يبتدئ به الكاتب سواء كان الفخذ المتقدم في الترتيب أو المتأخر و من لم يحمله على النطق به بقي على الخلاف و جعل له التخيير في ذلك فيجعل أي شي‏ء أراد اللام من الفخذين و أي شي‏ء أراد الألف إذ كان كل واحد منهما على صورة الآخر للالتفاف الذي أخرج اللام عن حقيقته كذلك الإنسان الكامل و الحق في الصورة التي تنزلت منزلة الالتفاف فإن نسبت الفعل إلى قدرة العبد كان لذلك وجه في الإخبار الإلهي و إن نسبت الفعل إلى الله كان لذلك وجه في الإخبار الإلهي و أما الأدلة العقلية فقد تعارضت عند العقلاء و إن كانت غير متعارضة في نفس الأمر و لكن عسر و تعذر على العقلاء تمييز الدليل من الشبهة و كذلك في الإخبار الإلهي يتعذر و كذلك في حقيقة العبد متعذر لتعلق الأمر به فلا يؤمر إلا من له قدرة على فعل ما يؤمر به و تمكن من ترك ما ينهى عنه فيعسر نفي الفعل عن المكلف الذي هو العبد لارتفاع حكمة الخطاب في ذلك و الإخبار الآخر و الوجه الآخر العقلي يعطي أن الفعل المنسوب إلى العبد إنما هو لله فقد تعارضا خبرا و عقلا و هذا موضع الحيرة و سبب وقوع الخلاف في هذه المسألة بين العقلاء في نظرهم في أدلتهم و بين أهل الأخبار في أدلتهم و لا يعرف ذلك إلا أهل الكشف خاصة من أهل الله و كون الإنسان على الصورة يطلب وجود الفعل له و التكليف يؤيده و الحس يشهد له فهو أقوى في الدلالة و لا يقدح فيه رجوع كل ذلك إلى الله بحكم الأصل فإنه لا ينافي هذا التقرير و لهذا ضعفت حجة القائلين بالكسب لا من كونهم قالوا بالكسب فإن هؤلاء أيضا يقولون به لأنه خبر شرعي و أمر عقلي يعلمه الإنسان من نفسه و إنما تضعف حجتهم في نفيهم الأثر عن القدرة الحادثة و بعد أن علمت هذا الفصل من منزل الألفة فلنشرع فيما يرجع إلى تحقيقه في غير هذا النمط مما يتضمنه على جهة الإفصاح عنه‏ فاعلم إن هذا المنزل هو منزل سفر الأبدال السبعة المجتمعين المتألفين مع القبض الذي هم عليه بعضهم عن بعض و إنكار بعضهم على بعض مع وجود الصفاء فيما بينهم و لهم سفران في باب المعرفة سفر منهم إلى الإله في مظاهره و سفر آخر منهم أيضا إلى الذات فسفرهم إلى الإله من ربوبيتهم و سفرهم إلى الذات من ذواتهم فإذا أرادوا السفر إلى الذات قصدوا اليمن و إذا أرادوا السفر إلى الإله قصدوا الشام و بلاد الشمال و أي جهة قصدوا فإن استعدادهم على السواء في القدر الذي يحتاجون إليه و إن تنوع فإن الأغذية تتنوع بتنوع الجهات فلا يؤخذ من الزاد إلى كل جهة إلا ما يصلح مزاج المسافر إلى تلك الجهة لئلا يحول بينه و بين مقصده مرض للأهواء المختلفة في الجهات و أثرها في المزاج فلا بد أن يختلف الاستعداد على إن إقامتهم قليلة في السفرين و يعودون إلى مواطنهم فإذا قصدوا اليمن لم يقيموا فيه سوى أربعة و عشرين يوما يحصلون فيها مرادهم و يرجعون إلى سنة أخرى و إذا قصدوا الشمال لم يقيموا فيه إلا ستة أيام يحصلون فيها مرادهم و يرجعون إلى سنة أخرى و سفرهم روحاني لا جسماني فأما العلوم التي يستفيدونها في سفرهم إلى اليمن فعلوم الاصطلام و علم السبحات من وراء الحجب علم ذوق و أما العلوم التي يستفيدونها في سفرهم إلى الشمال فعلوم زيادات اليقين بما يتجلى لهم و علم العبودية و القبض و ما تنتجه الخلوات علم ذوق و موطنهم الذي يستقرون فيه مكة فإن التنزل في روحانيتها أتم التنزل لأنها كما قال تعالى أُمَّ الْقُرى‏ و قال يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فعم و قال فيه رِزْقاً من لَدُنَّا فما أضافه إلى غيره فهي علوم وهب تحيا بها أرواحهم و لم يقل ذلك في غير مكة و لا تحصل هذه العلوم التي أشرنا إليها إلا لمن‏كان حاله الذلة و الافتقار و مقامه الجلال و القبض و الهيبة و الخوف فإذا كانت أوصاف العبد ما ذكرناه منحه الله العزة و الغني في حاله و الجمال و البسط و الأنس به و الرجاء في غيره لا في نفسه فإنه في حق نفسه من ربه في أمان لأنه قد بشر كما قال لَهُمُ الْبُشْرى‏ في الْحَياةِ الدُّنْيا و بشارة الحق حق لا يدخلها نسخ فيؤمن بوجودها المكر و لكن إذا كان نصا و في هذا المنزل ذوق عجيب لا يكون في غيره و هو أنه إذا كنت في حال من الأحوال فإن الحق يهبك في تلك الحال علما من ذلك الحال لا تخرج عنه مثل الذي ينتقل من العلم بالشي‏ء إلى معاينة ذلك الشي‏ء فلم يحصل له إلا مزيد وضوح في عين واحدة كذلك هذا المنزل و هو منزل منه يعلم الجمع بين الضدين و هو وجود الضد في عين ضده و هذا العلم أقوى علم تعلم به الوحدانية لأنه يشاهد حالا لا يمكن أن يجهله إن عين الضد هو بنفسه عين ضده فيدرك الأحدية في الكثرة لا على طريقة أصحاب العدد فإن تلك طريقة متوهمة و هذا علم مشهود محقق و ممن تبرز في هذا المنزل المبارك أبو سعيد الخراز من المتقدمين و كنت أسمع ذلك عنه حتى دخلته بنفسي و حصل لي ما حصل فعرفت أنه الحق و أن الناس في إنكارهم ذلك على حق فإنهم ينكرونه عقلا و ليس في قوة العقل من حيث نظره أكثر من هذا و من أعطى ما في وسعه من حيث ما تقتضيه تلك الجهة فقد و في الأمر حقه و هذا الذي استقر عليه قدمنا و ثبت فلا ننكر على مدع ما يدعيه إلا الإنكار الذي أمرنا به فننكره شرعا و هذا الإنكار حقيقة أيضا لا نشهد إلا هيأة يجب الإنكار بها و فيها كما أنكرنا ذلك عقلا فللشرع قوة لا يتعدى بها ما تعطيه حقيقتها كما فعلنا في العقل و للذوق قوة نعاملها به أيضا كما عاملنا سائر ما نسب إليه القوي بحسب قوته فنحن مع الوقت فننكر مع العقل ما ينكره العقل لأن وقتنا العقل و لا ننكره كشفا و لا شرعا و ننكر مع الشرع ما ينكره الشرع لأن وقتنا الشرع و لا ننكره كشفا و لا عقلا و أما الكشف فلا ينكر شيئا بل يقرر كل شي‏ء في رتبته فمن كان وقته الكشف أنكر عليه و لم ينكر هو على أحد و من كان وقته العقل أنكر و أنكر عليه و من كان وقته الشرع أنكر و أنكر عليه فاعلم ذلك‏ اعلم أن لهذا المنزل حالا لا يكون لغيره و هو أنه يعطي تحصيل هوية الأسماء الإلهية و هذا خلاف ما تعطيه حقيقة الهو فإن الهو من حقيقته أنه لا يتحصل و لا يشاهد أبدا إلا في هذا المشهد و المنزل فإن عين الظاهر فيه هو بنفسه عين الباطن غير أن هوية الحق لا تدخل في هذا المنزل و إنما قلنا ذلك في هوية الأسماء الإلهية من كون هويتها لا من أنانيتها و اعلم أن هذا المنزل إذا دخلته تجتمع فيه مع جماعة من الرسل صلوات الله عليهم فتستفيد من ذوقهم الخاص بهم علوما لم تكن عندك فتكون لك كشفا كما كانت لهم ذوقا فيحصل لك منهم علم الأدلة و العلامات فلا يخفى عليك شي‏ء في الأرض و لا في السماء إذا تجلى لك إلا تميزه و تعرفه حين يجهله غيرك ممن لم يحصل في هذا المنزل و هو علم كشف لأنك تشهده بالعلامة لا تراه من نفسك لأنه ليس بذوق لك و يحصل لك منهم علم القدم و هو علم عزيز به يكون ثباتك على ما يحصل لك من الأسرار و العلوم بعد انفصالك عن الحضرات التي يحصل لك فيها ما يحصل من العلم و الأسرار فكثير من الناس من نسي ما شاهده فإذا حصل له هذا العلم من هذا النبي يثبت فيه ثبات الأنبياء و يحصل لك منهم أيضا علم الشرائع في العالم و من أين مأخذها و كيف أخذت و لما ذا اختلفت في بعض الأحكام و فيما ذا اتفقت و اجتمعت حتى إن صاحب هذا الكشف لو لم يكن مؤيدا في كشفه لأدعى النبوة و لكن الله أيد أولياءه و عصمهم عن الغلط في دعوى ما ليس لهم لخروجهم عن حظوظ نفوسهم عند الخلق لكنهم لا يخرجون عن حظوظها عند الحق و لا يصح أن يطلب الحق للحق و إنما يطلب للحظ فإن فائدة الطلب التحصيل للمطلوب و الحق لا يحصل لأحد فلا يصح أن يكون مطلوبا لعالم فلم يبق إلا الحظ و من هذا العلم يداوي العشاق إذا أفرطت فيهم المحبة من هذه الحضرة يستخرج لهم دواء الراحة مما هم فيه من العذاب الذي يعطيه العشق من القلق و الكمد و الانزعاج و يحصل من مشاهدة هؤلاء الأنبياء أيضا علم ما يحتاج إليه نواب الحق في عباده من الرحمة و القهر و الشدة و اللين و ما يعاملون به الخلق و ما يعاملون به الحق و ما يعاملون به أنفسهم إذا كانوا نوابا فيستفيد هذا كله و إن لم يحصل له درجة النيابة في العامة و لكنه نائب الله في عالمه الخاص به الذي هو نفسه و أهله و ولده إن كان ذا أهل و ولد و يحصل له منهم السر الذي به يحيي الجاهل من موت جهله و ما يحيي الله به الموتى فإنه راجع إلى منزل الألفة لأن الحياةللشي‏ء إنما تكون لتألفها به و نظرها إليه من اسمه الحي الذي ليس عن تأليف و يحصل أيضا علم الخلق التام في قوله مُخَلَّقَةٍ و لا يحصل له في هذا المنزل علم غير المخلقة و إنما يحصل ذلك لمن حصل من منزل آخر و في هذا المنزل يعلم من هؤلاء الأنبياء العلم التصوري و هو العلم بالمفردات التي لم تتركب و من هذا المنزل تلبس المعاني الصور فيصور المسائل العالم في نفسه ثم يبرزها إلى المتعلمين في أحسن صورة و هي المخلقة فإن أخطأ فمن غير هذا المنزل و من هذا المنزل يعلم سبب العشق الحاصل في العاشق ما هو و ما الرابطة بين العاشق و المعشوق حتى التف به على الاختصاص دون غيره و لما ذا يراه في عينه أجمل ممن هو أجمل منه في علمه و لما ذا يكون تحت سلطان المعشوق و إن كان عبده و لما ذا ينتقل الحكم على السيد للعبد إذا كان معشوقا له فيكون تحت أمره و نهيه لا يقدر في نفسه أن يتصور مخالفته فيما يأمره به عبده و كيف انتقلت السيادة إليه و انتقلت العبودية إلى الآخر السيد ظاهرة الحكم بالتصرف فيه و لما ذا يتخيل أنه يراه أعظم عنده من نفسه و أن سعادته في عبوديته و ذلته بين يديه مع أنه يحب الرئاسة بالطبع و لما ذا أثر في طبعه و تتبين له قوة الأرواح على الطبع و أن العشق روحاني فرده إلى ما تقتضيه حقيقة الروح فإن الروح لا رياسة عنده في نفسه و لا يقبل الوصف بها و يعلم هل ينقسم العشق إلى طبع و روح أو هو من خصائص الروح أو هو من خصائص الطبع لوجوده من الحيوان و النبات و يعلم لما ذا كان العشق من الإنسان لجارية أو غلام بحيث أن يفنى فيه و يكون بهذه المثابة التي ذكرناها و لا يستفرغ هذا الاستفراغ في حب من ليس بإنسان من ذهب و فضة و عقار و عروض و غير ذلك و هو علم شريف و لما ذا يستفرغ مثل هذا الاستفراغ في محبة الحق وحده دون ما ذكرناه و يعلم هل محبته للحق جزئية أم كلية و معنى ذلك أنه هل أحبه بكله من حيث طبعه و روحه أو من حيث روحه فقط لأن الحب الطبيعي لا يليق أن يتعلق من المحب بذلك الجناب و هل لذلك الجناب مظهر يمكن أن يتعلق به الحب الطبيعي أم لا كل ذلك من خصائص علم هذا المنزل و مما يستفيد من علوم هذا المنزل علم الزمان و لما ذا يرجع هل لأمر وجودي أو لأمر عدمي و هل الليل و النهار زمان أو دليل على إن ثم زمانا و هل حدث الليل و النهار في زمان و من هذا المنزل يعلم ترتيب الهياكل الموضوعة لاستنزال الأرواح و صورها و أشكالها و بنائها و ما ينقش عليها و ما ينفعل عنها و كم مدتها بعد معرفته هل لها مدة أم لا و يعلم علم الحروف و النجوم من حيث خصائصها و طبائعها و تأثيراتها التي فطرها الله عليها و فيمن تؤثر و بما ذا تحتجب عن تأثيرها و إذا قيدت بما ذا يطلق من قيدته عن تقييدها و إذا أطلق بما ذا يقيد من إطلاقه و يعلم من هذا المنزل ما أردناه بقولنا

الحق ما بين مجهول و معروف‏ فالناس ما بين متروك و مألوف‏
و الشأن ما بين و صاف و موصوففالحال ما بين مقبول و مصروف‏

فهذا بعض ما يحويه هذا المنزل و هو كثير وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏