قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الأحد و الثمانون و مائتان في معرفة منزل الضم و إقامة الواحد مقا

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

من الحضرة المحمدية»

صلاة العصر ليس لها نظير‏ لنظم الشمل فيها بالحبيب‏
هي الوسطى لأمر فيه دورمحصلة على أمر عجيب‏
و ما للدور من وسط تراهو لا طرفين في علم اللبيب‏
فكيف الأمر فيه فدتك نفسيفخص العبد بالعلم الغريب‏

قال رب هذا المنزل إن الصلاة الوسطى أجرها مقرون إذا لم تصل في جماعة بأجر من وتر أهله و ماله و قد قال العدل عيسى عليه السلام قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء أي تصدقوا و إلى هنا انتهت معرفة هذا العدل و قال الصادق المؤتي جوامع الكلم رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها فيكون قلب العبد حيث ماله و إن حيثيته يد الرحمن و أين يد الرحمن من السماء فقد أجمع العدلان على إن المال له من القلب مكانة علية و أما الأهل من زوج و ولد فلا خفاء على ذي لب أنهم منوطون بالفؤاد فأما الزوجة فقد جعل الله بينها و بين بعلها المودة و الرحمة و السكون إليها و السكون صفة مطلوبة للأكابر و هي الطمأنينة قال إبراهيم بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي يسكن إلى الوجه الذي يحيي به الموتى و يتعين لي إذ الوجوه لذلك كثيرة فسكن إليه سكونا لا يشوبه تحير و لا تشويش يعني في معرفة الكيفية فانظر بما ذا قرن النبي صلى الله عليه و سلم من فاتته صلاة العصر و سبب ذلك أن أوائل أوقات الصلوات الأربع محدودة إلا العصر فإنها غير محدودة و إن قاربت الحد من غير تحقيق فقربت من التنزيه عن تقييد الحدود إذ كان المغرب محدودا بغروب الشمس و هو محقق محسوس و العشاء محدود أوله بمغيب الشفق و هو محقق محسوس أي شفق كان على الخلاف المعلوم فيه و الفجر محدود أوله بالبياض المعترض في الأفق المستطير لا المستطيل و هو محقق محسوس و الظهر محدود بزوال الشمس و في‏ء الظل و هو محقق محسوس و لم يأت مثل هذه الحدود في العصر فتنزهت عن الحدود المحققة فجعل النبي صلى الله عليه و سلم وقتها أن تكون الشمس مرتفعة بيضاء نقية و الحد الوارد في ذلك ما يكون في الظهور مثل سائر حدود أوقات الصلوات فعظم قدرها النبي صلى الله عليه و سلم للمناسبة في نفي تحقيق الحدود و كذلك حب المال و الأهل لا يضبطه حد يقول القائل في الولد

و إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض‏

فأنزل الولد منزلة النفس و كما لا يفنى الإنسان في حبه نفسه للقرب المفرط الذي ما يكون مثله قرب إليه البتة كذلك لا يفنى الإنسان في حب ولده و لا ماله و لا أهله لأنه منوط بقلبه بمنزلة نفسه للقرب المفرط يخفى ذلك فيه فإن اتفق أن يطلق امرأته و قد كان حبه إياها كامنا فيه لا يظهر لإفراط القرب أخذه الشوق إليها و هام فيها و حن إليها لبعدها عن ذلك القرب المفرط لتعلق الشوق و الوجد بها و لهذا يفنى العاشق في معشوقه الأجنبي لأنه ليس له ذلك القرب الظاهر الذي يحول بينه و بين الاشتياق إليه و لقرب الحق من قلوب العارفين بالعلم المحقق الذوقي الذي وجدوه لهذا صحوا و لم يهيموا فيه هيمان المحبين لله من كونه تجلى لهم في جمال مطلق و تجليه للعلماء به في كمال مطلق و أين الكمال من الجمال فإن الأسماء في حق الكامل تتمانع فيؤدي ذلك التمانع إلى عدم تأثيرها فيمن هذه صفته فيبقى منزها عن التأثير مع الذات المطلقة التي لا تقيدها الأسماء و لا النعوت فيكون الكامل في غاية الصحو كالرسل و هم أكمل الطوائف لأن الكامل في غاية القرب يظهر به في كمال عبوديته مشاهدا كمال ذات موجدة و إذا تحققت ما قلناه علمت أين ذوقك من ذوق الرجال الكمل الذين اصطفاهم الله فيه و اختارهم منه و نزههم عنه فهم و هو كهو و هم فسماه الكامل منهم العصر لأنه ضم شي‏ء إلى شي‏ء لاستخراج مطلوب فضمت ذات عبد مطلق في عبوديته لا يشوبها ربوبية بوجه من الوجوه إلى ذات حق مطلق لا يشوبها عبودية أصلا بوجه من الوجوه من اسم إلهي بطلب الكون فلما تقابلت الذاتان بمثل هذه المقابلة كان المعتصر عين الكمال للحق و العبد و هو كان المطلوب الذي له وجد العصر فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد سعدت و ألقيتك على مدرجة الكمال فارق فيها و لهذا المعنى الإشارة في نظمنا في أول الباب‏

صلاة العصر ليس لها نظير لضم الشمل فيها بالحبيب‏

و بعد أن أبنت لك مرتبة الكمال فلنبين لك من هذا المنزل قيام الواحد مقام الجماعة و هو عين الإنسان الكامل فإنه أكمل من عين مجموع العالم إذ كان نسخة من العالم حرفا بحرف و يزيد أنه على حقيقة لا تقبل التضاؤل حين قبلها أرفع الأرواح الملكية إسرافيل فإنه يتضاءل في كل يوم سبعين مرة حتى يكون كالوضع أو كما قال و التضاؤل لا يكون إلا عن‏رفعة سبقت و لا رفعة للعبد الكلي في عبوديته فإنه مسلوب الأوصاف فلو أنتج لذلك الروح المتضايل حال هذا العبد الكلي في عبوديته لما تكرر عليه التضاؤل فافهم ما أشرت به إليك و قد نبهتك بهذا الخبر أن هذا الملك من أعلم الخلق بالله و تكرار تضاؤله لتكرار التجلي و الحق لا يتجلى في صورة مرتين فيرى في كل تجل ما يؤديه إلى ذلك التضاؤل هذا هو العلم الصحيح الذي تعطيه معرفة الله ثم لتعلم إن الله خلق الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ للصورة التي خصه بها و هي التي أعطته هذه المنزلة فكان أحسن تقويم في حقه لا عن مفاضلة أفعل من كذا بل هو مثل قوله الله أكبر لا عن مفاضلة بل الحسن المطلق للعبد الكامل كالكبرياء المطلق الذي للحق فهو أحسن تقويم لا من كذا كما هو الحق أكبر لا من كذا لا إله إلا هو و لا عبد إلا المصمت في عبودته فإن حاد العبد عن هذه المرتبة بوصف ما رباني و إن كان محمودا من صفة رحمانية و أمثالها فقد زال عن المرتبة التي خلق لها و حرم من الكمال و المعرفة بالله على قدر ما اتصف به من صفات الحق فليقلل أو يكثر و اعلم أن للإنسان حالتين حالة عقلية نفسية مجردة عن المادة و حالة عقلية نفسية مدبرة للمادة فإذا كان في حال تجريده عن نفسه و إن كان متلبسا بها حسا فهو على حالته في أحسن تقويم و إذا كان في حال لباسه المادة في نفسه كما هو في حسه فهو على حالته في خسر لا ربح في تجارته فيه فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ و هو قوله إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا فإذا قال الإنسان الكامل الله نطق بنطقه جميع العالم من كل ما سوى الله و نطقت بنطقه أسماء الله كلها المخزونة في علم غيبه و المستأثرة التي يخص الله تعالى بمعرفتها بعض عباده و المعلومة بأعيانها في جميع عباده فقامت تسبيحته مقام تسبيح ما ذكرته فأجره غَيْرُ مَمْنُونٍ و سنومئ إلى تحقيق هذا في المنزل التاسع و الثمانين و مائتين و بعد أن نبهتك على معرفة قيام التوحيد بالواحد القائم مقام الجماعة في الخير و الشر فإنه قال تعالى في هذا المقام في الخير و الشر من قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ في الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ من أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً و منزلتنا في هذا البيان لأصحابنا من أهل هذا الشأن و منزلة القابلين لما بيناه و غير القابلين ما أردف الله به هذه الآية من تعريف الأحوال فقال وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ فلنبين إيمان العصاة المعبر عنه بالتوبة و ما يلزمه و ذلك أن الايمان الأصلي هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها و هو شهادتهم له سبحانه بالوحدانية في الأخذ الميثاقي فكل مولود يولد على ذلك الميثاق و لكن لما حصل في حصر الطبيعة بهذا الجسم محل النسيان جهل الحالة التي كان عليها مع ربه و نسيها فافتقر إلى النظر في الأدلة على وحدانية خالقه إذا بلغ إلى الحالة التي يعطيها النظر و إن لم يبلغ هذا الحد فإن حكمه حكم و الدية فإن كانا مؤمنين أخذ بتوحيد الله تعالى منهم تقليدا و إن كانا على أي دين كان ألحق بهما فمن كان إيمانه تقليدا جزما كان أعصم و أوثق في إيمانه ممن أخذه عن الأدلة لما يتطرق إليها إن كان حاذقا فطنا قوي الفهم من الحيرة و الدخل في أدلته و إيراد الشبه عليها فلا يثبت له قدم و لا ساق يعتمد عليها فيخاف عليه فإذا تقدم إيمانه بتوحيد الله شرك ورثه عن أبويه أو عن نظره أو عن الأمة التي هو فيها فذلك الايمان هو عين إيمانه الميثاقي لا غيره و إنما حال بينه و بين العبد حجاب الشرك كالسحابة الحائلة بين البصر و الشمس فإذا انجلت ظهر الشمس للبصر كذلك ظهور الايمان للعبد عند ارتفاع الشرك إذ كان المشرك مقرا بوجود الحق فإن قلت فما حكم المعطل هل يكون إيمانه يوجد في الوقت أم حاله حال المشرك قلنا المعطل أقرب إلى الايمان من المشرك فإنه لا بد لكل إنسان أن يجد نفسه مستندا في وجوده إلى أمر ما لا يدري ما هو فيقال له ذلك هو الله فإن حدث له بعد ذلك هل هو واحد أو أكثر من واحد كان في محل النظر في ذلك أو يقلد من يعتقد فيه من الموحدين فما ثم إيمان محدث بل هو مكتوب في قلب كل مؤمن فإن زال في حق المريد الشقاء فإنما تزول وحدانية المعبود لا وجوده و بالتوحيد تتعلق السعادة و بنفيه يتعلق الشقاء المؤبد و لهذا الإشارة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الأخذ الميثاقي آمَنُوا لقول الرسول إليكم من عندنا فلو لا إن الايمان كان عندهم ما وصفوا به و أما نسبة الأعمال إلى هذا المنزل فهو على ما نقرره و ذلك‏ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال بعثت لأتمم مكارم الأخلاق‏ و مكارم الأخلاق أعمال و أحوال إضافية لأن الناس الذين هم محل مكارم الأخلاق على حالتين حر و عبد كما إن الأخلاق‏محمودة و هي التي تسمى مكارم الأخلاق و مذمومة و هي التي تسمى سفساف الأخلاق و الذين تصرف معهم مكارم الأخلاق و سفسافها اثنان و واحد فالواحد هو الله و الاثنان نفسك إذا جعلتها منك بمنزلة الأجنبي و غيرك و هو كل ما سوى الله و كل ما سوى الله على قسمين و أنت داخل فيهم عنصري و غير عنصري فالعنصري تصريف الخلق معه حسي و غير العنصري تصريف الخلق معه معنوي فالأعمال المعبر عنها بالأخلاق على قسمين صالح و هو مكارمها و غير صالح و هو سفسافها قال تعالى في القسم الواحد وَ عَمِلَ صالِحاً و قال في الآخر عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ فعلمه الأدب و إن من الأدب أن تسأل عن علم ما لا يعلم فإذا علم فإن كان من أهل الشفاعة و السؤال فيه سأل فيه و إن لم يكن لم يسأل فيه و لكن غلبت عليه رحمة الأبوة و هي شفقة طبيعية عنصرية فصرفها في غير موطنها فأعلمه الله أن ذلك من صفات الجاهلين و الجهل لا يكون معه خير كما إن العلم لا يكون معه شر فقول النبي صلى الله عليه و سلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق‏ يريد أنه يعلم ما هي و كيف تصرف و أين تصرف فلتعلم إن المخاطبين بها كما ذكرنا لك حر و عبد فللعبد منها شرب و للحر منها شرب فإذا أضفت الخلق إلى الله تعالى فكل ما سوى الله عبد لله قال تعالى إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً و إذا أضفت الخلق بعضه إلى بعض فهو بين حر و عبد فأما حظ العبد من الأخلاق فاعلم إن السيد على الإطلاق قد أوجب و حرم فأمر و نهى و قد أباح فخير و قد رجح فندب و كره و ما ثم قسم سادس فكل عمل يتعلق به الوجوب من أمر من السيد الذي هو الله بعمل أو ندب إلى عمل فإن العمل به من مكارم الأخلاق مع الله و مع نفسك إن كان واجبا و إن كان مندوبا إليه فهو من مكارم الأخلاق مع نفسك فإن تضمن منفعة الغير ذلك العمل كان أيضا من مكارم الأخلاق مع غيرك و ترك هذا العمل إذا كان على هذا الحكم من سفساف الأخلاق و كل عمل يتعلق به التحريم أو الكراهة فالتقسيم فيه كالتقسيم في الواجب و المندوب إليه على ذلك الحد فترك ذلك العمل لاتصافه بالتحريم أو الكراهة من مكارم الأخلاق و عمله من سفساف الأخلاق و ترك العمل فيه عمل روحاني لا جسماني لأنه ترك لا وجود له في العين و أما العمل الذي تعلق به التخيير و هو المباح فعمله من مكارم الأخلاق مع نفسك دنيا لا آخرة فإن اقترن مع العمل كونك عملته لكونه مباحا مشروعا كان من مكارم الأخلاق مع الله و مع نفسك دنيا و آخرة و كذلك حكمه في ترك المباح على هذا التقسيم سواء فجميع الأقسام تتعلق بالعبد و قسم المباح يتعلق بالحر و قسم المكروه و المندوب إليه يتعلق بالحر و فيه من روائح العبودية شمة لا حقيقة فهذا قد حصر لك هذا المنزل منازل الشقاء و السعادة و أبانها لك معينة أي عينت لك من أين تعلمها و هو معرفة الشرع الذي أنت عليه فإن كان الإنسان ممن لم تبلغه الدعوة فمكارم الأخلاق في حقه ما قررها العقل من وجود الغرض و الكمال و ملاءمة المزاج كشكر المنعم الذي هو من مكارم الأخلاق عقلا و شرعا و كفر النعمة من سفساف الأخلاق عقلا و شرعا و ما كلف الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها سواء بلغتها الدعوة أو لم تبلغها فإن للشرع في عملها حكما في نفس الأمر و يعفى عنه فيما أتته من سفساف الأخلاق حيث لم تبلغها الدعوة و العفو عن ذلك من مكارم الأخلاق الإلهية فالحق أولى بصفات الكرم من العبد بل هي له حقيقة و في العبد بعناية التوفيق و مما يتعلق بهذا المنزل من المكارم التعاون على شكر المنعم و التعاون على تلقي البلاء من المبلى بأن لا يستند في ارتفاع البلاء عنه إلا لمن أنزله به و هو الله تعالى فإن أنزله بالغير فهو من سفساف الأخلاق و إن أنزله بالله كان من مكارم الأخلاق و العبد في الحالتين طالب رفع البلاء عنه و البلاء عبارة عن وجوده و إحساسه بالألم لا غير و في هذا المقام يغلط كثير من أهل الطريق فيحبسون نفوسهم عن الشكوى إلى الله فيما نزل بهم و الشبهة في ذلك لهم أنهم يقولون لا نعترض عليه فيما يجريه علينا فإنه يؤثر في حال الرضاء عنه فيقال لهم قد حصل مقام الرضاء بمجرد إحساسه و عدم طلب رفعه و ذلك حد الرضاء لا استصحابه فإن النفس كارهة لوجود الألم و لذا عبرنا عن البلاء بالألم لا بسببه و ينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى أن يرفع عنه ما نزل به لما يؤدي به إليه من كراهة فعل الله به و لا بد من كراهته طبعا لأن الألم يوجب حكمه لنفسه و الفعل في إنزاله إنما هو لله فيتضمن كراهة الألم كراهته طبعا لأن الألم يوجب حكمه وجوده و وجود الألم لم يكن لنفسه و إنما أوجده الله في هذا العبد فتتعلق الكراهة حالا و ضمنا بالجناب العزيز فلهذا وقع من الأكابر رب‏ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ و التعليم بالسؤال في أن لا يقع منه في المستقبل ما لم يقع في الحال بقوله قالوا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به و يتعلق به من سوء الأدب مقاومة القهر الإلهي و مقاومة العبد السيد في أمر ما من سفساف الأخلاق إذ ليس ذلك من صفات العبودة فيستعين العبد إذا كان ضعيفا بأخيه المؤمن في ذلك و يجب على الآخر معونته بالتعليم و التعزية فإن المؤمن كثير بأخيه و إذا انفرد الإنسان بهمه عظم عليه و إذا وجد من يلقيه إليه ليقاسمه فيه و يستريح عليه و يخف عنه فأعانه الآخر يحسن الإصغاء إليه فيما يلقى إليه من همه و جوابه إياه بما يسره في ذلك و مشاركته بإظهار التألم لما ناله فذلك الصديق الصادق المعين كما قيل‏

صديقي من يقاسمني همومي و يرمي بالعداوة من رمانى‏

و قال الآخر

إذا الحمل الثقيل تقسمته رقاب الخلق خف على الرقاب‏

فهذا قد بينا لك بعض ما يحويه هذا المنزل بالإجمال لا بالتفصيل مخافة التطويل فما تركنا منه شيئا و لا أعلمناك منه بشي‏ء و هكذا فعلنا في كل منزل إن شاء الله تعالى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏