قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني و الثمانون و مائتان في معرفة منزل تزاور الموتى و أسراره

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا جهلت أرواحنا علم ذاتها‏ فذلك موت و الجسوم قبور
و إن علمت فالحشر فيها محققو كان لها من أجل ذاك نشور
فما العلم إلا بين نور و ظلمةو كل كلام دون ذلك زور

اعلم أن الموت عبارة عن مفارقة الروح الجسد الذي كانت به حياته الحسية و هو طارئ عليهما بعد ما كانا موصوفين بالاجتماع الذي هو علة الحياة فكذلك موت النفس بعدم العلم فإن قلت إن العلم بالله طارئ الذي هو حياة النفوس و الجهل ثابت لها قبل وجود العلم فكيف يوصف الجاهل بالموت و ما تقدمه علم قلنا إن العلم بالله سبق إلى نفس كل إنسان في الأخذ الميثاقي حين أشهدهم على أنفسهم فلما عمرت الأنفس الأجسام الطبيعية في الدنيا فارقها العلم بتوحيد الله فبقيت النفوس ميتة بالجهل بتوحيد الله ثم بعد ذلك أحيا الله بعض النفوس بالعلم بتوحيد الله و أحياها كلها بالعلم بوجود الله إذ كان من ضرورة العقل العلم بوجود الله فلهذا سميناه ميتا قال تعالى أَ وَ من كانَ مَيْتاً يعني بما كان الله قد قبض منه روح العلم بالله فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ فرد إليه علمه فحيي به كما ترد الأرواح إلى أجسامها في الدار الآخرة يوم البعث و قوله كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ يريد مقابلة النور الذي يمشي به في الناس و ما هو عين الحياة فالحياة الإقرار بالوجود أي بوجود الله و النور المجعول العلم بتوحيد الله و الظلمات الجهل بتوحيد الله و الموت الجهل بوجود الله و لهذا لم يذكر الله في الآية عنا في الأخذ الميثاقي إلا الإقرار بوجود الله لا بتوحيده ما تعرض للتوحيد فيها فقال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ف قالُوا بَلى‏ فأقروا له بالربوبية أي أنه سيدهم و قد يكون العبد مملوكا لاثنين بحكم الشركة فأي سيد قال له أ لست بربك فلا بد أن يقول العبد بلى و يصدق فلهذا قلنا إن الإقرار إنما كان بوجود الله ربا له أي مالكا و سيدا و لهذا أردف الله في الآية حين قال فَأَحْيَيْناهُ فلم يكتف حتى قال وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ يريد العلم بتوحيد الله لا غيره فإنه العلم الذي يقع به الشرف له و السعادة و ما عدا هذا لا يقوم مقامه في هذه المنزلة فتأمل ما قلناه فقد علمت أن ورود الموت على النفوس إنما كان عن حياة سابقة إذ الموت لا يرد إلا على حي و التفرق لا يكون إلا عن اجتماع و بعد أن علمت هذا فاعلم أنه من خصائص هذا المنزل أن علم الواحد بالكثرة يوجب له الجهل بنفسه لأن الكثرة مشهودة له و ذلك أن الروح لا يعقل نفسه إلا مع هذا الجسم محل الكم و الكثرة و لم يشهد نفسه قط وحده مع كونه في نفسه غير منقسم و لا يعرف إنسانيته إلا بوجود الجسم معه و لهذا إذا سئل عن حده و حقيقته يقول جسم متغذ حساس ناطق هذا هو حقيقة الإنسان و حده الذاتي النفسي فيأخذ أبدا في حده إذا سئل عنه من كونه إنسانا هذه الكثرة فلا يعقل أحديته في ذاته و إنما يعقل أحدية الجنس لا الأحدية الحقيقية و الذي يحصل له بالاكتساب أنه واحد في عينه علم دليل فكري لا علم ذوق شهودي كشفي و كذلك العلم بالله إنما متعلقة العلم بتوحيد الألوهة لمسمى الله لا توحيد الذات‏فإن الذات لا يصح أن تعلم أصلا فالعلم بتوحيد الله علم دليل فكري لا علم شهود كشفي فالعلم بالتوحيد لا يكون ذوقا أبدا و لا تعلق له إلا بالمراتب و أين التوحيد في الذات مع ما قد ورد من الصفات المعنوية و اختلاف الناس فيها و اختلاف أعيانها بالحد و الحقيقة و إن هذه ليست عين هذه هذا في العقل و في الشرع ثم انفرد التعريف الإلهي باليد و العين و القدم و الأصابع و غير ذلك و هذه كلها تنافي توحيد الذات و لا تنافي توحيد الألوهة و لهذا ورد التنازع في‏ قوله عليه السلام إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما لأن أحدية المرتبة لا تقبل الثاني و لا تحمل الشركة لأن المطلوب الصلاح لا الفساد و الإيجاد لا الإعدام و قال تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فوحد الإله و ما قال لو كانت ذات الإله تنقسم لفسدتا ما تعرض لشي‏ء من ذلك و إن الإله عند المتكلمين مجموع ذوات فإن الصفات أعيان زائدة موجودة قائمة بذات الحق و بالمجموع يكون إلها فأين التوحيد الذي يزعمونه و كذلك العقلاء من الفلاسفة الإله عندهم مجموع نسب فأين الوحدانية عندهم فإنهم يصفونه بالعلم و الحياة و اللذة و الابتهاج بكماله فالوحدة أمر يسمع و اسم على غير مسمى حقيقي إذا أنصفت فلا إله إلا الله الواحد في ألوهيته القهار للمنازعين له في ألوهيته من عباده و المزاحمين له في أفعاله و ما عدا هذين الصنفين فلهم الله الواحد الغفار و بعد أن علمت هذا فلا تحجبك هذه الكثرة عن توحيد الله تعالى و لكن بينت لك متعلق توحيدك و ما تعرضنا إلى الذات في عينها لأن الفكر فيها ممنوع شرعا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تتفكروا في ذات الله‏ و قال تعالى وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ يعني أن تتفكروا فيها فتحكموا عليها بأمر أنها كذا و كذا و ما حجر الكلام في الألوهة و لا تدرك بفكر و مشاهدتها من حيث نفسها ممنوعة عند أهل الله و إنما لها مظاهر تظهر فيها بتلك المظاهر تتعلق رؤية العباد و قد وردت بها الشرائع و ما بأيدينا من العلم به إلا صفات تنزيه أو صفات أفعال و من زعم أن عنده علما بصفة نفسية ثبوتية فباطل زعمه فإنها كانت تحده و لا حد لذاته فهذا باب مغلق دون الكون لا يصح أن يفتح انفرد به الحق سبحانه و إذا كان الحق على ما أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم عن علمه بما علمه الله‏ فقال اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك فعنده أسماء لا يعلمها إلا هو هي راجعة إليه و قد منع باستئثاره أنه لا يعلمها أحدا من خلقه و أسماؤه ليست أعلاما و لا جوامد و إنما أسماؤه على طريق المحمدة و المدح و الثناء و لهذا كانت حسني لما يفهم من معانيها بخلاف الأسماء الأعلام التي لا تدل إلا على الأعيان المسماة بها خاصة لا على جهة المدح و لا جهة الذم و أعظمها عندنا الاسم الله الذي لا تقع فيه المشاركة فأين التوحيد مع هذا التعريف الذي يزعمه هذا الزاعم أنه قد حصل على علم التوحيد النفسي و إذا لم يشهد له شرع و لا عقل و لا كشف و ما ثم غير هؤلاء و هم عدول فكيف بك بما خرج عن هؤلاء فالزم ما كلفته من زيارة الموتى و هو اللحوق بهم و الانخراط في سلكهم و هو العجز عن إدراك الأمر على ما هو عليه و إنما نحن متصرفون في أفعال المقاربة و هي كاد و أخواتها فيقال كاد العروس يكون أميرا و ما هو أمير في نفس الأمر و كاد زيد يحج أي قارب الحج و قال تعالى إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها فوصفه بأنه ما رآها و لا قارب رؤيتها فإنه نفى القرب بدخول لم على يكاد و هو حرف نفي و جزم يدخل على الأفعال المضارعة للأسماء فينفيها و يتعلق بهذا المنزل علم الزجر و الردع لمن قال من الناس إنه قد علم ذات الحق أنه لا ينكشف له جهله بما زعم أنه عالم به إلا في الدار الآخرة فيعلم هناك أن الأمر على خلاف ما كان يعتقده من علمه و أنه لا يعلم دنيا و لا آخرة قال تعالى وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فعم فبدا لكل طائفة تعتقد أمرا ما مما الأمر ليس عليه نفي ذلك المعتقد و ما تعرض في الآية بما انتفى ذلك هل بالعجز أو بمعرفة النقيض و كلا الأمرين كائن في الدار الآخرة كمن يقول بإنفاذ الوعيد لمن مات عاصيا على غير توبة فيغفر الله له يوم القيامة فقد بدا له من الله ما لم يكن يعلمه من التجاوز و زال علمه بالمؤاخذة فكل طائفة يبدو لها من الله بحسب مسألتها فلو كان العلم في نفس الأمر علم يقين لما تبدل و إنما هو حسبان و ظن قد احتجب عن صاحبه بصورة علم فهو يقول إنه يعلم و الحق يقول له تظن و تحسب و أين مقام من مقام فما كل أمر يعلم و لا كل أمر يجهل فاعلم العلماء من علم ما يعلم أنه يعلم و ما لا يعلم أنه لا يعلم‏ قال صلى الله عليه و سلم لا أحصي ثناء عليك‏ فقد علم أنه ثم أمر لا يحاط به و قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك‏أي أنه أدرك أن ثم أمرا يعجز عن إدراكه فهذا علم لا علم فيعلم الإنسان يوم القيامة عجز فكره عن إدراك ما حسب أنه أدركه غير أنه معذب بفكره بنار اصطلامه فإن حجة الشرع عليه قائمة إذ قد أبان له و أعرب عما ينبغي له أن يفكر فيه كما قال أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ من جِنَّةٍ أي أنه يوصل إلى معرفة الرسول بالدليل و بهذه الآية يستدل على أنه لا بد من أن ينصب الله تعالى على يد هذا الرسول دليلا يصدقه في دعواه و لو لم يكن كذلك ما صدق قوله أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا و لا تكون الفكرة إلا في دليل على صدقه إنه رسول من عند الله و الدليل هو المنظور فيه الموصل إلى المدلول فلو لا ما نصب الأدلة ما شرع للعقلاء التفكر و لا طالبهم و كذلك في معرفتهم به سبحانه فقال لما ذكر أمورا إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإذا تعدى بالفكر حده و فكر فيما لا ينبغي له أن يفكر فيه عذب يوم القيامة بنار فكره ثم إن الإنسان يشغله الفكر فيما لم يشرع له التفكر فيه عن شكر المنعم على النعم التي أنعم الله عليه بها فيكون صاحب عذابين عذاب الفكر فيما لا ينبغي و عذاب عدم الشكر على ما أنعم به عليه و لا نعمة أعظم من نعمة العلم و إن كانت نعم الله لا تحصى من حيث أسبابها الموجبة لها و إنما النعيم على الحقيقة وجود اللذة في نفس المنعم عليه بها عند أسباب كثيرة لا تحصى محصورة في أمرين في وجود ما تكون به اللذة و في عدم ما يكون بعدمه اللذة و هي أمور نسبية كوجود لذة خائف من عدو يتوقعه فيهلك ذلك العدو فيجد هذا من اللذة عند هلاكه ما لا يقدر قدرها و ذلك لوجود الأمن مما كان يحذره فالأسباب لا تحصى كثرة و اللذة واحدة و هي النعمة المحققة كما إن الألم هو العذاب المحقق و أسبابه لا تحصى فسمى الشي‏ء باسم الشي‏ء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب‏ و اعلم أن الزيارة مأخوذة من الزور و هو الميل فمن زار قوما فقد مال إليهم بنفسه فإن زارهم بمعناه فقد مال إليهم يقلبه و شهادة الزور الميل إلى الباطل عن الحق فزيارة الموتى الميل إليهم تعشقا لصفة الموت إن تحل به فإن الميت لا حكم له في نفسه و إنما هو في حكم من يتصرف فيه و لا يتصور من الميت منع و لا إباية و لا حمد و لا ذم و لا اعتراض بل هو مسلم تسليم حال ذاتي كذلك ينبغي لزائره إن يكون حاله مع الله حال الميت مع من يتصرف فيه و إذا بلغ إلى هذا المقام على الحد المشروع فيه لا على الإطلاق حينئذ يبلغ مبلغ الرجال و لا يكون موصوفا بهذه الصفة على الإطلاق إلا في معناه لا في حسه الظاهر و الباطن بل ينبغي له أن يكون حيا في أفعاله الظاهرة و الباطنة في الأمور التي تعلق بها النهي الإلهي و يكون ميتا بالتسليم لموارد القضاء عليه في كل ذلك لا للمقضي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏