قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و الثمانون و مائتان في معرفة منزل القواصم و أسرارها من ا

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا كنت مشغوفا بحب المعاصم‏ تذكر من الآيات آي القواصم‏
فإن لها عن ذاك زجرا و عصمةو أفلح من تحييه آي العواصم‏
و هذي أمور لم أنلها بفكرةو لكنها جاءت على يد قاسم‏
و يعطي إله الخلق عدلا و منةبقصمة قهار و عصمة عاصم‏
فكم بين شخص بالملائك ملحقو بين شخيص ملحق بالبهائم‏

اعلم أنه لما وصلت إلى هذا المنزل في وقت معراجي الذي عرج بي ليريني من آياته سبحانه ما شاء و معي الملك قرعت بابه فسمعت من خلف الباب قائلا يقول من ذا الذي يقرع باب هذا المنزل المجهول الذي لا يعرف إلا بتعريف الله فقال الملك عبد الحضرة عبدك محمد بن نور ففتح فدخلت فيه فعرفني الحق جميع ما فيه و لكن بعد سنين من شهودي إياه فكان ذلك شهودا صوريا من غير تعريف ثم بعد ذلك وقع التعريف به و لما عرفني بأنه منزل مجهول قصم ظهري و لما وقع التعريف به رأيته كله قواصم إلا أن يعصم الله مما رأيت فخفت فسكن الله روعي بما جلى لي فرأيت في هذا المنزل تحول الصور الحسية في الصور الجسمية كما يتشكل الروحانيون في الصور فتخيلت إن تلك الصور الأول ذهبت فحققت النظر فيها فلم أدركها حتى أعطيت القوة عليها فتحولت فأدركت المطلوب فإذا هو على نوعين في التحول النوع الواحد أن تعطي قوة تؤثر بها في عين الرائي ما شئته من الصور التي تحب أن تظهر له فيها فلا يراك إلا عليها و أنت في نفسك على‏صورتك ما تغيرت لا في جوهرك و لا في صورتك إلا أنه لا بد أن تحضر تلك الصورة التي تريد أن تظهر للرائي فيها في خيالك فيدركها بصر الرائي في خيالك كما تخيلتها و يحجبه ذلك النظر في الوقت عن إدراك صورتك المعهودة هذا طريق و طريقة أخرى يتضمنها هذا المنزل و ذلك أن الصورة التي أنت عليها عرض في جوهرك فيزيل الله ذلك العرض و يلبسك ما أردت أن تظهر به من صور الأعراض من حية أو أسد أو شخص آخر إنساني و جوهرك باق و روحك المدبر جوهرك على ما هو عليه من العقل و جميع القوي فالصورة صورة حيوان أو نبات أو جماد و العقل عقل إنسان و هو متمكن من النطق و الكلام فإن شاء تكلم و إن شاء لم يتكلم بأي لسان شاء الحق أن ينطقه به فحكمه حكم عين الصورة في المعهود و من هذا الباب يعرف نطق الجمادات و النبات و الحيوان و هي على صورها و تسمعها كنطق الإنسان كما إن الروح إذا تجسد في صورة البشر تكلم بكلام البشر لحكم الصورة عليه و ليس في قوة الروحاني أن يتكلم بكلام غير الصورة التي يظهر فيها بخلاف الإنسان و هو في غير صورة الإنسان و هذا منزل الممسوخ من هذه الحضرة تمسخ الصورة الحسية في الدنيا و الآخرة و من هذا المنزل تمسخ البواطن فترى الصورة أناسا و في الباطن غير تلك الصورة من ملك أو شيطان بصورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلب أو خنزير أو قرد أو أسد و كل ذلك يخالف ما تطلبه إنسانيته إما عال و إما دون و مسلخ البواطن قد كثر في هذا الزمان كما ظهر المسخ في الصورة الظاهرة في بنى إسرائيل حين جعلهم الله قردة و خنازير و لا بد في آخر الزمان أن يظهر المسخ في هذه الأمة و لكن في اليهود منها لا في المسلمين فإن الايمان يحفظهم فما يمسخ من هذه الأمة إلا يهودي أو منافق يظهر الإسلام و يخفى اليهودية و إنما ألحقنا اليهود بهذه الأمة لأن أمة النبي ليست قبيلته و إنما أمته جميع من بعث إليهم و محمد صلى الله عليه و سلم بعث إلى الناس عامة فجميع الناس أمته من جميع الملل فمنهم من آمن و منهم من كفر و منهم من أسلم و أما دخول الجن في دينه صلى الله عليه و سلم فكان دخولهم في دينه مثل ما كان دخول من لم يبعث إليه نبي في وقته في دين نبي وقته ثم إن ذلك النبي الذي ما بعث إليه إذا لم يكن ذلك الداخل ممن بعث إليه نبي آخر تجري أحكامه على من بعث إليه بما بعث به فإن لكل نبي شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فهكذا كان إيمان الجن برسول الله صلى الله عليه و سلم و أما ما ذكرناه من مسخ البواطن‏ فقول النبي صلى الله عليه و سلم يخبر عن ربه في صفة قوم من أمته أنهم إخوان العلانية أعداء السريرة ألسنتهم أحلى من العسل و قلوبهم قلوب الذئاب يلبسون للناس جلود الضأن من اللين‏ فهذا هو مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب و صورته صورة إنسان فالله العاصم من هذه القواصم و طريقة أخرى في التحول في الصورة و هي أن تبقي صورة هذا الشخص على ما كانت عليه و يلبس نفسه صورة روحاني يجد ذلك الروحاني في أي صورة شاء هذا الشخص أن يظهر للرائي فيها و يغيب هذا الشخص في تلك الصورة و هي عليه كالهواء الحاف به فتقع عين الرائي على تلك الصورة الأسدية أو الكلبية أو القردية أو ما كانت كل ذلك بتقدير العزيز العليم و طريقة أخرى و هي أن يشكل الهواء الحاف به على أي صورة شاء و يكون الشخص باطن تلك الصورة فيقع الإدراك على تلك الصورة الهوائية المشكلة في الصورة التي أراد أن يظهر فيها و لكن إن وقع من تلك الصورة نطق فلا يقع إلا بلسانه المعروف عند الرائي فيسمع النعمة فيعرفها و يرى الصورة فينكرها لا يتمكن لمن هذه حالته أن يزول عن نغمته و هذه قوة الجن لمن يعرفهم فإنهم يظهرون فيما شاءوه من الصور و النغمة منهم نغمة جن لا يقدرون على أكثر من ذلك و من لا معرفة له بهذا القدر فلا معرفة له بالجن إلا إن ثم أقواما تلعب الجن بعقولهم فتخيل لهم في عيونهم صورا مثل ما يخيل الساحر الحبال في صورة حيات ساعية فيحسبون أنهم يرون الجن و ليسوا بجن و تكلمهم تلك الصور فيما يخيل إليهم و ليست الصور بمتكلمة بخلاف تجسد الجن في أنفسهم فمن عرف من العارفين نغمات كل طائفة عرف ما رأى و لم يطرأ عليه تلبيس فيما رآه و قد رأينا جماعة بالأندلس ممن يرون الجن من غير تشكل و في تشكلهم منهم فاطمة بنت ابن المثنى من أهل قرطبة و كانت عارفة بهم من غير تلبيس و رأيت طائفة بمدينة فاس ممن كانت الجن تخيل لهم صورا في أعينهم و تخاطبهم بما شاءوا لتفتنهم و ليسوا بجن و لا بشكل جن منهم أبو العباس الزقاق بمدينة فاس و كان قد لبس عليه الأمر في ذلك فكان يخيل إليه أن الأرواح الجنية تخاطبه‏و يقطع بذلك و سبب ذلك الجهل بنغمتهم فكان إذا قعد عندي و حضر مجلسي يبهت ثم يصف ما يرى فاعلم أنه يخيل له فكان يصل في ذلك إلى حد الملاعبة و المصاحبة و المحادثة و ربما يقع بينه و بين ذلك الذي شاهده مخاصمة في أمور و مناكرة فتضره الجن من طريق آخر و هو يتخيل أن تلك الصور منها صدر الضرر و غلب عليه ذلك رحمه الله و كان أبو العباس الدهان و جميع أصحابنا يشاهدون ذلك منه فمن عرف النغمات لم تلتبس عليه صورة أصلا و قليل من يعرف ذلك و يغترون بصدق ما يظهر من تلك الصور في أوقات فهذا قد بينا لك مراتب التحول في الصور من هذا المنزل و فيه من هذا الظهور في الصور عجائب جمة تنهر العقول و أعظمها تغير المزاج إلى مزاج آخر مع بقاء الجوهر لا بد منه الحامل لهذه الصورة فإن لم يبق الجوهر فما تحول قط و لكن هذا جوهر آخر في صورته ما تبدل و لا هو ذلك كما إن زيدا ليس عمرا و من هذا المنزل أيضا وزن أبي بكر الصديق بالأمة فرجح هذا منزل حضرة الوزن بين المخلوقين من كل ما سوى الله و من عرف ما في هذا المنزل و شاهد حكمه و رفعت له موازين الخلق على ما وضعهم الله عليه من الحال و المقام عرف فضل الملائكة بعضهم على بعض و فضل الناس بعضهم على بعض و فضل الجن بعضهم على بعض و فضل الحيوان بعضه على بعض و فضل النبات بعضه على بعض و فضل الجماد بعضه على بعض و المفاضلة بين الملائكة و البشر و بين الجن و البشر و بين الجماد و النبات و البشر و يعرف مفاضلة كل جنس مع غير جنسه و من هنا يعرف فضل الحجر الأسود مع كونه جمادا و هو يمين الله فانظر هذه الرتبة و هو جماد و انظر في فرعون و أبي جهل و هو إنسان و من هذا المنزل إذا وقفت على هذه المفاضلات رأيت الجنة فيمن تسري من هؤلاء الأجناس و أنواع الأجناس و أنواع الأنواع إلى آخر درجة و هي أشخاص النوع الأخير و يشاهد أيضا سريان النار في الأجناس بين حر و زمهرير و في أنواع الأجناس و أنواع الأنواع حتى تنتهي إلى أشخاص النوع الأخير فتحكم على كل من تشاهده بما تشاهده فإنك إنما تشاهده بما له لا بوقته و هنا يقع تلبيس من حضرة خيالية في مقابلة هذه الحضرة فيشاهد ما يعطيه شاهد الوقت فيحكم عليه بالمال و هو تلبيس شيطاني من الصفة التي ذكرناها آنفا من كون الجن و الشياطين تخيل للناس صورا عنهم و عن غيرهم و ليس بحقيقة و هذه المسألة التبس الأمر فيها على أبي حامد الغزالي و غيره و ممن التبس عليه الأمر في ذلك من الشيوخ الذين أدركناهم أبو أحمد بن سيد بون بوادي أشت فكان يقول هو و أمثاله إن الإنسان إنما يطرأ عليه التلبيس ما دام في عالم العناصر فإذا ارتقى عنها و فتحت له أبواب السماء عصم من التلبيس فإنه في عالم الحفظ و العصمة من المردة و الشياطين فكل ما يراه هنالك حق فلنبين لك الحق في ذلك ما هو و ذلك أن الذي ذهبت إليه هذه الطائفة القائلون بما حكيناه عنهم من رفع التلبيس فيما يرونه لكونهم في محال لا تدخلها الشياطين فهي محال مقدسة مطهرة كما وصفها الله و ذلك صحيح إن الأمر كما زعموه و لكن إذا كان المعراج فيها جسما و روحا كمعراج رسول الله صلى الله عليه و سلم و أما من عرج به بخاطره و روحانيته بغير انفصال موت بل بفناء أو قوة نظر يعطي إياها و جسده في بيته و هو غائب عنه بفناء أو حاضر معه لقوة هو عليها فلا بد من التلبيس إن لم يكن لهذا الشخص علامة إلهية بينه و بين الله يكون فيها عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فيما يراه و يشاهده و يخاطب به فإن كان له علامة يكون بها عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و إلا فالتلبيس يحصل له و عدم القطع بالعلم في ذلك إن كان منصفا و قد يكون الذي شاهده حقا و يكون معصوما محفوظا في نفس الأمر و لكن لا علم له بذلك فإذا كان عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ حينئذ يأمن التلبيس كما أمنته الأنبياء عليهم السلام فيما يلقى إليهم من الوحي في بيوتهم و ذلك أن الشيطان لا يزال مراقبا لحال هذا المريد المكاشف سواء كان من أهل العلامات أو لم يكن فإن له حرصا على الإغواء و التلبيس و لعلمه بأن الله قد يخذل عبده بعد عصمته مما يلقي إليه فيقول عسى و يعيش بالترجي و التوقع و إن عصم باطن الإنسان منه و رأى أنوار الملائكة قد حفت بهذا العبد انتقل إلى حسه فيظهر له في صورة الحس أمورا عسى يأخذه بها عما هو بسبيله مع الله في باطنه و هذا فعله مع كل معصوم محفوظ بأنوار الملائكة حسا في باطنه و أما إن كان معصوما في نفس الأمر و ليس على باطنه حفظة من الملائكة فإن الشيطان يأتي إلى قلبه و هذا الشخص بكونه معصوما في نفس الأمر بالبينة التي هو عليها من ربه لا يقبل منه ما يلقى إليه هذا إن لم يكن متبحرا في العلم و يكون‏صاحب مقام مقصور عليه و أما إن كان صاحب تمكين و تبحر في العلم الإلهي أخذ ذلك منه فإنه رسول من الله إليه فإن كان محمودا فقلب عينه في مجرد الأخذ حيث أخذه عن الله و لم يلتفت إلى الواسطة لعلمه بمحلها عند الله من الطرد و البعد فينقلب خاسئا حيث أراد أمرا فلم يتم له بل كان فيه زيادة سعادة لهذا الشخص و لكن من حرصه على الإغواء يعود إليه المرة بعد المرة و إن كان الذي أتاه به مذموما قلب عينه فصار محمودا في حقه بأن يصرفه على المصرف المرضى فينقلب خاسئا حيث أراد أمرا فلم يتم له بل كان فيه سعادة لهذا الشخص فإن كان حال هذا الشخص الأخذ من الأرض أقام له الشيطان أرضا ليأخذ منها فأما إن يرده خاسئا و يفرق بين الأرضين و إما أن يكون متبحرا فيشكر الله حيث أعطاه أيضا أرضا متخيلة كما أعطاه أرضا محسوسة و ينظر سر الله فيها و يأخذ منها ما أودع الله فيها من الأسرار التي لم تخطر ببال إبليس و يردها الله لهذا الشخص زيادة في ملكه و إن كان حاله السماء فإن الشيطان يقيم له سماء مثل السماء التي يأخذ منها و يدرج له من السموم القاتلة ما يقدر عليه فيعامله العارف بما ذكرناه في معاملته له بالأرض و إن لم يكن في هذا المقام لبس عليه و تجرع تلك السموم القاتلة و لحق بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا و إن كان حاله في سدرة المنتهى أو في ملك من الملائكة جلى له صورة سدرة مثلها أو صورة مثل صورة ذلك الملك و تسمى له باسمه ثم ألقى إليه ما عرف أنه يلقى إليه من ذلك المقام الذي هو فيه ليلبس عليه فإن كان من أهل التلبيس فقد ظفر به عدوه و إن كان معصوما حفظ منه فيطرده و يرمي ما جاء به أو يأخذه من الله دونه و يشكر الله على ما أولاه و ما زاده ثم يرتقي هذا الشخص إلى حال هو أعلى فإن كان حاله العرش أو العماء أو الأسماء الإلهية ألقى إليه الشيطان بحسب حاله ميزانا بميزان فإن كان من أهل التلبيس كان كما ذكرناه و إن لم يكن انقسم أمره إلى ما ذكرناه فقد أعلمتك أن الشيطان لا يجلي للشخص إلا على ما هي عليه حالته في صورة ذلك على السواء و على ما استقر في ذهنه مما قررته الشريعة أ لا ترى ابن صياد لما أظهر له إبليسه العرش إذ كان حاله و أبصر ذلك العرش على البحر لأنه رأى الله تعالى يقول وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فجلى له العرش على البحر و هو قاعد عليه يأخذ عنه ابن صياد و يتخيل أنه يأخذ عن الله‏ فإن الله قد قال على ما أخبره به رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ذا ترى قال أرى العرش قال أين قال على البحر فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك عرش إبليس و خبا له رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة الدخان من القرآن فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما خبأت لك فقال الدخ و الدخ هي لغة في الدخان فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اخسأ فلن تعدو قدرك‏ يعني إنك ممن لبس عليه الأمر فإنه صلى الله عليه و سلم ما خبا له إلا سورة الدخان و هي تحوي على الدخان و على غيره فما خبا له الدخان فأتاه باسم السورة لا بما خبا له و ما قال سورة الدخان و إنما قال الدخ و لم يأت في هذه السورة إلا الدخان لا الدخ و إن كان هو بعينه فلم يفرق ابن صياد بين سورة الدخان و بين الدخان فجهل فلهذا قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اخسأ فلن تعدو قدرك حيث جاءه من هذه السورة بما يناسب إبليس الذي عرفه بذلك و هو أن الشيطان مخلوق من النار فما رأى من تلك الخبيئة إلا ما يناسبه و ما عرف أنها سورة الدخان فالقى إلى ابن الصياد في روعة هذا القدر و ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم تلفظ باسم السورة عند ما عينها في نفسه فسرقها الشيطان و اختطفها من لفظه و لو أضمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم في نفسه ما عرفها إبليس فإنه ليس له على قلبه صلى الله عليه و سلم اطلاع و لا استشراف بخلاف قلب الولي و لهذا إن النبي معصوم من الوسوسة في حال نزول الوحي و في غيرها لا فرق أ لا ترى الشيطان لما علم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه المثابة و العناية من الله في عصمة قلبه من استشراف إبليس عليه جاءه في الصلاة في قبلته بشعلة نار مخيلة فرمى بها في وجهه و غرضه أن يحول بينه و بين الصلاة لما يرى له فيها من الخير فإنه يحسده بالطبع فتأخر النبي صلى الله عليه و سلم إلى خلف و لم يقطع صلاته و أخبر بذلك أصحابه و أما الولي فقد يلقى إليه في قلبه و قد يسمع منه ما يحدث به نفسه فيطمع أن يلبس عليه حاله كما ذكرناه فمن كان على بينة من ربه فقد سعد و ارتفع الإشكال و لا بد للبينة التي يكون عليها أن تكون بينة له و إن لم تكن بينة فلا يقدر أن يحكم بها فإنه قد تكون علامة لا بينة فيتخيل إن العلامة هي‏البينة و ليس كذلك فإن العلامة إذا لم تكن بينة و هو التحقق بها و بها يقطع النبيون و الأولياء فيما يرد عليهم من الله و لقد أخبرني أبو البدر التماشكي البغدادي و هو من الفقراء الصادقين من أنظفهم ثوبا و أحسنهم عبارة قال لي جمع بيني و بين الشيخ رغيب الرحبي مجلس و كان من العارفين غير أنه لم يبلغ فيما نقل إلينا مبلغ العارفين المكملين في شغلهم أنه قال له عن رجل الوقت إنه رأى خلعة قد خرجت له من الحضرة و قد أعطى علامة في ذلك الرجل و إلى الآن فما رآه لأنه لم ير تلك العلامة فقال له أبو البدر رضي الله عن جميعهم يا شيخ أ لم تر بعد ذلك رجالا كثيرة فقال له نعم قال و كانوا من الأكابر قال نعم و لكن ما رأيت تلك العلامة في واحد منهم فقال له أبو البدر و ما يدريك أن واحدا من أولئك الرجال الذين رأيتهم كان هو المقصود بتلك الخلعة و تغرب عليك حتى لا تعرفه فقال له رغيب قد يكون ذلك فهذا صاحب علامة و لكن ما هو على بينة في علامته فإن العلامة إنما هي في الباطن لا تزول عنه و هو الذي يكون بها على بينة من ربه في نفسه فإذا جعلت له العلامة في غيره كان ذلك الغير حاكما لها إن شاء ظهر له فيها و إن شاء لم يظهر فلذلك قال رغيب ما قال في العلامة و لم يبين من كان محل العلامة هل هو أو ذلك الرجل فلما أقر بوقوع ما قال له أبو البدر في الدخول عليه في علامته علمنا قطعا إذا صدقنا رغيبا في دعواه أن العلامة كانت في غيره فإنه ما هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فعلامته فيه ما يكون في غيره فلذلك قد يمكن أن يصح ما قال أبو البدر أن يكون الرجل قد دخل عليه فيمن رأى من الرجال و تغرب عليه فاعتراض أبي البدر على هذا العارف اعتراض صحيح محرر في الطريق و إقرار رغيب في ذلك إقرار صادق يدل على صدق دعواه إلا أنه قد يكون هذا الشيخ ممن ليس على بينة و قد يكون من أهل البينة إذ لم يقع في دعواه لفظ البينة و عدل إلى العلامة التي يدخلها الاشتراك و أما الشيخ أبو السعود ابن الشبل شيخ أبي البدر المذكور فالموصوف من أحواله أنه كان على بينة من ربه إلا أنه كان أعقل أهل زمانه و لو لا ما حكى عنه أبو البدر المذكور أنه انتهر شخصا في ذكر عبد القادر بغيظ لا بسكون و هدو و عرفه إنه يعرف عبد القادر كيف كان حاله في أهله و حاله في قبره لكان عبدا محضا و لكن عاش بعد هذا فقد يمكن أنه صار عبدا محضا لأنه لم ينتهر هذا الشخص لكونه أتى أمرا محرما في الشرع و إنما وصف أحوال عبد القادر و عظم منزلته فلو أنه وقع في محظور شرعي و انتهره و غضب عليه لم يخرجه ذلك عن إن يكون عبدا محضا فسبحان من أعطى أبا السعود ما أعطاه فلقد كان واحد زمانه في شأنه نعم لو كان هذا الذاكر تلميذا له لتعين عليه انتهاره إياه لأن انتهاره من تربيته فإن كان من تلامذته فذلك الانتهار لا يخرجه عن عبوديته فإن كان ذلك الانتهار من أبي السعود عن أمر إلهي خوطب به في نفسه لمصلحة الوقت في حق من كان أو لغيرة من الله على مقام قد أساء هذا المتكلم فيه الأدب فانتهاره ذلك مما يحقق عبوديته لا يخرجه عنها و هذا هو الظن بحال أبي السعود لا الذي ذكرناه أولا و إنما ذكرنا ذلك و هذا و ما بينهما لنستوفي الكلام على المقام بما يقتضيه من الوجوه على كمالها فلا بد أن يكون هذا الشيخ على واحد منها و لم يحكم عليه بواحد منها فأفدنا الواقف على هذا الكتاب معرفة هذا المقام و أحواله و إن الله ما أخبرني بحال من أحوال أبي السعود حتى نلحقه بمنزلته و الله أعلم أي ذلك كان إلا أني أقطع أن ميزانه بين الشيوخ كان راجحا نفعنا الله بمحبته و بمحبة أهل الله و قد أوردنا من هذا المنزل بعض ما يحوبه من القواصم فإنها كلها مخوفة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏