الفرائض هي الأعمال أو التروك التي أوجبها الله تعالى على عباده و قطعها عليهم و أثم من لم يقم بها و هي على قسمين فرض عين و هو الذي لا يسقط عنه إذا عمله غيره و فرض كفاية و هو الذي يسقط عنه إذا قام به غيره و قد كان قبل قيام الغير به متعينا عليه و على ذلك الغير كالصلاة على الجنازة و غسل الميت و الجهاد و ثم فرض آخر يلوح بينهما له طرف إلى كل واحد منهما يخالف حكم الآخر مثل الحج المفروض إذا لم يستطع و هو إن كان غير مخاطب به إلا مع الاستطاعة فهو فرض متوقف على شرطه فإذا حج عنه وليه سقط عنه و كان له الأجر أجر الأداء و ليس هذا في فرض الكفاية لوجود الأجر و لا في فرض الصلاة لعدم سقوطها عمن صليت عنه فلا يشبه فرض الصلاة و لا يشبه فرض الكفاية و أما السنن فكل ما عدا ما تعين عمله و هو على قسمين سنة أمر بها و حرض عليها أو فعلها بنفسه و خير أمته في فعلها و سنة ابتدعها واحد من الأمة فاتبع فيها فله أجرها و أجر من عمل بها فالفرض إذا جاء به العبد موفى فقد وفى ما تستحقه الربوبية عليه من العبودة فينتج له عمل الفريضة أمرا هو أعلى من أن يكون الحق سمعه فإن كون الحق سمع العبد حال للعبد و حكم الفرض يحول بينه و بين هذه الحال و هو أن يكون سمعا للحق فيسمع الحق بالعبد و هو قوله جعت فلم تطعمني و أما هذه الحيلولة التي أعطاها الفرض من أن يكون الحق سمعه هي مقام محقق ثابت كما هو في نفس الأمر فيعرف عند ذلك العبد أن الحق هو لا هو و صاحب الحال يقول أنا و السنن طرق الاقتداء و أعلاها الاقتداء بالحق حتى أكون في إطلاق أسمائه علي قريبا من التحقق بها لا من التخلق و أدناها في حق الولي الاقتداء بالذين قال الله فيهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و العلماء ورثة الأنبياء و ما ورثوا إلا العلم فالسنة النبوية عالية المقام و هي الجمعية على الدين و إقامته و أن لا يتفرق فيه فهي تعلو بمن يأتيها و يسلك فيها في الحضرات المحمدية إلى غاياتها في المعارف و الأحوال و التجلي و أما السنن التي هي الشرائع المستحسنة بعد رسول الله ص و هو الاستحسان عند الفقهاء الذي قال فيه الشافعي رحمه الله من استحسن فقد شرع فأخذها الفقهاء منه على جهة الذم و هو رضي الله عنه نطق بحقيقة مشروعة له لم تفهم عنه فإنه كان من الأربعة الأوتاد و كان قيامه بعلم الشرع حجبه عن أهل زمانه و من بعده روينا عن بعض الصالحين أنه لقي الخضر فقال له ما تقول في الشافعي فقال هو من الأوتاد فقال فما تقول في أحمد بن حنبل قال رجل صديق قال فما تقول في بشر الحافي قال ما ترك بعده مثله فهذه شهادة الخضر في الشافعي رحمه الله و لما صح عند الشافعي أن النبي ص قال من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها و من سن سنة سيئة الحديث فلا شك أن الشرع قد أباح له أن يسن سنة حسنة و هي من جملة ما ورث من الأنبياء و هي حسنة أي يستحسنها الحق منه و هو سنها فمن استحسن أي من سن سنة حسنة فقد شرع و يا عجبا من عدم فهم الناس كلام الشافعي في هذا و هم يثبتون حكم المجتهد و إن أخطأفي نفس الأمر و قد أقره الشارع و هو حكم شرعي مقبول لا يحل لأحد من الحكام رده و قواعد الشرع و أصوله تحفظه و كالمصالح المرسلة في مذهب مالك و لما قرر الشارع حكمها مجملا و أبان أن واضعها و متبعيه فيها مأجورون و نهاية التابعين فيها إلى واضعها على قدره و قدر ما سن نبهتك بهذا أن تكون أوقاتك معمورة بالشرائع النبوية و السنن الأصلية فإن الكيس ينبغي أن لا يكون غاية عمله إلا نبوة أصلية لا فرعية إذ كان له الاختيار في الاختيار لما كانت الأمور في أنفسها تقبل الاختيار كما فعل سبحانه في جميع الموجودات فاختار من كل أمر في كل جنس أمرا ما كما اختيار من الأسماء الحسنى كلمة الله و اختار من الناس الرسل و اختار من العباد الملائكة و اختار من الأفلاك العرش و اختار من الأركان الماء و اختار من الشهور رمضان و اختار من العبادات الصوم و اختار من القرون قرن النبي ص و اختار من أيام الأسبوع يوم الجمعة و اختار من الليالي ليلة القدر و اختار من الأعمال الفرائض و اختار من الأعداد التسعة و التسعين و اختار من الديار الجنة و اختار من أحوال السعادة في الجنة الرؤية و اختار من الأحوال الرضي و اختار من الأذكار لا إله إلا الله و اختار من الكلام القرآن و اختار من سور القرآن سورة يس و اختار من آي القرآن آية الكرسي و اختار من قصار المفصل قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ و اختار من أدعية الأزمنة دعاء يوم عرفة و اختار من المراكب البراق و اختار من الملائكة الروح و اختار من الألوان البياض و اختار من الأكوان الاجتماع و اختار من الإنسان القلب و اختار من الأحجار الحجر الأسود و اختار من البيوت البيت المعمور و اختار من الأشجار السدرة و اختار من النساء مريم و آسية و اختار من الرجال محمدا ص و اختار من الكواكب الشمس و اختار من الحركات الحركة المستقيمة و اختار من النواميس الشريعة المنزلة و اختار من البراهين البراهين الوجودية و اختار من الصور الصور الآدمية لذلك أبرزها على الصورة الإلهية و اختار من الأنوار ما يكون معه النظر و اختار من النقيضين الإثبات و من الضدين الوجود و اختار الرحمة على الغضب و اختار من أحوال أفعال الصلاة السجود و من أقوالها ذكر الله و من أصناف الإرادات النية فلها الحكم في قبول العمل و رده فإنه لكل امرئ ما نوى و يلحق غير العامل بالعامل في الأجر و زيادة و أما ذكر الله من أقوال الصلاة فإن ذكر الله منها أكبر ما فيها هكذا قال عز و جل إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فإن الصلاة مناجاة و الذاكر جليسه الحق فإن ذكره به فهو تعالى لسانه و أما اختياره السجود في أفعال الصلاة فلما فيه من العصمة من الشيطان فإنه لا يفارقه في شيء من أفعال الصلاة إلا في السجود خاصة لأنه خطيئته و عند السجود يبكي و يتأسف و يندم و الندم توبة و لا بد من قبول ذلك القدر فهو يتوب عند كل سجدة و إن الله يحب كل مفتن تواب ثم يعود إلى الإغواء عند الرفع من السجود هكذا و أما اختياره الرحمة على الغضب فلأنها تفعل بالمنة و تفعل بالوجوب و وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و الغضب من الأشياء التي وسعته الرحمة فما ثم غضب خالص غير مشوب برحمة و الرحمة لا يشوبها غضب وَ من يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى فالغضب جعله يهوى فإذا هوى و هو السقوط و هو حكم الغضب لا غير فيسقط في الرحمة فتسعه و تتلقاه فلا يسقط إلا إليها و بالرحمة التي في الغضب سقط فهي التي جعلت الغضب يهوى به لتستلمه الرحمة الخالصة كالرحمة التي في الدواء الكرية فيشربه العليل على كراهة فيه رحمة خفية من أجلها استعمل الدواء الكرية في الوقت لتسلمه إلى العافية و هي الرحمة الخالصة و لهذا كان المال إلى الرحمة و حكمها و إن لم يخرجوا من النار فلهم فيها نعيم وَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أ لا ترى إلى ما جعل الله في النار في الدنيا من المنافع و الراحات و لو لم يكن إلا الكي بها لبعض العلل فإنه أقطع الأدوية و لقوته في أثره قدح في التوكل لأنه يقوم في الفعل مقام الشافي و المعافي فحكمت الغيرة على المكتوي بأنه غير متوكل و أما اختيار الوجود من الضدين فلأنه صفته فاختار للممكنات صفته و لا يصح إلا هذا فإن له الاقتدار و الاقتدار لا يكون عنه إلا الوجود أ لا تراه لما قال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ قال وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ فأبى الاقتدار إلا الوجود و علق الإرادة بالإعدام و له الاسم المانع و المنع عدم و أما اختياره الإثبات فهو عين الشيء الذي يقول له كن لأنه في حال عدمه رجح له الإثبات على النفي حتى لا يزال ممكنا في حال عدمه و هي مسألة دقيقة في الترجيح في حال العدم و بذلك الافتقار الذاتي الذي في الممكن قبل الوجود إذا أراده الحق منه و أسرع إليه بحكم الإثبات الذي هو عليه و أما النور المختار من الأنوار فإن الأنوار حجب و لذلك قال في الأنوار الحجابية نور إني أراه ثم وعد بالرؤية و هو نور فلا بد أن يكون النور الذي يظهر فيه لعباده مختارا من تلك الأنوار الحجابية كنور الأحدية و العزة و الكبرياء و العظمة فهذه كلها ترفع عن البصر و يبقى حكمها في القلب فبرفعها تقع الرؤية للحق تعالى و يبقى حكمها في القلب و يفنى العبيد عن الرؤية و لو لا ذلك لشهدوا نفوسهم عند شهوده و أما اختياره الصورة الآدمية فلأنه خلق آدم على صورته فأطلق عليه جميع أسمائه الحسنى و بقوتها حمل الأمانة المعروضة و ما أعطته هذه الحقيقة أن يردها كما أبت السموات و الأرض و الجبال حملها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لو لم يحملها جَهُولًا لأن العلم بالله عين الجهل به العجز عن درك الإدراك إدراك فإنه إذا علم إن ثم ما لم يعلم فما علم و هو العلم بأن ثم ما لا يعلم و ليس لعلمه متعلق إلا الجهل به و أما اختياره البراهين الوجودية من البراهين الجدلية و غيرها فلما تعطيه من تمام العلم بثبوت الحق و إبطال حجة الخصم و البراهين الجدلية ليست لها هذه القوة فإنها تبطل حجة الخصم و قد لا تثبت حقا و البراهين السوفسطائية تنتج حيرة و هي أقرب إلى البراهين الوجودية في العلم الإلهي من وجه من البراهين الجدلية و أما اختياره الشريعة المنزلة فلما لها من عموم التعلق بالدار الآخرة و مصالح الدنيا و ليست النواميس الحكمية الموضوعة لمصالح الدنيا و بقاء الخير في عالم الدنيا لها حكم لتحكم على الله بالقرب الإلهي و قبول الأعمال و رفع الدرجات و إثبات الجنات و دار الشقاء لا يستقل بذلك كله إلا الشرع المنزل من عند الله و أما الذين ابتدعوا عبادات و رعوها حق رعايتها ابتغاء رضوان الله مما لم يكتبها الله عليهم فهم أصحاب شرع منزل من عند الله فسنوا فيه سننا حسنة مناسبة لما سنها الشرع بالشرع المنزل فيهم و أباح لهم أن يسنوا و أما النواميس الحكمية فما هي التي سنها هؤلاء و لهذا جعل لهم الأجر و أما اختياره الحركة المستقيمة فإنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ كما قال عن نفسه و اختص بها الإنسان الذي خلقه الله على صورة الحق و فيها يحشر السعيد يوم القيامة فهي له دنيا و آخرة فإن المجرمين يحشرون منكوسين و هي الحركة المنكوسة كما قال تعالى في حق المجرمين وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ و الحركة المعوجة الأفقية في البهائم فلم تصح الحركة المستقيمة إلا لمن خلقه الله على الصورة و ذلك الإنسان الكامل الذي له هذه الصفة في الدنيا و الآخرة و لهذا خص بها ذكر آدم لأنه من أهل السعادة التي تبقي عليه هذه الحركة المستقيمة و لهذا نعت بالخلافة و أما اختياره الشمس فلما لها من الإمداد في جميع الكواكب المستنيرة علوا و سفلا و لهذا قال إبراهيم ع هذا أَكْبَرُ و اختصت على المذهبين بالقلب من الكرة و هي السماء الرابعة و فيها إدريس عليه السلام و الله قد ذكر أنه رفعه مَكاناً عَلِيًّا فعلو هذا المكان من كونه قلب الأفلاك فهو مكان عال بالمكانة و ما فوقه و إن كان دونه فهو أعلى بالمسافة و بنسبته إلى رءوسنا و هو الذي أحدث الليل و النهار بطلوعه و غروبه الذي جعل الله لهما الغشيان و هو النكاح و الإيلاج لظهور أعيان المولدات و ما يحدث الله في الليل و النهار من المخلوقات عن هذا الإيلاج و الغشيان و جعل لكل واحد من هذين الموجودين عن الحركة الشمسية الطلب الحثيث لإبراز أعيان الحوادث عن هذا الطلب و أما اختياره محمدا ص فلما اقتضاه مزاجه دون الأمزجة الإنسانية من الكمال و الاعتدال إذ به شاهد نبوته و آدم بين الماء و الطين و هو متفرق الأجزاء في المولدات العنصرية و هي مسألة دقيقة لا يعرفها إلا من عرف أخذ الذرية من ظهر آدم حين أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ف قالُوا بَلى و هي الفطرة التي ولد الناس عليها و إليها ينتهون و في هذا الجمع قال الأرواح أجناد مجندةو لما جمعهم جمعهم في حضرة التمثيل فما كان وجها لوجه هناك تعارفوا هنا و ما وقع ظهر الظهر هناك تناكر هنا و ما بينهما من وجه إلى ظهر و جانب و غير ذلك و في هذا أقول
و إن كل أحد يقر بهذه الشهادة في الآخرة و لا ينكر و لا يدعي لنفسه ربوبية يقول تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبَعُوا فكان ص أعظم مجلى إلا هي علم به علم الأولين و الآخرين و من الأولين علم آدم بالأسماء و أوتي محمد ص جوامع الكلم و كلمات الله لا تنفد و له السيادة التي لا تبعد على الناس يوم القيامة فيشفع في الشافعين أن يشفعوا من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و له المقام المحمود في اليوم المشهود و أما اختياره مريم و آسية فهو إلحاقهما بالكمال الذي للرجال مع وجود الدرجة التي للرجال عليهن فإن تلك الدرجة وجودية فلا تزول أما اختياره السدرة فلأنها موضع انتهاء أعمال العباد و موضع الفضل و بظلها تستظل صور الأعمال و غشاها الله من الأنوار ما غشى ألا إن تلك الأنوار أنوار الأعمال فلا يستطيع أحد أن ينعتها و تلك الأنوار كما قلنا أنوار الأعمال تنبعث من صورها فتغشاها فلا يستطيع أحد أن ينعتها فإن النعت للأشياء تقييد و تمييز و الأعمال تختلف و لها مراتب و أنوارها على قدر مراتبها فعال و أعلى و مضيء و أضوأ و نعت العالي يناقض الأعلى و نعت المضيء يقابل الأضوأ من حيث ما هو أضوأ فلا يتقيد بنعت لأنك إن قيدتها بنعت أبطله لك نقيضه فما وفيتها حقها في النعتية إذ لم تكن أنوار الأعمال على درجة واحدة و قد غشيتها هذه الأنوار و غطتها فلا يقدر أحد يصل إلى نعتها فهم و إن استظلوا بها فقد كسوها من ملابس الأنوار ما فضلت به جميع الأشجار و هي طعام و غاسول و نبقها كالقلال منه ترزق أرواح الشهداء و أما اختياره البيت المعمور فلأنه مخصوص بعمارة ملائكة يخلقون كل يوم من قطرات ماء نهر الحياة الواقعة من انتفاض الروح الأمين فإنه ينغمس في نهر الحياة كل يوم غمسة لأجل خلق هؤلاء الملائكة عمرة البيت المعمور و هم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون إليه أبدا و بقي السر في المكان الذي يعمرونه هؤلاء الملائكة و ما ثم خلاء و العالم كله قد ملأ الخلأ فابحث عليه فإنه علم جليل يوقفك على علم استحالات الأعيان في الأعيان و تقلب الخلق في الأطوار فتعلم أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا على ما ليس بشيء فإن لا شيء لا يقبل الشيئية إذ لو قبلها ما كانت حقيقته لا شيء و لا يخرج معلوم عن حقيقته فلا شيء محكوم عليه بأنه لا شيء أبدا و ما هو شيء فمحكوم عليه بأنه شيء أبدا و أما اختياره الحجر الأسود فلأنه أنزله ليقيمه مقام يمينه في البيعة الإلهية إذ لم يكن في المعارف و العبادات أعظم ملازمة لما عرف و لما تعبد به من العبادات فإنها فطرت على المعرفة و العبادة المحضة التي عجزت عنها حقيقة النبات و الحيوان و لهذا ليس شيء منه في الإنسان جملة واحدة فإن جميع ما في الإنسان يقبل النمو و هو للنبات كما إن الحيوان له التصرف في الجهات فكلما فارق موجود المعدن التبس بصورة الدعوى بحقيقته فهي منازعة خفية لا يشعر بها كل عالم و قد نبه على بعض ذلك سهل و ما و في الأمر فيها ما هو عليه فلا أدري هل علم و اكتفى بما ذكر أو ما أطلعه الله في ذلك الوقت على أكثر مما ذكر و الله أعلم فاختاره الله يمينا و أما اختياره من الإنسان القلب و هو الذي وسعه لأنه كل يوم في شأن و اليوم قدر نفس المتنفس في الزمان الفرد و به سمي قلبا لتقلبه أ لا تراه بين أصبعي الرحمن فما يقلبه إلا الرحمن ليس لغيره من الأسماء معه فيه دخول و لا يعطي الاسم الرحمن إلا ما في حقيقته فرحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فما من أمر تراه في تقلبه مما يؤدي إلى عناء و عذاب و شقاء إلا و فيه رحمة خفية لأنه بأصابع الرحمن يقلب فإن شاء أقامه و إن شاء أزاغه عن تلك الإقامة فهو ميل إضافي فمال القلب إلى الرحمة بحكم سلطان هذا الاسم الذي قلبه في الزيغ كما قلبه في الإقامة فهي بشرى من الله إلى عباده ف يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ و ما ذكر سرفا من سرف فعم جميع حالات المسرفين في السرف لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله فإن الذي أزاغكم أصبع الرحمن إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً و هو خبر لا يدخله النسخ فيجمع بين قوله هذا و بين قوله إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به فيؤاخذ على الشرك ما شاء الله ثم يحكم عليه أصبع الرحمن فيئول إلى الرحمن و أمور أخر من الزيغ مما دون الشرك يغفر منها ما يغفر بعد العقوبة و هم أهل الكبائر الذين يخرجون من النار بالشفاعة بعد ما رجعوا حمما مع كونهم ليسوا بمشركين و الايمان بذلك واجب و منها ما يغفر ابتداء من غير عقوبة فلا بد من المال إلى الرحمة و أما اختياره من الأكوان الاجتماع فإنه يعطي الافتراق بالتمييز في عين الجمع فلا بد من رب و مربوب و من قادر و مقدور فالجمع مختار لا بد منه لما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية من التعلق و أما اختياره من الألوان البياض فلأن الملونات كلها تستحيل إليه و لا يستحيل إليها بل بياضيته كامنة فيه مستورة لحجاب اللون الذي يظهر في العينمن سواد و حمرة و صفرة و غير ذلك فمنه ما يكون لونا قائما بالمحل و منه ما يكون لونا في ناظر العين و ليس كذلك في نفس المتلون كسواد الجبال البيض على البعد فإذا جئتها رأيتها بيضا و قد كنت تحكم عليها بالسواد و أنت غالط في ذلك الحكم و صحيح في ظهور السواد به مصيب و الكيفية في ذلك مجهولة و بهذه المثابة زرقة السماء إنما هي لنظر العين و إن كانت في نفسها على لون يخالف الزرقة و أما اختياره من الملائكة الروح لأنه المنفوخ فيه في كل صورة ملكية و فلكية و عنصرية و مادية و طبيعية و بها حياة الأشياء و هو الروح المضاف إليه و هو نفس الرحمن الذي يكون عنه الحياة و الحياة نعيم و النعيم ملتذ به و الالتذاذ بحسب المزاج كما قلنا في مزاج المقرور يتنعم بما به يتعذب المحرور فافهم و يكفيك تنبيه الشارع لو كنت تفهم بأن للنار أهلا هم أهلها و للجنة أهلا هم أهلها و ذكر في أهل النار أنهم لا يموتون فيها و لا يحيون فهم يطلبون النعيم بالنار لوجود البرد و هذا من حكم المزاج و أما اختياره البراق من المراكب لكونه مركب المعارج فجمع بين ذوات الأربع و ذوات الجناح فهو علوي سفلي كبعض الحيوانات بري بحري و أما اختياره دعاء يوم عرفة فإنه دعاء في حال تجريد و ذلة و خضوع في موطن معرفة ليوم زماني لما فيه من الجمع بين الليل و النهار و أما اختياره قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فلأنها مخصوصة به ليس فيها ذكر كون من الأكوان إلا أحدية كل أحد إنها لا تشبه أحديته تعالى خاصة و في إتيانها في هذه السورة علم غريب لمن فتح الله به عليه فإنه افتتح السورة بأحديته و ختمها بأحدية المخلوقين فاعلم أن الكائنات مرتبطة به ارتباط الآخر بالأول لا ارتباط الأول بالآخر فإن الآخر يطلب الأول و الأول لا يطلب الآخر فهو الغني عن العالمين من ذاته و يطلب الآخر من مسمى الله المنعوت بالأحدية فهذا قد نبهتك على مأخذ هذا العلم الذي تحويه هذه السورة بالأحدية المتأخرة التي هي مع ارتباطها بالأول لا تماثلها لكونها تطلبه و لا يطلبها أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ و أما اختياره من الآي آية الكرسي الآيات العلامات و لا شيء أدل على الشيء من نفسه و هذه آية الكرسي كلها أسماؤه أو صفته لا يوجد ذلك في غيرها من الآيات فدل على نفسه بنفسه الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فنفى و أثبت بضمير غائب على اسم حاضر له مسمى غيب الْحَيُّ صفة شرطية في وجود ما له من الأسماء الْقَيُّومُ على كل ما سواه بما كسب فإنه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ صفة تنزيه عما يناقض حفظ العالم الذي لو لا قيوميته ما بقي لحظة واحدة الله الضمير يعود عليه و هو ضمير غيب ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ ملكا له و عبدا معين الحفظ لبقاء الحكم بالألوهة من ذَا الَّذِي يَشْفَعُ شفعية الوتر بالحكم عِنْدَهُ ضمير غيب إِلَّا بِإِذْنِهِ عدم الاستقلال بالحكم دونه فلا بد من إذنه إذ كان ثم شفيع أو شفعاء يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ من الشفعاء و المشفوع فيهم يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ و هو ما هم فيه وَ ما خَلْفَهُمْ و هو ما يؤولون إليه وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ بالأشياء إِلَّا بِما شاءَ منها لا بكلها وَسِعَ كُرْسِيُّهُ علمه السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ العلو و السفل وَ لا يَؤُدُهُ يثقله حِفْظُهُما لأنه حفظ ذاتي معنوي و إمداد غيبي و خلق دائم في سفل و علو وَ هُوَ ضمير غيب الْعَلِيُّ بغناه عن خلقه من ذاته الْعَظِيمُ في قلوب العارفين بجلاله فله الهيبة فيها فهي آية ذكر الله فيها ما بين اسم ظاهر و مضمر في ستة عشر موضعا من هذه الآية لا تجد ذلك في غيرها من الآيات منها خمسة أسماء ظاهرة الله الحي القيوم العلي العظيم و منها تسعة ضميرها ظاهر فهي مضمرة في الظاهر و منها اثنان مضمران في الباطن لا عين لها في الظاهر و هما ضمير العلم و المشيئة و كذلك علمه و مشيئته لا يعلمها إلا هو فلا يعلم أحد ما في علمه و لا ما في مشيئته إلا بعد ظهور المعلوم بوقوع المراد لا غير فلذلك لم يظهر الضمير فيها و أما اختياره يس من القرآن فلأنها قلب القرآن و من قرأها كان كمن قرأ القرآن عشر مرات و القلب أشرف ما في الصورة الصادية كذلك السورة السينية و هي المنزلة و لها من الأبراج بيت شرف الشمس و هو برج الأولية زمان الربيع إقبال النشء و ظهور البدء و ابتداء زينة عالم الطبيعة و تلطيف بخارات الأنفاس التي كثفها زمان الشتاء لبرودة الجو كان يعطي الجمد في البخارات الخارجة من المتنفسين عند ما تخرج يكثفها ثم يردها ما و هو ما تجد في يديك إذا تنفست فيه في زمان الشتاء من النداوة و له الشئون الإلهية التي لا يزال في كل نفس فيها جل جلاله و أما اختياره من الكلام القرآن و هو الذي له صفة الجمع و في الجمع عين الفرقان إذ الجمع دليل الكثرة و الكثرة آحاد فهي عين الافتراق في عين الجمع فهو الفرقان القرآن و أما اختياره لا إله إلا الله فإنه ذكر عم النفي و الإثبات و ليس ذلك لغيره من الأذكار و أما اختياره الرضي من الأحوال فإنه آخر ما يكون من الحق لأهل السعادة من البشرى فلا بشرى بعدها فإنها بشرى تصحب الأبد كما ورد في الخبر و هي بشرى بعد رجوع الناس من الرؤية لا بل هي من الله لهم في الكثيب عند الرؤية في الزور الأعظم و أما اختياره الجنة فإنها دار بقاء السعادة و النظر الساترة لأهلها عن كل مكروه يكون في الدار التي تقابلها و ما يعطيه سلطان أسماء الانتقام و أما اختياره الرؤية فإنها غاية البصر فاللذة البصرية لا تشبهها لذة فإنها عين اليقين في المعبود و أما اختياره من الأعداد التسعة و التسعين فلأنها وتر الأسماء الجامع بين الآحاد و العقد إن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة بمجرد الإحصاء حفظا و لفظا و إحاطة فإن الله وتر يحب الوتر و أما اختياره الفرائض فلأن نتيجتها أن يكون العبد نعت الحق سمعه و بصره فإن حب النوافل يعطى أن يكون الحق سمع العبد و بصره و النفل لا يكون إلا في الدرجة النازلة عن الفرض فالفرض له الأولية و لا ينزل الحق إلى أن يكون سمعا للعبد كما قال بما يقتضيه من الجلال فلا بد أن ينزل الله بصفته و هو كون العبد صفة الحق للصورة التي خلق عليها فهي مقتطعة من الصورة الإلهية كما هي الرحم شجنة من الرحمن و الفرض القطع فإذا أداه ظهر له في ذلك أنه صفة للحق فإذا تنفل كان صفة الحق له فتميز الفرض من النفل و كانت الدرجة العليا للفرض و لو لا ما أعطى الفرض ذلك ما ثبت أن يقول جعت فلم تطعمني و أنا أشد شوقا إلى لقاء عبدي يريد إياي فإنه أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ و ما ترددت في شيء أنا فاعله و أمثال هذا من الإخبارات الإلهية و أما اختياره ليلة القدر فإن الأمور لا تتميز إلا بأقدارها عند الحق و الحق غيب فاختص القدر بالليلة لأن الليل ستر كما يستر الغيب و أما اختياره من الأيام يوم الجمعة لأن فيه ظهرت الصورتان و جعل الله ذلك اليوم للصور و هو الشهر الخامس لمسقط النطفة و هو يوم مؤنث له الزينة و تمام الخلق و اختار الله فيه ساعة من ساعاته هي كالنكتة في المرآة و هو موضع صورة المتجلي من مرآة اليوم فيرى فيها نفسه و على الصورة الظاهرة بين المرآة و الناظر فيها يقع الخطاب و التكليف و بها تحدث أسماء الإشارات من ذا و ذان و تا و تان و أولاء و أسماء الضمائر مثل هو و هي و هما و هم و هن و ك و ك و كما و كم و كن و أنت و أنت و أنتما و أنتم و أنتن و ياء ضمير المتكلم المؤثرة في آنيته إن لم تحفظها نون الوقاية و لا بد لها من تأثير إما في الآنية أو في نون الوقاية لا بد لها من ذلك و لهذا نون الوقاية له الفتوة و الإيثار من عالم الحروف و لهذا سميت نون الوقاية فلها منزلة لكاف من قوله أعوذ بك و لنا فيها
و أما اختياره الثلاثة القرون على الترتيب فإن الأول من ذلك لظهور كمال محمد ص غيبا و شهادة فسن الشريعة بنفسه و نسخ ما كان سنة نوابه بوجوده و قرر منه ما قرر و أقر الايمان بجميعه ما نسخ منه و ما لم ينسخ و هذا هو القرن الأول ثم اثنان بعده و الكل أهل فتح و ظهور بمنزلة الثلاث الغرر من كل شهر يقول ص يغز و فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى رسول الله ص فيقولون نعم فيفتح لهم و هذا هو القرن الأول ثم يغز و فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى رسول الله ص فيقولون نعم فيفتح لهم و هذا هو القرن الثاني ثم يغز و فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله ص فيقولون نعم فيفتح لهم و هذا هو القرن الثالث و ما زاد ص على هذا و ذلك أنه ما ثم سوى الحضرة الإلهية و هي عبارة عن الذات و الصفات و الأفعال فهذا معنى خير القرون فبعناية القرن الأول فتح للجميع و هي ذات رسول الله ص فأعطت قوة نوره و سلطان ظهوره الفتح الإلهي لمن رآه أو رأى من رآه أو رأى من رأى من رآه فهو قوله خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم و إنما شبهناهم بالثلاث الغرر من الشهر و جعلنا زمان دعوته مشبهة بالشهر لأنهم اختلفوا في القرن ما قدره من الزمان فمن جملة أقوالهم أن القرنثلاثون سنة فلهذا أنزلنا الثلاثة القرون من زمان دعوته إلى يوم القيامة منزلة شهر و جعلنا الثلاثة القرون كالثلاث الغرر منه و أما اختياره الصوم فإن النبي ص قال لشخص سأله عليك بالصوم فإنه لا مثل له فنفى المثلية عن الصوم فأشبه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و قال الصوم لي و جعل جميع العبادات كلها للإنسان إذ كان الصوم صفة تنزيه و لا ينبغي التنزيه إلا له تعالى و أما اختياره من الشهور شهر رمضان فلمشاركته في الاسم فإن رمضان من الأسماء الإلهية فتعينت له حرمة ما هي لسائر شهور السنة و جعله من الشهور القمرية حتى تعم بركته جميع شهور السنة فيظهر في كل شهر من شهور السنة فيحصل لكل يوم من أيام السنة حظ منه فإن أفضل الشهور عندنا شهر رمضان ثم شهر ربيع الأول ثم شهر رجب ثم شعبان ثم ذو الحجة ثم شوال ثم ذو القعدة ثم المحرم و إلى هنا انتهى علمي في فضيلة الشهور القمرية و أبهم على ترتيب الفضل فيما بقي من شهور السنة القمرية و ذلك شهر صفر و ربيع الآخر و جمادى الأولى و جمادى الآخرة ما عندي علم بترتيب الفضلية في هؤلاء أو هي متساوية في الفضل و هو الغالب على ظني فإنه أظهر ذلك و ما تحققته فلم يتمكن لي أن أقول ما ليس لي به علم و أما اختياره من الأركان ركن الماء لأنه من الماء جعل كل شيء حي حتى العرش لما خلقه ما كان الأعلى الماء فسرت الحياة فيه منه فهو الركن الأعظم كما قال الحج عرفة و إن كان سبب الحياة أشياء معه و لكنه الركن الأعظم من تلك الأشياء و أما اختياره من الأفلاك العرش لأن له الإحاطة بجميع الأجسام و الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و له الأولية في الأفلاك فما تحتها فهو الأول المحيط فاختاره للاستواء لما بين الصفتين فإن كان العرش الملك فأحرى أن يكون هو من غير اختيار لأنه ما ثم إلا الله و ملكه و كل شيء ما سواه ملكه و قد ورد تمييزه عن غيره فتعين أن يكون مختارا للأولية و الإحاطة لأن السموات و الأرض في جوف الكرسي كحلقة في فلاة و الكرسي في جوف العرش كحلقة في فلاة و اختار من العباد الملائكة فإنهم مخلوقون من النور فأجسامهم نورية بالأصالة فهم أقرب نسبة من سائر المخلوقات إلى النور الإلهي و لذلك كان رسول الله ص يدعو أن يجعله الله نورا لما يعرف من ظلمة الطبيعة و اختار من الأينيات العماء فكان له قبل خلق الخلق و منه خلق الملائكة المهيمة فهيمها في جلاله ثم خلق الخلق فشغلهم هيمانهم في جلال جماله أن يروا سواه فهم الذين لا يعرفون أن الله خلق أحدا ما أشرفها من حالة فجعل العماء أينية له و العرش مستوي له و السماء الدنيا لنزوله و الأرض لمعيته فهو معنا أينما كنا و اختار من الناس الرسل ليبلغوا عن الله ما هو الأمر عليه فإنه ما أخرجهم إلا للعلم به لأنه أحب أن يعرف فتعرف إليهم بالرسل بما بعثهم به من كتب و صحف فعرفوه معرفة ذاتية كما عرفوه بالعقول التي خلق لهم و أعطاها قوة النظر الفكري فعرفوه بالدلائل و البراهين معرفة وجودية سلبية لم يكن في قوة العقل في استقلاله أكثر من هذا ثم بعد ذلك جاءت الرسل من بعده بمعرفة ذاتية فعبد الخلق الإله الذي تعرف إليهم بشرعه إذ العقل لا يعطي عملا من الأعمال و لا قربة من القرب و لا صفة ذاتية ثبوتية للحق و ما حظ العقل من الشرع مما يستقل به دليله إلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على زيادة الكاف لا على إثباتها صفة فاختار الرسل لتبليغ ما لا يستقل العقل بإدراكه من العلم بذاته و بما يقرب إليه من الأعمال و التروك و النسب و اختار من الأسماء الاسم الله فأقامه في الكلمات مقامه فهو الاسم الذي ينعت و لا ينعت به فجميع الأسماء نعته و هو لا يكون نعتا و لهذا يتكلف فيه الاشتقاق فهو اسم جامد علم موضوع للذات في عالم الكلمات و الحروف لم يتسم به غيره جل و علا فعصمه من الاشتراك كما دل أن لا يكون ثم إله غيره فهذا قد ذكرنا من الاختيارات الإلهية ما يخرج مخرج التنبيه للعقول الغافلة عما دعيت إليه من الاعتبار و الإستبصار و لم نستوف الأمر حده لأنا ما نعرف بطريق الإحاطة تفصيل ما خلق الله من الموجودات و إن كنا نقدر بما أقدرنا الله على حصر الموجودات فيدخل في ذلك كل شيء و نحن ما تصدينا في هذا إلا لمعرفة آحاد ما اختاره و اصطفاه من كل نوع نوع من المخلوقات المحصورة في الوجود القائمة بنفسها و المتحيزة و غير المتحيزة من القائمة بنفسها و غير القائمة بنفسها و النوع الذي لا يقبل التحيز إلا بالتبعية و ما تألف من ذلك و ما لم يتألف و انحصرت أقسام العالم و الموجودات فيما ذكرناه و ثم تفصيل نسبي يمكن أن يستقل به العقل و هي مفاضلة الأشياء بعضها على بعض بتميز مراتبها و انفعال بعضها على بعض و تأثير بعضها في بعض و توقف بعضها على بعض و لكن مفاضلة القرب الإلهي بطريق العناية بهم لا بما تعطيه حقائقهم لا يكونذلك إلا بتعريف الله إيانا بما يعطيه في قلوبنا من علوم الإلهام أو بما يبلغنا من ذلك في الكتب المنزلة و الإخبارات النبوية و أما طريق آخر غير ذلك فما هو ثم فالسنن الدلالات العقلية لأنها طرق و الفرائض هي التعريفات الشرعية بما هو الحق تعالى عليه بالنسبة إليه و بالنسبة إلى خلقه فاعبدوا الله عباد الله على النعت الذي وصف به نفسه في كتابه أو على لسان ألسنة رسله من غير زيادة و لا نقصان و لا تأويل يؤدي إلى تطفيف أو رجحان بل سلم إليه جل جلاله ما وصف به نفسه و إن استحال أو تناقض فذلك لقصورنا و جهلنا بما هو الأمر عليه و قد وفينا ما أعطته القوة العقلية النظرية من العلم في وجوده و بصدق المبلغين عنه تعالى ما أنزله على عبيده قلنا القبول من غير اعتراض و لو تناقض الأمر و استحال فما هو للعقل مجهول بالذات كيف يدخله فيما يرجع إلى ذاته في وجوب أو جواز أو استحالة فلا يتعدى العقل حده و يسلم إليه سبحانه ما أنزله و عرفنا به مما هو عليه فإن الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ فلنا الايمان به و بما جاء من عنده على علمه في ذلك في كتاب و على لسان رسول و الله يوفقنا للوقوف عند ذلك فإنه لا يهلك على الله إلا هالك انتهى الجزء الخامس و التسعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)