قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثمانون و مائتان في معرفة منزل مالي و أسراره من المقام الموسوي

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
قلت مالي فقال مالك عبدي‏ قلت مالي فقال مالك عندي‏
قلت لما أضفته لي ملكالم خصصته بقولك عندي‏
قال لما علمت أنك عنديكان ما تحت ملك عندك عندي‏
قلت إن كان عين إنك أنيصح ما قلت إن عندك عندي‏
و كما قلت إن عندك عنديفلنقل نحن إن عندك عندي‏
و هو أولى فإن ذاتي ظرفو تعاليت أنت فالعند عندي‏

هذا منزل عال ليس بينه و بين موقفه مناسبة فترجع المناسبة إلى الواقف كما كان في المنزل الذي قبله من هذا المنزل قال يعقوب عليه السلام لبنيه وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ من الله من شَيْ‏ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ و من هذا المنزل‏ قال محمد صلى الله عليه و سلم و قد نزل عليه وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فوقف على الصفا و جاء الناس يهرعون إليه فقال لأكرم الناس عليه يا فاطمة بنت محمد انظري لنفسك لا أغنى عنك من الله شيئا و قال مثل هذه المقالة لجميع الأقربين و كان عمه أبو لهب حاضرا فنفخ في يده و قال ما حصل بأيدينا مما قاله شي‏ء و صدق أبو لهب فإنه ما نفعه الله بإنذاره و لا أدخل قلبه منه شيئا لما أراد به من الشقاء فأنزل الله فيه تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ ما أَغْنى‏ عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ‏ فإنه كان معتمدا على ماله فمن اعتمد على غير الله في أموره خسر و القائلون بالأسباب إذا اعتمدوا عليها و تركوا الاعتماد على الله لحقوا بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا و إذا أثبتوا الأسباب و اعتمدوا على الله و لم يتعدوا فيها منزلتها التي أنزلها الله فيها فأولئك الأكابر من رجال الله الذين لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله و أثبت لهم الحق الرجولة في هذا الموطن و من شهد له الحق بأمر فهو على حق في دعواه إذا ادعاه و من أثبت الأسباب بإثبات الحق و ركن إليها ركون الطبع و اضطرب عند فقدها في نفس الاعتماد على الله فذلك من متوسط الرجال و إذا وقع الاضطراب في النفس فإن أحس بالفقد و اضطرب المزاج فذلك من خصائص الرجال الأكابر و إن لم يضطرب المزاج و لم يحس بالفقد فذلك حال الاعتماد على الله و هو مقام المتوسطين أصحاب الأحوال و من هذا المنزل‏ قيل للنبي صلى الله عليه و سلم في فتح مكة لما وقف بين يديه رجل ممن كان النبي صلى الله عليه و سلم يريد قتله فلما قضى حاجته منه و انصرف قال النبي صلى الله عليه و سلم لم لم تقتلوه حين وقف بين يدي فقال له أصحابه هلا أومأت إلينا بطرفك فقال صلى الله عليه و سلم ما كان لنبي أن تكون له خائنة عين‏ و هي حالة لا يسلم منها و غاية إن يسلم منها من سلم في الشر و أما في الخير فإنهم ربما اتخذوها في الخير طريقا محمودة فيومئ الكبير في حق الحاضر إلى بعض من يمتثل أمره أن يجي‏ء إليه بخلعة أو بمال يهبه لذلك الحاضر يكون ذلك إيماء بالعين لا تصريحا باللفظ من غير شعور من يومي في حقه بذلك الخير و لا يقع مثل هذا و إن كان خيرا من نبي و سببه أن لا تعتاده النفس فربما تستعمله في الشر لاستصحابها إياه في الخير إذ كانت النفس من طبعها أن تسترقها العادة و إنما سميت خائنة عين لأن الإفصاح عما في النفس إنما هو لصفة الكلام ليس هو من صفة العين و إن كان في قوة العين الإفصاح بما في النفس بالإشارة و لكن إنما لها النظر و الذي عندها من صفة الكلام إنما هو أمانة بيدها للكلام فإذا تصرفت في تلك الأمانة بالإيماء و الإشارة لمن تومئ إليه في أمر ما فقد خانت الكلام فيما أمنها عليه من ذلك فلهذا سميت خائِنَةَ الْأَعْيُنِ فوصفت بالخيانة و الخيانة التصرف في الأمانة فإن الأمانة ليست بملك لك و إنك مأمور بأدائها إلى أهلها فإذا اقتضى المنزل الأمر بخير و شر في حق شخص و في قوة العين الإفصاح عن ذلك لمن يشير إليه به فعلمت إن ذلك صفة للكلام فلم تفعل و ردت تلك الأمانة إلى اللسان فنطق فقد أدت هذه العين الأمانة إلى أهلها و لم تخن فيها قال تعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ أي يعلم أنها خيانة و كيف هي خيانة و لم يقل يعلم ما أشارت به الأعين و ما أومأت فإن المشار إليه يعلم ذلك فلا يكون مدحا و لكن لا يعلم كل أحد أنها خيانة إلا من أعلمه الله بذلك و قد أعلمنا بها فعلمناها فهي في الخير خيانة محمودة و في الشر خيانة مذمومة و ما زالت عن كونها خيانة في الحالين و بعد أن بينا لك هذا الأمر فتحفظ منها ما استطعت أن تفعلها مع الحضور فإنك لست بمعصوم فاستعمل الحضور عسى تفوز بهذا المقام فإن قلت قد أشارت من شهد لها بالكمال و منعت من الكلام و هي مريم إلى عيسى إن يسألوه عن شأنه قلنا بعد ذلك نالت الكمال لا في ذلك الوقت أ لا ترى زكريا قيل له آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً و الرمز ما يقع بالإشارة فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج المتكلم فيها إلى قرينة حال حتى لو قال شخص لآخر كلم زيدا بكذا و كذا و زيد حاضر احتمل أن يفهم عنه السامع زيدا آخر غير هذا و المتكلم إنما أراد الحاضر فإذا ترك التلفظ باسمه و أشار إليه بيده أو بعينه فقال كلم هذا مشيرا إليه كان أفصح و أبعد من الإبهام و النكر و الحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجيه فيه إلى أمور مثل ما رمز الشاعر في التعريف بالنار من غير إن يسميها فقال‏

و طائرة تطير بلا جناح‏ و تأكل في المساء و في الصباح‏
و تمشي في الغصون لها صياحو هز في الحسام لدى الكفاح‏
تفر الأسد منها في الفيافيو تغلب للصوارم و الرماح‏
و تجلس بين أفخاذ العذارىو تكشف ما خفي تحت الوشاح‏
إذا ماتت تجارح والداهافترجع حية عند الجراح‏

يريد بالوالدين الزناد فهذا هو الرمز في النار و قال الآخر في العين فأحسن‏

و طائرة تطير بلا جناح‏ تفوق الطائرين و ما تطير
إذا ما مسها الحجر استكنتو تنكر أن يلامسها الحرير

يريد بالحجر الإثمد و اعلم أنه من أقام في نفسه معبودا يعبده على الظن لا على القطع خانه ذلك الظن و ما أغنى عنه من الله شيئا قال تعالى إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي من الْحَقِّ شَيْئاً و قال في عبادتهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ فما نسب إليهم قط أنهم عبدوا غير الله إلا على طريق الظن لا على جهة العلم فإن ذلك في نفس الأمر ليس بعلم فمن هنا تعلم أن العلم سبب النجاة و إن شقي في الطريق فالمال إلى النجاة فما أشرف مرتبة العلم و لهذا لم يأمر الله نبيه صلى الله عليه و سلم أن يطلب من الله تعالى الزيادة من شي‏ء إلا من العلم فقال له وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فمن فهم ما أشرنا إليه علم أهل السعادة من أهل الشقاء و لم تؤثر فيه الأمور العرضية التي توجب الشقاء في الطريق فلو علم المشرك ما يستحقه الحق من نعوت الجلال لعلم أنه لا يستحق أن يشرك به و لو علم المشرك أن الذي جعله شريكا لا يستحق أن يوصف بالشركة لله في الوهته لما أشرك فما أخذ إلا بالجهل من الطرفين قال تعالى فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ و قال إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ فلو اقتصر المشرك على الشركة في الفعل لا في الألوهة لكان في الأمر سعة فإن إضافة الأفعال إلى المخلوقين فيه إشكال و يعذر صاحبه فيمن هو ذو فعل فإذا أضافوا الأفعال إلى من يعلمون أنه ليس بفاعل فبالجهل أخذوا و به وقع التوبيخ فقيل لهم أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ و قال في حق ذي فعل وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ ما هَدى‏ فنسب الإضلال لفرعون و ما نسبه إلى قومه فإنه عندهم ذو فعل و في نفس الأمر كذلك و قوله وَ ما هَدى‏ أي ما بين لهم طريق الحق فإنه موضع لبس لكونه ذا أفعال فلو كان المعبود جمادا ما وقع اللبس فإن قيل فإن اتخذوا إلها من له فعل بالخاصية من جماد و نبات أ يعذرون قلنا لا يعذرون فإن خاصيته لا تكون سارية في كل شي‏ء حتى تضاف إليه الأفعال كما تضاف إلى الله و بهذا القدر من الجهل أخذوا عبدة المخلوقين ذوي الأفعال كفرعون و غيره فإن القدرة التي له لا تزيد على قدرة العابد إياه فهي قاصرة عن سريانها في جميع الأفعال فإن القدرة الحادثة لا تخلق المتحيزات من أعيان الجواهر و الأجسام فعبدوا من لم يخلق أعيانهم و لهذا وبخهم بقوله تعالى أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فإن قيل فإن أقدر أحد على جهة خرق العادة على خلق جوهر فعبده أحد لذلك هل يعذر أم لا قلنا لا بعذر فإنه يشهد أنه يقبل الحوادث و لا يخلو عنها و ما لا يخلو عن الحوادث يستحيل أن يتقدمها على الجملة و إذا لم يتقدم الحوادث على الجملة كان حادثا مثلها و من شأن الإله أن يكون أقدم من كل ما يحدث على الجملة فلا بد أن يكون الحادث متأخرا عنه بأي نسبة كان من نسب التأخر فلما فاته هذا القدر من العلم و كان جاهلا به لم يعذر و أخذ بذلك و أصله إنما كان الجهل بذلك فمن استند إلى معبود موضوع فإنما استند إليه بظنه لا بعلمه فلذلك أخذ به فشقي إلا أن يعطي المجهود من نفسه في نفي الشريك فلم يعط فكره و لا نظره و لا اجتهاده نفيه جملة واحدة و لم يبعث إليه رسول و لم تصل إليه دعوته فإن جماعة من أهل النظر قالوا بعذر من هذه حالته و هو مأجور في نفس الأمر مع أنه مخطئ و ليس بصاحب ظن بل هو قاطع لا عالم و القطع على الشي‏ء لا يلزم أن يكون عن علم و ربما يستروح من قول الله تعالى وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به إن الله يعذره و لا شك أن المجتهد الذي أخطأ في اجتهاده في الأصول يقطع أنه على برهان فيما أداه إليه نظره و إن كان ليس ببرهان في نفس الأمر فقد يعذره الله تعالى لقطعه بذلك عن اجتهاده كما قطع الصاحب أنه رأى دحية و كان المرئي جبريل فهذا قاطع على غير علم فاجتهد فأخطأ فإنه غير ذاكر لما نقصه من التقسيم فإنه لو قال إن لم يكن روحا تجسد و إلا فهو دحية بلا شك فتدبر ما قررناه في مثل هذا فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول في المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر و لم يفصل بين الاجتهاد في الأصول و الفروع و قال‏تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و يلحق بهذا الباب طوائف ممن أوجب أكثر العلماء عليهم العذاب و حكموا عليهم بالشقاء من غير دليل واضح يفيد العلم فأنزلوهم منازل الأشقياء بالظن و القطع على غير علم في نفس الأمر فالإله لا يكون بالحسبان فثبت بما ذكرناه أنه من ظن لم ينج من عذاب في الإله فإن قيل‏ يقول الله أنا عند ظن عبدي بي‏ قلنا له هو مذهبنا فإنه قال بي فقد أثبته و ما قال أنا عند ظن العبد بمن جعله إلها فمتعلق الظن كان عنده بالله فيما يظنه من سعادة أو شقاء فإنه عالم بالله صاحب ظن في مؤاخذته على الذنب أو العفو عنه و بعد أن تقرر هذا فلتعلم إن الجنة جنتان جنة حسية و جنة معنوية فالمحسوسة تتنعم بها الأرواح الحيوانية و النفوس الناطقة و الجنة المعنوية تتنعم بها النفوس الناطقة لا غير و هي جنة العلوم و المعارف ما ثم غيرهما و النار ناران نار محسوسة و نار معنوية فالنار المحسوسة تتعذب بها النفوس الحيوانية و النفوس الناطقة و النار المعنوية تتعذب بها النفوس الناطقة لا غير و الفرق بين النعيمين و العذابين إن العذاب الحسي و النعيم الحسي يكون بالمباشرة للذي يكون عن مباشرته الألم القائم بالروح الحيواني و العذاب المعنوي لا يكون بمباشرة للنفوس الناطقة و إنما هو بما حصل لها من العلم بما فاتها من العمل و العلم المؤدي إلى سعادة الروح الحيواني الذي يتضمن سعادة النفس الناطقة و أما نار الفكر الذي يتعلق ألمه بالحس و بالنفس فهي نار معنوية فإن حصل العلم عنها أعقبها نعيم جنة معنوية و إن لم يحصل العلم عنها لم يزل صاحبها معذبا ما دام مفكرا و لا نعيم له معنوي و إذا زال الفكر عنه بأي وجه زال من غير حصول علم فذلك النعيم الذي تجده النفس إنما هو الراحة من فقد نار التفكر المسلط على قلبه فهي راحة حسية لا معنوية فاعلم ذلك‏ و اعلم أن هذا المنزل يتضمن علم عقل ما ليس بحيوان في الإدراك الحس العادي عن الله تعالى ما يأمره به مثل قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها و قوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فجمعهما جمع من يعقل و أثبت لها ما أثبت للحي العالم السميع القادر و قوله تعالى عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ فأخبر أنها مسلطة و لا يقبل التسليط إلا من يعقل و أنها محرقة بالطبع فإنه لو لم تحرق بالطبع ما قبلت الإرسال على الكفار إذ لو كان الحرق فيها بغير الطبع لما تصورت منها المخالفة لأن المخالف إنما هو الاحتراق فهو أمر آخر يفتقر وجوده إلى إيجاد موجدة و الحق ما خاطب إلا النار و الإحراق عرض و العرض يفتقر إلى وجود في غير عين النار فإنه إن وجد في النار فإنه لا ينتقل إلى الجسم المسلط عليه النار لأن العرض لا ينتقل إذ لو انتقل لخلا عن المحل و قام بنفسه و العرض لا يقوم بنفسه فمن المحال تحريق الجسم المحرق بالنار فيكون خطاب النار بالإحراق عبثا و قد وقع الخطاب على النار بالتسليط فعلى من وقع فبطل إن يكون الحق يتكلم بالعبث فكيف يخرج هذا الخطاب و على من يقع إذا لم يكن الإحراق للنار بالطبع و هكذا كل جماد و نبات و حيوان خوطب لا بد أن يكون حيا عاقلا قابلا لما يخاطب به من شأنه أن يعقل ما قيل له افعل قبولا ذاتيا تابعا لوجود عينه فهذا قد نبهتك على هذا النوع من الإدراك الذي يتضمنه هذا المنزل و اعلم أن جميع ما يحويه هذا المنزل من العلوم لا يوصل إليها إلا بالتعريف الإلهي بوساطة روحانية الأنبياء لهذا المكاشف و تلك الأرواح لا يعلمها من الله إلا بوسائط لغموضها و دقتها فمن جملة ما يحويه علم كسر المكسور إلى ما لا نهاية له و معلوم من طريق العقل إن المكسور محصور فهو متناه لنفسه فكيف يقبل الكسر إلى ما لا يتناهى و هذه مسألة تشبه بمسألة انقسام الجسم إلى ما لا نهاية له عقلا لا حسا عند الحكماء لإبطال إثبات الجوهر الفرد الذي تنتهي إليه قسمة الجسم في مذهب المتكلمين فمن هذا المنزل تعرف الحق عند من هو من هاتين الطائفتين و تطلع من هذا المنزل على علم قيام العذاب و حمله في غير أجسام المعذبين و عذاب المعذبين به مع كونه غير قائم بهم و هو من أشكل المسائل كيف يوجب المعنى حكمه لغير من قام به فتشبه أيضا هذه المسألة مسألة من يقول إن الله إذا أراد أن يمضي أمرا خلق إرادة لا في محل ثم أراد بها إمضاء ذلك الأمر فقد أوجب المعنى حكمه لمن لم يقم به عند مثبتي الصفات أعيانا لها أحكام و هم المتكلمون و الفرق بين هذه المسألة و بين مسألتنا أن العذاب محمول في أجسام و حكمه في أجسام أخر غير الأجسام القائم بها العذاب و العذاب المحمول في هذه الأجسام لا تتعذب به و هو قائم بها و هي متصفة به من كونها محلاله لا من كونها معذبة به و الوجه الجامع بين المسألتين وجود الحكم المضاف إلى المعنى في غير المحل الذي قام به ذلك المعنى و هل العلم مثل الإرادة في هذا الباب و غيره من الصفات أم لا فيقوم العلم بزيد و لا يعلم به زيد و يعلم به عمر و هذا محال عقلا و لكن هذا المنزل يحكم بوقوع ذلك فإن أردت تأنيس النفس لقبول ما أعطاه هذا المنزل في هذه المسألة فانظر ما أنت مجمع عليه مع أصحابك إن الحق سبحانه يتعالى عن الحلول في الأجسام فإن الإنسان إنما يبصر ببصره القائم بجارحة عينه في وجهه و يسمع بسمعه القائم بجارحة أذنه و يتكلم بالكلام الموجود في تحريك لسانه و تسكينه و شفتيه و مخارج حروفه من صدره إلى شفتيه ثم إن هذا الشخص يعمل بطاعة الله تعالى الزائدة على فرائضه من نوافل الخيرات فينتج له هذا العمل نفي سمعه و بصره و كلامه و جميع معانيه من بطش و سعي التي كانت توجب له أحكامها فكان ينطلق عليه من أحكامها سميع بصير متكلم إلى غير ذلك فصار يسمع بالله بعد ما كان يسمع بسمعه و يبصر بالله بعد ما كان يبصر ببصره مع العلم بأن الله يتقدس أن تكون الأشياء محلا له أو يكون هو محلا لها فقد سمع العبد بمن لم يقم به و أبصر بما لم يقم به و تكلم بما لم يقم به فكان الحق سمعه و بصره و يده فهكذا وجود العذاب في المحال التي لم تقم بها الصفة التي يكون حكمها العذاب كما قد ثبت أن الصفة تعطي خلاف حكمها في المحل و أنت القائل به و لا فرق بين المسألتين و قد أنشد في ذلك صاحب محاسن المجالس‏

فهل سمعتم بصب‏ سليم طرف سقيم‏
منعم بعذابمعذب بنعيم‏

و أنشد أبو يزيد الأكبر طيفور بن عيسى البسطامي يخاطب ربه عز و جل‏

أريدك لا أريدك للثواب‏و لكني أريدك للعقاب‏
و كل ما ربي قد نلت منهاسوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏

فطلب اللذة في العذاب و هذا عكس الحقائق في العقل و لكن أهل الكشف و الذوق وجدوا أمورا أحالها العقل و إن كنا نعرف نحن ما قاله القائلان في شعرهما و من هذا الباب قال الله للنار كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً و النار لا تكون بردا في العقل إذ لو كانت بردا لبطلت الحقائق أن تكون حقائق فقد جاء الذوق في تجليه بخلاف ما يعطيه العقل و إن كنا نحن نعرف ما قاله الحق في ذلك و لمن خاطب به و لكن جئنا بذلك تأنيسا للمريد ليتحقق أَنَّ الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و أن قدرته مطلقة على إيجاد المحال لو شاء وجوده كما ذكره في كتابه عن نفسه ما هو محال في العقل بما يعطيه دليله فقال لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ الله الْواحِدُ الْقَهَّارُ فألحقه بدرجة الإمكان بالنسبة إلى المشيئة الإلهية و العقل قد دل على إن ذلك محال لا من كونه لم يرده فكانت هذه الآية أولها جرح جرح به العقل في صحة دليله ليبطله ثم داوى ذلك الجرح في آخر الآية بقوله سبحانه أي هو المنزه أن يكون لأحديته ثان غير أن في قوله القهار أسرارا من اعتبرها لمن يكون قهارا و جميع الأفعال إنما هي أحكام أسمائه في الكون فلا فعل لأحد إلا لله فالأفعال كلها من الاسم القادر و القاهر فما يقهر بالاسم القاهر إلا موجد ذلك الفعل في الكون و هو أثر القاهر فما قهر إلا نفسه و هو أثر الاسم القادر فما قهر إلا الاسم القادر و هو المشارك له في وجود العين فما قهر القاهر القادر إلا بالاسم القادر فالقادر نفسه قهر بالاسم القاهر إلا أن يكون القهر بالمنع لا بالإيجاد فيكون عند ذلك القهر مضافا إلى الاسم المريد و لكن ما يمنع إلا بالاسم القاهر للعين التي تهيأت لقبول الوجود فقهرتها المشيئة و أخرتها عن الوجود لأن لها الترجيح فقد حصلت لك بما أوردته من الأنس في قبول هذه المسألة ما فيه كفاية فيما تعطيه طريقة القوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏