اعلم أن التجلي الذاتي ممنوع بلا خلاف بين أهل الحقائق في غير مظهر و التجلي في المظاهر و هو التجلي في صور المعتقدات كائن بلا خلاف و التجلي في المعقولات كائن بلا خلاف و هما تجلى الاعتبارات لأن هذه المظاهر سواء كانت صور المعقولات أو صور المعتقدات فإنها جسور يعبر عليها بالعلم أي يعلم أن وراء هذه الصور أمر إلا يصح أن يشهد و لا إن يعلم و ليس وراء ذلك المعلوم الذي لا يشهد و لا يعلم حقيقة ما يعلم أصلا و أما التجلي في الأفعال أعني نسبة ظهور الكائنات و المظاهر عن الذات التي تتكون عنها الكائنات و تظهر عنها المظاهر و هو قوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فالحق سبحانه قرر في اعتقادات قوم وقوع ذلك و قرر في اعتقادات قوم منع وقوع ذلك و هو سبحانهقد ذكرنا أنه يتجلى في صور المعتقدات فمن عرف أن أفعال نفسه و غيره مخلوقة لله مع أنه يشاهدها عن قدرته و يعلم أنها عن القدرة الإلهية مع أنه لا يشهد تعلق قدرته أو قدرة غيره بمقدوره حالة إيجاده و إبرازه من العدم إلى الوجود يمنع إن يتجلى الحق في الأفعال إلا على حد ما وقع هنا فمنع وقوع هذا التجلي و من عرف أن أفعال نفسه مخلوقة له لا للقدرة القديمة مع أنه أيضا لا يعرفها مشاهدة إلا حال وجودها و لا يرى صاحب هذا الاعتقاد إذا أنصف تعلق قدرته بإيجادها و إنما يشهد تعلق الجارحة بالحركة القائمة قال بوقوع هذا التجلي ففيه خلاف بين أهل هذا الشأن لا يرتفع دنيا و لا آخرة غير أن الدنيا تقتضي بحالها أن يتنازعوا في هذا الأمر و غيره و في الجنة لا نزاع في ذلك لأن كل واحد قد قرره الحق على اعتقاده و أبقى عليه و همه في تلك الدار أنه متجل له في أفعاله و أبقى على الآخر علمه أنه لا يتجلى في أفعاله مع حصول تجلى من أبقى عليه و همه لمن أبقى علمه عليه بالمنع فصاحب المنع يشاهد من الحق ما يشاهده من يقول بوقوع التجلي في الأفعال فيعرف ما يشهد في ذلك التجلي كما يعرف هنا من يعقل معقولاته الصادرة عنه و ذلك الآخر لا يعلم من الله هذا الذي يعلمه من يقول بالمنع فحصل من هذا أن الأمر مشكل فهو سبحانه المثبت لذلك و النافي له فيما خاطبنا به هنا في كتبه و على ألسنة رسله و قرره في أفكار النظار لتاخذه العقول على حد ما قرره في الأفكار من المنع لذلك أو وقوعه و هذا الحجاب لا يرتفع أبدا و التكليف محقق من حيث إن الأفعال مكتسبة بلا خلاف بين الطائفتين و إنما الخلاف في الإيجاد عن أي القدرتين كان قال تعالى و تبين لكم كيف فعلنا بهم و هو أقوى حجة للقائلين بالوقوع و هو أقوى حجة للقائلين بالمنع أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فقرن الرؤية بإلى و جعل المرئي الكيف فيقول صاحب المنع لما لم نشهد هنا ذات الحق و هو يكيف مد الظل و لا رأيناه و إنما رأينا مد الظلال عن الأشخاص الكثيفة التي تحجب الأنوار أن تنبسط على الأماكن التي تمتد فيها ظلال هذه الأشخاص علمنا إن الرؤية في هذا الخطاب إنما متعلقها العلم بالكيف المشهود الذي ذكرناه و أن ذلك من الله سبحانه لا من غيره أي أنه لو أراد أن تكون الأشخاص الكثيفة منصوبة و الأنوار في جهة منها بمنع تلك الأشخاص انبساط النور على تلك الأماكن فيسمى منعها ظلالا أو يقبض تلك الظلال عن الانبساط على تلك الأماكن و لا يخلق فيها نورا آخر و لا ينبسط ذلك النور المحجوب على تلك الأماكن لما قصرت إرادته عن ذلك كما قال تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً و هو رجوع الظل إلى الشخص الممتد منه ببروز النور حتى يشهد ذلك المكان فجعل المقبوض إنما كان قبضه إلى الله لا إلى الجدار و في الشاهد و ما تراه العين إن سبب انقباض الظل و تشميره إلى جهة الشخص الكثيف إنما هو بروز النور فما في المسائل الإلهية ما تقع فيها الحيرة أكثر و لا أعظم من مسألة الأفعال و لا سيما في تعلق الحمد و الذم بأفعال المخلوقين فيخرجها ذلك التعلق أن تكون أفعال المخلوقين لغير المخلوقين حال ظهورها عنهم و أفعال الله كلها حسنة في مذهب المخالف الذي ينفي الفعل عن المخلوق و يثبت الذم للفعل بلا خلاف و لا شك عنده في تعلق الذم بذلك الفعل من الله و سببه الكسب لما وقع مخالفا لحمد الله فيه مأمورا كان يفعله فلم يفعله أو منهيا عن فعله ففعله و هذا فيه ما فيه و في مثل هذه المسائل قلت
فقد أوقفناك بما ذكرناه في هذا الباب على ما يزيدك حيرة فيه و بعد أن ذكرنا ما ذكرنا فاعلم أن هذا المنزل هو على الحقيقة منزل حيرة و مقام غيرة و من علوم هذا المنزل و هو داخل في باب الحيرة اتصاف العدم بالكينونة و هي تقتضيه و اتصاف الحق بجعل الموجودات في العدم و خلق العدم بحيث أن يقال فعل الفاعل لا شيء و لا شيء لا يكون فعلا و قد نسبه الحق إليه فقال إن يشأ يذهبكم أن يلحقكم بالعدم و يأت بخلق جديد فانظر كيف أضاف الإلحاق بالعدم إلى المشيئة و ليضفه إلى القدرة التي يقع الخلق و الجعل بها و الكتب الإلهية من هذا مشحونة و يحتوي عليها هذا المنزل و الصحيح في ذلك أن الموجودات إذا كانت كما قد ذكر لها أعيان ثابتة حال اتصافها بالعدم الذي هو للممكن لا للمحال فكما أبرزها للوجود و ألبسها حاله و عراها عن حال العدم فيسمى بذلك موجدا و تسمى هذه العين موجودة لا يبعد أن يردها إلى ما منه أخرجها و هي حالة العدم فيتصف الحق بأنه معدم لها و تتصف هي بأنها معدومة و لا يتعرض إلى العلم بأية صفة حصل ذلك فإن سألنا ألحقنا حصول الأمرين و الحالتين بالمشيئة و يسلم ذلك الخصمان و إذا سألنا عن إلحاق تلك العين بالوجود نسبنا ذلك إلى القدرة و المشيئة و يسلم الخصمان لنا ذلك فإذا فهمت ما أردناه فالحق الكل بالمشيئة و هو الأولى و الأوجه حتى تسلم من النزاع في صنف الخبر من ذلك حتى لا يتصور نزاع فيه من جميع الطوائف و من هذا الباب ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ أي أزاله عن أبصارهم و لكن لا يلزم من ذهابه عن أبصارهم الحاقة بالعدم لو لا إن المفهوم منه أن الله أعدم النور من أبصارهم وَ تَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ و من علوم هذا المنزل بعث الحق تعالى الجماعة لأمر يقوم به الواحد منهم أعني من تلك الجماعة و من علوم هذا المنزل وجود العلم عن النظرة و الضربة و الرمية و كيف تقوم هذه الأمور مقام كلام العالم للمتعلم و ذوقنا من هذا الفن ذوق النظرة فاعلم أنه كما يتضمن النظر بنور الشمس جميع المرئيات على كثرتها و بعدها في غير زمان مطول بل عين زمان اللمحة زمان بسط النور على المبصرات عين زمان إدراك البصر لها عين زمان تعلق العلم بما أدركه البصر من غير ترتيب زماني و لا امتداد و إن كان الترتيب معقولا مثل ترتيب العلة و المعلول مع تساوقهما في الوجود كذلك اللحظة أو الضربة أو الرمية تتضمن العلوم التي أودع الله فيها فإذا وقعت من الضارب أو الرامي أو اللاحظ أدرك من العلم جميع ما في قوة تلك الضربة مثل ما أعطت اللحظة بنور الشمس جميع ما في قوة تلك اللحظة من المبصرات و ليس القصور من الضربة و غيرها فإنها تتضمن ما لا نهاية له من العلوم كما تشرق الشمس على أكثر مما يدركه البصر و إنما القصور في قلب المدرك مثل القصور في المبصر عن إدراك جميع ما أشرقت عليه الشمس و هذا كله في آن واحد إن كان المدرك ممن يتقيد بالزمان كالأرواح التي لا تتصف بالتحيز فتدرك ما تدركه في غير زمان مما يدرك في زمان و في غير زمان و لهذه الإشارة بقوله صلى الله عليه و سلم إن الحق ضربه بيده بين كتفيه أو في ظهره فوجد برد الأنامل بين ثدييه أو في صدره فعلم علم الأولين و الآخرين فسبحان معلم من شاء بما شاء كيف شاء لا إله إلا هو العليم القدير و كذلك من هذا الباب لما رمى التراب في وجوه الأعداء يوم حنين فأصابت عيون القوم فانهزموا فانظر ما تضمنته تلك الرمية و ما تضمنته تلك الضربة و أما لنظرة فما رويتها عن أحد و لا سمعتها عن أحد لكني رأيتها من نفسي نظرت نظرة فعلمت ما تضمنته من العلوم و أعطيت نظرة فنظرت بها فعلمت بها من نظرت إليه من جميع ما تضمنته تلك النظرة من العلوم و هذا هو علم الأذواق و من هنا يعلم قول من قال يسمع بما به يبصر بما به يتكلم هذا مضى و أما فائدة ما يقوم به الواحد بما تبعث به الجماعة فللإنعام الإلهي بتلك الجماعة و عناية الحق بهم حيث جعل لهم نصيبا في ذلك الخير لا لقصور القدرة عن إبلاغ الواحد ذلك الأمر دون الجماعة إلا أن تكون حقائق النسب فإن ذلك ترتيب حقيقي لا وضعي كتقدم الحي على العالم و دخول المريد تحت إحاطة العالم و دخول القادر تحت إحاطة المريد فلا يقوم المريد بما يختص به القادر و لا يقوم العالم بما يختص به المريد و لا يقوم الحي بما يختص به العالم و لا يقوم العالم بما يختص به الحي و لا يقوم المريد بما يختص به العالم و لا يقوم القادر بما يختص به المريد و عين العالم هو عين الحي عين المريد عين القادر و عين الحياة هي عين العلم عين الإرادة عين القدرة و عين الحياة هي عين الحي عين العالم عين المريد عين القادر و كذلك ما بقي فالنسب مختلفة و العين واحدة و المعلوم صفة و حال و موصوف فالجمع في عين الوحدة مندرج حكما لا عينا فإنه ما ثم أعيان موجودة لهذا المجموع و إنما هي عين واحدة لها نسب مختلفة تبلغ ما بلغت فهذا هو السريان الوجودي في الموجودات فهذا من قيام الواحد بما تقوم به الجماعة بين موجود و معقول فهذا المنزل يتضمن ما ذكرناه و من علوم هذا المنزل معرفة استحالات العناصر و المولدات بعضها إلى بعض بنسبة رابطة بين المستحيل و المستحال إليه فإن ارتفعت تلك النسبة الرابطة لم يستحل شيء إلى شيء فإنه منافر له من جميع الوجوه و لهذا كانت النسبة بين الرب و المربوبموجودة و بها كان ربا له و لم يكن بين المربوب و ذات الرب نسبة فلهذا لم يكن عن الذات شيء كما تقول أصحاب العلل و المعلولات فلا تتوجه الذات على إيجاد الأشياء من كونها ذاتا و إنما تتوجه على الأشياء من نسبة القدرة إليها و عدم المانع و ذلك مسمى الألوهة كذلك الطبائع رتبها الله ترتيبا عجيبا لأجل الاستحالات فجعل عنصر النار يليه الهواء و عنصر الهواء يليه الماء و عنصر الماء يليه التراب فبين الماء و النار منافرة طبيعية من جميع الوجوه و بين الهواء و التراب منافرة من جميع الوجوه طبيعية فجعل بينهما الوسائط لكونها ذات وجهين لكل واحد مما يلي الطرفين مناسبة خاصة فإذا أراد الحق أن يحيل الماء نارا و هو منافر طبعا أحاله أولا هواء ثم أحال ذلك الهواء نارا فما أحال الماء نارا حتى نقله إلى الهواء من أجل التناسب و كذلك جميع الاستحالات كلها في عالم الطبيعة و أما في الإلهيات فقد أشرنا إليه في هذه المسألة و في هذا الكتاب في وصف ذات المخلوق بصفة ذات الخالق و وصف ذات الخالق بصفة ذات المخلوق ثم تجرد ذات الخالق عما تقتضيه ذات المخلوق و تجرد ذات المخلوق عما تقتضيه ذات الخالق فلو لا النسبة الموجودة بين الرب و المربوب ما دل عليه و لا قبل الاتصاف بصفته لا هذا و لا هذا و بتلك النسبة كان الحق مكلفا عباده و آمرا و ناهيا و بها بعينها كان الخلق مكلفا مأمورا منهيا فحقق ما نبهناك عليه إن كنت ذا قلب و ألقيت السمع و أنت شهيد لما ذكرناه فإن لم تكن كذلك فاتك خير كثير و علم نافع جليل القدر لكنه عظيم الخطر إلا أن يعصم الله و مكر إلهي خفي في هذا المنزل صدر عن الاسم القاهر و القادر موجود من عالم الغيب في عالم الحس بيده حسام القهر صلتا يطلب به موجودا تعلق باسم رحماني مثل طلب موسى فرعون و طلب نمروذ و فراعنة الأنبياء للأنبياء عليهم السلام كل ذلك صفات تقوم للعارف في ظاهره و باطنه يكاشفها من نفسه فإذا صال رجال الاسم القاهر التجأ العارف إلى الاسم الباطن فشفع له عند القاهر فتبادر جماعة من الأسماء الإلهية من أجل الاسم الباطن تعظيما له لقربه من الهو و قاموا معه بالاسم القائم على الاسم الظاهر لبعد منزلته من الهو فأقام لهم الاسم من عالم الغيب جماعة في عالم البرزخ فإنه أشد قوة في التأثير من عالم الحس فإنه يؤثر في عالم الحس ما يؤثره الحس و الحس لا يقدر يؤثر في الخيال أ لا ترى النائم يرى في الخيال إنه ينكح فينزل منه الماء في عالم الحس و يرى ما يفزعه فيتأثر لذلك جسم النائم بحركة أو صوت يصدر منه أو كلام مفهوم أو عرق لقوة سلطانه عليه و يظهر الخيال في صورة الحس ما ليس في نفسه بمحسوس و يلحقه بالحس و ليس في قوة الحس أن يرد المحسوس بعينه متخيلا فيحصل لهذا العارف علوم من عين تلك الجماعة البرزخية يطلع بها على معرفة تلك الشبهة القادحة في سعادته لو ثبتت و مات عليها و لا بد في هذا المنزل من هذه الشبهة و هذه الأدلة (فصل) و اعلم أنه ما من منزل من المنازل و لا منازلة من المنازلات و لا مقام من المقامات و لا حال من الحالات إلا و بينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمى الموقف و هو الذي تكلم منه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري رحمه الله في كتابه المسمى بالمواقف الذي يقول فيه أوقفني الحق في موقف كذا فذلك الاسم الذي يضيفه إليه هو المنزل الذي ينتقل إليه أو المقام أو الحال أو المنازلة إلا قوله أوقفني في موقف وراء المواقف فذلك الموقف مسمى بغير اسم ما ينتقل إليه و هو الموقف الذي لا يكون بعده ما يناسب الأول و هو عند ما يريد الحق أن ينقله من المقام إلى الحال و من الحال إلى المقام و من المقام إلى المنزل و من المنزل إلى المنازلات أو من المنازلات إلى المقام و فائدة هذه المواقف أن العبد إذا أراد الحق أن ينقله من شيء إلى شيء يوقفه ما بين ما ينتقل عنه و بين ما ينتقل إليه فيعطيه آداب ما ينتقل إليه و يعلمه كيف يتأدب بما يستحقه ذلك الأمر الذي يستقبله فإن للحق آدابا لكل منزل و مقام و حال و منازلة إن لم يلزم الآداب الإلهية العبد فيها و إلا طرد و هو أن يجري فيها على ما يريده الحق من الظهور بتجليه في ذلك الأمر أو الحضرة من الإنكار أو التعريف فيعامل الحق بآداب ما تستحقه و قد ورد الخبر الصحيح في ذلك في تجليه سبحانه في موطن التلبيس و هو تجليه في غير صور الاعتقادات في حضرة الاعتقادات فلا يبقى أحد يقبله و لا يقربه بل يقولون إذا قال لهم أنا ربكم نعوذ بالله منك فالعارف في ذلك المقام يعرفه غير أنه قد علم منه بما أعلمه أنه لا يريد أن يعرفه في تلك الحضرة من كان هنا مقيد المعرفة بصورة خاصة يعبده فيها فمن أدب العارف أن يوافقهم في الإنكار و لكن لا يتلفظ بما تلفظوا به من الاستعاذة منه فإنه يعرفه فإذا قال لهمالحق في تلك الحضرة عند تلك النظرة هل كان بينكم و بينه علامة تعرفونه بها فيقولون نعم فيتحول لهم سبحانه في تلك العلامة مع اختلاف العلامات فإذا رأوها و هي الصورة التي كانوا يعبدونه فيها حينئذ اعترفوا به و وافقهم العارف بذلك في اعترافهم أدبا منه مع الله و حقيقة و أقر له بما أقرت الجماعة فهذه فائدة علم المواقف و ما ثم منزل و لا مقام كما قلنا إلا و بينهما موقف إلا منزلان أو حضرتان أو مقامان أو حالان أو منازلتان كيف شئت قل ليس بينهما موقف و سبب ذلك أنه أمر واحد غير أنه يتغير على السالك حاله فيه فيتخيل أنه قد انتقل إلى منزل آخر أو حضرة أخرى فيحار لكونه لم ير الحق أوقفه و التغيير عنده حاصل فلا يدري هل ذلك التغير الذي ظهر فيه هل هو من انتقاله في المنزل أو انتقاله عنه فإن كان هنالك عارف بالأمر عرفه و إن لم يكن له أستاذ بقي التلبيس فإنه من شأن هذا الأمر أن لا يوقفه الحق كما فعل معه فيما تقدم و كما يفعل معه فيما يستقبل فيخاف السالك من سوء الأدب في الحال الذي يظهر عليه هل يعامله بالأدب المتقدم أوله أدب آخر و هذا لمن أوقفه الحق من السالكين فإذا لم يوقفه الحق في موقف من هذه المواقف و لم يعطه الفصل بين ما ينتقل إليه و عنه كان عنده الانتقالات في نفس المنزل الذي هو فيه فإنه ما ثم عند صاحب هذا الذوق إلا أمر واحد فيه تكون الانتقالات و هو كان حال المنذري صاحب المقامات و عليها بنى كتابه المعروف بالمقامات و أوصلها إلى مائة مقام في مقام واحد و هو المحبة فمثل هذا لا يقف و لا يتحير و لكن يفوته علم جليل من العلم بالله و صفاته المختصة بما ينتقل إليه فلا يعرف المناسبات من جانب الحق إلى هذا المنزل فيكون علمه علم إجمال قد تضمنه الأمر الأول عند دخوله إلى هذه الحضرات و يكون علم صاحب المواقف علم تفصيل و لكن يعفى عنه ما يفوته من الآداب إذا لم تقع منه و تجهل فيه و لا يؤثر في حاله بل يعطي الأمور على ما ينبغي و لكن لا يتنزل منزلة الواقف و لا يعرف ما فاته فيعرفه الواقف و هو لا يعرف الواقف فلهذا المنزل الذي نحن فيه موقف يجهل لا بل يحار فيه صاحب المواقف لأن المناسبة بين ما يعطيه الموقف الخاص به و بين هذا المنزل بعيدة مما بنى المنزل عليه و كذلك الذي يأتي بعده غير أن النازل فيه و إن كان حائرا فإنه يحصل له من الموقف في تلك الوقفة إذا ارتفعت المناسبة بين المنزل و الوقفة إن المناسبة ترجع بين الوقفة و النازل فيعرف ما تستحقه الحضرة من الآداب مع ارتفاع المناسبة فيشكر الله على ذلك فصاحب المواقف متعوب لكنه عالم كبير و الذي لا موقف له مستريح في سلوكه غير متعوب فيه و ربما إذا اجتمعا و رأى من لا موقف له حال من له المواقف ينكر عليه ما يراه فيه من المشقة و يتخيل أنه دونه في المرتبة فيأخذ عليه في ذلك و يعتبه فيها و يقول له الطريق أهون من هذا الذي أنت عليه و يتشيخ عليه و ذلك لجهله بالمواقف و أما صاحب المواقف فلا يجهله و لا ينكر عليه ما عامله به من سوء الأدب و يحمله فيه و لا يعرفه بحاله و لا بما فإنه من الطريق فإنه قد علم إن الله ما أراده بذلك و لا أهله فيقبل كلامه و غايته إن يقول له يا أخي سلم إلى حالي كما سلمت إليك حالك و يتركه و هذا الذي نبهتك عليه من أنفع ما يكون في هذا الطريق لما فيه من الحيرة و التلبيس فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ